وكذلك قام بالنكير على أجلاف البوادي، وأمراء القرى والنواحي، فيما يتجاسرون عليه ويفعلونه من قطع السبيل، وسفك الدماء، ونهب الأموال المعصومة، حتى ظهر العدل واستقر، وفشا الدين واستمر، والتزمه كل من كانت عليه الولاية، من البلاد النجدية وغيرها، والحمد لله على ذلك ; والتذكير بهذا يدخل فيما امتن الله به على المؤمنين، وذكرهم به من بعث الأنبياء والرسل.
ومدار العبادة والتوحيد على ركنين عظيمين، هما: الحب، والتعظيم؛ وبمشاهدة النعمة يحصل ذلك، ويخبت القلب لطاعة من أنعم بها عليه، وكلما ازداد العبد علما بذلك، ومعرفة لحقيقة النعمة ومقدارها ازداد طاعة، ومحبة، وإنابة، وإخباتا، وتوكلا، ولذلك يذكر تعالى عباده بنعمه، الخاصة والعامة، وآلائه الظاهرة والباطنة، ويحث على التفكر في ذلك والتذكر; وأن يعقل العبد عن ربه، فيقوم بشكره، ويؤدي حقه.
ومبنى الشكر على ثلاثة أركان: معرفة النعمة وقدرها، والثناء بها على مسديها، واستعمالها في ما يحب موليها ومعطيها. فمن كملت له هذه الثلاثة، فقد استكمل الشكر، وكلما نقص العبد منها شيئا، فهو نقص في إيمانه وشكره، وقد لا يبقى من الشكر ما يعتد به ويثاب عليه.
والمقصود: أن الذكرى فيها من المصالح الدينية،
стр. 457
والشعب الإيمانية، ما هو أصل كل فلاح وخير، وبدأ في هذه الآية بأعظم النعم، وأجلها على الإطلاق، وهو: جعله الأنبياء فيهم، يخبرونهم عن الله، بما يحصل لهم به السعادة الكبرى، والمنة الجليلة العظمى؛ وكل خير حصل في الأرض من ذلك، فأصله مأخوذ عن الرسل والأنبياء، إذ هم الأئمة الدعاة الأمناء، وأهل العلم عليهم البلاغ، ونقل ذلك إلى الأمة، فإنهم واسطة في إبلاغ العلم، ونقله.
وأما قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ [سورة المائدة آية: ٢٠] ، فهذه نعمة جليلة يجب شكرها، وتتعين رعايتها، فإنها من أفضل النعم، وأجلها. والشكر قيد النعمة، إن شكرت قرت; وإن كفرت فرت. ولم تحصل هذه النعمة، إلا باتباع الأنبياء، وطاعة الرسل، فإن بني إسرائيل إنما صاروا ملوك الأرض بعد فرعون وقومه، باتباع موسى، وطاعة الله ورسوله، والصبر على ذلك، قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٧] .
وقد حصل باتباع محمد ﷺ لمن آمن به من العرب، الأميين وغيرهم من أجناس الآدميين، من الملك وميراث الأرض، فوق ما حصل لبني إسرائيل، فإنهم ملكوا الدنيا، من أقصى المغرب، إلى أقصى المشرق ; وحملت إليهم كنوز كسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم، وصارت بلادهم، وبلاد المغرب والمشرق، ولاية
стр. 458
لهم، ورعية تنفذ فيها أحكامهم، ويجبى إليهم خراجها.
ومكثوا على ذلك ظاهرين، قاهرين لما سواهم من الأمم، حتى وقع فيهم ما وقع في بني إسرائيل، من الخروج عن اتباع الأنبياء، وترك سياستهم، والانهماك في أهوائهم وشهواتهم، فجاء الخلل، وسلط العدو، وتشتت الناس، وتفرقت الكلمة، وصارت الدولة الإسلامية يسوسها في كثير من البلاد، في أوقات كثير من الملوك: أهل النفاق، والزندقة، والكفر، والإلحاد، والذين لا يبالون بسياسات الأنبياء، وما جاؤوا به من عند الله، وربما قصدوا معاكستهم ; فذهب الملك بذلك، وضاعت الأمانة، وفشا الظلم والخيانة، وصار بأسهم بينهم، وسلط عليهم العدو، وأخذ كثيرا من البلاد، ولم يقنع منهم إبليس عدو الله بهذا، حتى أوقع كثيرا منهم في البدع والشرك، وسعى في محو الإسلام بالكلية.
وكلما بعد عهد الناس بالعلم وآثار الرسالة، ونقص تمسكهم بعهود أنبيائهم، تمكن الشيطان من مراده في أديانهم ونحلهم واعتقاداتهم، ولكن من رحمة الله ومنته أن جعل في هذه الأمة بقية، وطائفة على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. وكلما حصل لهذه الطائفة قوة وسلطان، في جهة، أو بلد، حصل من الملك والعز والظهور لهم، بقدر تمسكهم بما جاء به محمد ﷺ .
стр. 459
ولذلك صار لشيخنا، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ﵀، ولطائفة من أنصاره، من الملك والظهور، والنصر، بحسب نصيبهم، وحظهم من متابعة نبيهم ﷺ والتمسك بدينه، فقهروا جمهور العرب، من الشام إلى عمان، ومن الحيرة إلى اليمن، وكلما كان أتباعهم وأنصارهم أقوى تمسكا، كانوا أعز وأظهر، وربما نال منهم العدو، وحصل عليهم من المصائب، ما تقتضيه الذنوب والمخالفة، والخروج عن متابعة نبيهم، وما يعفو الله عنه من ذلك، أكثر وأعظم.
والمقصود: أن كل خير، ونصر وعز، وسرور، حصل، فهو بسبب متابعة الرسول ﷺ وتقديم أمره في الفروع والأصول; وقد منّ الله عليكم في هذه الأوقات، بما لم يعطه سواكم في غالب البلاد والجهات; من النعم الدينية والدنيوية، والأمن في الأوطان، فاذكروا الله يذكركم، واشكروا نعمه يزدكم; و ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة التحريم آية: ٦] بمعرفة الله، ومحبته، وطاعته، وتعظيمه، وتعليم أصول الدين، وتعظيم ما جاء به الرسول ﷺ من الأمر والنهي، والتزامه، والمحافظة على توحيد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وترك الفواحش الباطنة والظاهرة، وسد الوسائل التي توقع في المحذور، وتفضي إلى ارتكاب
стр. 460
الآثام والشرور.
