وهم عند كثير من السلف، مثل ابن المبارك، ويوسف بن أسباط، وطائفة من أصحاب أحمد، ليسوا من الثلاث والسبعين فرقة، التي افترقت عليها هذه الأمة.
وأصول هذه الفرق هم الخوارج، والشيعة والمرجئة، والقدرية ; ولا تختلف نصوص أحمد أنه لا يكفر المرجئة، فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، وكذلك الذين يفضلون عليا على أبي بكر، وذلك قول طائفة من الفقهاء، ولكن يبدعون ; وفي الأدلة الشرعية، ما يوجب أن الله لا يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه.
وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله، إذا مات فحرقوه، ثم ذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. فلما مات فعلوا به كما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال له: لم فعلت هذا؟ قال من خشيتك يا رب؛ فغفر له " ١.
وهذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ من طرق متعددة من رواية جماعة من الصحابة، منهم أبو سعيد الخدري، وحذيفة، وعقبة بن عامر؛ فهذا الرجل قد وقع له الشك
стр. 4412
والجهل، في قدرة الله تعالى، على إعادة من فعل به ما أمر أهله أن يفعلوه.
فهذا الرجل لما كان مؤمنا بالله في الجملة، ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة، وهو: أن الله يثيب، ويعاقب بعد الموت، فهذا عمل صالح، فغفر الله له بما كان معه، من الإيمان بالله واليوم الآخر، وإنما أخطأ من شدة خوفه؛ وقد وقع الخطأ الكثير في الخلق، في هذه الأمة، واتفقوا على عدم تكفير من أخطأ، مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة.
"وكان شريح القاضي ينكر قراءة من قرأ (بل عجبتُ) بالرفع، ويقول: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي، فقال: إنما شريح شاعر، يعجبه علمه، كان عبد الله أفقه منه، وكان يقرأ (بل عجبت") فهذا أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة لله، دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة، على أن شريحا إمام من الأئمة.
وكذلك بعض العلماء أنكر حروفا من القرآن، كما أنكر بعضهم ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١ فقال إنما هي: "ألم يتبين الذين آمنوا"، وهذا الخطأ معفو عنه بالإجماع؛ وكذلك الخطأ في الفروع العلمية، فإن المخطئ فيها لا يكفر، ولا يفسق، بل ولا يأثم، وإن كان بعض
стр. 4413
المتكلمة، والمتفقهة يجعل المخطئ فيها آثما، وبعض المتفقهة يعتقد أن كل مجتهد فيها مصيب، فهذان القولان شاذان.
والإجماع منعقد على أن من بلغته دعوة الرسول ﷺ فلم يؤمن بها، فهو كافر، ولا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد، لظهور أدلة الرسالة، وأعلام النبوة؛ والنصوص إنما أوجبت رفع المؤاخذة، بالخطأ لهذه الأمة؛ وإذا كان كذلك، فأصول الإيمان تقتضي وجوب الإيمان بالواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة.
والجاحد لها كافر بالاتفاق، مع أن المجتهد في بعضها إذا أخطأ ليس بكافر بالاتفاق، مع أن كثيرا من أهل البدع، يوجد فيهم النفاق الأكبر، والردة عن الإسلام؛ فما أكثر ما يوجد في الرافضة، والجهمية، ونحوهم، زنادقة منافقون، فأولئك ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ١.
وأصل ضلال هؤلاء، هو الإعراض عما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والحكمة، وابتغاء الهدى من غيرهما؛ فمن كان هذا أصله، فهو بعيد عن الخير، والرسالة إنما هي للعامة فوق الخاصة، كما يقوله قوم من المتفلسفة والمتصوفة.
стр. 4414
وأكثر السلف يرون قتل الداعية إلى البدعة، لما يجري على يديه من الفساد في الدين، سواء قالوا إنه كافر، أو ليس بكافر، وذلك لأن الدعاء إلى المقالة التي تخالف الكتاب والسنة، أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها، أعظم من مجرد الدعوة إليها.
فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم، بحيث يحكم عليه بأنه مع الكفار، لا يجوز الإقدام عليه، إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة بالرسالة، التي يتبين بها لهم أنهم مخالفون للرسول ﷺ ، وإن كانت مقالتهم هذه لا ريب أنها كفر، فإن نفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله لا يرى في الآخرة كفر، وإنكار أن يكون الله على العرش كفر، وإنكار القدر كفر؛ وبعض هذه البدع أشد من بعض، والله أعلم.
[الرد على سؤال حول الرافضة]
وسئل أيضا: الشيخ عبد الله ﵀، عن بيان حكم الرافضة، وعن قول من يقول: إن من تكلم بالشهادتين لم يجز تكفيره؟
فأجاب، رحمه الله تعالى: الرافضة في الأصل طوائف، منهم طائفة يسمون المفضلة، لتفضيلهم عليا ﵁ على سائر الصحابة ﵃، ولا يلعنون؛ ومنهم طائفة يزعمون غلط جبرائيل عليه السلام
стр. 4415
في الرسالة، ولا شك في كفر هذه الطائفة؛ وأكثرهم في الأصل يعترفون برسالة محمد ﷺ ويزعمون أن الخلافة لعلي، ويلعنون الصحابة ﵃، ويفسقونهم.
ونذكر ما ذكره الشيخ تقي الدين، ﵀، في حكمهم، قال ﵀ في "الصارم المسلول": ومن سب الصحابة أو واحدا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليا إله، أو نبي، وأن جبرائيل غلط، فلا شك في كفر هذا؛ بل لا شك في كفر من توقف في كفره. ومن قذف عائشة ﵂، بما برأها الله منه، كفر بلا خلاف، إلى أن قال: وأما من لعن وقبح- يعني لعن الصحابة ﵃، ففيه الخلاف، هل يفسق أو يكفر؟ وتوقف أحمد في تكفيره، وقال: يعاقب ويجلد، ويحبس حتى يموت أو يتوب.
قال الشيخ ﵀: وأما من جاوز ذلك، كمن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد موت رسول الله ﷺ إلا نفرا يسيرا قليلا، لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب أيضا في كفر قائل ذلك؛ بل من شك في كفره فهو كافر، انتهى.
فهذا حكم الرافضة في الأصل، وأما حكم متأخريهم الآن، فضموا الآن مع الرفض الشرك العظيم، الذي يفعلونه عند المشاهد الذي ما بلغه شرك العرب، الذين بعث إليهم
стр. 4416
رسول الله ﷺ .
وأما قول من يقول: إن من تكلم بالشهادتين ما يجوز تكفيره، وقائل هذا القول لا بد أن يتناقض، ولا يمكنه طرد قوله، في مثل من أنكر البعث، أو شك فيه، مع إتيانه بالشهادتين، أو أنكر نبوة أحد من الأنبياء الذين سماهم الله في كتابه، أو قال الزنى حلال، أو نحو ذلك، فلا أظن يتوقف في كفر هؤلاء وأمثالهم، إلا من يكابر ويعاند.
فإن كابر وعاند، وقال: لا يضر شيء من ذلك، ولا يكفر به من أتى بالشهادتين، فلا شك في كفره، ولا كفر من شك في كفره، لأنه بقوله هذا مكذب لله ولرسوله، ولإجماع المسلمين؛ والأدلة على ذلك ظاهرة بالكتاب والسنة والإجماع.
فمن قال: إن التلفظ بالشهادتين لا يضر معهما شيء، أو قال: من أتى بالشهادتين وصلى وصام لا يجوز تكفيره، وإن عبد غير الله فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر، لأن قائل هذا القول مكذب لله ورسوله، وإجماع المسلمين كما قدمنا، ونصوص الكتاب والسنة في ذلك كثيرة، مع الإجماع القطعي، الذي لا يستريب فيه من له أدنى نظر في كلام العلماء، لكن التقليد والهوى يعمي ويصم ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١.
