مثل أقوام يرصدون بعض التماثيل التي بالبرابي بديار مصر، بأخميم وغيرها، يرصدون التمثال مدة، لا يتطهرون طهر المسلمين، ولا يصلون صلاة المسلمين، ولا يقرؤون حتى يتعلق الشيطان تلك الصورة، فيراها تتحرك فيضع فيها شمعة، أو غيرها، فيرى شيطانا قد خرج له، فيسجد لذلك الشيطان حتى يقضي بعض حوائجه.
وقد يمكنه من فعل الفاحشة، حتى يقضي حوائجه، ومثل هذا كثير في شيوخ الترك الكفار، يسمونه "البوشت"، وهو: "المخنث"، إذا طلبوا منه بعض هذه الأمور، أرسلوا له من ينكحه، وينصبون له حركات عالية في ليلة ظلماء، وقربوا له خبزا، أو ميتة، وغنوا غناء يناسبه، بشرط أن لا يكون عندهم من يذكر الله، ولا هناك شيء فيه شيء من ذكر الله.
ثم يصعد ذلك الشيخ المفعول به في الهواء، ويرون الدف يطير في الهواء، ويضرب من مد يده إلى الخبز، ويضرب الشيطان بآلات اللهو وهم يسمعون، ويغني لهم الأغاني التي كانت تغنيها آباؤهم الكفار، ثم قد يغيب، وكذلك الطعام، فيرونه وقد نقل إلى بيت "البوشت"، وقد لا يغيب، ويقربون له ميتة يحرقونها بالنار، ويقضي بعض حوائجهم؛ ومثل هذا كثير جدا للمشركين، فالذي يجري عند المشاهد، من جنس ما يجري عند الأصنام.
стр. 4377
وقد ثبت بطرق متعددة: أن ما يشرك به من دون الله، من صنم وقبر وغير ذلك، قد يكون عنده شياطين، تضل من أشرك به، وأن تلك الشياطين لا يقضون إلا بعض أغراضهم، وإنما يقضونها إذا حصل منهم من الشرك والمعاصي ما يحبه الشيطان: فمنهم من يأمر الداعي أن يسجد له، ومنهم من يأمره بالفواحش، وقد يفعلها الشيطان، وقد ينهاه عما أمر الله به، من التوحيد والإخلاص، والصلوات الخمس، وقراءة القرآن ونحو ذلك.
والشياطين تغوي الإنسان، بحسب ما تطمع منه، فإن كان ضعيف الإيمان أمرته بالكفر البين، وإلا أمرته بما هو فسق أو معصية؛ وإن كان قليل العلم، أمرته بما لا يعلم أنه مخالف للكتاب والسنة؛ وقد وقع في هذا النوع كثير من الشيوخ، الذين لهم نصيب وافر، من الدين، والزهد، والعبادة، لكن لعدم علمهم بحقيقة الدين، الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، طمعت فيهم الشياطين، حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة.
وقد جرى لغير واحد من أصحابنا المشائخ، يستغيث بأحدهم بعض أصحابه، فيرى الشيخ قد جاء في اليقظة، حتى قضى ذلك المطلوب؛ وإنما هي شياطين تتمثل للمشركين، الذين يدعون غير الله، والجن بحسب الإنس،
стр. 4378
فالكافر للكافر، والفاجر للفاجر، والجاهل للجاهل، وأما أهل العلم والإيمان، فأتباع الجن لهم كأتباع الإنس، يتبعونهم فيما أمر الله تعالى به ورسوله.
وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشيخ- يعني ابن البكري، الذي جوز في كتابه الاستغاثة بالرسول ﷺ في كل ما يستغاث بالله- أنه كان يقول: إن النبي ﷺ علم مفاتيح الغيب التي قال فيها النبي ﷺ : " خمس لا يعلمها إلا الله " ١، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ٢، وأظنه ذكر عنه أنه قال: علمها بعد أن أخبر أنه لا يعلمها إلا الله.
وآخر من جنسه، يباشر التدريس، وينسب إلى الفتيا، كان يقول: إن النبي ﷺ يعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر الله عليه، وأن هذا السر انتقل بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي، وقالوا: هذا مقام القطب الغوث، الفرد الجامع.
وكان شيخ آخر، معظم عند أتباعه، يدعي هذه المنْزلة، ويقول: إنه "المهدي" الذي بشر به النبي ﷺ ، وأنه يزوج عيسى بابنته، وأن نواصي الملوك والأولياء بيده، يولي من يشاء، ويعزل من يشاء، وأن الرب يناجيه دائما، وأنه الذي يمد حملة العرش وحيتان البحر.
стр. 4379
وقد عزرته تعزيرا بليغا، في يوم مشهود، بحضرة من أهل المسجد الجامع، يوم الجمعة بالقاهرة، فعرفه الناس، وانكسر بسببه أشباهه من الدجاجلة.
ومن هؤلاء: من يقول قول الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ، ١ أن الرسول هو الذي يسبح بكرة وأصيلا. ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله، فيجعلون الرسول معبودا.
ومنهم من يأتي إلى قبر الميت- الرجل أو المرأة- الذي يحسن الظن لنفسه، فيقول: اغفر لي وارحمني، ولا توقفني على زلة، ونحو هذا الكلام، إلى أمثال هذه الأمور، التي يتخذ فيها المخلوق إلها.
ولما استقر هذا في نفوس عامتهم، تجد أحدهم إذا سئل عمن ينهاهم: ما يقول هذا؟ فيقول: فلان عنده ما ثم إلا الله، لما استقر في نفوسهم: أنهم يجعلون مع الله إلها آخر، وهذا كله وأمثاله وقع ونحن بمصر، وآخر يقول- معظما لمن يدعو إلى التوحيد-: قد جعل الآلهة إلها واحدا.
وهؤلاء الضالون مستخفون بتوحيد الله، ويعظمون دعاء غير الله من الأموات؛ فإذا أمروا بالتوحيد، ونهوا عن الشرك، استخفوا به، كما أخبر تعالى عن المشركين،
стр. 4380
بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً﴾ ١ الآية، فاستهزؤوا بالرسول ﷺ لما نهاهم عن الشرك.
وقال تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٣، وذكر ﵀ آيات كثيرة.
