وقضى منها دين عروة والأسود; وكذلك الحكم في أوقافها، فإن وقفها والوقف عليها باطل، ومال ضائع، فإن الوقف لا يصح إلا في قربة؛ وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام، ومن اتبع سبيلهم، والله أعلم، انتهى كلامه.
فتأمل رحمك الله هذا الكلام، وما فيه من التصريح بأن هذا الذي يفعل عند المشاهد والقباب التي على القبور في كثير من البلدان، أنه هو الشرك الأكبر، الذي فعله المشركون، وأن كثيرا منها بمنْزلة اللات، والعزى، ومناة، بل أعظم شركا من شرك أهل اللات والعزى ومناة، وتصريحه بأنهم فعلوا فعل المشركين، واتبعوا سبيلهم حذو القذة بالقذة; وتأمل قوله: وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل، وخفاء العلم، والله أعلم،
وقال الشيخ تقي الدين ﵀، لما سئل عن قتال التتار، مع التمسك بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام، فقال: كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، المتواترة، من هؤلاء القوم، أو غيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر ﵁ مانعي الزكاة؛ وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم، بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله
стр. 4342
عنهما، فاتفق الصحابة على القتال على حقوق الإسلام، عملا بالكتاب والسنة.
وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه، الحديث عن الخوارج، والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله: " تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم " ١، فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام، مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال؛ فالقتال واجب.
فأيما طائفة ممتنعة، امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال، أو الخمر، أو الميسر، أو الزنى، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين، أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها، أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها؛ وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء.
وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة، إذا أصرت على ترك بعض السنن، كركعتي الفجر، والأذان، والإقامة عند من لا يقول بوجوبها، ونحو ذلك من الشعائر، وهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات
стр. 4343
والمحرمات المذكورة ونحوها، فلا خلاف في القتال عليها.
وهؤلاء عند المحققين من العلماء، ليسوا بمنْزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون، فهم خارجون عن الإسلام، بمنْزلة مانعي الزكاة، وبمنْزلة الخوارج الذين قاتلهم علي ﵁. ولهذا افترقت سيرته في قتاله لأهل البصرة، وأهل الشام، وفي قتاله لأهل النهروان، فكانت سيرته مع البصريين والشاميين، سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك، وثبتت النصوص عن النبي ﷺ بما استقر عليه إجماع الصحابة، من قتال الصديق لمانعي الزكاة، وقتال علي للخوارج، انتهى كلامه.
فتأمل رحمك الله تصريح هذا الإمام في هذه الفتوى، بأن من امتنع عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، كالصلوات الخمس، والصيام والزكاة والحج، أو ترك المحرمات كالزنى، أو تحريم الدماء والأموال، أو شرب الخمر أو المسكرات، أو غير ذلك، أنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك، حتى يكون الدين كله لله، ويلتزموا جميع شرائع الإسلام، وإن كانوا مع ذلك ناطقين
стр. 4344
بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائع الإسلام، وأن ذلك مما اتفق عليه العلماء من سائر الطوائف، من الصحابة فمن بعدهم، وأن ذلك عملا بالكتاب والسنة.
فتبين لك: أن مجرد الاعتصام بالإسلام، مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال، وأنهم يقاتلون قتال كفر، وخروج عن الإسلام، كما صرح به في آخر الفتوى، بقوله: وهؤلاء عند المحققين من العلماء، ليسوا بمنْزلة البغاة الخارجين عن الإمام، بل هم خارجون عن الإسلام بمنْزلة مانعي الزكاة، والله أعلم.
وقال الشيخ ﵀، في آخر كلامه على كفر مانعي الزكاة: والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها، أو جاحد لها، هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصديق لعمر ﵄: (والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها) ، فجعل المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد وجوبها; وقد روي: أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب، لكن بخلوا بها.
ومع هذا، فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة، وهي: قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة; وكان من أعظم فضائل الصديق عندهم: أن ثبته الله على قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، حتى ناظرهم فرجعوا إلى قوله.
стр. 4345
وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم؛ وهذه حجة من قال: إن قاتلوا الإمام عليها كفروا، وإلا فلا؛ فإن كفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة، قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة، بخلاف من لم يقاتل الإمام عليها، فإن في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قيل له: منع ابن جميل; فقال: " ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله " ١، فلم يأمر بقتله، ولا حكم بكفره; وفي السنن من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ :" ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله " ٢ الحديث. انتهى.
فتأمل كلامه وتصريحه: بأن الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة إلى الإمام، أنهم يقاتلون ويحكم عليهم بالكفر والردة عن الإسلام، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، وإن أقروا بوجوب الزكاة، وصلوا الصلوات الخمس، وفعلوا جميع شرائع الإسلام غير أداء الزكاة، وأن ذلك ليس بمسقط للقتال لهم، والحكم عليهم بالكفر والردة، وأن ذلك قد ثبت بالكتاب والسنة، واتفاق الصحابة ﵃، والله أعلم.
[حكم من سب الرسول ﷺ ]
وقال الشيخ: رحمه الله تعالى في كتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول": قال الإمام إسحاق بن راهويه، أحد الأئمة، يعدل بالشافعي وأحمد: أجمع المسلمون أن
стр. 4346
من سب الله أو رسوله، أو دفع شيئا مما أنزل الله، أنه كافر بذلك، وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله.
وقال محمد بن سحنون - أحد الأئمة من أصحاب مالك -: أجمع العلماء على أن شاتم الرسول كافر، وحكمه عند الأئمة القتل، ومن شك في كفره كفر; قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن على من سبه القتل.
وقال الإمام أحمد فيمن سبّه يقتل، قيل له: فيه أحاديث؟ قال: نعم; منها: حديث الأعمى الذي قتل المرأة; وقول ابن عمر: "من شتم النبي ﷺ قتل. وعمر بن عبد العزيز يقول: يقتل; وقال في رواية عبد الله: لا يستتاب، فإن خالد بن الوليد قتل رجلا شتم النبي ﷺ ولم يستتبه" انتهى.
