← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

الكفر والشرك وعادوا دين الله، أو قال لا أتعرض للقباب، فهذا لا يكون مسلما، بل هو ممن قال الله فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ ١. والله : أوجب معاداة المشركين، ومنابذتهم، وتكفيرهم، فقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٢، الآية وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ ٣ الآيات؛ والله أعلم. المسألة الثانية عشرة: رجل دخل الدين وأحبه، ويحب من دخل فيه، ويبغض الشرك وأهله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل الإسلام، ويقاتلون أهله، ويعتذر أن ترك الوطن يشق عليه، ولم يهاجر عنهم، فهل يكون مسلما أو كافرا؟ وهل يعذر بعدم الهجرة؟ الجواب: أما الرجل الذي عرف التوحيد وآمن به، وأحبه وأحب أهله، وعرف الشرك وأبغضه، وأبغض أهله، ولكن أهل بلده على الكفر والشرك، ولم يهاجر، فهذا فيه تفصيل: فإن كان يقدر على إظهار دينه عندهم، ويتبرأ مما

стр. 4307

هم عليه من الكفر والشرك، ويظهر لهم كفرهم وعداوتهم، ولا يفتنونه عن دينه، لأجل عشيرته أو ماله، أو غير ذلك، فهذا لا يحكم بكفره. ولكنه إذا قدر على الهجرة ولم يهاجر، ومات بين أظهر المشركين، فيخاف عليه أن يكون قد دخل في أهل هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ١ الآية؛ فلم يعذر الله إلا من لم يستطع حيلة ولا يهتدي سبيلا؛ ولكن قل أن يوجد اليوم من هو كذلك، إلا أن يشاء الله; بل الغالب: أن المشركين لا يدعونه بين أظهرهم، بل إما قتلوه، وإما أخرجوه إن وجدوا إلى ذلك سبيلا. وأما إن لم يكن له عذر، وجلس بين أظهرهم، وأظهر لهم أنه منهم، وأن دينهم حق، ودين الإسلام باطل، فهذا كافر مرتد، ولو عرف الدين بقلبه، لأنه يمنعه عن الهجرة محبة الدنيا على الآخرة، ويتكلم بكلام الكفر من غير إكراه، فدخل في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢.

стр. 4308

المسألة الثالثة عشرة: فيمن مات قبل هذه الدعوة، ولم يدرك الإسلام، وهذه الأفعال التي يفعلها الناس اليوم يفعلها، ولم تقم عليه الحجة، ما الحكم فيه؟ وهل يلعن أو يسب، أو يكف عنه؟ وهل يجوز لابنه الدعاء له؟ وما الفرق بين من لم يدرك هذه الدعوة، وبين من أدركها ومات معاديا لهذا الدين وأهله؟ الجواب: من مات من أهل الشرك، قبل بلوغ هذه الدعوة، فالذي يحكم عليه: أنه إذا كان معروفا بفعل الشرك، ويدين به، ومات على ذلك، فهذا ظاهره أنه مات على الكفر، ولا يدعى له، ولا يضحى له، ولا يتصدق عنه؛ وأما حقيقة أمره، فإلى الله تعالى، فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند، فهذا كافر في الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله تعالى. وأما سبه ولعنه فلا يجوز، بل لا يجوز سب الأموات مطلقا، كما في صحيح البخاري، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " ١، إلا إن كان أحدا من أئمة الكفر، وقد اغتر الناس به، فلا بأس بسبه إذا كان فيه مصلحة دينية، والله أعلم. المسألة الرابعة عشرة: فيمن أنكر الصفات التي

стр. 4309

وصف الله بها نفسه في كتابه، مثل ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ١، ثم يقول: يد الله قدرته، أو يؤوِّل الاستواء بالاستيلاء، أو يقول: الله في كل مكان، لا يخلو منه مكان، فهل هذا كافر أم لا؟ الجواب: أن من اعتقد هذا الاعتقاد، فهو مبتدع ضال جاهل، قد خالف العقيدة السلفية، التي درج عليها النبي ﷺ وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، كالأئمة الأربعة، ومن اتبعهم من العلماء; وأما التكفير بذلك، فلا يحكم بكفره إلا إذا عرف أن عقيدته هذه، مخالفة لما عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، والله أعلم. المسألة الخامسة عشرة: فيمن عاهد على الإسلام والسمع والطاعة والمعاداة والموالاة، ولم يف بما عاهد عليه من الموالاة والمعاداة، ولا تبرأ من دينه الأول، ويدعي أن آباءه ماتوا على الإسلام، فهل يكون مرتدا؟ وهل يحل أخذ ماله وسبيه إن لم يرجع؟ الجواب: إن هذا الرجل، إن اعتقد أن آباءه ماتوا على الإسلام، ولم يفعلوا الشرك الذي نهينا الناس عنه، فإنه لا يحكم بكفره؛ وإن كان مراده أن هذا الشرك الذي نهينا الناس عنه، هو دين الإسلام، فهذا كافر؛ فإن كان قد أسلم فهو مرتد، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل،