وما زال المشركون يسفهون الأنبياء، ويصفونهم بالجنون، والضلال والسفاهة، كما قال قوم نوح لنوح، وعاد لهود: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٤، فأعظم ما سفهوه لأجله، وأنكروه، هو التوحيد.
وهكذا تجد من فيه شبه هؤلاء من بعض الوجوه، إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله، وإخلاص الدين له، وأن لا يعبد الإنسان إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، استهزأ بذلك، لما عنده من الشرك؛ وكثير من هؤلاء يخربون المساجد، فتجد المسجد الذي بني للصلوات الخمس، معطلا مخربا، ليس له كسوة إلا من الناس، كأنه خان من
стр. 4381
الخانات، والمشهد الذي بني على الميت، فعليه الستور وزينة الذهب والفضة، والرخام، والنذور تغدو، وتروح إليه.
فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وآياته ورسوله، وتعظيمهم للشرك؟ فإنهم اعتقدوا أن دعاء الميت الذي بني له المشهد، والاستغاثة به، أنفع لهم من دعاء الله، والاستغاثة به، في البيت الذي بني لله عز وجلففضلوا البيت الذي بني لدعاء المخلوق، على البيت الذي بني لله.
وإذا كان لهذا وقف، ولهذا وقف، كان وقف الشرك أعظم عندهم منه، مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله حالهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ ١ الآية، كما يجعلون لله زرعا وماشية، ولآلهتهم زرعا وماشية، فإذا أصيب نصيب آلهتهم، أخذوا من نصيب الله فوضعوه فيه، وقالوا: الله غني، وآلهتنا فقيرة، فيفضلون ما يجعل لغير الله، على ما يجعل لله.
وهكذا هؤلاء الوقوف والنذور التي تبذل عندهم للمشاهد، أعظم مما تبذل عندهم للمساجد، ولعمار المساجد، والجهاد في سبيل الله؛ وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه، بكى عنده وخضع، ويدعو ويتضرع،
стр. 4382
ويحصل له من الرقة والتواضع، والعبودية، وحضور القلب، ما لا يحصل له مثله في الصلوات الخمس، والجمعة، وقيام الليل، وقراءة القرآن؛ فهل هذا إلا من حال المشركين المبتدعين، لا الموحدين المخلصين، المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم سماع الأبيات، يحصل له من الحضور، والخشوع، والبكاء، ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله؛ فيخشع عند سماع المشركين المبتدعين، ولا يخشع عند سماع المتقين المخلصين؛ بل إذا سمعوا آيات الله اشتغلوا عنها، وكرهوها، واستهزؤوا بها، وبمن يقرؤها، ما يحصل لهم به أعظم نصيب، من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١.
وإذا سمعوا القرآن، سمعوه بقلوب لاهية وألسن لاغية، كأنهم صم وعمي، وإذا سمعوا الأبيات، حضرت قلوبهم، وسكنت حركاتهم، حتى لا يشوب العطشان منهم ماء.
ومن هؤلاء من إذا كانوا في سماعهم، فأذن المؤذن، قالوا: نحن في شيء أفضل مما دعانا إليه. ومنهم من يقول: كنا في الحضرة، فإذا قمنا إلى الصلاة صرنا إلى الباب.
وقد سألني بعضهم عمن قال ذلك من هؤلاء الشيوخ
стр. 4383
الضلاّل، فقلت: كذب، كان في حضرة الشيطان، فصار على باب الله، فإن البدع والضلالة فيها من حضور الشيطان، ما قد فصل في غير هذا الموضع.
والذين يجعلون دعاء الموتى، من الأنبياء والأئمة والشيوخ، أفضل من دعاء الله، أنواع متعددة، منهم من تقدم، ومنهم من يحكي أنواعا من الحكايات، حكاية: أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه، واستغاث بشيخه فأغاثه، وحكاية: أن بعض المأسورين في بلاد العدو، دعا الله فلم يخرجه، فدعا بعض المشائخ الموتى، فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام، وحكاية: أن بعض الشيوخ، قال لمريده: إذا كانت لك إلى الله حاجة، فتعال إلى قبري، وآخر قال: فتوسل إلى الله بي، وآخر قال: قبر فلان هو الترياق المجرب.
فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية على أدعية المخلصين لله، مضاهاة لسائر المشركين، وهؤلاء يتمثل لكثير منهم، صورة شيخه الذي يدعوه، فيظنه إياه، أو ملكا على صورته، وإنما هو شيطان أغواه. ومن هؤلاء من إذا نزلت به شدة لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلا اسمه، قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه، فيستنصر به أحدهم، فيقول: يا فلان؛ وقد قال الله تعالى للموحدين ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ
стр. 4384
ذِكْراً﴾ ١
ومن هؤلاء من يحلف بالله ويكذب، ويحلف بشيخه وإمامه ويصدق، ولا يكذب؛ فيكون شيخه عنده في صدره أعظم من الله.
فإذا كان دعاء الموتى، مثل الأنبياء والصالحين، يتضمن هذا الاستهزاء، بالله وآياته ورسوله، فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله؟ من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم، مع ما يترتب على ذلك من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله ﷺ أو من كان يأمر بدعاء الله وحده لا شريك له، كما أمرت به رسله، ويوجب طاعة الرسول ﷺ ومتابعته في كل ما جاء به؟
وأيضا: فإن هؤلاء الموحدين، من أعظم الناس إيجابا لرعاية جانب الرسول ﷺ وتصديقا له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، والتمييز بين ما روي عنه، من الصحيح والضعيف، والصدق والكذب، واتباع ذلك دون ما خالفه، عملا بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
وأما أولئك الضلاّل، أشباه المشركين والنصارى، فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة، أو موضوعة، أو منقولات عمن لا يحتج بقوله، إما أن يكون كذب عليه، وإما أن يكون غلطا منه، إذ هي نقل غير مصدق، عن قائل غير
стр. 4385
معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ﷺ حرفوا الكلم عن مواضعه، وتمسكوا بمتشابهه، وتركوا محكمه كما يفعل النصارى.
وكما فعل هذا الضال، أخذ لفظ الاستغاثة، وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي وبالميت، والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه، وما لا يقدر عليه، فجعل حكم ذلك كله واحدا، ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى الاستغاثة، ولم يكفه ذلك، حتى جعل الطالب منه إنما طلب من الله، لا منه، فالمستغيث به مستغيثا بالله، ثم جعل الاستغاثة بالله بكل ميت، من نبي وصالح جائزة.