стр. 4417
وليعلم من أنعم الله عليه بمعرفة الشرك، الذي يخفى على أكثر الناس اليوم، أنه قد منح أعظم النعم، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ ١، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ ٣، ثم لا يأمن من من الله عليه بذلك من الافتتان.
اللهم إذ هديتنا للإسلام فلا تنْزعه منا، ولا تنْزعنا منه حتى توفانا عليه، ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ٤. انتهى ملخصا، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[حكم من سب الصحابة]
وسئل أيضا الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: من سب الصحابه هل يكفر أو يفسق؟ وما الدليل على ذلك؟
فأجاب: فسقه لا خلاف فيه، لقوله ﵇: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " ٥؛ وأما تكفيره: فاختلف العلماء في ذلك، فمنهم من كفره كما يذكر عن مالك، واحتج على كفره بقوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ٦، قال فكل من غاظوه فهو كافر، لهذه الآية.
والذي عليه الأكثر عدم تكفيره، وتوقف أحمد في تكفيره وقتله؛ وأما تعزيره وتأديبه، بالضرب، والحبس،
стр. 4418
الذي يزجره عن ذلك، فلا خلاف فيه.
[الاستغاثة بالمخلوق]
وسئل: هل يجوز التحاكم إلى غير كتاب الله؟
فأجاب: لا يجوز ذلك، ومن اعتقد حله فقد كفر، وهو من أعظم المنكرات، ويجب على كل مسلم الإنكار على من فعل ذلك؛ ولا يستريب في هذا من له أدنى علم.
وقال أيضا: وأما المبحث الثاني عمن كان يستغيث بالمخلوق عند الشدائد، بالنداء والدعاء، ويستغيث ويتوسل، ويتوجه بنبيه ﷺ أو بالصالحين، فقد قال النبي ﷺ في أدعية الصباح: " أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك، أن تقيلني في هذه الغداة "،مع الحديث الآخر: " إن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ وقال له: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك. قال ادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى، اللهم فشفعة فيّ " ١: فهذان الحديثان مصرحان بالتوسل والتوجه والدعاء، والتشفع والنداء.
وأما حكم من فعل ذلك، وهو غير قاصد للشرك،
стр. 4419
ولا معاند للإسلام، فالفرق ظاهر بينه وبين من قصد الشرك والعناد، بعد معرفة التوحيد.
فنقول: الجواب- وبالله التوفيق-: أما سؤال الميت والغائب، نبيا كان أو غيره، تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، والاستغاثة به في الأمور المهمات، فهو من المحرمات المنكرة، باتفاق أئمة المسلمين؛ لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين؛ وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام.
فإنه لم يكن أحد منهم إذا نزلت به ترة، أو عرضت له حاجة، أو نزلت به كربة وشدة، يقول لميت: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقض حاجتي، وأنا مستشفع بك إلى ربي، كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم، من الموتى والغائبين؛ ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها، ولا كانوا يقصدون قبورهم للدعاء والصلاة عندها.
ولهذا ثبت في الصحيح: أن الناس لما قحطوا في زمان عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، وتوسل بدعائه، وقال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك إذا أجدبنا بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا) ،
стр. 4420
فيسقون؛ وكذلك معاوية ﵁ لما استسقى بأهل الشام، توسل بيزيد بن الأسود الجرشي.
فهذا الذي ذكره عمر ﵁ توسل منهم بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته؛ ولهذا توسل بعده بدعاء العباس، وتوسل معاوية بدعاء يزيد بن الأسود؛ وهذا الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء، وقالوا: يستحب أن يستسقى بالصالحين، وإذا كانوا من أقارب رسول الله ﷺ ، فهو أفضل.
وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع، أبعدها عن الشرع من يسأل الميت حاجته، كما يفعله كثير من الناس، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ١ الآية.
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة، والمسيح، وعزيرا، فقال الله لهم: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي؛ فكل من دعا نبيا، أو وليا، أو صالحا، وجعل فيه نوعا من الإلهية، فقد تناولته هذه الآية، فإنها عامة في كل من دعا من دون الله مدعوا، وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته ويخاف
стр. 4421
عذابه.