ويجمع ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٩٠] والله المسؤول أن يمنّ علينا وعليكم، بسلوك سبيله، وأن يجعلنا ممن عرف الهدى بدليله، وصلى الله على محمد.
(رسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى عبد العزيز الخطيب، وإنكاره تكفير المسلمين)
وله أيضا، قدس الله روحه، ونور ضريحه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى: عبد العزيز الخطيب. السلام على من اتبع الهدى، وعلى عباد الله الصالحين. وبعد: فقرأت رسالتك، وعرفت مضمونها، وما قصدته من الاعتذار، ولكن أسأت في قولك: أن ما أنكره شيخنا الوالد، من تكفيركم أهل الحق، واعتقاد إصابتكم، أنه لم يصدر منكم; وتذكر أن إخوانك من أهل النقيع يجادلونك، وينازعونك في شأننا، وأنهم ينسبوننا إلى السكوت عن بعض الأمور، وأنت تعرف أنهم يذكرون هذا غالبا، على سبيل القدح في العقيدة، والطعن في الطريقة، وإن لم يصرحوا بالتكفير، فقد حاموا حول الحمى، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ومن الغي عن
стр. 461
سبيل الرشد، والعمى.
وقد رأيت سنة أربع وستين، رجلين من أشباهكم، المارقين، بالأحساء، قد اعتزلا الجمعة والجماعة، وكفرا من في تلك البلاد من المسلمين، وحجتهم من جنس حجتكم، يقولون: أهل الأحساء يجالسون ابن فيروز، ويخالطونه، هو وأمثاله، ممن لم يكفر بالطاغوت، ولم يصرح بتكفير جده، الذي رد دعوة الشيخ محمد، ولم يقبلها، وعاداها.
قالا: ومن لم يصرح بكفره، فهو كافر بالله، لم يكفر بالطاغوت ; ومن جالسه، فهو مثله ; ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين، ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام، حتى تركوا رد السلام، فرفع إلي أمرهم، فأحضرتهم، وتهددتهم، وأغلظت لهم القول; فزعموا أولا: أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأن رسائله عندهم، فكشفت شبهتهم، وأدحضت ضلالتهم، بما حضرني في المجلس.
وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها، بعد قيام الحجة، وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبد الصالحين، ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادا له، فيما يستحقه على
стр. 462
خلقه، من العبادات، والإلهية، وهذا مجمع عليه أهل العلم والإيمان، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة، يفردون هذه المسألة بباب عظيم، يذكرون فيه حكمها، وما يوجب الردة ويقتضيها، وينصون على الشرك ; وقد أفرد ابن حجر هذه المسألة، بكتاب سماه: الإعلام بقواطع الإسلام.
وقد أظهر الفارسيان المذكوران، التوبة والندم، وزعما أن الحق ظهر لهما، ثم لحقا بالساحل، وعادا إلى تلك المقالة، وبلغنا عنهم تكفير أئمة المسلمين، بمكاتبة الملوك المصريين، بل كفروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين، نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، والحور بعد الكور.
وقد بلغنا عنكم نحو من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعاداة، والمصالحة والمكاتبات، وبذل الأموال والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي، ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزق الفهم عن الله، وأوتي الحكمة وفصل الخطاب.
والكلام في هذا يتوقف على معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة كلية، لا يجوز الكلام في هذا الباب، وفي
стр. 463
غيره، لمن جهلها، وأعرض عنها وعن تفاصيلها، فإن الإجمال والإطلاق، وعدم العلم، بمعرفة مواقع الخطاب، وتفاصيله، يحصل به من اللبس، والخطأ، وعدم الفقه عن الله، ما يفسد الأديان، ويشتت الأذهان، ويحول بينها، وبين فهم السنة والقرآن، قال: ابن القيم، في كافيته، رحمه الله تعالى:
فعليك بالتفصيل والتبيين فال ... إطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطاال ... أذهان والآراء كل زمان
وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها، من مكفرات أهل الإسلام فهذا مذهب الحرورية المارقين، الخارجين على علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة، فإنهم أنكروا عليه تحكيم أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهل الشام، فأنكرت الخوارج عليه ذلك، وهم في الأصل من أصحابه، من قراء الكوفة والبصرة، وقالوا: حكمت الرجال في دين الله، وواليت معاوية، وعمرا، وتوليتهما، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٧] وضربت المدة بينك وبينهم، وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة، منذ أنزلت براءة.
وطال بينهما النّزاع والخصام، حتى أغاروا على سرح المسلمين، وقتلوا من ظفروا به من أصحاب علي، فحينئذ
стр. 464
شمر ﵁ لقتالهم، وقتلهم دون النهروان، بعد الإعذار والإنذار، والتمس: "المخدج" المنعوت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره من أهل السنن، فوجده علي، فسر بذلك، وسجد لله شكرا على توفيقه، وقال: " لو يعلم الذي يقاتلونهم، ماذا لهم على لسان محمد ﷺ لنكلوا عن العمل"، هذا: وهم أكثر الناس عبادة، وصلاة، وصوما.
فصل: (بعض الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة مثل الظلم قد يراد بها مسماها المطلق)
ولفظ الظلم والمعصية والفسوق، والفجور، والموالاة، والمعاداة، والركون، والشرك، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، قد يراد بها مسماها المطلق، وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول: هو الأصل عند الأصوليين، والثاني: لا يحمل الكلام عليه، إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي، وتفسير السنة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٤] الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة آية: ٤٣-٤٤] ، وكذلك اسم المؤمن، والبر، والتقى، يراد بها عند الإطلاق والثناء، غير المعنى المراد في مقام الأمر والنهي، ألا ترى أن الزاني، والسارق، والشارب،
стр. 465
ونحوهم، يدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [سورة المائدة آية: ٦] الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [سورة الأحزاب آية: ٦٩] الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١٠٦] ولا يدخلون في مثل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [سورة الحجرات آية: ١٥] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [سورة الحديد آية: ١٩] .
وهذا هو الذي أوجب للسلف ترك تسمية الفاسق باسم الإيمان والبر، وفي الحديث: " لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر، حين يشربها، وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم فيها، وهو مؤمن " ١، وقوله: " لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه " ٢ لكن نفي الإيمان هنا، لا يدل على كفره، بل يطلق عليه اسم الإيمان، ولا يكون كمن كفر بالله ورسله؛ وهذا هو الذي فهمه السلف، وقرروه في باب الرد، على الخوارج، والمرجئة، ونحوهم، من أهل الأهواء; فافهم هذا، فإنه مضلة أفهام، ومزلة أقدام.