واحتج على هذه الدعوى العامة الكلية، التي أدخل فيها من الشرك والضلال، ما لا يعلمه إلا ذو الجلال، بقضية خاصة جزئية، كسؤال الناس للنبي ﷺ في الدنيا والآخرة أن يدعو الله، وتوجههم إلى الله بدعائه وشفاعته؛ ومعلوم أن هذا الذي جاءت به السنة، حق لا ريب فيه، لكن لا يلزم من ذلك، ثبوت جميع تلك الدعاوى العامة، وإبطال نقيضها، إذ الدعوى الكلية، لا تثبت بمثال جزئي، لا سيما عند الاختلاف والتباين.
وهذا كمن يريد أن يثبت جميع الملاهي لكل أحد، والتقرب بها إلى الله، بكون جاريتين غنتا عند عائشة ﵂، في بيت النبي ﷺ يوم عيد، مع كون وجهه
стр. 4386
كان مصروفا إلى الحائط، لا إليهما، ويحتج على استماع كل قول، بقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ١، ولا يدري أن القول هنا، هو القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ ٢، وإلا فمسلم لا يسوغ استماع كل قول.
وقد نهى الله عز وجلعن الجلوس مع الخائضين في آياتة، وخوضهم نوع من القول، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ ٣ الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ ٤،وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ ٥ الآية.
وهذا الضال يجوز عنده أن يستغاث بالرسول، في كل ما يستغاث بالله، على معنى أنه وسيلة من وسائل الله، في طلب الغوث؛ وهذا عنده ثابت للصالحين، وهو ثابت عند هذا الضال بعد موته، ثبوتها في حياته، لأنه عند الله في مزيد دائم، لا ينقص جاهه.
فدخل عليه الخطأ من وجوه: منها: أنه جعل المتوسل به بعد موته بالدعاء، مستغيثا به؛ وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم، لا حقيقة ولا مجازا، مع دعواه الإجماع على ذلك؛ فإن المستغاث هو المسؤول المطلوب
стр. 4387
منه، لا المسؤول به.
الثاني: ظنه أن توسل الصحابة به في حياته، كان توسلا بذاته، لا بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به بعد موته كذلك؛ وهذا غلط، لكنه يوافقه طائفة من الناس، بخلاف الأول، فإني ما علمت أحدا وافقه عليه.
الثالث: أنه أدرج سؤاله أيضا في الاستغاثة به، وهذا صحيح جائز في حياته؛ وهو قد سوى في ذلك بين محياه ومماته، وهذا أصاب في لفظ الاستغاثة، لكن أخطأ في التسوية، بين المحيا والممات.
وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري، ففي شعره قطعة منه; والشيخ محمد بن النعمان، له كتاب المستغيثين بالنبي ﵇، في اليقظة والمنام، وهذا الرجل قد نقل منه، فيما يغلب على ظني.
وهؤلاء لهم صلاح ودين، لكنهم ليسوا من أهل العلم، العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم، في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها، كما جرت عادة كثير من الناس، بأنه يستغيث بشيخه
стр. 4388
في الشدائد، ويدعوه.
وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم، ولهم فضل وعلم وزهد، إذا نزل به أمر، خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات معدودة، واستغات به، وهذا يفعله كثير من الناس؛ ولهذا لما نبه من نبه من فضلائهم تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه، ليس من دين الإسلام، بل هو مشابهة لعباد الأصنام.
لكن هؤلاء كلهم، ليس منهم من يعد نفي هذا والنهي عنه كفرا، إلا مثل هذا الأحمق الضال، الذي حاق به وبيل النكال؛ فإنه من غلاة أهل البدع الذين يبتدعون القول، ويكفرون من خالفهم فيه، كالخوارج والروافض والجهمية، فإن هذا القول الذي قالوه، لم يوافقهم عليه أحد من علماء المسلمين، الأولين، ولا الآخرين.
وقد طاف بجوابه على علماء مصر، ليوافقه واحد منهم، فما وافقوه، وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته، فما خالفوه؛ وقد كان بعض الناس يوافقه، على جواز التوسل بالنبي الميت، لكنهم لم يوافقوه على تسميته استغاثة، ولا على كفر من أنكر الاستغاثة به، ولا جعل هذا من السب؛ بل عامتهم وافقوا على منع الاستغاثة به، بمعنى أنه يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله.
стр. 4389
وما علمت عالما نازع في أن الاستغاثة بالنبي ﷺ وغيره من المخلوقينبهذا المعنى لا تجوز، مع أن قوما كان لهم غرض، وفيهم جهل بالشرع، قاموا في ذلك قياما عظيما، واستغاثوا بمن كان له غرض من ذوي السلطان، وجمعوا الناس وعقدوا مجلسا عظيما، ضل فيه سعيهم، وظهر فيه جهلهم، وخاب فيه قصدهم، وظهر فيه الحق لمن يعاونهم من الأعيان، وتمنوا أن ما فعلوه ما كان، لأنه كان سببا لظهور الحق، مع الذي عادوه، وقاموا عليه، وسببا لانقلاب الخلق إليه، وكانوا كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه، مع فرط تعصبهم، وكثرة جمعهم، وقوة سلطانهم، ومكائد شيطانهم.
وهذه الطريقة التي سلكها هذا وأمثاله، هي طريقة أهل البدع الذين يجمعون بين الجهل والظلم، فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، كالخوارج المارقين، وكذلك الروافض الذين كفروا من خالفهم من الصحابة وجمهور المؤمنين، حتى كفروا أبا بكر وعمر وعثمان، ومن والاهم، وأئمة السنة والجماعة.
وأهل العلم والإيمان، فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة، سالمين من البدعة، ويعدلون فيمن خرج عنها ولو ظلمهم، كما قال
стр. 4390
تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ١ الآية، وقال: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٢ الآية.
فلهذا كان أهل العلم والسنة، لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك، وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه، وتزني بأهله، لأن الكذب والزنى حرام لحق الله، وكذلك التكفير حق لله، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله.
وأيضا: فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله، موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية، التي يكفر من خالفها؛ فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر ولهذا لما استحل طائفة، من الصحابة والتابعين- كقدامة بن مظعون وأصحابه- الخمر، وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا، على ما فهموه من آية المائدة، اتفق علماء الصحابة، كعمر وعلي وغيرهما، على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جلدوا، فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء، لأجل الشبهة التي عرضت لهم، حتى يتبين لهم الحق، فإذا أصروا على الجحود كفروا.