فتأمل رحمك الله: كلام إسحاق بن راهويه، ونقله الإجماع على أن من سب الله، أو سب رسوله، أو دفع شيئا مما أنزل الله، أنه كافر، وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله، يتبين لك: أن من تلفظ بلسانه بسب الله تعالى، أو سب رسوله، فهو كافر مرتد عن الإسلام، وإن أقر بجميع ما أنزل الله، وإن كان هازلا بذلك لم يقصد معناه بقلبه، كما قال الشافعي: من هزل بشيء من آيات الله فهو كافر، فكيف بمن هزل بسب الله، أو سب رسوله ﷺ ؟
стр. 4347
ولهذا قال الشيخ تقي الدين: قال أصحابنا وغيرهم، من سب الله تعالى كفر، مازحا أو جادا، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١، الآية قال: وهذا هو الصواب المقطوع به، انتهى.
ومعنى قول إسحاق رحمه الله تعالى: أو دفع شيئا مما أنزل الله، أن يدفع أو يرد شيئا مما أنزل الله في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من الفرائض، أو الواجبات، أو المسنونات، أو المستحبات، بعد أن يعرف أن الله أنزله في كتابة، أو أمر به رسوله ﷺ أو نهى عنه، ثم دفعه بعد ذلك، فهو كافر مرتد، وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله في كتابه من الشرع، إلا ما دفعه وأنكره لمخالفته لهواه أو عادته، أو عادة أهل بلده.
وهذا معنى قول العلماء: من أنكر فرعا مجمعا عليه كفر، فإذا كان من أنكر النهي عن الأكل بالشمال، أو النهي عن إسبال الثياب، بعد معرفته أن الرسول ﷺ نهى عن ذلك، فهو كافر مرتد، ولو كان من أعبد الناس وأزهدهم، فكيف بمن أنكر إخلاص العبادة لله وحده، وإخلاص الدعوة والاستغاثة، والنذر والتوكل، وغير ذلك من أنواع العبادة، التي لا تصلح إلا لله وحده، ولا يصلح منها شيء
стр. 4348
لملك مقرب، ولا نبي مرسل، التي أرسل الله جميع رسله، وأنزل جميع كتبه لأجل معرفتها والعمل بها، التي هي أعظم شعائر الإسلام، الذي هو معنى لا إله إلا الله؟ فمن أنكر ذلك وأبغضه، وسبه وسب أهله، وسماهم الخوارج، فهو الكافر حقا، الذي يجب قتاله، حتى يكون الدين كله لله، بإجماع المسلمين كلهم؛ والله سبحانه أعلم.
فصل: [قول ابن القيم في اتخاذ القبور أعياداً]
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في "الإغاثة": قال ﷺ : " لا تتخذوا قبري عيدا " ١، وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢؛ وفي اتخاذها عيدا من أعيادهم من المفاسد العظيمة، ما يغضب لأجله من في قلبه وقار لله وغيرة على التوحيد؛ ولكن ما لجرح بميت إيلام.
منها: الصلاة إليها والطواف بها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم، وكل من شم أدنى رائحة من العلم، يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى ذلك، وأنه ﷺ أعلم بعاقبة ما نهى عنه، وما يؤول إليه.
وإذا لعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد يعبد الله فيها، فكيف بملازمتها واعتياد قصدها؟ ومن جمع بين سنة رسوله ﷺ في القبور، وما أمر به ونهى عنه، وما عليه
стр. 4349
أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادا للآخر.
فنهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ونهى عن تشريفها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا، وأمر بتسويتها كما في صحيح مسلم، عن علي ﵁، وهؤلاء يرفعونها، ويجعلون عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما في صحيح مسلم عن جابر.
ونهى عن الكتابة عليها، كما رواه الترمذي عن جابر وصححه، ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، كما رواه أبو داود عن جابر، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن، ويزيدون على ترابها بالجص، والآجر والأحجار.
وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين، إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعضهم كتابا سماه "مناسك حج المشاهد"؛ ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام.
فانظر إلى هذا التباين العظيم، بين ما شرعه الرسول ﷺ وما شرعه هؤلاء. والنبي ﷺ أمر بزيارة القبور،
стр. 4350
لأنها تذكّر الآخرة، وأمر الزائرين أن يدعوا لأهل القبور، ونهاه أن يقول هجرا؛ فهذه الزيارة التي أذن فيها لأمته، وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئا مما يعتمده أهل الشرك والبدع؟ أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه؟!
وما أحسن ما قال الإمام مالك ﵀: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك؛ ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جنابه حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي ﷺ ثم أراد الدعاء جعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا؛ وقد نص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة للدعاء حتى لا يدعو عند القبر، فإن الدعاء عبادة.
وبالجملة: فالميت قد انقطع عمله، فهو محتاج إلى من يدعو له؛ ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء، ما لم يشرع مثله للحي؛ ومقصود الصلاة على الميت الاستغفار له، والدعاء له، وكان ﷺ يقف على القبر بعد الدفن، فيقول: " سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل " فبدل أهل الشرك والبدع قولا غير الذي قيل لهم: فبدلوا الدعاء له بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به، والزيارة التي شرعت إحسانا للميت وإلى الزائر، بسؤال الميت والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء، الذي هو مخ
стр. 4351
العبادة، وحضور القلب عندها، وخشوعه أعظم منه في المساجد. وذكر ابن إسحاق، عن أبي العالية قال: لما فتحنا تستر، وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا، عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف، فحملنا المصحف إلى عمر، فدعا كعبا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه؛ قرأته مثلما أقرأ القرآن، فيه سيرتكم وأموركم، ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد; قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان الليل دفناه، وسوينا القبور كلها، لنعميه على الناس أن لا ينبشوه.
قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم، أبرزوا السرير فيمطرون، قلت: من كنتم تظنون الرجل: قال: دانيال; قلت: منذ كم مات؟ قال: من ثلاثمائة سنة; قلت: ما تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا شعرات من قفاه؛ إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع. ففي هذه القصة: ما فعله المهاجرون والأنصار، من تعمية قبره، لئلا يفتتن به؛ ولو ظفر به المتأخرون، لجالدوا عليه بالسيوف، وعبدوه، فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا يدانيه، وجعلوا لها سدنة.
وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير، "فقطع
стр. 4352
عمر بن الخطاب ﵁ الشجرة التي بويع رسول الله ﷺ تحتها،" "ولما رأى عمر الناس يذهبون، فسأل عن ذلك فقيل: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس، وبيعا؛ فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد، فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها".
وقد أنكر رسول الله ﷺ على الصحابة، لما سألوه شجرة يعلقون عليها أسلحتهم بخصوصها، ثم ذكر حديث ذات أنواط؛ فإذا كان اتخاذ الشجرة لتعليق الأسلحة، والعكوف حولها، اتخاذ إله مع الله، وهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر، ودعائه والدعاء عنده، والدعاء به؟ وأين نسبة الفتنة بشجرة، إلى الفتنة بالقبر، لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون؟ ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله ﷺ ، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم، في هذا الباب وغيره، علم أن بين السلف وبينه، أبعد مما بين المشرق والمغرب؛ والأمر والله أعظم مما ذكرنا.
وفي صحيح البخاري، عن أم الدرداء، قالت: (دخل علي أبو الدرداء مغضبا فقلت: ما لك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعا" انتهى.
стр. 4353
فتأمل رحمك الله كلام الشيخ، وتصريحه بأن عبادة الأوثان قد وقعت في زمانه، وتصريحه بعد ذكره لقصة دانيال، بأن أهل زمانه المتأخرين، قد اتخذوا من قبور من لا يدانيه في المرتبة والفضل والصلاح، أوثانا، وأنهم لو وجدوه لجالدوا عليه بالسيوف، وعبدوه من دون الله، يتبين لك ما أصبح غالب الناس فيه، من عبادة غير الله، ودعائهم، والاستغاثة بهم في الشدائد، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، والإخلاص لهم في العبادة، في أوقات الشدائد، عند ركوبهم في البحر وغيره، الذي لم يفعله المشركون الأولون،
كما أخبر الله عنهم، بقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ١،وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٢.
فتأمل رحمك الله: ما ذكر الإله عن هؤلاء المشركين، من إخلاص الدعوة له أوقات الشدائد، ثم تأمل ما يفعله المشركون في زماننا، مما ذكرت لك، يتبين لك غربة الإسلام، الذي جاء به النبي ﷺ في هذه الأزمان. فإذا كان هذا كلام أهل العلم، وتصريحهم بأن الشرك غلب
стр. 4354
على أكثر النفوس، وأن القليل الذي تخلص منه، بل القليل من لا يعادي من أنكر الشرك، فما ظنك بزمانك هذا؟ ومعلوم: أن الأمر لا يزداد إلا شدة، وغربة; وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: " لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه " أخرجه البخاري في صحيحه، عن أنس.
ولكن الأمر كما قال الشيخ ﵀: ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله ﷺ ، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم، في هذا الباب وغيره، علم أن بينهما أبعد مما بين المشرق والمغرب، وهذه هي الفتنة التي قال فيها ابن مسعود ﵁: "كيف أنتم إذا لبستكم فتنة، يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، يتخذها الناس سنة، إذا غيرت قيل غيرت السنة"؛ والله أعلم.
فصل: [ابتلاء الناس بالأنصاب والأزلام]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والناس قد ابتلوا بالأنصاب والأزلام، فالأنصاب للشرك، والأزلام لطلب علم ما استأثر الله به، هذه للعلم، وتلك للعمل، ودين الله مضاد لهذا، وهذا; "وعمى الصحابة قبر دانيال بأمر عمر"، "ولما بلغه: أن الناس ينتابون الشجرة، التي بويع رسول الله ﷺ تحتها، أرسل فقطعها"، قال عيسى بن يونس: هو عندنا من حديث ابن عون عن نافع؛ فإذا كان هذا فعله في الشجرة التي ذكر الله في القرآن، وبايع تحتها الصحابة رسول الله ﷺ ، فماذا حكمه فيما عداها؟
стр. 4355
وأبلغ من ذلك: "أن رسول الله ﷺ هدم مسجد الضرار" ففيه دليل على هدم المساجد التي هي أعظم فسادا منه، كالمبنية على القبور، وكذلك قبابها؛ فتجب المبادرة إلى هدم ما لعن رسول الله ﷺ فاعله، والله يقيم لدينه من ينصره ويذب عنه.
وكان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام، وحزب الله الموحدين; وكانوا يقولون - أي العامة - لشيء منها: إنه يقبل النذر، أي: يقبل العبادة من دون الله، فالنذر عبادة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له.
ولقد أنكر السلف التمسح بحجر المقام، الذي أمر الله أن يتخذ منه مصلى، قال قتادة في الآية: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه؛ ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ذكر لنا من رأى أثر أصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق.
وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب: فتنة أصحاب القبور، وهي أصل فتنة عبادة الأصنام، كما ذكره الله في سورة نوح، في قوله: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ١ الآية؛ ذكر السلف في تفسيرها: أن هؤلاء أسماء رجال صالحين في قوم نوح،
стр. 4356
فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم; وتعظيم الصالحين إنما هو باتباع الصالحين، واتباع ما دعوا إليه، دون اتخاذ قبورهم أعيادا وأوثانا، فأعرضوا عن المشروع، واشتغلوا بالبدع. ومن أصغى إلى كلام الله وتفهمه، أغناه عن البدع والآراء، ومن بعد عنه فلا بد أن يتعوض عنه بما لا ينفعه، كما أن من عمر قلبه بمحبة الله، وخشيته والتوكل عليه، أغناه عن محبة غيره، وخشيته والتوكل عليه؛ فالمعرض عن التوحيد مشرك شاء أم أبى، والمعرض عن اتباع السنة مبتدع شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله عابد الصور شاء أم أبى.
وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع: أبعدها عن المشروع: أن يسأل الميت حاجته، كما يفعله كثير؛ وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت، كما يتمثل لعباد الأصنام، وهذا يحصل للمشركين وأهل الكتاب، وكذلك السجود للقبر، وتقبيله والتمسح به. والنوع الثاني: أن يسأل الله به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة إجماعا. النوع الثالث: أن يظن أن الدعاء عنده مستجاب، وأنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد القبر لذلك؛ فهذا أيضا من المنكرات إجماعا، وما علمت فيه نزاعا بين أئمة الدين،
стр. 4357
وإن كان كثير من المتأخرين يفعله. وبالجملة: فأكثر أهل الأرض مفتتنون بعبادة الأوثان، ولم يتخلص منه إلا الحنفاء أتباع إبراهيم، وعبادتها في الأرض من قبل نوح، وهياكلها ووقوفها، وسدنتها وحجابها، والكتب المصنفة في عبادتها طبق الأرض. قال إمام الحنفاء ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ١. وكفى في معرفة أنهم أكثر أهل الأرض: ما صح عن النبي ﷺ : " أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون " وقد قال تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ ٢، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٣، وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٤، وقال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ ٥. ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة، لما أقدم عبادها على بذل نفوسهم، وأموالهم، وأبنائهم دونها، وهم يشاهدون مصارع إخوانهم، وما حل بهم، ولا يزيدهم ذلك إلا حبا لها وتعظيما، ويوصي بعضهم بعضا بالصبر عليها، والله أعلم.
стр. 4358
فتأمل رحمك الله تعالى: كلام الشيخ في الأنصاب، والأزلام، والقباب المبنية على القبور، وأنه يجب المبادرة إلى هدمها، وأنها أعظم ضررا من مسجد الضرار الذي قال الله في أهله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ١، وأمر رسول الله ﷺ بهدمه وتحريقه، ونهى الله نبيه عن الصلاة فيه.
وقوله: والله يقيم لدينه من ينصره ويذب عنه؛ وكان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسر الله كسرها على يد شيخ الإسلام، وحزب الله الموحدين، ومراده بذلك: الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀، فإنه هدم مواضع كثيرة بدمشق، مما يعبده العامة من دون الله، وينذرون له، ويقولون: إنه يقبل النذر، أي: يقبل العبادة.
وذلك لأن النذر عبادة، قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ٣، فإذا عرفت أن النذر عبادة، وصرفته لغير الله، فقد أشركت في عبادة الله غيره.
وقد أقام الله في زماننا هذا - وهو آخر القرن الثاني عشر من الهجرة النبوية - من بعث به دين الإسلام،
стр. 4359
وإخلاص العبادة لله وحده بعد اندراسه، وهو: الشيخ، الإمام العالم، ذو الفضائل والمكارم، والأخلاق السنية، والأعمال المرضية السنية، محيي السنة النبوية، وقامع البدعة الشركية: محمد بن عبد الوهاب، أسكنه الله الجنة التي هي أحسن المآب، وبرد مضجعه، وأجزل له الثواب.
فنصر الله به الدين القويم، وبين بسببه صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وأزال الله به الشرك، وعبادة الأوثان من أرض نجد، من الكفر والطغيان، ويسر الله كسر تلك الأوثان على يده، وأيدي أتباعه من الموحدين، وحزب الله المفلحين.
وكان قبل ذلك في كل أرض وبلد من أرض نجد، أوثان وأشجار تعبد من دون الله، وينذر لها ويذبح لها القربان، ويعظمونها أعظم من تعظيم الله، كقبر زيد بن الخطاب ﵁ في "الجبيلة" وكشجرة في "قريوة" في بلد الدرعية، وشجرة أخرى لأهل "الطرفية"، وغار يقال له "غار بنت الأمير" في أسفل بلد الدرعية، وقبر يقال له قبر المغربي.
وأعظم من ذلك: عبادتهم تاجا، وشمسان، مع شهادتهم عليهم بالفجور، لكن يزعمون أنهم أولياء، لا تضرهم الذنوب، ويهابونهم أعظم مما يهابون الله؛ ومنهم
стр. 4360
من يدعو الجن ويذبح لهم، وفي كل بلد من ذلك شيء عظيم; فأزال الله ذلك كله، بشيخ الإسلام، وأقام الله به الحجة على أهل زمانه، وعرف التوحيد جميع عدوانه، وأقروا أنه دين الله ورسوله، وأن الذي هم عليه الشرك بالله تعالى، ولم يردهم ذلك إلا بغضا له وعداوة.
وسعوا في إزالته وعداوته، بكل ممكن حسدا له، لما أظهر الله الدين على يده، حتى أظهره الله عليهم، ونصره، ونصر أتباعه على من خذلهم وخالفهم، مع ضعفهم وقلة عددهم، وقوة عدوهم وكثرتهم، وأدخل الله جميع أهل نجد في الإسلام، ودانوا به، واجتمعوا عليه، حاضرتهم وباديتهم؛ فالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله; ونسأل الله العظيم المنان أن يثبتنا على الإسلام، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يعيذنا من التفرق والاختلاف، إنه على كل شيء قدير.
فصل: [رد الشيخ ابن تيمية على ابن البكري في مسألة الاستغاثة]
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى - في رده على ابن البكري، في مسألة الاستغاثة -: العبادة مبناها على الاتباع، لا على الابتداع، فليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂، عن
стр. 4361
النبي ﷺ : " من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد " ١، وفي لفظ في الصحيح: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ٢.
وفي الصحيح وغيره يقول الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك " ٣؛ ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقيف، كما في الصحيحين عن عمر ﵁ أنه قبل الحجر الأسود، وقال: "والله إني لأعلم أنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك".