وأما إلحاق الوعيد المرتب على بعض الذنوب والكبائر فقد يمنع منه مانع، في حق المعين، كحب الله ورسوله، والجهاد في سبيله، ورجحان الحسنات، ومغفرة الله ورحمته، وشفاعة المؤمنين، والمصائب المكفرة، في الدور
стр. 466
الثلاثة، ولذلك، لا يشهدون لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار، وإن أطلقوا الوعيد كما أطلقه القرآن والسنة، فهم يفرقون بين العام المطلق، والخاص المقيد; وكان عبد الله حمار١ يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله ﷺ ، فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتى به إلى رسول الله ﷺ . فقال النبي ﷺ : " لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله " مع أنه لعن الخمر، وشاربها، وبائعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه.
وتأمل قصة حاطب بن أبي بلتعة، وما فيها من الفوائد، فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه أنه كتب بسر رسول الله ﷺ إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بشأن رسول الله ﷺ ومسيره لجهادهم، ليتخذ بذلك يدا عندهم، تحمي أهله وماله بمكة، فنَزل الوحي بخبره، وكان قد أعطى الكتاب ظعينة جعلته في شعرها، فأرسل رسول الله ﷺ عليا والزبير في طلب الظعينة، وأخبرهما أنهما يجدانها في روضة خاخ، فكان ذلك، وتهدداها، حتى أخرجت الكتاب من ضفائرها، فأتى به رسول الله ﷺ .
" فدعا حاطب بن أبي بلتعة، فقال له: ما هذا؟ فقال: يا رسول الله، إني لم أكفر بعد إيماني، ولم أفعل هذا
стр. 467
رغبة عن الإسلام، وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد، أحمى بها أهلي ومالي، فقال ﷺ : صدقكم، خلوا سبيله واستأذن عمر في قتله، فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: وما يدريك، أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم؟ " وأنزل الله في ذلك صدر سورة الممتحنة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة الممتحنة آية: ١] الآيات.
فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب الدال على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل، لكن قوله: " صدقكم، خلوا سبيله" ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، إذا كان مؤمنا بالله ورسوله، غير شاك، ولا مرتاب; وإنما فعل ذلك، لغرض دنيوي، ولو كفر، لما قال: " خلوا سبيله".
ولا يقال، قوله ﷺ : " ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم " هو المانع من تكفيره، لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنع من لحاق الكفر وأحكامه; فإن الكفر يهدم ما قبله، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [سورة المائدة آية: ٥] وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية:
стр. 468
٨٨] .
والكفر، محبط للحسنات والإيمان، بالإجماع، فلا يظن هذا.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] ، وقوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٧] فقد فسرته السنة وقيدته، وخصته بالموالاة المطلقة العامة.
وأصل الموالاة هو: الحب، والنصرة، والصداقة، ودون ذلك مراتب متعددة; ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم; وهذا عند السلف، الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين، معروف في هذا الباب وفي غيره; وإنما أشكل الأمر وخفيت المعاني، والتبست الأحكام على خلوف من العجم، والمولدين الذين لا دراية لهم بهذا الشأن، ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن.
ولهذا قال الحسن ﵁: من العجمة أتوا; وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد، لما ناظره في مسألة: خلود أهل الكبائر في النار، واحتج ابن عبيد: أن هذا وعد والله لا يخلف وعده; يشير إلى ما في القرآن، من الوعيد على بعض الكبائر والذنوب بالنار، والخلود; فقال له ابن
стр. 469
العلاء: من العجمة أتيت; هذا وعيد لا وعد، وأنشد قول الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وقال: بعض الأئمة فيما نقل البخاري أو غيره: إن من سعادة الأعجمي والعربي، إذا أسلما، أن يوفقا لصاحب سنة; وإن من شقاوتهما: أن يمتحنا، وييسرا لصاحب هوى وبدعة.
ونضرب لك مثلا، هو: أن رجلين تنازعا في آيات من كتاب الله، أحدهما خارجي، والآخر مرجئ; قال الخارجي: إن قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٢٧] دليل على حبوط أعمال العصاة والفجار، وبطلانها; إذ لا قائل: إنهم من عباد الله المتقين; قال المرجئ: هي في الشرك، فكل من اتقى الشرك يقبل منه عمله، لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٠] . قال الخارجي: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٣] يرد ما ذهبت إليه.
قال المرجئ: المعصية هنا: الشرك بالله، واتخاذ الأنداد معه، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] . قال الخارجي: قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً﴾ [سورة السجدة آية: ١٨] دليل
стр. 470
على أن الفساق من أهل النار الخالدين فيها. قال له المرجئ: قوله في آخر الآية: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة السجدة آية: ٢٠] دليل على أن المراد من كذب الله ورسوله، والفاسق من أهل القبلة، مؤمن كامل الإيمان.
ومن وقف على هذه المناظرة، من جهال الطلبة، والأعاجم، ظن أنها الغاية المقصودة، وعض عليها بالنواجذ، مع أن كلا القولين لا يرتضى، ولا يحكم بإصابته أهل العلم والهدى، وما عند السلف والراسخين في العلم خلاف هذا كله، لأن الرجوع إلى السنة المبينة للناس ما نزل إليهم واجب، وأما أهل البدع والأهواء، فيستغنون عنها بآرائهم، وأهوائهم، وأذواقهم.
وقد بلغني: أنكم تأولتم، قوله تعالى في سورة محمد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ [سورة محمد آية: ٢٦] على بعض ما يجري من أمراء الوقت، من مكاتبة، أو مصالحة، أو هدنة، لبعض رؤساء الضالين، والملوك المشركين، ولم تنظروا لأول الآية، وهي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [سورة محمد آية: ٢٥] ولم تفقهوا المراد من هذه الطاعة، ولا المراد من الأمر المعروف، المذكور في هذه الآية الكريمة، وفي قصة صلح الحديبية، وما طلبه المشركون واشترطوه،
стр. 471
وأجابهم إليه رسول الله ﷺ ما يكفي في رد مفهومكم، ودحض أباطيلكم.