فكل من دعا ميتا أو غائبا، من الأنبياء أو الصالحين، سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها، فقد فعل الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه؛ ومعلوم أن هؤلاء كلهم، يجعلونهم وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية، ولا يحولونه من موضع إلى موضع، كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: ﴿ولا تحويلا﴾ فذكر نكرة تعم أنواع التحويل.
فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين، أو دعا الملائكة أو الجن، فقد دعا من لا يغيث، ولا يملك كشف ضره ولا تحويله، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ١. وقد نص الأئمة كأحمد وغيره، على أنه لا يجوز الاستغاثة بمخلوق، وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا: لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه استعاذ بكلمات الله، وأمر بذلك، فدل على أن كلمات الله غير مخلوقة، وأنها صفة من صفاته، لأن الاستغاثة بالمخلوق لا تجوز.
والمقصود: أن يعلم السائل- وفقه الله- أن الاستغاثة بالمخلوق في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، من كشف
стр. 4422
الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات، من الشرك الذي لا يغفره الله؛ وهو من الغلو الذي ذمة الله في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ١،
وقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢. والغلو في الصالحين هو من فعل المشركين، كما حكاه سبحانه عن قوم نوح، في قوله: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً﴾ ٣ الآية، قال ابن عباس: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموا بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت".
فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من العبادة مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال؛ فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل.
فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده، ولا يجعل معه إله آخر، والذين يدعون مع الله آلهة
стр. 4423
أخرى، مثل المسيح والملائكة والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنْزل المطر، أو تنبت النبات؛ وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو صورهم، يقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، كما أخبر الله عنهم بذلك في كتابه، في غير ما آية، فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة.
وعبادة الله وحده هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي أمر الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. وكان النبي ﷺ يحقق التوحيد، ويعلمه أمته، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: (أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده " ٣، وقال فيما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله " ٤، ونهى عن الحلف بغير الله، وقال: " من حلف بغير الله فقد اشرك " ٥.
وقال في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٦، يحذر ما صنعوا، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ٧، رواه مالك في الموطأ ;
стр. 4424
وروى الطبراني عنه ﷺ أنه قال: " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ".
ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، فأعظم آية في القرآن: آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ١، وقال ﷺ : " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة " ٢ والإله: هو الذي يألهه القلب، خشية له وإجلالا وإكراما.
ولهذا اتفق أئمة الإسلام، على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور؛ ولهذا اتفق العلماء، على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها، لأن ذلك إنما يكون لأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق؛ كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ ٣، ولما "كان للمشركين سدرة يعكفون عندها، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الصحابة: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال ﷺ : الله أكبر! إنها السنن، لتركبن سنن من كان
стр. 4425
قبلكم "،فأنكر ﷺ مجرد مشابهتهم.
فإذا كان اتخاذ الشجرة لتعليق الأسلحة، والعكوف حولها، اتخاذ إله مع الله، وهم لا يعبدونها، ولا يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر، ودعائه، والدعاء عنده، والدعاء به؟ وأي شبه للفتنة بالشجرة، إلى الفتنة بالقبر، لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون؟ !
ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله ﷺ وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم، في هذا الباب وغيره، علم أن بين السلف وبينهم أبعد مما بين المشرق والمغرب؛ والأمر والله أعظم مما ذكرنا، وبالله التوفيق.
النوع الثاني: من الأمور المبتدعة عند القبور: أن يسأل الله تعالى به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو من البدع المحدثة في الإسلام؛ لكن بعض العلماء يرخص فيه، وبعضهم ينهى عنه ويكرهه، وليس هذا مثل النوع الذي قبله، فإنه لا يصل إلى الشرك الأكبر عند من كرهه، ولا يسمى هذا استغاثة بالرسول ﷺ وإنما هو سؤال به.