стр. 4391
وقد ثبت في الصحيحين، حديث الذي قال لأهله: " إذا أنا مت فاسحقوني، ثم ذروني في اليم؛ فوالله لئن قدر الله علي، ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين. فأمر الله البر فرد ما أخذه منه، وأمر البحر فرد ما أخذه منه، وقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك يا رب، فغفر له ". فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك، لن يقدر الله على إعادته، وأنه لا يعيده، أو جوز ذلك، وكلاهما كفر، لكن كان جاهلا، لم يتبين له الحق، بيانا لا يعذر بمخالفته، فغفر الله له.
ولهذا كنت أقول للجهمية، من الحلولية، والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى فوق العرش: أنا لو وافقتكم كنت كافرا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال، وكان هذا خطابا لعلمائهم، وقضاتهم، وشيوخهم، وأمرائهم.
وهو قد احتج بحديث الأعمى، الذي قال: " اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة " ١، وهذا الحديث لا حجة فيه، لوجهين: أحدهما: أنه ليس هو استغاثة، بل توجه به. والثاني: أنه إنما توجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي ﷺ الدعاء، وقال في آخره: اللهم فشفعه في، فعلم أنه شفع له، فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء،
стр. 4392
وكما توسلوا بدعاء العباس بعد مماته ﷺ .
وكل ذلك في أول الحديث أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، فدل الحديث على أن النبي ﷺ شفع له ودعا له، وإن النبي ﷺ أمره هو أن يدعو الله تعالى، وأن يسأله قبول شفاعته، وقوله: يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، خطاب لما ظهر في قلبه، كما نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وكما يستحضر الإنسان من يحبه ويبغضه في قلبه، ويخاطبه، وهذا كثير.
وما ذكره من توسل آدم وحكاية المنصور، فجوابها من وجهين: أحدهما: أن هذا لا أصل له، ولا تقوم به حجة، ولا إسناد لذلك. والثاني: أنه لو دل على التوسل بذاته، لا يدل على الاستغاثة به. وأما اشتكاء البعير إليه، فهذا كاشتكاء الآدمي إليه، وما زال الناس يستغيثون به في حياته، كما يستغيثون به يوم القيامة؛ وقد قلنا إنه إذا طلب ما يليق بمنصبه، فهذا لا نزاع فيه؛ والطلب منه في حياته، والاستغاثة به في حياته فيما يقدر عليه، لم ينازع فيه أحد. فما ذكره لا يدل على مورد النِّزاع.
ولكن هذا أخذ لفظ الاستغاثة، ومعناها العام، فجعل يشبه به، وهذا إنما يليق بمن: قال لا يستغيث به أحد حيا،
стр. 4393
ولا ميتا في شيء من الأشياء، ومعلوم أن العاقل لا يقول هذا في آحاد العامة، فضلا عن الصالحين، فضلا عن الأنبياء والمرسلين، فضلا عن سيد الأولين والآخرين؛ فإنه ما من أحد إلا يمكن أن يستغاث به في بعض الأشياء، فكيف أفضل الخلق، وأكرمهم على الله.
ولكن النفي عاد إلى شيئين، إلى الاستغاثة به بعد الموت، وأن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؛ وأما قول هؤلاء الجهال، فهو يستلزم الردة عن الدين، والكفر برب العالمين؛ ولا ريب أن أصل قول هؤلاء، هو من باب الشرك بالله، الذي هو الكفر، الذي لا يغفره الله تعالى.
فإن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ١ الآية، وقد قال غير واحد من السلف: هذه أسماء قوم صالحين، كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم.
وقد ذكروا ذلك بعبارات متقاربة، في كتب الحديث، والتفسير، وقصص الأنبياء، كما ذكره البخاري في صحيحه، وجماعة من أهل الحديث، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ٢ الآية؛ فيقول أهل الضلال: هذا يقوله هو نفسه، وأما نحن
стр. 4394
فليس لنا أن نقول: هذا بشر، بل نقول كما قال فلان وفلان، ومن زعم أن محمدا بشر كله، فقد كفر.
وهذا يقوله قوم منهم، وهو تشبه بقول النصارى في المسيح، يقولون: ليس هو بشر كله، بل المسيح عندهم: اسم يتناول اللاهوت والناسوت، الإلهية والبشرية جميعا؛ وهذا يقوله طائفة من غلاة الصوفية والشيعة، يقولون باتحاد اللاهوت والناسوت، في الأنبياء والصالحين، كما تقول النصارى في المسيح.
ونحن نعلم بالضرورة: أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته، أن يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم، بلفظ الاستغاثة، ولا غيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت، ونحو ذلك؛ بل نعلم: أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، ولكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالفه.
ولهذا ما بينت هذه المسألة قط، لمن يعرف دين الإسلام إلا تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام؛ وكان بعض أكابر الشيوخ- العارفين- من أصحابنا، يقول: هذا أعظم ما بينته لنا، لعلمه أن هذا أصل الدين.
стр. 4395
وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى، يدّعون الإسلام، ويدعون الأموات، ويسألونهم، ويستجيرون بهم، ويفزعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه بالأموات أعظم، لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم، فيدعونه دعاء المضطر، راجين قضاء حاجاتهم بدعائه، والدعاء به عند قبره، بخلاف عبادتهم لله، ودعائهم إياه، فإنهم يفعلون ذلك في كثير من الأوقات، على وجه التكلف والعادة.
حتى إن العدو الخارج من الإسلام، لما قدم دمشق، خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور، يرجون عندها كشف ضرهم، وقال بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكمو من الضرر
فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم، لو كانوا معكم في القتال لانهزموا، كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، فإنه قضى أن العسكر ينكسر لأسباب اقتضت ذلك، والحكمة كانت لله في ذلك؛ ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة، لم يقاتلوا في تلك المرة، لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله.
فلما كان بعد ذلك، جعلنا نأمر الناس بإخلاص
стр. 4396
الدين لله، والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرب، ولا نبي مرسل، فلما أصلح الناس أمورهم، وصدقوا في الاستغاثة بربهم، نصرهم على عدوهم، نصرا لم يتقدم نظيره، ولم يهزم مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلا، لما صح من توحيد الله وطاعة رسوله ﷺ ما لم يكن قبل ذلك.