والله أمرنا باتباع الرسول ﷺ وطاعته وموالاته ومحبته، وضمن لنا بطاعته ومحبته وكرامته، محبته لنا ومغفرته وهدايته، وإدخالنا الجنة، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ٤، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٥، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٦؛ وأمثال ذلك في القرآن كثير، ولا ينبغي لأحد أن يخرج في هذا الباب عما مضت به السنة، وكان عليه سلف الأمة.
وبالجملة: فمعنا أصلان عظيمان: أحدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده
стр. 4362
بعبادة مبتدعة; وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ١، قال الفضيل بن عياض: أخلصه، وأصوبه; قال: إن العمل إذا كان خالصا، ولم يكن صوابا، لم يقبل، وإذا كان صوابا، ولم يكن خالصا، لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا; والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٢.
وجاءت السنة: أن يسأل الله بأسمائه وصفاته، فيقال: أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
وكذلك قوله: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وكلماتك التامة، مع أن هذا الدعاء الثاني، في جواز الدعاء به قولان للعلماء; وقال الشيخ أبو الحسين القدوري:
قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به،
стр. 4363
وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك، وهو قول أبي يوسف.
قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشك، هو الله، فلا أكره هذا، وأكره بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام; قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، يعني: فلا تجوز وفاقا; وقال البلدجي في شرح المختار: ويكره أن يدعو الإله إلا به، فلا يقول أسألك بحق فلان، وبملائكتك، أو بأنبيائك، ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، ويقول في دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك; وعن أبي يوسف أنه يجوز; قلت: وهذا عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، وغيرهما، يقتضي المنع; أن يسأل الله تعالى بغيره.
وأما سؤال الميت والغائب، نبيا كان أو غير نبي، فهو من المحرمات المنكرة، باتفاق أئمة المسلمين، لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين؛ وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن أحدا منهم ما كان يقول - إذا نزلت به شدة، أو عرضت له حاجة - لميت: يا سيدي فلان، أنا في حسبك، أو اقض حاجتي، كما يقول بعض هؤلاء المشركين، لمن
стр. 4364
يدعونهم من الموتى والغائبين؛ ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، لا عند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا الصلاة عندها.
ولما قحط الناس في زمان عمر بن الخطاب، استسقى بالعباس، وتوسل بدعائه، وقال: (اللهم إنا كنا نتوسل إذا أجدبنا بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) ، فيسقون، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، وكذلك معاوية ﵁ لما استسقى بأهل الشام، توسل بيزيد بن الأسود الجرشي؛ فهذا الذي ذكره عمر ﵁ توسل منهم بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته، ولهذا توسلوا بعده بدعاء العباس، ودعاء يزيد بن الأسود، وهذا هو الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء، فقالوا: يستحب أن يستسقي بالصالحين، وإذا كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل.
وقد كره العلماء، كمالك وغيره: أن يقوم الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع، التي لم يفعلها السلف; وقد قال تعالى. ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ١، قال: عيسى ابن مريم، وعزير،
стр. 4365
والملائكة.
وكذلك عن إبراهيم النخعي، قال: كان ابن عباس يقول في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ١: (هو عزير، والمسيح، والشمس، والقمر) ; وكذلك شعبة روى عن السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: (عيسى وأمه والعزير) ، وعن عبد الله بن مسعود قال: (نزلت في نفر من العرب، كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم، لا يشعرون بإسلامهم، فنَزلت هذه الآية) ، ثبت ذلك عنه في صحيح البخاري.
وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدا لله، سواء كان من الملائكة، أو من الجن، أو من البشر; والسلف في تفسيرهم، يذكرون جنس المراد بالآية، على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله: ما معنى لفظ "الخبز"؟ فيريه: رغيفا، فيقول: هذا، فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه، وليس مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع، مع شمول الآية للنوعين؛ فالآية خطاب لكل من دعا دون الله مدعوا، وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته ويخاف عذابه.
فكل من دعا ميتا أو غائبا، من الأنبياء والصالحين، سواء كان بلفظ الاستغاثة، أو غيرها، فقد تناولته هذه
стр. 4366
الآية، كما تتناول من دعا الملائكة والجن؛ ومعلوم أن هؤلاء كلهم وسائط، فيما يقدره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى الله تعالى عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين، ولا تحويلا، لا يرفعونه بالكلية، ولا يحولونه من موضع إلى موضع، كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ ، فذكر نكرة تعم أنواع التحويل.
فكل من دعا ميتا، أو غائبا، من الأنبياء والصالحين، أو دعا الملائكة، أو دعا الجن، فقد دعا من لا يغيث، ولا يملك كشف الضر عنه، ولا تحويلا; وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ١؛ وقد نص الأئمة أحمد وغيره، على أنه لا يجوز الاستغاثة بمخلوق، وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا: لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه استعاذ بكلمات الله، وأمر بذلك؛ ولهذا نهى العلماء عن التعازيم، والتعاويذ التي لا يعرف معناها، خشية أن يكون فيها شرك.
ومما يبين حكمة الشريعة، وعظم قدرها، وأنها كما قيل: كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، أن الذين خرجوا عن المشروع، زين لهم الشيطان أعمالهم، حتى خرجوا إلى الشرك، وطائفة من هؤلاء، يصلون إلى الميت، ويستدبر أحدهم القبلة، ويسجد للقبر;
стр. 4367
ويقول أحدهم: القبلة قبلة العامة، وقبر الشيخ فلان قبلة الخاصة، وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهدا، وهو شيخ متبوع، ولعله من أمثل أتباع شيخه، يقوله في شيخه.
وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين، أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد، يأمر المريد أول ما يذهب يتوب: أن يذهب إلى قبر الشيخ، فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل عليها؛ وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور، يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع، والدعاء وحضور القلب، ما لا يجده أحدهم في مساجد الله، التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه.