والفرق بينه وبين الذي قبله، فرق عظيم، أبعد مما بين المشرق والمغرب؛ والسائل- سامحه الله- لم يفرق بين هذا وهذا، وجعل هذين النوعين نوعا واحدا، وهذا جهل عظيم بدين الإسلام، الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم
стр. 4426
وبما درج عليه السلف الصالح، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم.
والعامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بالأنبياء والصالحين، كقول أحدهم: أتوسل إليك بنبيك، أو بأنبيائك، أو بملائكتك، أو بالصالحين من عبادك، أو بحق الشيخ فلان، أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم، أو بالكعبة وغير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، ولا يسألونها وينادونها، فإن المستغيث بالشيء، طالب منه، سائل له، والمتوسل به لا يدعو، ولا يطلب منه ولا يسأل، وإنما يطلب به.
وكل أحد يفرق بين المدعو به، وبين المدعو المستغاث; والاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون، والمخلوق إنما يطلب منه من هذه الأمور، ما يقدر عليه منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ١، وكما قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٢.
وأما ما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يطلب إلا من الله، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ٣، حتى إن المشركين عبدة الأوثان، يخلصون الدعاء لله، والاستغاثة به في الشدة، وينسون ما يشركون، لعلمهم أنه
стр. 4427
لا يقدر على تفريج الكربات، وقضاء الحاجات، وإغاثة اللهفات إلا رب الأرض والسماوات، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٣ الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٤.
ولا يعرف في لغة أحد من بني آدم، أن من قال: أتوسل إليك برسولك، أو: أتوجه إليك برسولك، فقد استغاث به حقيقة، فإنهم يعلمون أن المستغاث به مسؤول مدعو، فيفرقون بين المسؤول، والمسؤول به، سواء استغاث بالخالق، أو بالمخلوق، فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق، فيما يقدر عليه، والنبي ﷺ أفضل مخلوق يستغاث به في مثل ذلك.
فلو قال قائل فيمن يستغيث به: أسألك بفلان، أو بحق فلان، لم يقل أحد إنه استغاث بمن توسل به، بل
стр. 4428
إنما استغاث بمن دعاه وسأله؛ ولهذا قال المصنفون في شرح أسماء الله الحسنى، أن المغيث بمعنى المجيب، لكن الإغاثة أخص بالأفعال، والإجابة أخص بالأقوال.
والتوسل إلى الله في الدعاء بغير نبينا ﷺ ، لا نعلم أحدا من السلف فعله، ولا روى فيه أثرا؛ وقد قال أبو الحسين القدوري الحنفي، في شرح الكرخي: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن تقول بمعقد العز من عرشك، أو بحق خلقك، وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشك، هو الله، فلا أكره هذا، وأكره بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت، والمشعر الحرام؛ بهذا الحق قالوا جميعا يكره، انتهى.
وكذلك قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام، الفقيه الشافعي، في فتاويه المشهورة عنه: أنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى بخلقه، إلا بالنبي ﷺ إن صح الحديث فيه، يعني حديث الأعمى، الذي رواه الترمذي وغيره؛ والمسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لاحق للمخلوق على الخالق، فلا يجوز أن يسأل ما ليس لمستحق.
ولكن معقد العز من عرشك، هل هو سؤال بمخلوق؟ أو بالخالق؟ فيه نزاع بينهم، فلذلك تنازعوا فيه; وأبو يوسف بلغه الأثر فيه: أسألك بمعقد العز من
стр. 4429
عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وكلماتك التامة، فجوزه لذلك، والله أعلم.
وأما الجواب عن الحديثين المذكورين، فمن وجوه: أحدها: أن يقال قد أجاب عنها غير واحد من العلماء، على تقدير صحتها، بأن المعنى بحق السائلين عليك، أي: الحق الذي أوجبه الله على نفسه للسائلين، وهو الإجابة.
ولا ريب أن الله جعل على نفسه حقا لعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، وكما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٢. وفي حديث معاذ في الصحيحين: " أتدري ما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم " ٣ الحديث؛ فهذا حق وجب بكلماته التامة، ووعده الصادق.
وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب، بوعده الصادق، وتنازعوا: هل يوجب بنفسه على نفسه؟ ومن جوز ذلك احتج بقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٤ وبقوله في الحديث "إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما " ٥ وأما الإيجاب عليه، والتحريم، بالقياس على خلقه،
стр. 4430
فهو قول القدرية والمعتزلة، وهو قول مبتدع، مخالف لصحيح المنقول، وصريح المعقول، ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب، قال: إنه كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئا، كما يكون للمخلوق على المخلوق.
فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، فهو الخالق لهم، وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل، وإذا كان كذلك، فالحق الذي لعباده، هو من فضله وامتنانه؛ وإذا سئل بما جعله هو سببا للمطلوب، من الأعمال الصالحة، التي وعد أصحابها كرامته، وإجابته لدعائهم، فهو سؤال وتسبب بما جعله الله سببا.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الله إذا سئل بشيء ليس سببا للمطلوب، فإما أن يكون إقساما عليه به، فلا يقسم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالا بما لا يقتضي المطلوب، فيكون عديم الفائدة؛ فالأنبياء والمؤمنون، لهم حق على الله بوعده الصادق لهم، وكلماته التامة، هذا حق وليس فيه محذور؛ وأما إذا سئل بنفس ذوات الأنبياء والصالحين، لم يكن في ذلك سبب يقتضي المطلوب.
الوجه الثالث: أن يقال: الذي جاءت به السنة، وتواتر في الأحاديث، هو التوسل والتوجه والإقسام عليه بأسمائه وصفاته، وبالأعمال كالأدعية المعروفة في
стр. 4431
السنن: " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام " ١ الحديث.
وفي الحديث الآخر: " اللهم إني أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد "، وفي الحديث الآخر: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " ٢ الحديث.
وقد أخبر الله تعالى عن عباده الصالحين، أنهم سألوا الله بالأعمال الصالحة، فقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ ٣ الآيات.
وكما ثبت في الصحيحين، في قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فدعوا الله، وتوسلوا إليه بالأعمال الصالحة، وكالتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين، وشفاعتهم في حياتهم، فهذا مما لا نزاع فيه، بل هو من الوسيلة التي أمر الله بها، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٤، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٥ الآية،
стр. 4432
فإن ابتغاء الوسيلة منه، هو طلب ما يتوسل به، أي يتقرب به إليه سبحانه، سواء كان على وجه العبادة والطاعة، وامتثال الأمر، أو كان على وجه السؤال به، والاستعانة به، رغبة إليه في طلب المنافع، ودفع المضار؛ ولفظ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا، بمعنى العبادة، والدعاء بمعنى المسألة، وإن كان كل منهما مستلزما للآخر؛ لكن العبد قد تنْزل به النازلة، فيكون مقصوده طلب حاجاته، وتفريج كرباته، فيسعى في ذلك بالسؤال والتضرع، وإن كان ذلك من العبادة والطاعة.
الوجه الرابع: أن يقال: قد علم بالاضطرار من دين الإسلام، أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت؛ بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأنه من الشرك الذي حرم الله.
قال الله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ١، وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ
стр. 4433
كَافِرِينَ﴾ ١،
وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣. ومن تأمل أدلة الكتاب والسنة، علم علما ضروريا أن الميت لا يطلب منه شيء، لا دعاء ولا غيره.
وأما حديث الأعمى، فليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، فإنه إنما توجه بدعاء الرسول ﷺ وشفاعته في حياته، فإن في الحديث: أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، فقال: " يا رسول الله: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت صبرت فهو خير لك، وإن شئت دعوت. فقال: فادعه، وقال في آخره: اللهم فشفعه في "،
فعلم أنه شفع له، فتوسل بشفاعته، لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه وشفاعته، في الاستسقاء، كما قال عمر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا"، معناه: نتوسل بدعائه وشفاعته، ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وشفاعته، ليس المراد أنا نقسم عليك به، وما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبه، كما يقوله بعض الناس: أسألك بجاه فلان عبدك ; ويقولون: إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه.