فصل: (السنة والأحاديث النبوية هي المبينة للأحكام القرآنية)
وهنا أصول;
أحدها: أن السنة والأحاديث النبوية، هي المبينة للأحكام القرآنية وما يراد من النصوص الواردة في كتاب الله، في باب معرفة حدود ما أنزل الله، كمعرفة المؤمن، والكافر، والمشرك، والموحد، والفاجر، والبر، والظالم، والتقي، وما يراد بالموالاة، والتولي، ونحو ذلك من الحدود، كما أنها المبينة لما يراد من الأمر بالصلاة، على الوجه المراد في عددها، وأركانها، وشروطها، وواجباتها; وكذلك الزكاة، فإنه لم يظهر المراد من الآيات الموجبة، ومعرفة النصاب، والأجناس التي تجب فيها، من الأنعام، والثمار، والنقود، ووقت الوجوب، واشتراط الحول في بعضها، ومقدار ما يجب في النصاب، وصفته، إلا ببيان السنة وتفسيرها.
وكذلك الصوم والحج، جاءت السنة ببيانهما، وحدودهما، وشروطهما، ومفسداتهما، ونحو ذلك مما توقف بيانه على السنة; وكذلك أبواب الربا، وجنسه، ونوعه، وما يجري فيه، وما لا يجري، والفرق بينه وبين البيع الشرعي; وكل هذا البيان أخذ عن رسول الله ﷺ برواية الثقات العدول عن مثلهم، إلى أن تنتهي السنة إلى
стр. 472
رسول الله ﷺ فمن أهمل هذا وأضاعه، فقد سد على نفسه باب العلم والإيمان، ومعرفة معاني التنْزيل، والقرآن.
الأصل الثاني: أن الإيمان أصل، له شعب متعددة، كل شعبة منها تسمى إيمانا، فأعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، فمنها: ما يزول الإيمان بزواله إجماعا، كشعبة الشهادتين; ومنها: ما لا يزول بزواله إجماعا، كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبين هاتين الشعبتين شعب متفاوتة، منها: ما يلحق بشعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب، ومنها: ما يلحق بشعبة إماطة الأذى عن الطريق، ويكون إليها أقرب; والتسوية بين هذه الشعب في اجتماعها، مخالف للنصوص، وما كان عليه سلف الأمة، وأئمتها.
وكذلك الكفر أيضا، ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر; والمعاصي كلها من شعب الكفر; كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان، ولا يسوى بينهما في الأسماء والأحكام; وفرق بين من ترك الصلاة، أو الزكاة، أو الصيام، أو أشرك بالله، أو استهان بالمصحف، وبين من يسرق، ويزني، أو يشرب، أو ينهب، أو صدر منه نوع موالاة، كما جرى لحاطب; فمن سوى بين شعب الإيمان في الأسماء والأحكام، أو سوى بين شعب الكفر في ذلك، فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف
стр. 473
الأمة، داخل في عموم أهل البدع والأهواء.
الأصل الثالث: أن الإيمان مركب، من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو: اعتقاده; وقول اللسان، وهو: التكلم بكلمة الإسلام; والعمل قسمان: عمل القلب، وهو: قصده، واختياره، ومحبته، ورضاه، وتصديقه; وعمل الجوارح، كالصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة; فإذا زال تصديق القلب، ورضاه، ومحبته لله، وصدقه، زال الإيمان بالكلية; وإذا زال شيء من الأعمال، كالصلاة، والحج، والجهاد، مع بقاء تصديق القلب، وقبوله، فهذا محل خلاف، هل يزول الإيمان بالكلية، إذا ترك أحد الأركان الإسلامية، كالصلاة، والحج، والزكاة، والصيام، أو لا يزول؟ وهل يكفر تاركه أو لا يكفر؟ وهل يفرق بين الصلاة، وغيرها، أو لا يفرق؟
فأهل السنة مجمعون على أنه لا بد من عمل القلب، الذي هو: محبته، ورضاه، وانقياده; والمرجئة، تقول: يكفي التصديق فقط، ويكون به مؤمنا; والخلاف، في أعمال الجوارح، هل يكفر، أو لا يكفر؟ واقع بين أهل السنة; والمعروف عند السلف: تكفير من ترك أحد المباني الإسلامية، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج; والقول الثاني: أنه لا يكفر إلا من جحدها.
стр. 474
والثالث: الفرق بين الصلاة، وغيرها; وهذه الأقوال، معروفة.
وكذلك المعاصي والذنوب، التي هي فعل المحظورات، فرقوا فيها: بين ما يصادم أصل الإسلام، وينافيه، وما دون ذلك; وبين ما سماه الشارع كفرا، وما لم يسمه; هذا ما عليه أهل الأثر، المتمسكون بسنة رسول الله ﷺ وأدلة هذا مبسوطة في أماكنها.
الأصل الرابع: أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، وهو: أن يكفر بما علم أن الرسول ﷺ جاء به من عند الله جحودا وعنادا، من: أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، التي أصلها توحيده، وعبادته وحده لا شريك له; وهذا مضاد للإيمان من كل وجه. وأما كفر العمل فمنه ما يضاد الإيمان، كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي ﷺ وسبه; وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة، فهذا كفر عمل، لا كفر اعتقاد; وكذلك قوله ﷺ : " لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض " ١، وقوله: " من أتى كاهنا، فصدقه، أو امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٢ فهذا من الكفر العملي; وليس كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي ﷺ وسبه، وإن كان الكل، يطلق عليه الكفر.
وقد سمى الله سبحانه من عمل ببعض كتابه، وترك العمل ببعضه، مؤمنا بما عمل به، وكافرا بما ترك العمل به،
стр. 475
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٤] إلى قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٥] الآية، فأخبر تعالى: أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به; وأخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقا آخرين، وأخرجوهم من ديارهم، وهذا كفر بما أخذ عليهم; ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، وكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه.
فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي; والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي; وفي الحديث الصحيح: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " ١، ففرق بين سبابه، وقتاله، وجعل أحدهما فسوقا لا يكفر به، والآخر كفرا; ومعلوم: أنه إنما أراد الكفر العملي، لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية، كما لم يخرج الزاني، والسارق، والشارب، من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان.