стр. 4310

وصار ماله فيئا للمسلمين، وإن تاب قبل موته أحرز ماله، والله أعلم. وقالا: المسألة الثامنة عشرة: في بلد بلغتهم هذه الدعوة، وبعضهم يقول: هذا الأمر حق ولا أغير منكرا، ولا آمر بمعروف، ولا أعادي، ولا أوالي، ولا أقر أنه قبل هذه الدعوة على ضلال، وينكر على الموحدين، إذا قالوا: تبرأنا من دين الآباء والأجداد; وبعضهم يكفر المسلمين جهارا، أو يسب هذا الدين، ويقول: دين مسيلمة; والذي يقول: هذا أمر زين، لا يمكنه أن يقوله جهارا؛ فما تقولون في هذه البلدة، على هذه الحالة، مسلمون أم كفار؟ وما معنى قول الشيخ وغيره: إنا لا نكفّر بالعموم؟ وما معنى العموم من الخصوص إلخ؟ الجواب: إن أهل هذه البلدة المذكورين، إذا كانوا قد قامت عليهم الحجة، التي يكفر من خالفها، حكمهم حكم الكفار، والمسلم الذي بين أظهرهم، ولا يمكنه إظهار دينه، تجب عليه الهجرة، إذا لم يكن ممن عذر الله، فإن لم يهاجر فحكمه حكمهم، في القتل وأخذ المال؛ والسامعون كلام الشيخ، في قوله: إنا لا نكفر بالعموم، فالفرق بين العموم والخصوص ظاهر. فالتكفير بالعموم: أن يكفر الناس كلهم عالمهم وجاهلهم، ومن قامت عليه الحجة ومن لم تقم عليه; وأما

стр. 4311

التكفير بالخصوص، فهو: أن لا يكفر إلا من قامت عليه الحجة بالرسالة، التي يكفر من خالفها؛ وقد يحكم بأن أهل هذه القرية كفار، حكمهم حكم الكفار، ولا يحكم بأن كل فرد منهم كافر بعينه، لأنه يحتمل أن يكون منهم من هو على الإسلام، معذور في ترك الهجرة، أو يظهر دينه ولا يعلمه المسلمون، كما قال تعالى في أهل مكة، في حال كفرهم: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١ الآية، وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ٢ الآية. وفي الصحيح: عن ابن عباس ﵄، قال: (كنت أنا وأمي من المستضعفين) . وأما أهل القرية الذين عاهدوا على الإسلام، ولم يهدموا القباب، ولم يعادوا، ولم يوالوا، وفيهم رجلان أو ثلاثة يدعون التوحيد. فاعلم رحمك الله: أن مجرد العهد على الإسلام، لا يكون الرجل به مسلما، حتى يعمل بما عاهد عليه، من توحيد الله، والتبري من الشرك وأهله، وإقامة الصلوات الخمس في أوقاتها، بشروطها وأركانها، وأداء الزكاة المفروضة، والإيمان بجميع ما جاء به الرسول ﷺ ؛ وإذا

стр. 4312

عاهد على الإسلام ولم يعمل به، واستمر على الشرك بالله، فإنه يكون مرتدا عن الإسلام، وذنبه أعظم من ذنب الكافر الأصلي، الذي لم يعاهد قط، ولم يظهر الإسلام. ولهذا ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن النبي ﷺ قال: " من بدل دينه فاقتلوه " ١ وفي الصحيح: أن معاذا لما قدم من اليمن، وجد رجلا عند أبي موسى، موثقا في الحديد، فقال: ما هذا؟ قال: رجع بعد إسلامه; فقال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله; فأمر به فقتل. المسألة التاسعة عشرة: ما قولكم في قول: سيدي فلان؟ ومخدومنا فلان؟ وكما في "الدلائل": سيدنا ومولانا محمد ﷺ ؟ هل يكون شركا؟ وبعض المطاوعة جوزوا هذه الألفاظ، وتركوا كتاب رب العالمين، وجعلوا درسهم "دلائل الخيرات". الجواب: إن قول: سيدي ونحوه، إن قصد به أن ذلك الرجل معبوده، الذي يدعوه عند الشدائد، لتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، فإن ذلك شرك أكبر; وأما إن كان مراده غير ذلك، كما يقول التلميذ لشيخه: سيدي، ويقال للأمير والشريف، أو لمن كان من أهل بيت رسول الله ﷺ : هذا سيد، فهذا لا بأس به، ولكن لا يجعل عادة وسنة، بحيث لا يتكلم إلا به؛ وثبت: أن رسول الله ﷺ قال: " أنا سيد ولد آدم " ٢،وقال في الحسن

стр. 4313

" إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " ١. وأما قول صاحب "دلائل الخيرات": اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد، فلا ينبغي جعل ذلك عادة وسنة، لأن رسول الله ﷺ أعلم أمته، كيف يصلون عليه، ولم يذكر ذلك الكلام فيه ٢. وقالا أيضا: المسألة الثانية والعشرون، في رجل أظهر الإسلام في بلده، ووالى وعادى في بلده، وأمير البلد ما خالف عليه، وأيده وصدقه، فهل يكون هذا مسلم أم لا؟ ولا بقي في بلده وثن أبدا، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر حد الاستطاعة؟ الجواب: هذا الرجل، إذا أظهر إسلامه في بلده، ووالى وعادى في بلده، وأمير بلده لم يخالف عليه، بل أيده وصدقه، فهذا مسلم، لأنه قد عمل بدين الإسلام، وفعل ما يقدر عليه. المسألة الثالثة والعشرون: إن صاحب البردة وغيره، ممن يوجد الشرك في كلامه، والغلو في الدين، وماتوا، لا يحكم بكفرهم، وإنما الواجب إنكار هذا الكلام، وبيان