стр. 4434
ولو كان هذا هو التوسل الذي يفعله الصحابة، لفعلوا ذلك بعد موت النبي ﷺ ، ولم يعدلوا عنه إلى العباس، مع علمهم أن السؤال به، والإقسام به، أعظم من العباس، فعلم: أن ذلك التوسل الذي في حديث عمر، والذي في حديث الأعمى، هو ما يفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم.
فالأعمى طلب من النبي ﷺ أن يدعو له أن يرد عليه بصره، فعلمه النبي ﷺ دعاء، وأمره أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه ﷺ فيه؛ فقوله في الحديث: (أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة) ، بدعائه وشفاعته، فلفظ التوجه والتوسل في الحديثين بمعنى واحد.
وقوله: (يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي) ، أجاب عنه العلماء: بأن هذا وأمثاله نداء، يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطب المشهود بالقلب، كما نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ليس المراد سؤاله والاستغاثة به.
الوجه الخامس: أن يقال: هذا الحديث قد رواه النسائي في اليوم والليلة، والإمامان البيهقي وابن شاهين في دلائلهما، كلهم من حديث عثمان بن حنيف، ولم يذكروا فيه هذه الكلمة، أعني قوله: (يا محمد، يا نبي الله) .
стр. 4435
ولفظ الحديث عندهم: عن عثمان بن حنيف: "أن رجلا أعمى أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله قد أصبت في بصري، فادع الله لي، فقال له النبي: ﷺ توضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة، إني أتشفع به إليك في رد بصري، اللهم شفع نبيي في. ففعل ذلك، فرد الله عليه بصره، وقال له: فإذا كان لك حاجة فمثل ذلك فافعل " انتهى.
ولفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والسؤال به، فيه إجمال واشتراك، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة؛ فيراد به التسبب به، لكونه داعيا وشافعا مثلا، أو لكون الداعي مجيبا له مطيعا لأمره مقتديا به، ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته؛ فهذا الثاني هو الذي كرهه العلماء ونهوا عنه.
النوع الثالث: من الأنواع المبتدعة عند القبور: أن يظن أن الدعاء عندها مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد القبر لذلك، فإن هذا من المنكرات إجماعا، ولم نعلم في ذلك نزاعا بين أئمة الدين؛ وإن كان كثير من المتأخرين يفعله، فإن هذا أمر لم يشرعه الله ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء، ولا الصالحين المتقدمين؛ بل أكثر ما ينقل ذلك، عن بعض
стр. 4436
المتأخرين بعد المائة الثانية.
وأصحاب رسول الله ﷺ قد أجدبوا مرات، ودهمتهم نوائب، ولم يجيئوا عند قبر النبي ﷺ ، ولا استغاثوا به؛ بل خرج عمر بالعباس، فاستسقى به، ولم يستسق عند قبر النبي ﷺ .
وقد كان من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وعندهم التابعون ومن بعدهم من الأئمة، فما استغاثوا عند قبر صاحب قط، ولا توسلوا به، ولا استسقوا عنده، ولا استنصروا عنده، ولا به؛ ومعلوم: أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله لو وقع، بل على ما هو دونه.
ومن تأمل كتب الآثار، وعرف حال السلف، علم قطعا أن القوم ما كانوا يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلا، بل كانوا ينهون عن ذلك من يفعله من جهالهم.
فمن ذلك: ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو بكر، حدثنا يزيد بن الحباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم، حدثنا علي بن عمر، عن أبيه عن علي بن الحسين: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة، كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيدعو فيها، فقال: ألا أحدثكم حديثا
стр. 4437
سمعته من أبي، عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا؛ فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم " ١ رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي، فيما اختاره من الأحاديث الجياد على الصحيحين، وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في صحيحه.