وهذا التفصيل، قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام، والكفر، ولوازمهما; فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم; والمتأخرون لم يفهموا مرادهم، فانقسموا فريقين; فريق أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار; وفريق جعلوهم مؤمنين،
стр. 476
كاملي الإيمان; فأولئك غلوا، وهؤلاء جفوا; وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط، الذي هو في المذاهب، كالإسلام في الملل; فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم; فعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: " ليس هو الكفر الذي تذهبون إليه " رواه عنه سفيان، وعبد الرزاق; وفي رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة; " وعن عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق ".
وهذا بين في القرآن، لمن تأمله; فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا، وسمى الجاحد لما أنزل الله على رسوله كافرا، وليس الكفران على حد سواء؛ وسمى الكافر ظالما، في قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٤] ، وسمى من يتعدى حدوده، في النكاح، والطلاق، والرجعة، والخلع، ظالما، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [سورة الطلاق آية: ١] ، وقال يونس ﵇: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٨٧] ، وقال آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٣] وقال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [سورة النمل آية: ٤٤] ، وليس هذا الظلم، مثل ذلك الظلم; وسمى الكافر فاسقا، في قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٦] ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٩٩] وسمى
стр. 477
العاصي فاسقا، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [سورة الحجرات آية: ٦] ، وقال في الذين يرمون المحصنات: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور آية: ٤] ، وقال: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٧] ؛ وليس الفسوق، كالفسوق.
وكذلك الشرك، شركان; شرك: ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر; وشرك: لا ينقل عن الملة، وهو الشرك الأصغر، كشرك الرياء; وقال تعالى في الشرك الأكبر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [سورة الحج آية: ٣١] الآية، وقال تعالى، في شرك الرياء: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] . وفي الحديث: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " ١، وفي الحديث: " من حلف بغير الله، فقد أشرك " ٢، ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم الكفار; ومن هذا قوله ﷺ " الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل " ٣ فانظر: كيف انقسم الشرك، والكفر، والفسوق، والظلم، إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، وإلى ما لا ينقل عن الملة.
وكذلك النفاق، نفاقان; نفاق اعتقادي، ونفاق عملي; والنفاق الاعتقادي مذكور في القرآن، في غير
стр. 478
موضع، أوجب لهم تعالى به الدرك الأسفل من النار; والنفاق العملي، جاء في قوله ﷺ : " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا أؤتمن خان " ١، وكقوله ﷺ " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان " ٢ قال بعض الأفاضل: وهذا النفاق قد يجتمع مع أصل الإسلام، ولكن إذا استحكم وكمل، فقد ينسلخ صاحبه من الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم; فإن الإيمان ينهى عن هذه الخلال، فإذا كملت للعبد، ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقا خالصا، انتهى.
الأصل الخامس: أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد، أن يسمى مؤمنا، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر، أن يسمى كافرا، وإن كان ما قام به كفر، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه، أن يسمى عالما، أو طبيبا، أو فقيها; وأما الشعبة نفسها، فيطلق عليها اسم الكفر، كما في الحديث: " اثنتان في أمتي هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت " ٣، وحديث: " من حلف بغير الله فقد كفر " ٤، ولكنه لا يستحق اسم الكفر على الإطلاق.
فمن عرف هذا، عرف فقه السلف، وعمق علومهم،
стр. 479
وقلة تكلفهم; قال ابن مسعود: " من كان متأسيا، فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا. قوم: اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ; وقد كاد الشيطان بني آدم بمكيدتين عظيمتين، لا يبالي بأيهما ظفر; أحدهما: الغلو ومجاوزة الحد والإفراط. والثاني: هو الإعراض، والترك، والتفريط ".
قال ابن القيم: لما ذكر شيئا من مكائد الشيطان، قال بعض السلف: " ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط وتقصير; وإما إلى مجاوزة وغلو; ولا يبالي بأيها ظفر ". وقد اقتطع أكثر الناس إلا القليل، في هذين الواديين، وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدي; والقليل منهم الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه; وعد ﵀ كثيرا من هذا النوع - إلى أن قال -: وقصر بقوم، حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم، كإيمان جبريل وميكائيل، فضلا عن أبي بكر، وعمر; وتجاوز بآخرين، حتى أخرجوا من الإسلام، بالكبيرة الواحدة.
стр. 480
(رسالة كتبها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن على لسان الإمام فيصل إلى أهل البحرين)
وهذه رسالة كتبها: الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، على لسان الإمام: فيصل ﵀، إلى أهل البحرين، هذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم. من فيصل بن تركي، إلى الأخ الشيخ راشد بن عيسى، سلمه الله وهداه. السلام عليكم ورحمة وبركاته. وبعد: فالموجب لتحريره، ما بلغنا من ظهور: البدع في البحرين; بدعة الرافضة، وبدعة الجهمية، وذلك بسبب تقديم: حسن دعبوش، الرافضي، الجهمي، ونصبه قاضيا في البحرين. ومثلك ما يدخر النصح والتبيين لعيال خليفة، وغيرهم; وتعرف الحديث الصحيح: " أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطلب دم امرئ مسلم بغير حق، ليهريق دمه " ١ رواه ابن عباس.
وقد علمت أن الله أكرم نبيه محمدا ﷺ وخصه بصحبة خير خلقه، وخلاصة بريته; وقد أثنى الله على أصحاب نبيه في كتابه، ومدحهم بما هو حجة ظاهرة، على إبطال مذهب من عابهم، أو نال منهم وسبهم، كما هو مذهب الرافضة، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
стр. 481
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] الآية.
وقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ [سورة التوبة آية: ١١٧] الآية، وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [سورة آية: ١٨] ، وقد كانوا ألفا وأربعمائة، أولهم وأسبقهم إلى هذه البيعة: أبو بكر، وعمر; وعثمان بايع له النبي ﷺ مع غيبته، وهذا يدل على فضله، وثبات إيمانه ويقينه، وأن رسول الله ﷺ علم منه ذلك، واستقر عنده، ولذلك بايع له، فضرب بيمينه على شماله، وقال: هذه عن عثمان، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٠] : وهذا نص: أن الله رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار; وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وبلال، من أسبق الناس إلى الإيمان بالله ورسوله; وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [سورة آية: ١٠-١١] وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الفتح آية: ٢٩] الآية. وقد استدل بهذه الآية بعض أهل العلم، على كفر من اغتاظ وحنق، على أصحاب رسول الله ﷺ كالرافضة.