وآخرون يحجون للقبور، وطائفة صنفوا مناسك حج المشاهد، كما صنف أبو عبد الله محمد بن النعمان، الملقب بالمفيد، أحد شيوخ الإمامية، كتابا في ذلك، وذكر فيه من الحكايات المكذوبة على أهل البيت، ما لا يخفى كذبه على من له معرفة بالنقل. وآخرون يسافرون إلى قبور المشائخ، وإن لم يسموا ذلك منسكا وحجا، فالمعنى واحد؛ ومن هؤلاء من يقول: وحق النبي الذي تحج إليه المطايا، فيجعل الحج إلى النبي لا إلى بيت الله (، وكثير من هؤلاء أعظم قصده من الحج، قصد قبر النبي ﷺ لا حج البيت.
وبعض الشيوخ المشهورين بالدين والزهد والصلاح،
стр. 4368
صنف كتابا أسماه "الاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام"، وهذا الضال استعان بهذا الكتاب، وقد ذكر في مناقب هذا الشيخ: أنه حج مرة، وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى مكة، وجعل هذا من مناقبه؛ فإن كان هذا مستحبا، فينبغي لمن يجب عليه حج البيت إذا حج أن يجعل المدينة منتهى قصده، ولا يذهب إلى مكة، فإنه زيادة كلفة ومشقة، مع ترك الأفضل، وهذا لا يقوله عاقل. وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض أكابر الشيوخ عند الناس، ممن يقصده الملوك، والقضاة، والعلماء، والعامة، على طريق ابن سبعين، قيل عنه أنه كان يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبيت الذي للمشركين بالهند، وهذا لأنه كان يعتقد أن دين اليهود حق ودين النصارى حق.
وجاء بعض إخواننا العارفين- قبل أن يعرف حقيقتة- فقال له: أريد أن أسلك على يديك، فقال علي دين اليهود، أو النصارى، أو المسلمين؟ فقال اليهود والنصارى ليسوا كفارا فقال: لا تشدد عليهم، لكن الإسلام أفضل.
ومن هؤلاء: من قدم الحج إلى المقابر، على الحج إلى البيت ; ومنهم من يرجح الحج إلى البيت، لكن قد يقول أحدهم: إنك إذا زرت قبر الشيخ مرتين أو ثلاثا، كان
стр. 4369
كحجة ; ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ بمنْزلة عرفات، يسافرون إليها وقت الموسم، فيعرفون بها كما يعرف المسلمون بعرفات، كما يفعل هذا بالمشرق والمغرب.
ومنهم: من يجعل السفر إلى المشهد والقبر الذي يعظمه، أفضل من الحج؛ ويقول أحد المريدين، للآخر- وقد حج سبع حجج إلى بيت الله العتيق-:أتبيعني زيارة قبر الشيخ بالحجج السبع؟ فشاور الشيخ، فقالوا: لو بعته كنت مغلوبا. ومنهم من يقول: من طاف بقبر الشيخ سبعا، كان كحجة، ومنهم من يقول: زيارة المغارة الفلانية ثلاث مرات كحجة. ومنهم من يحكي عن الشيخ الميت، أنه قال: كل خطوة إلى قبري كحجة، ويوم القيامة لا أبيع بحجة؛ وأنكر بعض الناس ذلك. فتمثل له الشيطان بصورة الشيخ في منامه، وزجره على إنكار ذلك، وهؤلاء وأمثالهم: صلاتهم، ونسكهم لغير الله رب العالمين، فليسوا على ملة الحنفاء.
وليسوا من عمار مساجد الله، الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ١، فعمار مساجد الله لا يخشون إلا الله.
стр. 4370
وعمار مشاهد القبور يخشون غير الله، ويرجون غير الله، حتى إن طائفة من أرباب الكبائر، الذين لا يخشون الله فيما يفعلونه من القبائح، كان إذا رأى قبة الميت، أو الهلال الذي على رأس القبة، فيخشى من فعل الفواحش، ويقول أحدهم لصاحبه: ويحك هذا هلال القبة، فيخشون المدفون تحت الهلال، ولا يخشون الذي خلق السماوات والأرض، وجعل أهلة السماء مواقيت للناس والحج. وهؤلاء إذا نوظروا، خوفوا مناظرهم، كما صنع المشركون بإبراهيم، قال تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ١ إلى قوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢.
وآخرون قد جعلوا الميت بمنْزلة الإله، والشيخ الحي المتعلق به كالنبي؛ فمن الميت تطلب قضاء الحاجات، وكشف الكربات، وأما الحي فالحلال ما أحله، والحرام ما حرمة، وكأنهم في أنفسهم قد عزلوا الله عن أن يتخذوه إلها، وعزلوا محمدا ﷺ أن يتخذوه رسولا.
стр. 4371
وقد يجيء الحديث العهد بالإسلام، أو التابع لهم، الحسن الظن بهم أو غيره، يطلب من الشيخ الميت: إما دفع ظلم ملك يريد أن يظلمه، أو غير ذلك، فيدخل ذلك السادن، فيقول: قد قلت للشيخ، والشيخ يقول للنبي، والنبي يقول لله، والله قد بعث رسولا إلى السلطان فلان; فهل هذا إلا محض دين المشركين والنصارى، وفيه من الكذب والجهل، ما لا يستجيزه كل مشرك ونصراني، ولا يروج عليه.
ويأكلون من النذور، والمنذور، وما يؤتى به إلى قبورهم، ما يدخلون به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١، يعرضون بأنفسهم، ويمنعون غيرهم، إذ التابع لهم يعتقد أن هذا سبيل الله ودينه، فيمتنع بسبب ذلك من الدين الحق، الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه.
والله تعالى لم يذكر في كتابه المشاهد، بل ذكر المساجد، وأنها خالصة له، قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ٣ الآية،
وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ٤ الآية،
стр. 4372
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ ١، ولم يذكر بيوت الشرك، كبيوت الأصنام والمشاهد، ولا ذكر بيوت النار، لأن الصوامع والبيع لأهل الكتاب؛ فالممدوح من ذلك ما كان مبنيا قبل النسخ والتبديل، كما أثنى على اليهود والنصارى والصابئين، الذين كانوا قبل النسخ والتبديل، يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويعملون الصالحات.