стр. 4314

أن من اعتقد هذا على الظاهر، فهو مشرك كافر; وأما القائل: فيرد أمره إلى الله سبحانه، ولا ينبغي التعرض للأموات، لأنه لا يعلم هل تابوا أم لا. وأما شعر ابن الفارض: فإنه كفر صريح، لأنه شاعر الاتحادية، الذين لا يفرقون بين العابد والمعبود، والرب والمربوب، بل يقول بوحدة الوجود، وهو من طائفة ابن عربي، الذي قال فيهم ابن المقري الشافعي: من شك في كفر طائفة ابن عربي، فهو كافر; والله أعلم، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم. وسئلا أيضا: عن الحلف بغير الله، مثل الحلف بالنبي والولي، أو رأس فلان، أو تربة فلان، هل يكون شركا؟ أو مكروها؟ فأجابا: الحلف بغير الله من أنواع الشرك الأصغر، وقد يكون شركا أكبر، بحسب حال قائله ومقصده; والكفر والشرك أنواع، منها ما لا يخرج عن الملة، كما قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١ قال: (كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق) . فإذا حلف بغير الله جاهلا أو ناسيا، فليستغفر الله، وليقل: لا إله إلا الله، كما ثبت في صحيح البخاري: أن

стр. 4315

النبي ﷺ قال: " من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله " ١. [الفصول النافعة في المكفرات الواقعة] وقال أيضا: شيخ الإسلام، الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أسكنهما الله الفردوس الأعلى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له; وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بعثه رحمة للعالمين، وحجة على المعاندين، الذي أكمل الله به الدين، وختم به الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه فصول وكلمات، نقلتها من كلام العلماء المجتهدين، أصحاب الأئمة الأربعة، الذين هم أئمة أهل السنة والدين، في بيان بعض الأفعال والأقوال المكفرة للمسلم، المخرجة له من الدين، وأن تلفظه بالشهادتين، وانتسابه إلى الإسلام، وعمله ببعض شرائع الدين، لا يمنع من تكفيره وقتله، وإلحاقه

стр. 4316

بالمرتدين. ١. والسبب الحامل على ذلك: أن بعض من ينتسب إلى العلم والفقه، من أهل هذا الزمان، غلط في ذلك غلطا فاحشا قبيحا، وأنكر على من أفتى به، من أهل العلم والدين، إنكارا شنيعا؛ ولم يكن لهم بإنكار ذلك مستند صحيح، لا من كلام الله ولا من كلام رسوله، ولا من كلام أئمة العلم والدين، إلا أنه خلاف عاداتهم وأسلافهم؛ عياذا بالله من الجهل والخذلان، والتعصب. وأذكر من ذلك ما مست إليه الحاجة، وغلط فيه من غلط، من المنسوبين إلى العلم في هذا الزمان، الذين غلبت عليهم الشقاوة، والجهل والتعصب والخذلان، لما جبلوا عليه من مخالفة الكتاب والسنة، وعمل السلف، والأئمة المهديين، وحب الرياسة، وشهوات الدنيا، والطمع فيما في أيدي الناس، والفسقة المعاندين؛ نسأل الله أن يوفقنا لما يرضاه، من العمل، ويجنبنا لما يسخطه من الزلل، إنه لا يخيب من رجاه، ولا يرد سؤال من دعاه. فنقول - وبالله التوفيق -: اعلم أن هذه المسائل من

стр. 4317

أهم ما ينبغي للمؤمن الاعتناء بها، لئلا يقع في شيء منها وهو لا يشعر، وليتبين له الإسلام والكفر، حتى يتبين له الخطأ من الصواب، ويكون على بصيرة في دين الله، ولا يغتر بأهل الجهل والارتياب؛ وإن كانوا هم الأكثرين عددا، فهم الأقلون عند الله، وعند رسوله والمؤمنين قدرا. وقد اعتنى العلماء ﵃ بذلك في كتبهم، وبوبوا لذلك في كتب الفقه، في كل مذهب من المذاهب الأربعة، وهو: باب حكم المرتد وهو: المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، وذكروا أنواعا كثيرة، كل نوع منها يكفر به المسلم، ويبيح دمه وماله. وسأذكر - إن شاء الله تعالى - من ذلك ما يكفي ويشفي، لمن هداه الله وألهمه رشده، وأجعل كلام كل طائفة من أتباع الأئمة الأربعة - أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد - على حدة، ليسهل ذلك على من أراد الاطلاع عليه. ونبدأ بكلام في الشرك الأكبر، وتكفيرهم لأهله، حين وقع في زمانهم، من بعض المنتسبين إلى الإسلام والسنة، لأنه هو المهم. فنقول: أما كلام الشافعية، فقال ابن حجر، في كتاب "الزواجر عن اقتراف الكبائر": الكبيرة الأولى: الكفر والشرك، أعاذنا الله منه; ولما كان الكفر أعظم الذنوب، كان أحق أن يبسط الكلام عليه، وعلى أحكامه، قال الله

стр. 4318

تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١،وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٣. وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " ٤ ثم ذكر أحاديث كثيرة. ثم قال: تنبيهات، منها: بيان الشرك، وذكر جملة من أنواعه، لكثرة وقوعها في الناس، وعلى ألسنة العامة، من غير أن يعلموا أنها كذلك؛ فإذا بانت لهم فلعلهم أن يجتنبوها، لئلا تحبط أعمال مرتكبي ذلك، ويخلدون في أعظم العذاب، وأشد العذاب; ومعرفة ذلك أمر مهم جدا. فإن من ارتكب مكفرا تحبط جميع أعماله، ويجب عليه قضاء الواجب منها، عند جماعة من الأئمة، كأبي حنيفة، ومع ذلك فقد توسع أصحابه في المكفرات، وعدوا منها جملا مستكثرة جدا، وبالغوا في ذلك أكثر من بقية أئمة المذاهب؛ هذا مع قولهم: إن الردة تحبط جميع الأعمال، وبأن من ارتد بانت منه زوجته، وحرمت عليه، فمع هذا التشديد، بالغوا في الاتساع في المكفرات.