فإن الله ينصر رسله، والذين آمنوا في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، كما قال تعالى في يوم بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ١ وروي أن النبي ﷺ يوم بدر كان يقول: "يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث "،وفي لفظ " أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك " ٢.
وهؤلاء يدعون الميت والغائب، فيقول أحدهم: بك أستغيث، بك أستجير، أغثنا، أجرنا، ويقول: أنت تعلم ذنوبي، ومنهم من يقول للميت: اغفر لي وارحمني، وتب علي، ونحو ذلك؛ ومن لم يقل من عقلائهم، فإنه يقول: أشكو إليك ذنوبي، وأشكو إليك عدوي، وأشكو إليك جور الولاة، وظهور البدع، وجدب الزمان، أو غير ذلك.
فيشكو إليه ما حصل من ضرر في الدين والدنيا، ومقصوده بالشكوى: أن يشكيه، فيزيل ذلك الضرر عنه؛
стр. 4397
وقد يقول مع ذلك: أنت تعلم ما نزل بنا من الضرر، وأنت تعلم ما فعلته من الذنوب، فيجعل الميت، أو الحي الغائب، عالما بذنوب العباد وجزئياتهم، التي يمتنع أن يعلمها بشر حي أو ميت. ثم منهم من يطلق سؤاله والشكوى، ظانا أنه يقضي حاجته، كما يخاطب بذلك ربه، بناء على أنه يمكنه ذلك بطريق من الطرق، وأنه وسيلة وسبب، وإن كان السائل لا يعلم وجه ذلك.
وعقلاؤهم يقولون: مقصودنا أن يسأل الله لنا، ويشفع لنا، ويظنون أنهم إذا سألوه بعد موته، أنه يسأل الله لهم، فإنه يسأل ويشفع، كما يسأل ويشفع لما سأله الصحابة ﵃ الاستسسقاء وغير ذلك، وكما يشفع يوم القيامة إذا سئل الشفاعة؛ ولا يعلمون أن سؤال الميت أو الغائب، غير مشروع البتة، ولم يفعله أحد من الصحابة، بل عدلوا عن سؤاله وطلب الدعاء منه، إلى سؤال غيره وطلب الدعاء منه، وأن الرسول ﷺ وسائر الأنبياء والصالحين وغيرهم، لا يطلب منه بعد موته من الأمور، ما كان يطلب منه في حياته، والله أعلم، انتهى ملخصا.
فتأمل رحمك الله، كلامه ساعة بعد ساعة، ويوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، لعلك أن تعرف دين الإسلام، الذي بعث الله به جميع رسله، وأنزل به جميع كتبه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً
стр. 4398
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٣.
ثم تأمل ما ذكره الشيخ، من أنواع الشرك الأكبر، الذي قد وقع في زمانه، لمن يدعي العلم والمعرفة، وينتصب للفتيا والقضاء، لكن لما نبههم الشيخ على ذلك، وبين لهم أن هذا هو الشرك الذي حرمه الله ورسوله، تنبهوا وعرفوا أن ما هم عليه شرك وضلال، وانقادوا للحق، وأن بعضهم لما بين له ذلك، قال: هذا أحسن ما بينته لنا، يتبين لك غربة الإسلام؛ وهذا مصداق ما تواترت به الأحاديث، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم " ٤ الحديث.
وتأمل أيضا: ما وقع من هذا الرجل، وتجويزه الاستغاثة بغير الله، وأنه يجوز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كل ما يستغاث به الله، واحتجاجه على ذلك بمتشابه القرآن والسنة، وتكفير من قال: إنه لا يستغاث إلا بالله في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، من كشف الشدائد وإنزال الفوائد.
ثم تأمل رد الشيخ ﵀ عليه، بالآيات
стр. 4399
المحكمات، والبراهين القاطعات، من الأحاديث الصريحات، يتبين لك الأمر إن هداك الله، وتنْزاح عنك الشبهة التي أدخلت كثيرا من الناس النار، وهي الاغترار بما عليه الآباء والأجداد، وما استمر عليه عمل كثير من أهل البلاد.
ومن أعجب ما ذكره الشيخ ﵀، عن هؤلاء المشركين في زمانه: أن أحدهم يسجد للقبر ويستدبر القبلة، ويقول أحدهم: القبلة قبلة العامة، وقبر الشيخ فلان قبلة الخاصة؛ قال ﵀ في هذا: يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهدا، وهو شيخ متبوع. قلت: كما يشاهد اليوم في زماننا، يفعل في مشهد علي، وغيره من المشاهد، والمساجد، المبنية على القبور، ويجدون عند عبادة القبور، من الرقة، والخشوع، والبكاء، أعظم مما يجدون في بيوت الله.
بل إذا قام أحدهم في الصلاة بين يدي الله، نقرها نقر الغراب، ومنهم من يحلف بالله اليمين الغموس كاذبا، فإذا قيل له: احلف بتربة فلان، أو بفلان، أبى أن يحلف كاذبا، فيكون فلان، أو تربته، والشيخ فلان، أعظم في صدره من الله؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما أعظمها من مصيبة! تالله إنها فتنة عمت فأعمت، وربت على القلوب والأسماع، فأصمت.
стр. 4400
وتأمل أيضا رحمك الله، قول الشيخ ﵀: وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري، والشيخ محمد بن النعمان، وأن هؤلاء وأشباههم، ليسوا من أهل العلم، العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام.
فإن الشيخ يحيى الصرصري الحنبلي، في شعره قطعة من دعوة الرسل، والاستغاثة بهم، وكذلك غيره من المصنفين في الزيارة؛ فإياك أن تغتر بذلك، وتقلدهم في ذلك، فإنه ليس لهم في ذلك مستند صحيح، لا من كتاب ولا سنة، ولا نقل عن عالم مرضي، بل قال الشيخ ﵀: عادة جروا عليها، فلا يقتدى بهم في ذلك؛ إنما يقتدى في الدين بكلام رب العالمين، وكلام رسوله ﷺ وأصحابه، ﵃ أجمعين.