وقد نص الله تعالى، على إيمان أصحاب رسول الله ﷺ بقوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٢٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿لَقَد
стр. 482
مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٤] الآية.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [سورة التوبة آية: ١٢٢] ، وإنما عنى به أصحاب رسول الله ﷺ ففيه مدحهم، وتزكيتهم، وفضلهم، لأن اسم الإيمان، وإطلاقه في كتاب الله تعالى، يدل على ذلك; وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في خطابهم، وذلك في مواضع من كتابه.
والأحاديث الدالة على فضلهم وسابقتهم أكثر من أن تحصر، عموما وخصوصا، كقوله: فيما صح عنه ﷺ : " هل أنتم تاركو لي أصحابي؟ فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه " ١.
وقوله: " افترقت بنو إسرائيل، على إحدى وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه، وأصحابي " وقال: " آية الإيمان: حب الأنصار; وآية النفاق: بغض الأنصار " ٢، وقوله ﷺ " خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ٣، وقوله ﷺ " أكرموا أصحابي، فإنهم خياركم " وقوله: " يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من
стр. 483
الناس، فيقال لهم: أفيكم من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم; فيفتح لهم; ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم; فيفتح; زاد بعضهم: حتى يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب أصحاب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ " ١.
وقال أيضا: وأما أهل البدع، فمنهم: الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين على بن أبي طالب، رضي عنه، وقاتلوه; واستباحوا دماء المسلمين، وأموالهم، متأولين في ذلك; وأشهر أقوالهم: تكفيرهم بما دون الشرك من الذنوب، فهم يكفرون أهل الكبائر والمذنبين من هذه الأمة; وقد قاتلهم: علي بن أبي طالب ﵁ ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ .
وصحت فيهم الأحاديث، روى منها مسلم عشرة أحاديث، وفيها الأمر بقتالهم، وأنهم شر قتلى تحت أديم السماء، وخير القتلى من قتلوه، وأنهم يقاتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان; وفي الحديث: " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الإسلام، كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله " ٢.
ومن أهل البدع: الرافضة، الذين يتبرؤون من أبي بكر، وعمر; ويدعون موالاة أهل البيت، وهم أكذب
стр. 484
الخلق، وأضلهم، وأبعدهم عن موالاة أهل البيت، وعباد الله الصالحين; وزادوا في رفضهم، حتى سبوا أم المؤمنين، ﵂ وأكرمها; واستباحوا شتم أصحاب رسول الله ﷺ إلا نفرا يسيرا، وأضافوا إلى هذا: مذهب الغالية، الذين عبدوا المشائخ والأئمة، وعظموهم بعبادتهم، وصرفوا لهم ما يستحقه سبحانه ويختص به، من التأله، والتعظيم، والإنابة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، وغير ذلك من أنواع العبادات; وغلاتهم يرون أن عليا ينْزل في آخر الزمان; ومنهم من يقول: غلط الأمين، وكانت النبوة لعلي; وهم، جهمية في باب صفات الله; زنادقة، منافقون في باب أمره، وشرعه.
ومن أهل البدع: القدرية، الذين يكذبون بالقدر، وبما سبق في أم الكتاب، وجرى به القلم; ومنهم: القدرية المجبرة، الذين يقولون: إن العبد مجبور، لا فعل له، ولا اختيار.
ومن أهل البدع: المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان هو التصديق، وإنه شيء واحد لا يتفاضل.
ومن أهل البدع، وأكفرهم: الجهمية، الذين ينكرون صفات الله تعالى، التي جاء بها القرآن والسنة، ويؤولون ذلك، كالاستواء، والكلام، والمجيء، والنّزول، والغضب، والرضى، والحب، والكراهة، وغير ذلك من
стр. 485
الصفات، الذاتية، والفعلية.
ومن أهل البدع الضالين: أصحاب الطرائق المحدثة، كالرفاعية، والقادرية، والبومية، وأمثالهم، كالنقشبندية، وكل من أحدث بدعة، لا أصل لها في الكتاب، والسنة.
(رسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الشيخ محمد البغدادي في غربة الدين)
وله: أيضا، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم، الشيخ: محمد بن سليمان، آل عبد الكريم، البغدادي، وفقه الله للإيمان به وتقواه، وأطلع للطالبين بدر توفيقه وهداه; سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير; والكتاب الكريم وصل إلينا، وصلك الله برضاه، ونظمك في سلك خاصته وأوليائه; وقد سرني غاية المسرة، وسرحت نظري في رياضه، المرة بعد المرة، وحمدت الله على ما من به عليك، وأهداه إليك، من المنة العظمى، والموهبة الكبرى، التي هي أسنى المواهب، وأشرف المطالب: معرفة دين الإسلام، والعمل به، والبراءة مما وقع فيه الأكثرون من الشرك الصراح، والكفر البواح، من دعاء الموتى، والغائبين، والاستغاثة بهم في كشف شدائد المكروبين،
стр. 486
ونيل مطالب الطالبين، وتحصيل رغبات الراغبين، عدلا منهم بالله رب العالمين، وصرف خالص محبة العبودية، وما يجب من الخضوع لرب البرية، إلى الأنداد والشركاء والوسائل، والشفعاء، بل وسائر العبادات الدينية، صرفت إلى المشاهد الوثنية، والمعابد الشركية، وصرحت بذلك ألسنتهم، وانطوت عليه ضمائرهم، وعملت بمقتضاه جوارحهم; ولم ينج من شرك هذا الشرك، إلا الخواص والأفراد، والغرباء في سائر البلاد; وذلك مصداق ما أخبر به الصادق، بقوله: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ " ١. قال بعض الأفاضل، من أزمان متطاولة: الإسلام في وقتنا، أشد منه غربة في أول ظهوره.
قلت: وذلك أنه في أول وقت ظهوره يعرفه الكافرون، والمنكرون له، كما قال تعالى، حاكيا عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٥] ، وأكثر المنتسبين إلى الإسلام، في هذه الأزمان، يعتقدون، أنه هو الاعتقاد في الصالحين، ودعوتهم، والاستغاثة بهم، والتقرب إليهم، بأنواع العبادات، كالذبح، والنذر، والحلف، وغير ذلك من أنواع الطاعات; وذلك لأنه ولد عليه صغيرهم، وشاب عليه كبيرهم، واعتادته طباعهم، فتراهم عند تجريد التوحيد يقولون: هذا مذهب خامس; لأنهم لا يعرفون غير ما نشؤوا عليه واعتادوه، لا
стр. 487
سيما إذا ساعد العادة الاغترار بمن ينتسب إلى العلم والدين; وهو عند الله، معدود في زمرة الجاهلين والمشركين; فهذا وأمثاله، هم الحجاب الأكبر، بين أكثر العوام، وبين نصوص الكتاب والسنة، وما فيهما من الدين والهدى.