فبيوت الأوثان، وبيوت النيران، وبيوت الكواكب، وبيوت المقابر، لم يمدح الله شيئا منها، ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ٢ فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدا على أهل الكهف، كانوا من النصارى الذين لعنهم النبي ﷺ حيث قال: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٣،وفي رواية:?" والصالحين".
ودعاء المقبورين من أعظم الوسائل إلى ذلك، وقد قدم بعض شيوخ المشرق، وتكلم معي في هذا، فبينت له فساد هذا، فقال أليس قد قال النبي ﷺ : "إذا أعيتكم الأمور، فعليكم بأصحاب القبور"؟ فقلت: هذا مكذوب باتفاق أهل
стр. 4373
العلم، لم يروه عن النبي ﷺ أحد من علماء الحديث.
وبسبب هذا وأمثاله، ظهر مصداق قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح "لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ". وهؤلاء الغلاة المشركون، إذا حصل لأحدهم مطلوبه، ولو من كافر، لم يقبل على الرسول ﷺ ، بل يطلب حاجته من حيث يظن أنها تقضى.
فتارة يذهب إلى ما يظنه قبر رجل صالح، ويكون فيه قبر كافر أو منافق، وتارة يعلم أنه كافر، أو منافق، ويذهب إليه، كما يذهب قوم إلى كنيسة، أو إلى موضع، يقال لهم: إنها تقبل النذر؛ فهذا يقع فيه عامتهم، وأما الأول فيقع فيه خاصتهم.
حتى إن بعض أصحابنا، المباشرين لقضاء القضاة، لما بلغه أني أنهى عن ذلك، صار عنده من ذلك شبهة ووسواس، لما يعتقده من الحق فيما أذكره، ولما عنده من المعارضة، لذلك قال لبعض أصحابنا سرا: أنا جربت إجابة الدعاء عند قبر بالقرافة، فقال له ذلك الرجل: فأنا أذهب معك إليه، لنعرف من هو قبره، فذهب إليه، فوجد مكتوبا عليه "عبد علي" فعرفوا: أنه إما رافضي، أو إسماعيلي.
стр. 4374
وكان بالبلد جماعة كثيرون، يظنون فى العبيديين أنهم أولياء الله الصالحون، فلما ذكرت لهم أن هؤلاء كانوا منافقين زنادقة، وخيار من فيهم الرافضة، جعلوا يتعجبون ويقولون: نحن نذهب بالفرس التي فيها مغل إلى قبورهم فتشفى عند قبورهم، فقلت لهم: هذا من أعظم الأدلة على كفرهم.
وطلبت طائفة من سياس الخيل، فقلت: أنتم بالشام ومصر، إذا أصاب الخيل المغل أين تذهبون بها؟ فقالوا: في الشام نذهب بها إلى قبور اليهود والنصارى، وإذا كنا بأرض الشمال، نذهب بها إلى القبور التي ببلاد الإسماعيلية، كالعليقة والمنيقة ونحوهما، وأما في مصر، فنذهب بها إلى دير هناك للنصارى، ونذهب بها إلى قبور هؤلاء الأشراف، وهم يظنون: أن العبيديين أشراف، لما أظهروا أنهم من أهل البيت.
فقلت: هلا تذهبون إلى قبور صالحي المسلمين، مثل الليث بن سعد، والشافعي، وابن القاسم، ونفيسة، وغير هؤلاء، فقالوا: لا; فقلت لأولئك: اسمعوا، إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار، والمنافقين، وبينت لهم سبب ذلك، فقلت: لأن هؤلاء يعذبون في قبورهم، والبهائم تسمع أصواتهم، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، فإذا سمعت ذلك فزعت؛ فبسبب الرعب الذي يحصل لها،
стр. 4375
تنحل بطونها، فتروث، فإن الفزع يقتضي الإسهال، فتعجبوا من ذلك؛ وهذا المعنى كثيرا ما كنت أذكره للناس، ولم أعلم أن أحدا قاله، ثم وجدته قد ذكره بعض العلماء.
والمقصود هنا: أن كثيرا من الناس، يعظم قبر من يكون في الباطن كافرا، أو منافقا، ويكون هذا عنده والرسول من جنس واحد، لاعتقاده أن الميت يقضي حاجته، إذا كان رجلا صالحا، وكلا هذين عنده من جنس من يستغيث به.
وكم من مشهد يعظمه الناس، وهو كذب، بل يقال: إنه قبر كافر، كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان، الذي يقال إنه قبر نوح، فإن أهل المعرفة يقولون: إنه قبر بعض العمالقة، وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة، وقبر أبي بن كعب الذي في دمشق، اتفق العلماء على أنه كذب، ومنهم من قال: هما قبران لنصرانيين؛ وكثير من المشاهد متنازع فيها، وعندها شياطين تضل بسببها من تضل.
ومنهم: من يرى في المنام شخصا، يظن أنه المقبور، ويكون ذلك شيطانا تصور بصورته، أو بغير صورته، كالشياطين التي تكون بالأصنام، وكالشياطين الذين يتمثلون لمن يستغيث بالأصنام، والموتى والغائبين؛ وهذا كثير في زماننا وغيره.
стр. 4376
مثل أقوام يرصدون بعض التماثيل التي بالبرابي بديار مصر، بأخميم وغيرها، يرصدون التمثال مدة، لا يتطهرون طهر المسلمين، ولا يصلون صلاة المسلمين، ولا يقرؤون حتى يتعلق الشيطان تلك الصورة، فيراها تتحرك فيضع فيها شمعة، أو غيرها، فيرى شيطانا قد خرج له، فيسجد لذلك الشيطان حتى يقضي بعض حوائجه.
وقد يمكنه من فعل الفاحشة، حتى يقضي حوائجه، ومثل هذا كثير في شيوخ الترك الكفار، يسمونه "البوشت"، وهو: "المخنث"، إذا طلبوا منه بعض هذه الأمور، أرسلوا له من ينكحه، وينصبون له حركات عالية في ليلة ظلماء، وقربوا له خبزا، أو ميتة، وغنوا غناء يناسبه، بشرط أن لا يكون عندهم من يذكر الله، ولا هناك شيء فيه شيء من ذكر الله.