стр. 4319

فتعين على كل ذي مسكة في دينه: أن يعرف ما قالوه، حتى يجتنبه، ولا يقع فيه فيحبط عمله، ويلزمه قضاؤه، وتبين منه زوجته عند هؤلاء الأئمة؛ بل عند الشافعي ﵀: أن الردة وإن لم تحبط العمل، لكنها تحبط ثوابه، فلم يبق الخلاف بينه وبين غيره، إلا في القضاء فقط; ثم ذكر أنواع الكفر نوعا نوعا؛ وسيأتي بقية كلامه إن شاء الله تعالى في ذلك. لكن تأمل - رحمك الله - قوله: لكثرة وقوعها في الناس على ألسنة العامة، من غير أن يعلموا أنها كذلك، وأن الشرك والردة قد وقع فيه كثير من أهل زمانه، يتبين لك مصداق ما قلنا، إن شاء الله تعالى. وقال النووي في شرح مسلم: وأما الذبح لغير الله، فالمراد به: أن يذبح باسم غير الله، كمن ذبح للصنم، أو للصليب، أو لموسى، أو عيسى، أو للكعبة ونحو ذلك؛ وكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة، سواء كان الذابح مسلما، أو نصرانيا، أو يهوديا، نص عليه الشافعي، واتفق عليه أصحابنا؛ فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله، والعبادة له، كان ذلك كفرا، فإن كان الذابح قبل ذلك مسلما، صار بالذبح مرتدا، انتهى. فتأمل قوله: فإن قصد مع ذلك ... إلخ، تجده صريحا: في أن المسلم إذا قصد بالذبح لغير الله تعظيم

стр. 4320

المذبوح له غير الله والعبادة، أنه يصير كافرا مرتدا، والله أعلم. وأما كلام الحنفية: فقال في كتاب "تبيين المحارم"، المذكورة في القرآن: "باب الكفر" وهو الستر وجحود الحق، وإنكاره، وهو أول ما ذكر في القرآن العظيم من المعاصي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١. وهو أكبر الكبائر على الإطلاق، فلا كبيرة فوق الكفر إلى أن قال: واعلم أن ما يلزم به الكفر أنواع: نوع يتعلق بالله سبحانه، ونوع يتعلق بالقرآن، وسائر الكتب المنَزلة، ونوع يتعلق بنبينا محمد ﷺ وسائر الأنبياء، والملائكة، والعلماء، ونوع يتعلق بالأحكام. فأما ما يتعلق بالله سبحانه، إذا وصف الله سبحانه بما لا يليق به، بأن شبه الله سبحانه بشيء من المخلوقات، أو نفى صفاته، أو قال بالحلول والاتحاد، أو معه قديم غيره، أو معه مدبر مستقل غيره، أو اعتقد أنه سبحانه جسم، أو محدث، أو غير حي، أو اعتقد أنه لا يعلم الجزئيات، أو كفر باسم من أسمائه، أو أمر من أمره، أو وعيده أو وعده، أو أنكرهما، أو سجد لغير الله،

стр. 4321

أو سب الله سبحانه، أو ادعى أن له ولدا، أو صاحبة، أو أنه متولد من شيء كائن عنه، أو أشرك بعبادته شيئا من خلقه، أو افترى على الله الكذب، بادعاء الإلهية أو الرسالة، أو نفى أن يكون خالقه ربه، وقال: ليس لي ربا، أو قال لذرة من الذرات: هذه خلقت عبثا وهملا، وما أشبه ذلك مما لا يليق به سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. يكفر في هذه الوجوه كلها بالإجماع، سواء فعله عمدا أو هزلا؛ ويقتل إن أصر على ذلك، وإن تاب، تاب الله عليه، وسلم من القتل. انتهى كلامه بحروفه. فتأمل رحمك الله تصريحه بأن من أشرك في عبادة الله غيره، أنه يكفر بالإجماع، ويقتل إن أصر على ذلك. والعبادة التي لا تصلح إلا لله، ولا يجوز أن يشرك معه فيها غيره، أنواع: منها: الدعاء لجلب خير، أو دفع ضر، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٢، وقال ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ ٣، الآية وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٤.