فهل تجد أحدا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أتى رسول الله ﷺ بعد موته، واستغاث به، أو استشفع به إلى ربه، أو قال: يا رسول الله اشفع لي إلى ربك، أو اقض ديني، أو فرج كربتي، أو انصرني، أو اغفر لي ذنبي؟ بل جردوا التوحيد لله تعالى، وحموا جانبه، ولهذا كان "عبد الله بن عمر، وغيره من الصحابة، إذا سلم على النبي ﷺ يقف، فيقول: السلام عليك يا رسول الله. ثم
стр. 4401
يقف فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، ثم يقف فيقول: السلام عليك يا أبت".
وإذا أراد أحدهم الدعاء، جعل ظهره إلى جدار القبر، واستقبل القبلة إذا أراد أن يدعو، حتى لا يدعو عند القبر؛ وذكر الإمام أحمد وغيره: أنه يستقبل القبلة، ويجعل القبر عن يساره، لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته، والصلاة والسلام عليه ﷺ ، ثم يدعو لنفسه؛ وذكروا أنه إذا حياه، وصلى عليه، يستقبل وجهه بأبي هو وأمي ﷺ فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره، واستقبل القبلة ودعا الله.
وذكر أصحاب مالك: أنه يدنو من القبر، فيسلم على النبي ﷺ ، ثم يدعو مستقبل القبلة، يوليه ظهره، وقيل لا يوليه ظهره؛ وإنما اختلفوا لما فيه من استدباره، فأما إذا جعل الحجرة عن يساره، فقد زال المحذور بلا خلاف. وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ، ولكن يصلي ويسلم، فهذا هو هدي السلف الصالح، من الصحابة ﵃، والتابعين لهم بإحسان، والأئمة الأربعة.
وما أحسن ما قال الإمام مالك ﵀: لن يصلح آخر هذه الأمة، إلا ما أصلح أولها، ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوا
стр. 4402
من البدع، والشرك، وغيره، ولهذا كرهت الأئمة استلام القبر وتقبيله، وبنوا بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه، والله أعلم.
وتأمل أيضا قول الشيخ ﵀، في آخر الكلام: ولا ريب أن أصل قول هؤلاء، هو الشرك الأكبر، والكفر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وأن ذلك يستلزم الردة عن الدين، والكفر برب العالمين، كيف صرح بكفر من فعل هذا وردته عن الدين، إذا قامت عليه الحجة من الكتاب والسنة، ثم أصر على فعل ذلك؛ وهذا لا ينازع فيه من عرف دين الإسلام، الذي بعث الله به رسوله محمدا ﷺ ؛ والله أعلم.
فصل: [في تعريف المرتد وحكمه]
قال في "الإقناع" وشرحه: باب حكم المرتد، وهو الذي يكفر بعد إسلامه، نطقا، أو شكا، أو فعلا، ولو مميزا، فتصح ردته كإسلامه، لا مكرها، لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ١، ولو هازلا، لعموم قوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ ٢ الآية، وأجمعوا على وجوب قتل المرتد.
فمن أشرك بالله تعالى، كفر بعد إسلامه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، كفر، لأن جاحد ذلك مشرك بالله تعالى، أو جحد صفة من
стр. 4403
صفاته، أو اتخذ له صاحبة أو ولدا كفر، أو ادعى النبوة، أو صدق من ادعاها بعد النبي ﷺ كفر، لأنه مكذب‘ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١،
أو جحد نبيا، أو كتابا من كتب الله، أو شيئا منه، أو جحد الملائكة، أو واحدا ممن ثبت أنه ملك كفر، لتكذيبه القرآن، أو جحد البعث كفر، أو سب الله ورسوله كفر، أو استهزأ بالله أو كتبه، أو رسله، كفر، لقوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون﴾ ٢.
قال الشيخ: أو كان مبغضا لرسوله، أو لما جاء به اتفاقا، أو جعل بينه وبين الله وسائط، يتوكل عليهم، ويدعوهم، ويسألهم، كفر إجماعا، لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣، أو أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين الذي شرعه الله، كفر، للآية السابقة، أو وجد منه امتهان للقرآن، كفر.
وإن أتى بقول يخرجه عن الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني، فهو كافر، أو سخر بوعد الله، أو وعيده، فهو كافر، لأنه كالاستهزاء بالله، أو لم يكفر من دان بغير الإسلام، أو شك في كفرهم، إلى أن قال: ومن قال: أنا محتاج إلى محمد، في علم الظاهر دون
стр. 4404
علم الباطن، أو قال: من الأولياء من يسعه الخروج عن الشريعة، كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى، فهو كافر.
ومن سب الصحابة ﵃، أو واحدا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليا إله، وأن جبرائيل غلط، فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره، وأما من لعن، أو قبح مطلقا، فهذا محل الخلاف، توقف أحمد في تكفيره وقتله.
ويحرم تعلم السحر وتعليمه وفعله، وهو عقد، ورقى، وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور، أو عقله أو قلبه، من غير مباشرة؛ وله حقيقة، فمنه ما يقتل، ومنه ما يمرض، ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجته، ومنه ما يبغض أحدهما إلى الآخر، ويحبب بين اثنين، ويكفر بتعلمه وفعله، سواء اعتقد تحريمه أو إباحته، كالذي يركب الجماد من مكة وغيرها، فيطير به في الهواء.
وأما الذي يعزم على الجن، ويزعم أنه يجمعها، فتطيعه، فلا يكفر، ويعزر تعزيرا بليغا، دون القتل، كالمنجم، والضارب بحصى أو شعر، والنظر في ألواح الأكتاف، إذا لم يعتقد إباحته، وأنه لا يعلم به، عزر، ويكف عنه، وإلا كفر. وقال في شرحه، عند قوله: أنا
стр. 4405
محتاج إلى محمد، في علم الظاهر، قال: وقد عمت به البلوى في زمنه، في مصر والشام؛ والله أعلم، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
[حال من صدر منه الكفر من غير قصد]
وسئل أيضا، الشيخ عبد الله بن الشيخ، رحمهما الله تعالى، عن حال من صدر منه كفر من غير قصد منه بل هو جاهل، هل يعذر، سواء كان قولا، أو فعلا، أو توسلا؟
فأجاب: إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله، ما يكون فعله كفرا، أو اعتقاده كفرا، جهلا منه بما بعث الله به رسوله ﷺ ، فهذا لا يكون عندنا كافرا، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، التي يكفر من خالفها.