ثم أكثرهم قد تجاوز القنطرة، وغرق في بحار الشرك في الربوبية، مع ما هو فيه من الشرك في الإلهية فادعى أن للأولياء والصالحين شركة في التدبير والتأثير، وشركة في تدبير ما جاءت به المقادير; وأوحى إليهم إبليس اللعين أن هذا من أحسن الاعتقاد في الصالحين، وأن هذا من كرامة أولياء الله المقربين، تعالى الله عما يقول الظالمون، وتقدس عما افتراه أعداؤه المشركون، و: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٢] .
وحيث من الله عليك، بمعرفة الهدى ودين الحق; وظهر لك ما هم عليه من الشرك المبين، فاعرف هذه النعمة الكبرى، وقم بشكرها; وأكثر من حمد ربك، والثناء عليه; واحرص أن تكون إماما في الدعوة إليه تعالى، وإلى سبيله، ومعرفة الحق بدليله، فإن هذا أرفع منازل أولياء الله وخواصه من خلقه; فاغتنم يا أخي، مدة حياتك، لعلك أن تربح بها السعادة الأبدية، ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، في جنات علية.
стр. 488
وتأمل ما عند إخوانك من الطلبة في القصيم، من رسائل مشائخ الإسلام الداعين إلى الله على بصيرة، والزم مذاكرة الإخوان، والبحث معهم في هذا الشأن، وفي غيره من العلوم، فإنهم من خواص نوع الإنسان، ومن جواهر الكون في هذا الزمان، وفقهم الله، وكثر في قلوبهم الإيمان.
وما ذكرت من الشوق إلى اللقاء والاجتماع بنا، فنحن إلى إخواننا في الله أشوق وأحرص، فعسى الله أن يمن بالتلاق، ويطوي ما بيننا من البعد والفراق.
(رسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى منيف بن نشاط)
وله: أيضا، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم: منيف بن نشاط، سلمه الله تعالى، وشد حبله بالعروة الوثقى وأناط، ومن عليه بالتزام التوحيد، والفرح به والاغتباط; السلام عليكم، ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فأحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، وأسأله اللطف بي وبكم في تيسير كل عسير، مما جرت به الأقضية الربانية والمقادير; وأحوالنا على ما تعهد من الصحة والسلامة، وترادف النعم، لولا غلبة الإعراض عن شكر تلك النعم
стр. 489
والتقصير; نشكو إلى الله قلوبنا القاسية، ونفوسنا الظالمة، فنعم المشتكى، ونعم المولى ونعم النصير.
وكتابك وصل إلينا، مع النظم اللطيف، الصادر عن الأخ منيف، فسرنا بإفصاحه، وإعلامه بصحتكم وسلامتكم، وحسن معتقدكم وطويتكم; فالحمد لله على اللطف والتسديد، ومعرفة حقه سبحانه وما يجب له على العبيد.
فاجتهد في طلب العلم وتعليمه، والدعوة إلى دين الله وسبيله; فإنك في زمان قبض فيه العلم، وفشا الجهل، وبدل الدين، وغيرت السنن، لا سيما أصول الدين، وعمدة أهل الإسلام واليقين، في باب معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله; وقد ألحد في هذا من ألحد، وأعرض عن الحق من أعرض وجحد; حتى عطلوا صفات الله تعالى، التي وصف بها نفسه، وتعرف بها إلى عباده، كعلوه على خلقه، واستوائه على عرشه، وكلامه، وتكليمه، ومحبته، وخلته، ورضاه، وغضبه، ومجيئه، ونزوله، فسلطوا التأويل على ذلك ونحوه، حتى عطلوا الصفات عن حقائقها، وحرفوها عن موضوعها، وصرفوها عن دلالتها; وكذلك الحال في باب عبادته، وتوحيده، ومعرفة حقه على عبيده.
فأكثر الناس والمنتسبين إلى الإسلام، ضلوا في هذا
стр. 490
الباب، فصرفوا للأولياء والصالحين، والقبور، والأنصاب، والشياطين، خالص العبادة، ومحض حق رب العالمين كالحب، والدعاء، والاستغاثة، والتوكل، والإجلال، والتعظيم، والذل، والخضوع; بل غلاتهم صرحوا بإثبات التدبير والتصريف لمعبوداتهم مع الله، فجمعوا بين الشرك في الإلهية، والشرك في الربوبية، وهذا الأمر لا يتحاشون عنه، بل يصرحون به ويفتخرون، ويدعون أنهم من أهل الإسلام، إلا أنهم هم الكاذبون، وهذا الشرك، لم يصل إليه شرك جاهلية العرب; وقد جرى كما ترى من أناس يقرؤون القرآن، ويدعون أنهم من أتباع الرسول، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى، ومن الغي بعد الرشاد.
وكذلك باب تجريد متابعة الرسول ﷺ في الأصول والفروع، قد ترك، وسد عن أكثر من يدعي العلم والدين، والعمدة والمرجع، إلى أقوال من يعتقدون علمه، من المنتسبين، والمدعين; ولو تكلم أحد بإنكار ذلك، لعد عندهم من البله والمجانين، هذه أحوال جمهور المتشرعين، والمتدينين; فهل ترى فوق هذا غاية، في غربة الحق والدين؟ فعليك بالجد والاجتهاد، في معرفة الإيمان، وقبوله، وإيثاره، والتواصي به، لعلك أن تنجو من شرك هذا الشرك والتعطيل، الذي طبق الأرض، وهلك به أكثر الخلق، جيلا بعد جيل.
стр. 491
وأما ما ذكرته، عن الأعراب من الفرق، بين من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ومن لم يستحل؟ فهذا هو الذي عليه العمل، وإليه المرجع، عند أهل العلم، والسلام.
(معنى السمت والهدي والتؤدة)
وسئل الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن، بن حسن، عن السمت والهدى، والتؤدة ... إلخ.