стр. 4322

وقال رسول الله ﷺ لابن عباس " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " ١. ومن أنواع العبادة: الصلاة، فلا يصلى إلا لله، ولا يسجد ولا يركع إلا لله وحده، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ٢، الآية وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٣. ومن أنواع العبادة: النسك وهو الذبح، فلا يجوز أن يتقرب العبد بالذبح لأحد سوى الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ٤ الآية، وقال لنبيه ﷺ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٥ أي: أخلص لربك الصلاة والنحر، بلا شريك له في ذلك، وقال النبي: ﷺ " لعن الله من ذبح لغير الله " ٦. وقد قرن الله بين هاتين العبادتين: الصلاة والنسك، في هاتين الآيتين؛ فإذا كان من صلى لغير الله، أو ركع لغير الله، أو سجد لغير الله، فقد أشرك في عبادة الله غيره، فكذلك من ذبح القربان لغير الله، فقد أشرك في عبادة الله غيره. ومن أنواع العبادة أيضا: الخشية؛ فلا تجوز الخشية إلا لله وحده، قال الله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ٧،

стр. 4323

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٢، فجعل الطاعة لله ولرسوله، وجعل الخشية والتقوى لله وحده. ومن أنواع العبادة: التوكل، وهو إسناد العبد أمره إلى الله تعالى وحده لا شريك له، في جميع أموره الدينية والدنيوية، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٣، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤؛ فمن توكل على غير الله، فقد أشرك في عبادة الله غيره. ومن أنواع العبادة: الاستعانة، قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٦ وقال النبي ﷺ لابن عباس: " إذا استعنت فاستعن بالله " ٧؛ فمن استعان بغير الله، فقد أشرك في عبادة الله غيره. ومن أنواع العبادة: النذر، فلا ينذر إلا لله وحده، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ٨،وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ ٩ وقال النبي ﷺ :" من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن

стр. 4324

يعصي الله فلا يعصه " ١. والحاصل: أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من أقوال العباد وأفعالهم، مما أمرهم الله به في كتابه، على لسان رسوله ﷺ . وقد صرح هذا الحنفي في كتابه الذي قدمته لك: أن من أشرك في عبادة الله غيره، فهو كافر بالإجماع، سواء فعله عمدا أو هزلا، وأنه يقتل إن أصر على ذلك، وإن تاب تاب الله عليه، وسلم من القتل؛ والله أعلم. وذكر أيضا: أن ما يكون فعله كفرا بالاتفاق، إذا فعله مسلم تحبط جميع أعماله، ويلزمه إعادة الحج، ولا يلزمه إعادة الصلاة والصوم، لأنهما يسقطان عن المرتد، ويكون وطؤه امرأته حراما وزنى، وإن أتى بكلمة الشهادة بحكم العادة، ولم يرجع عما قاله، لا يرتفع الكفر؛ والله أعلم. وقال الشيخ قاسم، في شرح الدرر: النذر الذي يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء، قائلا: يا سيدي فلان، إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب، أو من الطعام، أو الشمع، كذا، باطل إجماعا، لوجوه: منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز، ومنها: أن ذلك كفر، إلى أن قال: وقد ابتلي الناس بذلك، ولا سيما في مولد أحمد البدوي، انتهى؛ فصرح بأن هذا النذر كفر، يكفر به المسلم؛ والله

стр. 4325

أعلم. ومن كلام الشافعية أيضا: ما قاله الإمام المحقق، ناصر السنة، شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم، محدث الشام، المعروف بأبي شامة، في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث": ومن هذا: ما قد عم به الابتلاء، من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، ومواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاك، أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك. ثم يتجاوزون ذلك إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي: ما بين عيون، وشجر، وحائط، وحجر. وفي مدينة دمشق - صانها الله تعالى - مواضع متعددة، كعوينة الحمى خارج باب توما، والعمود المخلق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة، خارج باب النصر، في نفس قارعة الطريق، سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها. فما أشبهها بذات أنواط، الواردة في الحديث، الذي رواه محمد بن إسحاق، وسفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي ﵁ ‘

стр. 4326

قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، وكانت لقريش شجرة خضراء عظيمة، يأتونها كل سنة، فيعلقون عليها سلاحهم، ويعكفون عندها، ويذبحون لها. وفي رواية: خرجنا مع النبي ﷺ قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عليها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا يا رسول الله; وفي الرواية الأولى: وكانت تسمى ذات أنواط، فمررنا بسدرة، وفي رواية: بشجرة عظيمة خضراء، فتنادينا من جنبتي الطريق، ونحن نسير إلى حنين: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال النبي ﷺ : " الله أكبر! هذا كما قال قوم موسى لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١ لتركبن سنن من كان قبلكم ".وأخرجه الترمذي بلفظ آخر، والمعنى واحد، وقال: هذا حديث حسن صحيح. قال الإمام أبو بكر الطرطوشي، ﵀، في كتابه: فانظروا رحمكم الله، أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها أسلحتهم، ويضربون عليها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها.

стр. 4327

قلت: ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبنياني ﵀، أحد الصالحين ببلاد أفريقية، في المائة الرابعة، حكى عنه صاحبه الصالح: أبو عبد الله، محمد بن أبي العباس المؤدب، أنه كان إلى جانبه عين تسمى "عين العافية"، كان العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، من تعذر عليها نكاح، أو ولد، قالت: امضوا بي إلى "عين العافية"؛ فتعرف بها الفتنة. قال أبو عبد الله: فإنا في السحر ذات ليلة، إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت فوجدته قد هدمها، وأذن الصبح عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن. قلت: وأدهى من ذلك وأمر: إقدامهم على قطع الطريق السابلة، يجيزون في أحد الأبواب الثلاثة القديمة العادية، التي هي من بناء الجن، في زمن نبي الله سليمان بن داود ﵇، أو من بناء ذي القرنين; وقيل فيها غير ذلك، ما يؤذن بالتقدم على ما نقلناه في كتاب تاريخ مدينة دمشق - حرسها الله تعالى - وهو الباب الشمالي، ذكر لهم بعض من لا يوثق به، في أحد شهور سنة ست وثلاثين وستمائة: أنه رأى مناما، يقتضي أن ذلك المكان، دفن فيه بعض أهل البيت، ﵃.