فإذا قامت عليه الحجة، وبين له ما جاء به الرسول ﷺ ، وأصر على فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه، فهذا هو الذي يكفر، وذلك لأن الكفر: إما يكون بمخالفة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ١، وبقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ ٢ إلى قوله: ﴿بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٣.
стр. 4406
واستدلوا أيضا: بما ثبت في الصحيحين والسنن، وغيرها من كتب الإسلام، من حديث حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن رجلا ممن كان قبلكم، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم ذروا نصفي في البر، ونصفي في البحر؛ فوالله لئن قدر الله علي، ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر الله البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن، فإذا الرجل قائم. قال الله: ما حملك على ذلك؟ قال خشيتك ومخافتك، فما تلافاه أن رحمه " ١.
فهذا الرجل اعتقد أنه إذا فعل به ذلك، لا يقدر الله على بعثه، جهلا منه لا كفرا ولا عنادا، فشك في قدرة الله على بعثه، ومع هذا غفر له ورحمه، وكل من بلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة بالرسول ﷺ ، ولكن الجاهل يحتاج إلى من يعرفه بذلك من أهل العلم، والله أعلم.
[من كان مقيما بين أهله في دار الكفر]
وسئل أيضا، الشيخ عبد الله بن محمد، قال السائل: سميتم المسلم الجالس بين أهله وولده ببلده، مشركا كافرا، والله سبحانه يقول: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ ٢ الآية، يوم فتح مكة، وهم بين ظهراني المشركين، وقد سماهم الله مؤمنين.
стр. 4407
فأجاب: إن الله ﵎ قد بين لنا في كتابه، أن المراد بذلك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين لا يقدرون على الهجرة، كما قاله في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ١.
ذكر أهل التفسير عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في قوم من المسلمين، خرجوا مع المشركين يوم بدر كرها، فقتلوا بالرمي، فلما رآهم بعض الصحابة في القتلى، قالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله هذه الآية.
وبين فيها حكم هؤلاء المشركين، وأنهم من أهل النار، مع تكلمهم بالإسلام، ولكن لم يهاجروا مع رسول الله ﷺ ، بل اختاروا الجلوس في بلدهم، بين أهليهم وأولادهم، خوفا من الفقر والفاقة في بلد الإسلام، ولم يعذرهم الله بذلك، لأنهم يستطيعون الهجرة، فقالت لهم الملائكة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ٢.
ثم بين سبحانه حكم من تسقط عنه الهجرة، بقوله:
стр. 4408
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ ١ إلى الهجرة، فحكمه حكم المسلم، لا يجوز قتله ولا أخذ ماله، وقد ثبت في سنن أبي داود وغيره: أن النبي ﷺ قال: " أنا بريء من مسلم بين ظهراني المشركين " ٢، وهو محمول على القادر على الهجرة، والله أعلم.
[سؤال حول حديث "صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة ... "]
وسئل أيضا، الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله، عما يذكر في الحديث: "صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية"، وقوله في الحديث: "صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة: المرجئة والقدرية" الخ؟
فأجاب: الحديثان ليسا بثابتين عند أهل العلم، وعند أهل الحديث، وليسا في الكتب الستة المعتمدة، المسماة دواوين الإسلام؛ وإنما يذكر هذا بعض المصنفين، الذين يروون الغث والسمين، ولا يميزون بين الصحيح، والضعيف، والحسن، والموضوع؛ فلا ينبغي للسائل أن يعبر بمثل هذه العبارة، في مثل هذه الأحاديث وما شاكلها.
وإنما ينبغي له أن يقول: يذكر في الحديث، أو يروى في بعض الكتب، وأشباه هذه العبارة، التي يفعلها أهل التحقيق والعرفان، من أهل الفقه والحديث، وذلك لأنه لا ينبغي أن يجزم بأن رسول الله ﷺ قال إلا فيما ثبت
стр. 4409
إسناده، وصححه أهل العلم بهذا الشأن،
لأنه ثبت في الأحاديث الصحيحة، من رواية جماعة من الصحابة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إن كذبا علي ليس ككذب على غيري؛ من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "، وفي صحيح مسلم: عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين " ١؛ فلهذا كان كثير من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، يهابون الحديث عن رسول الله ﷺ والجزم به، إلا فيما ثبت عندهم وقطعوا عليه.
وقد أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده، من حديث أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعا: " صنفان من أمتي لا يدخلون الجنة: القدرية والمرجئة "، قال الحافظ ابن حجر: فيه انقطاع، من رواية بقية بن الوليد.
وأخرج أيضا إسحاق، من رواية بقية بن الوليد، حدثني سليمان بن جعفر الأعبدي، عن محمد بن أبي ليلى، عن أبيه عن جده أبي ليلى: عن رسول الله ﷺ قال: " صنفان من أمتي لا يردون على الحوض: القدرية والمرجئة "، وبقية بن الوليد، مختلف فيه؛ ووثقه بعضهم إذا روى عن الثقات، وضعفه إذا روى عن المجهولين.
قال أبو مسهر الغساني: أحاديث بقية ليست بنقية.
стр. 4410
فكن من أحاديث بقية على تقية; وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، ومحمد بن أبي ليلى ضعيف عند أهل الحديث، كان يحيى القطان يضعفه؛ قال أحمد بن حنبل: سيء الحفظ، مضطرب الحديث، في حديثه اضطراب.
إذا علمت ذلك، فاعلم ألهمك الله للصواب، وأزال عن قلبك ظلم الشك والارتياب أن الذي عليه المحققون من العلماء، أن أهل البدع كالخوارج والمرجئة والقدرية والرافضة ونحوهم، لا يكفرون، وذلك لأن الكفر لا يكون، إلا بإنكار ما علم من الدين بالضرورة.
وأما الجهمية: فالمشهور من مذهب أحمد، وعامة أئمة أهل السنة تكفيرهم؛ فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل، من الكتاب والسنة، وحقيقة قولهم: جحود الصانع، وجحود ما أخبر به عن نفسه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، بل وجميع الرسل.
ولهذا قال عبد الله بن المبارك: "إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية"، وبهذا كفروا من يقول: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، وأن الله ليس على العرش، وأنه ليس له علم، ولا قدرة، ولا رحمة، ولا غضب، ولا غير ذلك من صفاته.