فأجاب: الأحاديث التي سألت عن معناها، قد تكلم عليها بعض العلماء، بما حاصله: أن السمت، والهدى، في حالة الرجل، في مذهبه، وخلقه; وأصل السمت في اللغة: الطريق المنقاد، ثم نقل لحالة الرجل، وطريقته في المذهب، والخلق، والاقتصاد، سلوك القصد في الأمر، والدخول فيه برفق، وعلى سبيل يمكن الدوام عليه; وأما: التؤدة، فهي: التأني، والتمهل، وترك العجلة، وسبق الفكر، والروية، للتلبس في الأمور.
وأما كون هذه الخصال، جزءا من أربعة وعشرين جزءا من النبوة، فقد قيل: إن هذه الخلال من شمائل الأنبياء ﵈، ومن الخصال المعدودة من خصالهم، وأنها جزء من أجزاء فضائلهم، فاقتدوا بهم فيها، وتابعوهم عليها، قالوا: وليس معنى الحديث، أن النبوة: تتجزأ، ولا أن من جمع هذه الخلال كان فيه جزء من النبوة; فإن النبوة غير مكتسبة، ولا مجتلبة بالأسباب، وإنما هي كرامة من الله تعالى، وخصوصية لمن أراد الله إكرامه من عباده: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 492
حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٢٤] . وقد انقطعت النبوة، بموت محمد ﷺ .
وفيه وجه آخر; وهو أن يكون معنى النبوة هاهنا، ما جاءت به النبوة، ودعت إليه الأنبياء ﵈، يعني: أن هذه الخلال جزء من أربعة وعشرين جزءا، مما جاءت به النبوات، ودعت إليه الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم; وقد أمرنا باتباعهم، في قوله ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قالوا: وقد يحتمل وجها آخر، وهو: أن من اجتمعت له هذه الخصال، لقيه الناس بالتعظيم والتوقير، وألبسه الله لباس التقوى، الذي يلبسه أنبياءه، فكأنها جزء من النبوة; قلت: وما قبل هذا، أليق بمعنى الحديث.
وأما حديث: " الرؤيا حق " فقيل معناه: تحقيق أمر الرؤيا، وتأكيده، وهو جزء من أجزاء النبوة، في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم دون غيرهم; لأن رؤيا الأنبياء ﵈ وحي، قال عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي، وقرأ قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [سورة الصافات آية: ١٠٢] .
وأما تحديد الأجزاء، بالعدد المذكور في الحديث، فقد قال بعض أهل العلم: إنه أوحى إليه ﷺ بمكة ستة أشهر في منامه، ثم توالى الوحي يقظة، إلى أن توفي ﷺ . وكانت مدة
стр. 493
الوحي ثلاثا وعشرين سنة، منها نصف سنة في أول الأمر يوحى إليه في منامه، ونسبة الستة الأشهر لبقية مدة الوحي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة; وسئل بعض أهل العلم عن هذا الحديث، قال: معناه أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة، لا أنها جزء من باقي النبوة، وقال بعضهم: إنها جزء من أجزاء علم النبوة، وعلم النبوة باق، والنبوة غير باقية بعد رسول الله ﷺ ذهبت النبوة، وبقيت المبشرات، وهي: الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له.
وعندي: أن النبوة - التي هي الوحي بشرائع الأنبياء - عبارة عن نبأ، أو شأن عظيم في القوة وإفادة اليقين; والرؤيا الصالحة - التي هي من أقسام الوحي - جزء باعتبار القوة، وإفادة العلم، من ستة وأربعين جزءا، ولا يقتضي هذا تجزؤ النبوة، وأنها مكتسبة، ولا إطلاق اسم النبوة على هذا الجزء، لأن المسمى هو الكل المستجمع لجميع الأجزاء، فلا محذور، ويمكن أن يقال هذا فيما تقدم، من قوله: " الهدى الصالح، والسمت الحسن، والاقتصاد، جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة " ١ هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
(الفرق بين الفلاسفة الإلهيين والمشائين)
وسئل: عن الفرق بين الفلاسفة الإلهيين، والمشائين:
فأجاب: أما الفرق بين الفلاسفة الإلهيين والفلاسفة المشائين، فذكر شارح رسالة ابن زيدون، أن المشائين: أفلاطون، ومن اتبعه; وأنهم أول من قال بالطبائع، وتكلم
стр. 494
فيها، وأمر بالرياضة، والمشي، لمعاونة قوة الطبيعة، وتحليل ما يضادها من الأخلاط، وأمر بالمشي، والرياضة، عند المذاكرة في مسائل الطبيعة، فسموا مشائين لهذا.
وأما الإلهيون، فهم: قدماؤهم من أهل النظر، والكلام في الأفلاك العلوية، وحركاتها، وما يزعمون، وينتحلونه، من إفاضتها، وتأثيرها; وفي اللغة: إطلاق الإله، على المدبر والمؤثر، كما يطلق على المعبود; وقد عرفت أن جمهورهم وقدماءهم: ليسوا مما جاءت به الرسل في شيء، ومذهبهم أكفر المذاهب، وأبطلها وأضلها عن سواء السبيل.
стр. 495
(رسالة أملاها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن على لسان راشد بن عبيد الله الغزي)
وهذه رسالة أملاها الشيخ: عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن، على لسان راشد بن عبيد الله الغزي، لما أخبره بالمناظرة التي وقعت بينه وبين إبراهيم خيار؛ قال: لعلها تكون سببا لرجوعه إلى الحق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من راشد بن عبيد الله الغزي، إلى الشيخ إبراهيم خيار، وفقنا الله وإياه لاتباع السنة النبوية والأخيار، وبعد إبلاغ السلام عليكم، ورحمة الله وبركاته، نعرفكم أنا وصلنا الرياض بالسلامة، وبحثنا عن نقض كلام داود بن جرجيس، فوجدنا ثلاث نسخ، كل نسخة لواحد من المنتسبين إلى الدين، من أهل تلك البلاد النجدية، وسمعت كثيرا من ردهم ونقضهم، فوجدتهم قد أوردوا من الحجج، والأدلة، والبراهين، ما لا يقاومه أحد، ولا يستطيع ذلك مجادل; فإنهم احتجوا على وجوب إخلاص الدين لله، وإفراده بالعبادة، والدعاء، والاستغاثة، والاستجارة، بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وأقوال علماء الأمة، وما درج عليه القرون المفضلة، بنص الحديث.
فقام الدليل، واتضح السبيل، في حكم أبيات البردة، وتشطير داود لها، وهي قوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك
- البيت - وقوله:
فإن من جودك الدنيا