стр. 4328

وقد أخبرني عنه ثقة: أنه اعترف له، أنه افتعل ذلك، فقطعوا طريق المارة فيه، وجعلوا الباب بكماله أصل مسجد مغصوب؛ وقد كان الطريق يضيق بسالكيه، فتضاعف الضيق والحرج، على من دخل ومن خرج؛ ضاعف الله عذاب من تسبب في بنائه، وأجزل ثواب من أعان على هدمه، وإزالته وإعدامه، اتباعا لسنة النبي ﷺ في مسجد الضرار، المرصد لأعدائه من الكفار. قلت: فلم ينظر الشرع إلى كونه مسجدا، وهدمه لما قصد به السوء والردى، وقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ١. أسأل الله الكريم معافاته من كل ما يخالف رضاه، وأن لا يجعلنا ممن أضله فاتخذ إلهه هواه، انتهى. فتأمل رحمك الله: كلام هذا الإمام، وتصريحه بأن الذي تفعله العامة في زمانه، في العمد، والشجر، والمواضع المخصوصة، أنه مثل فعل المشركين بذات أنواط، وكذلك تصريح أبي بكر الطرطوشي، وكان من أئمة المالكية، بأن كل شجرة يقصدها الناس، ويعظمون من شأنها، فهي ذات أنواط. وكذلك تأمل قوله: ولقد أعجبني ما فعل الشيخ أبو

стр. 4329

إسحاق، ببلاد إفريقية في المائة الرابعة، في هدمه تلك العين، التي تسمى "عين العافية" لما رأى الناس يقصدونها، ويتبركون بها، يتبين لك أن الشرك قد حدث في هذه الأمة، من زمان قديم، وأن أهل العلم ﵃، ينكرون ذلك أشد الإنكار، ويهدمون ما قدروا عليه مما يفتتن به الناس، وأن هذا مما حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة، وأن ذلك ليس من الدين بإجماع أهل العلم، ويجب على من قدر على ذلك إزالته، فويل للأمراء والقضاة، القادرين على إزالته والنهي عنه. وتأمل أيضا: كلام أبي شامة، في المسجد الذي بني على قارعة الطريق، وتمنيه هدمه وإزالته، وتشبيهه إياه بمسجد الضرار؛ وكان أبو شامة ﵀ في أوائل القرن السابع، ومعلوم أن الأمر لا يزيد إلا شدة، والله أعلم؛ فهذا ما وقفنا عليه من كلام الشافعية، والحنفية، في هذه المسألة. فصل: [كلام الحنابلة في تعظيم القبور] وأما كلام الحنابلة: فقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع، إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم؛ وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع، فيها: يا مولاي افعل بي

стр. 4330

كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى، انتهى كلامه; فتأمل قوله: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، وتشبيهه إياهم بمن عبد اللات والعزى. وقال الشيخ تقي الدين في "الرسالة السنية"، لما ذكر حديث الخوارج، ومروقهم من الدين، وأمره ﷺ بقتالهم، قال: فإذا كان على عهد النبي ﷺ وخلفائه من انتسب إلى الإسلام، من مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم: أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان، قد يمرق أيضا من الإسلام، وذلك بأسباب، منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١ الآية. وعلي بن أبي طالب ﵁ حرق الغالية من الرافضة، فأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، فقذفهم فيها; واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس ﵄ كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء; وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه. فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك،

стр. 4331

ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده، لا يجعل معه إله آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنْزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو صورهم، ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ١ الآية. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة، فنَزلت فيهم، إلى أن قال: وعبادة الله وحده هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢،وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.

стр. 4332

وكان ﷺ يحقق التوحيد ويعلمه أمته، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده"، ونهى عن الحلف بغير الله، وقال: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ١،وقال في مرض موته " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢ يحذر ما فعلوا، وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ٣. ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، والصلاة عندها; وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور، ولهذا اتفق العلماء، على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره، أنه لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها، لأنه إنما يكون لأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق؛ كل هذا لتحقيق التوحيد، الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ ٤. ولهذا: كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، فأعظم آية في القرآن: آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ، ٥ وقال ﷺ :" من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة " ٦. والإله هو الذي يألهه القلب،

стр. 4333

عبادة له، واستعانة به، ورجاء له، وخشية منه، وإجلالا، انتهى كلامه. فتامل أول كلامه وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيا أو وليا، مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني ونحوه، أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، تجده صريحا في تكفير أهل الشرك، وقتلهم بعد الاستتابة، وإقامة الحجة عليهم، وأن من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، فقد اتخذه إلها مع الله، لأن الإله هو المألوه الذي يألهه القلب، أي: يقصده بالعبادة والدعوة، والخشية والإجلال، والتعظيم، وإن زعم أنه لا يريد إلا الشفاعة والتقرب عند الله، لأنه بين أن هذا هو مطلوب المشركين الأولين، ويستدل على ذلك بالآيات الصريحات القاطعات، والله أعلم. وقال ﵀، في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم": وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ١، وكل واحد منها لمصر من أمصار العرب؛ فكانت "اللات" لأهل الطائف، ذكروا أنه كان في الأصل رجلا صالحا، يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره؛ وأما "العزى" فكانت لأهل مكة قريب من عرفات، وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون; وأما "مناة"