стр. 4411
وهم عند كثير من السلف، مثل ابن المبارك، ويوسف بن أسباط، وطائفة من أصحاب أحمد، ليسوا من الثلاث والسبعين فرقة، التي افترقت عليها هذه الأمة.
وأصول هذه الفرق هم الخوارج، والشيعة والمرجئة، والقدرية ; ولا تختلف نصوص أحمد أنه لا يكفر المرجئة، فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، وكذلك الذين يفضلون عليا على أبي بكر، وذلك قول طائفة من الفقهاء، ولكن يبدعون ; وفي الأدلة الشرعية، ما يوجب أن الله لا يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه.
وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله، إذا مات فحرقوه، ثم ذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. فلما مات فعلوا به كما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال له: لم فعلت هذا؟ قال من خشيتك يا رب؛ فغفر له " ١.
وهذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ من طرق متعددة من رواية جماعة من الصحابة، منهم أبو سعيد الخدري، وحذيفة، وعقبة بن عامر؛ فهذا الرجل قد وقع له الشك
стр. 4412
والجهل، في قدرة الله تعالى، على إعادة من فعل به ما أمر أهله أن يفعلوه.
فهذا الرجل لما كان مؤمنا بالله في الجملة، ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة، وهو: أن الله يثيب، ويعاقب بعد الموت، فهذا عمل صالح، فغفر الله له بما كان معه، من الإيمان بالله واليوم الآخر، وإنما أخطأ من شدة خوفه؛ وقد وقع الخطأ الكثير في الخلق، في هذه الأمة، واتفقوا على عدم تكفير من أخطأ، مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة.
"وكان شريح القاضي ينكر قراءة من قرأ (بل عجبتُ) بالرفع، ويقول: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي، فقال: إنما شريح شاعر، يعجبه علمه، كان عبد الله أفقه منه، وكان يقرأ (بل عجبت") فهذا أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة لله، دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة، على أن شريحا إمام من الأئمة.
وكذلك بعض العلماء أنكر حروفا من القرآن، كما أنكر بعضهم ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١ فقال إنما هي: "ألم يتبين الذين آمنوا"، وهذا الخطأ معفو عنه بالإجماع؛ وكذلك الخطأ في الفروع العلمية، فإن المخطئ فيها لا يكفر، ولا يفسق، بل ولا يأثم، وإن كان بعض
стр. 4413
المتكلمة، والمتفقهة يجعل المخطئ فيها آثما، وبعض المتفقهة يعتقد أن كل مجتهد فيها مصيب، فهذان القولان شاذان.
والإجماع منعقد على أن من بلغته دعوة الرسول ﷺ فلم يؤمن بها، فهو كافر، ولا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد، لظهور أدلة الرسالة، وأعلام النبوة؛ والنصوص إنما أوجبت رفع المؤاخذة، بالخطأ لهذه الأمة؛ وإذا كان كذلك، فأصول الإيمان تقتضي وجوب الإيمان بالواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة.
والجاحد لها كافر بالاتفاق، مع أن المجتهد في بعضها إذا أخطأ ليس بكافر بالاتفاق، مع أن كثيرا من أهل البدع، يوجد فيهم النفاق الأكبر، والردة عن الإسلام؛ فما أكثر ما يوجد في الرافضة، والجهمية، ونحوهم، زنادقة منافقون، فأولئك ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ١.
وأصل ضلال هؤلاء، هو الإعراض عما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والحكمة، وابتغاء الهدى من غيرهما؛ فمن كان هذا أصله، فهو بعيد عن الخير، والرسالة إنما هي للعامة فوق الخاصة، كما يقوله قوم من المتفلسفة والمتصوفة.
стр. 4414
وأكثر السلف يرون قتل الداعية إلى البدعة، لما يجري على يديه من الفساد في الدين، سواء قالوا إنه كافر، أو ليس بكافر، وذلك لأن الدعاء إلى المقالة التي تخالف الكتاب والسنة، أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها، أعظم من مجرد الدعوة إليها.
فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم، بحيث يحكم عليه بأنه مع الكفار، لا يجوز الإقدام عليه، إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة بالرسالة، التي يتبين بها لهم أنهم مخالفون للرسول ﷺ ، وإن كانت مقالتهم هذه لا ريب أنها كفر، فإن نفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله لا يرى في الآخرة كفر، وإنكار أن يكون الله على العرش كفر، وإنكار القدر كفر؛ وبعض هذه البدع أشد من بعض، والله أعلم.
[الرد على سؤال حول الرافضة]
وسئل أيضا: الشيخ عبد الله ﵀، عن بيان حكم الرافضة، وعن قول من يقول: إن من تكلم بالشهادتين لم يجز تكفيره؟
فأجاب، رحمه الله تعالى: الرافضة في الأصل طوائف، منهم طائفة يسمون المفضلة، لتفضيلهم عليا ﵁ على سائر الصحابة ﵃، ولا يلعنون؛ ومنهم طائفة يزعمون غلط جبرائيل عليه السلام
стр. 4415
في الرسالة، ولا شك في كفر هذه الطائفة؛ وأكثرهم في الأصل يعترفون برسالة محمد ﷺ ويزعمون أن الخلافة لعلي، ويلعنون الصحابة ﵃، ويفسقونهم.
ونذكر ما ذكره الشيخ تقي الدين، ﵀، في حكمهم، قال ﵀ في "الصارم المسلول": ومن سب الصحابة أو واحدا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليا إله، أو نبي، وأن جبرائيل غلط، فلا شك في كفر هذا؛ بل لا شك في كفر من توقف في كفره. ومن قذف عائشة ﵂، بما برأها الله منه، كفر بلا خلاف، إلى أن قال: وأما من لعن وقبح- يعني لعن الصحابة ﵃، ففيه الخلاف، هل يفسق أو يكفر؟ وتوقف أحمد في تكفيره، وقال: يعاقب ويجلد، ويحبس حتى يموت أو يتوب.
قال الشيخ ﵀: وأما من جاوز ذلك، كمن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد موت رسول الله ﷺ إلا نفرا يسيرا قليلا، لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب أيضا في كفر قائل ذلك؛ بل من شك في كفره فهو كافر، انتهى.
فهذا حكم الرافضة في الأصل، وأما حكم متأخريهم الآن، فضموا الآن مع الرفض الشرك العظيم، الذي يفعلونه عند المشاهد الذي ما بلغه شرك العرب، الذين بعث إليهم