ثم يصعد ذلك الشيخ المفعول به في الهواء، ويرون الدف يطير في الهواء، ويضرب من مد يده إلى الخبز، ويضرب الشيطان بآلات اللهو وهم يسمعون، ويغني لهم الأغاني التي كانت تغنيها آباؤهم الكفار، ثم قد يغيب، وكذلك الطعام، فيرونه وقد نقل إلى بيت "البوشت"، وقد لا يغيب، ويقربون له ميتة يحرقونها بالنار، ويقضي بعض حوائجهم؛ ومثل هذا كثير جدا للمشركين، فالذي يجري عند المشاهد، من جنس ما يجري عند الأصنام.
стр. 4377
وقد ثبت بطرق متعددة: أن ما يشرك به من دون الله، من صنم وقبر وغير ذلك، قد يكون عنده شياطين، تضل من أشرك به، وأن تلك الشياطين لا يقضون إلا بعض أغراضهم، وإنما يقضونها إذا حصل منهم من الشرك والمعاصي ما يحبه الشيطان: فمنهم من يأمر الداعي أن يسجد له، ومنهم من يأمره بالفواحش، وقد يفعلها الشيطان، وقد ينهاه عما أمر الله به، من التوحيد والإخلاص، والصلوات الخمس، وقراءة القرآن ونحو ذلك.
والشياطين تغوي الإنسان، بحسب ما تطمع منه، فإن كان ضعيف الإيمان أمرته بالكفر البين، وإلا أمرته بما هو فسق أو معصية؛ وإن كان قليل العلم، أمرته بما لا يعلم أنه مخالف للكتاب والسنة؛ وقد وقع في هذا النوع كثير من الشيوخ، الذين لهم نصيب وافر، من الدين، والزهد، والعبادة، لكن لعدم علمهم بحقيقة الدين، الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، طمعت فيهم الشياطين، حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة.
وقد جرى لغير واحد من أصحابنا المشائخ، يستغيث بأحدهم بعض أصحابه، فيرى الشيخ قد جاء في اليقظة، حتى قضى ذلك المطلوب؛ وإنما هي شياطين تتمثل للمشركين، الذين يدعون غير الله، والجن بحسب الإنس،
стр. 4378
فالكافر للكافر، والفاجر للفاجر، والجاهل للجاهل، وأما أهل العلم والإيمان، فأتباع الجن لهم كأتباع الإنس، يتبعونهم فيما أمر الله تعالى به ورسوله.
وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشيخ- يعني ابن البكري، الذي جوز في كتابه الاستغاثة بالرسول ﷺ في كل ما يستغاث بالله- أنه كان يقول: إن النبي ﷺ علم مفاتيح الغيب التي قال فيها النبي ﷺ : " خمس لا يعلمها إلا الله " ١، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ٢، وأظنه ذكر عنه أنه قال: علمها بعد أن أخبر أنه لا يعلمها إلا الله.
وآخر من جنسه، يباشر التدريس، وينسب إلى الفتيا، كان يقول: إن النبي ﷺ يعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر الله عليه، وأن هذا السر انتقل بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي، وقالوا: هذا مقام القطب الغوث، الفرد الجامع.
وكان شيخ آخر، معظم عند أتباعه، يدعي هذه المنْزلة، ويقول: إنه "المهدي" الذي بشر به النبي ﷺ ، وأنه يزوج عيسى بابنته، وأن نواصي الملوك والأولياء بيده، يولي من يشاء، ويعزل من يشاء، وأن الرب يناجيه دائما، وأنه الذي يمد حملة العرش وحيتان البحر.
стр. 4379
وقد عزرته تعزيرا بليغا، في يوم مشهود، بحضرة من أهل المسجد الجامع، يوم الجمعة بالقاهرة، فعرفه الناس، وانكسر بسببه أشباهه من الدجاجلة.
ومن هؤلاء: من يقول قول الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ، ١ أن الرسول هو الذي يسبح بكرة وأصيلا. ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله، فيجعلون الرسول معبودا.
ومنهم من يأتي إلى قبر الميت- الرجل أو المرأة- الذي يحسن الظن لنفسه، فيقول: اغفر لي وارحمني، ولا توقفني على زلة، ونحو هذا الكلام، إلى أمثال هذه الأمور، التي يتخذ فيها المخلوق إلها.
ولما استقر هذا في نفوس عامتهم، تجد أحدهم إذا سئل عمن ينهاهم: ما يقول هذا؟ فيقول: فلان عنده ما ثم إلا الله، لما استقر في نفوسهم: أنهم يجعلون مع الله إلها آخر، وهذا كله وأمثاله وقع ونحن بمصر، وآخر يقول- معظما لمن يدعو إلى التوحيد-: قد جعل الآلهة إلها واحدا.
وهؤلاء الضالون مستخفون بتوحيد الله، ويعظمون دعاء غير الله من الأموات؛ فإذا أمروا بالتوحيد، ونهوا عن الشرك، استخفوا به، كما أخبر تعالى عن المشركين،
стр. 4380
بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً﴾ ١ الآية، فاستهزؤوا بالرسول ﷺ لما نهاهم عن الشرك.
وقال تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٣، وذكر ﵀ آيات كثيرة.
وما زال المشركون يسفهون الأنبياء، ويصفونهم بالجنون، والضلال والسفاهة، كما قال قوم نوح لنوح، وعاد لهود: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٤، فأعظم ما سفهوه لأجله، وأنكروه، هو التوحيد.
وهكذا تجد من فيه شبه هؤلاء من بعض الوجوه، إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله، وإخلاص الدين له، وأن لا يعبد الإنسان إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، استهزأ بذلك، لما عنده من الشرك؛ وكثير من هؤلاء يخربون المساجد، فتجد المسجد الذي بني للصلوات الخمس، معطلا مخربا، ليس له كسوة إلا من الناس، كأنه خان من