стр. 4334

فكانت لأهل المدينة، وكانت حذو قديد من ناحية الساحل. ومن أراد أن يعرف كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء. ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها "ذات أنواط"، فقال بعض الناس: "يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال: الله أكبر! إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبل كم " ١ فأنكر ﷺ ، مجرد مشابهتهم في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم؛ فكيف بما هو أطم من ذلك الشرك بعينه؟ إلى أن قال: فمن ذلك أمكنة بدمشق مثل: مسجد يقال له "مسجد الكف" فيه تمثال كف، يقال إنه كف علي بن أبي طالب، حتى هدم الله ذلك الوثن; وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في أكثر البلاد، وفي الحجاز منها مواضع، انتهى كلامه. فتأمل رحمك الله كلام هذا الإمام، في اللات والعزى ومناة، وجعله بعينه هذا الذي يفعل بدمشق، وغيرها من البلاد من ذلك; وتأمل قوله على حديث ذات أنواط، وتدبره، فإنه نافع جدا.

стр. 4335

وقال رحمه الله تعالى، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ١: ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، سواء لفظ به أو لم يلفظ؛ وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله، كان أزكى مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه بسم الله؛ فإن عبادة الله بالصلاة له، والنسك له، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور; والعبادة لغير الله، أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله؛ فلو ذبح لغير الله متقربا إليه لحرم، وإن قال فيه بسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة؛ وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن؛ انتهى كلام الشيخ ﵀. فتأمل رحمك الله هذا الكلام، وتصريحه فيه: بأن من ذبح لغير الله من هذه الأمة، فهو كافر مرتد، لا تباح ذبيحته، لأنه يجتمع فيها مانعان: الأول: أنها ذبيحة مرتد، وذبيحة المرتد لا تباح بالإجماع. الثاني: أنها مما أهل به لغير الله، وقد حرم الله ذلك في قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٢.وتأمل قوله: ومن هذا ما

стр. 4336

يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن، والله أعلم. فصل: [أنواع الشرك] وقال ابن القيم ﵀ في "شرح المنازل"، في باب التوبة: وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر; فالأكبر: لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندا، يحبه كما يحب الله؛ بل أكثرهم يحبون آلهتهم، أعظم من محبة الله، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشايخ، أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين؛ وقد شاهدنا هذا نحن منهم جهرة. وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده على لسانه، إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن استوحش؛ وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده؛ وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم؛ فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذوها من البشر، قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ١. فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا، يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى، وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من يعادي من أنكره. والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين

стр. 4337

وسلفهم: أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك؛ وقد أنكر الله ذلك عليهم في كتابة وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١؛والقرآن مملوء من أمثال هذه الآية، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي يحول بين المرء وبين فهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب: "إنما تنتقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" وهذا لأنه إذا لم يعرف الشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي عليه أهل الجاهلية، فتنتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع؛ ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا، فالله المستعان. ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستعانة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم; فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا

стр. 4338

لمن استغاث به، أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. والله لم يجعل سؤال غيره سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن؛ والميت محتاج إلى من يدعو له، كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين، أن نترحم عليهم، ونسأل لهم العافية، فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى التنقص بالأموات. وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به؛ وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم، ولله در خليله إبراهيم حيث قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ١، وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر، إلا من جرد توحيده لله، وتقرب بمقتهم إلى الله؛ انتهى كلامه ﵀. فتأمل رحمك الله كلام هذا الإمام، وتصريحه بأن من

стр. 4339

دعا الموتى وتوجه إليهم، واستغاث بهم ليشفعوا له عند الله، فقد فعل الشرك الأكبر، الذي بعث محمد ﷺ بإنكاره، وتكفير من لم يتب منه، وقتاله ومعاداته، وأن هذا قد وقع في زمانه، وأنهم غيروا دين الرسول ﷺ وعادوا أهل التوحيد، الذين يأمرونهم بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. وتأمل قوله أيضا: وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره، يتبين لك الأمر إن شاء الله. وكذلك تأمل أرشدك الله قوله: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر، إلا من عادى المشركين لله إلى آخره، يتبين لك أن الإسلام لا يستقيم إلا بمعاداة أهل الشرك، فإن لم يعادهم فهو منهم وإن لم يفعله، والله أعلم. وقال ﵀ في كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد" في الكلام على غزوة الطائف، وما فيها من الفقه، قال: وفيها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت، بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا، فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة. وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانا وطواغيت، تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم، والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء

стр. 4340

شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالته; وكثير منها بمنْزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركا عندها وبها، والله المستعان. ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت، يعتقد أنها تخلق أو ترزق، أو تحيي وتميت، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها، ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع. وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل وخفاء العلم، وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة؛ ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر، بما كسبت أيدي الناس; ولكن لا تزال طائفة من الأمة المحمدية قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. ومنها جواز صرف الإمام الأموال، التي تصير الى هذه المشاهد والطواغيت، في الجهاد ومصالح المسلمين، كما أخذ النبي ﷺ أموال اللات، وأعطاها أبا سفيان يتألفه بها،

стр. 4341

وقضى منها دين عروة والأسود; وكذلك الحكم في أوقافها، فإن وقفها والوقف عليها باطل، ومال ضائع، فإن الوقف لا يصح إلا في قربة؛ وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام، ومن اتبع سبيلهم، والله أعلم، انتهى كلامه. فتأمل رحمك الله هذا الكلام، وما فيه من التصريح بأن هذا الذي يفعل عند المشاهد والقباب التي على القبور في كثير من البلدان، أنه هو الشرك الأكبر، الذي فعله المشركون، وأن كثيرا منها بمنْزلة اللات، والعزى، ومناة، بل أعظم شركا من شرك أهل اللات والعزى ومناة، وتصريحه بأنهم فعلوا فعل المشركين، واتبعوا سبيلهم حذو القذة بالقذة; وتأمل قوله: وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل، وخفاء العلم، والله أعلم، وقال الشيخ تقي الدين ﵀، لما سئل عن قتال التتار، مع التمسك بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام، فقال: كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، المتواترة، من هؤلاء القوم، أو غيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر ﵁ مانعي الزكاة؛ وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم، بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله

стр. 4342

عنهما، فاتفق الصحابة على القتال على حقوق الإسلام، عملا بالكتاب والسنة. وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه، الحديث عن الخوارج، والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله: " تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم " ١، فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام، مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال؛ فالقتال واجب. فأيما طائفة ممتنعة، امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال، أو الخمر، أو الميسر، أو الزنى، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين، أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها، أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها؛ وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء. وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة، إذا أصرت على ترك بعض السنن، كركعتي الفجر، والأذان، والإقامة عند من لا يقول بوجوبها، ونحو ذلك من الشعائر، وهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات

стр. 4343

والمحرمات المذكورة ونحوها، فلا خلاف في القتال عليها. وهؤلاء عند المحققين من العلماء، ليسوا بمنْزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون، فهم خارجون عن الإسلام، بمنْزلة مانعي الزكاة، وبمنْزلة الخوارج الذين قاتلهم علي ﵁. ولهذا افترقت سيرته في قتاله لأهل البصرة، وأهل الشام، وفي قتاله لأهل النهروان، فكانت سيرته مع البصريين والشاميين، سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك، وثبتت النصوص عن النبي ﷺ بما استقر عليه إجماع الصحابة، من قتال الصديق لمانعي الزكاة، وقتال علي للخوارج، انتهى كلامه. فتأمل رحمك الله تصريح هذا الإمام في هذه الفتوى، بأن من امتنع عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، كالصلوات الخمس، والصيام والزكاة والحج، أو ترك المحرمات كالزنى، أو تحريم الدماء والأموال، أو شرب الخمر أو المسكرات، أو غير ذلك، أنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك، حتى يكون الدين كله لله، ويلتزموا جميع شرائع الإسلام، وإن كانوا مع ذلك ناطقين

стр. 4344

بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائع الإسلام، وأن ذلك مما اتفق عليه العلماء من سائر الطوائف، من الصحابة فمن بعدهم، وأن ذلك عملا بالكتاب والسنة. فتبين لك: أن مجرد الاعتصام بالإسلام، مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال، وأنهم يقاتلون قتال كفر، وخروج عن الإسلام، كما صرح به في آخر الفتوى، بقوله: وهؤلاء عند المحققين من العلماء، ليسوا بمنْزلة البغاة الخارجين عن الإمام، بل هم خارجون عن الإسلام بمنْزلة مانعي الزكاة، والله أعلم. وقال الشيخ ﵀، في آخر كلامه على كفر مانعي الزكاة: والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها، أو جاحد لها، هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصديق لعمر ﵄: (والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها) ، فجعل المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد وجوبها; وقد روي: أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب، لكن بخلوا بها. ومع هذا، فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة، وهي: قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة; وكان من أعظم فضائل الصديق عندهم: أن ثبته الله على قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، حتى ناظرهم فرجعوا إلى قوله.

стр. 4345

وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم؛ وهذه حجة من قال: إن قاتلوا الإمام عليها كفروا، وإلا فلا؛ فإن كفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة، قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة، بخلاف من لم يقاتل الإمام عليها، فإن في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قيل له: منع ابن جميل; فقال: " ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله " ١، فلم يأمر بقتله، ولا حكم بكفره; وفي السنن من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ :" ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله " ٢ الحديث. انتهى. فتأمل كلامه وتصريحه: بأن الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة إلى الإمام، أنهم يقاتلون ويحكم عليهم بالكفر والردة عن الإسلام، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، وإن أقروا بوجوب الزكاة، وصلوا الصلوات الخمس، وفعلوا جميع شرائع الإسلام غير أداء الزكاة، وأن ذلك ليس بمسقط للقتال لهم، والحكم عليهم بالكفر والردة، وأن ذلك قد ثبت بالكتاب والسنة، واتفاق الصحابة ﵃، والله أعلم. [حكم من سب الرسول ﷺ ] وقال الشيخ: رحمه الله تعالى في كتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول": قال الإمام إسحاق بن راهويه، أحد الأئمة، يعدل بالشافعي وأحمد: أجمع المسلمون أن
следующие страницы →