وروى سعيد في سننه، عن "سهيل بن أبي سهيل، قال رآني الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني- وهو في بيت فاطمة يتعشى- فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر؛ وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء".
وروى سعيد أيضا، عن أبي سعيد مولى المهدي، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا؛ وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني " ٢.
стр. 4438
فهذان المرسلان من وجهين مختلفين، يدلان على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج من أرسله به، وذلك يقتضي ثبوته عنده، لو لم يكن روي من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد روى مسندا؟
ووجه الدلالة: أن قبر النبي ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فغيره أولى بالنهي كائنا من كان؛ ثم إنه قرن ذلك بقوله: "ولا تتخذوا بيوتكم قبور ا" ١، أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء، فتكون بمنْزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون، من النصارى ومن تشبه بهم.
وقد قال الإمام أحمد: إذا سلم الرجل على النبي ﷺ وصاحبيه، ثم أراد الدعاء فليستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، لئلا يستدبره؛ وكذلك ذكر أصحاب مالك، قالوا: يدنو من القبر، فيسلم على النبي ﷺ ، ثم يدعو مستقبل القبلة.
وقال مالك في "المبسوط": لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويصلي. فقصد الدعاء عند القبر كرهه السلف، متأولين في ذلك قوله ﷺ : " لا تتخذوا قبري عيدا " ٢ كما ذكرنا ذلك عن علي بن الحسين،
стр. 4439
والحسن بن الحسن بن عمه، وهما أفضل أهل البيت من التابعين، وأعلم بهذا الشأن من غيرهما، لمجاورتهما الحجرة النبوية نسبا ومكانا.
وقد ذكرنا عن أحمد وغيره: أنهم أخبروا من سلم على النبي ﷺ ، ثم أراد أن يدعو، أن ينصرف فيستقبل القبلة؛ وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين، كما ذكرناه عن مالك وغيره، وكذلك غير واحد من المتأخرين، مثل أبي الوفاء بن عقيل، وأبي الفرج بن الجوزي.
ولا يحفظ عن صاحب ولا عن تابع، ولا عن إمام معروف، أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عندها، ولا روى أحد في ذلك شيئا، لا عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة، ولا عن الأئمة المعروفين، والله أعلم.
المبحث الثالث: عمن مات على التوحيد، وإقامة قواعد الإسلام الخمس وأصول الإيمان الستة، ولكنه كان يدعو وينادي، ويتوسل في الدعاء إذا دعا ربه، ويتوجه بنبيه في دعائه معتمدا على الحديثين الذين ذكرناهما، أو جهلا منه وغباوة، كيف حكمهم؟
فالجواب، أن يقال: قد قدمنا الكلام على سؤال الميت والاستغاثة به، وبينا الفرق بينه وبين التوسل به في
стр. 4440
الدعاء، وأن سؤال الميت والاستغاثة به في قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله، واتفقت الكتب الإلهية، والدعوات النبوية، على تحريمه وتكفير فاعله، والبراءة منه ومعاداته.
ولكن في أزمنة الفترات وغلبة الجهل، لا يكفر الشخص المعين بذلك، حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة، ويبين له، ويعرف أن هذا هو الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله؛ فإذا بلغته الحجة، وتليت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ثم أصر على شركه فهو كافر، بخلاف من فعل ذلك جهالة منه، ولم ينبه على ذلك؛ فالجاهل فعله كفر، ولكن لا يحكم بكفره إلا بعد بلوغ الحجة إليه، فإذا قامت عليه الحجة ثم أصر على شركه فقد كفر، ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلي ويزكي، ويؤمن بالأصول الستة.
وهذا الدين الذي ندعو إليه، قد ظهر أمره وشاع وذاع، وملأ الأسماع، من مدة طويلة؛ وأكثر الناس بدعونا، وخرجونا، وعادونا عنده، وقاتلونا، واستحلوا دماءنا وأموالنا، ولم يكن لنا ذنب سوى تجريد التوحيد، والنهي عن دعوة غير الله، والاستغاثة بغيره، وما أحدث من البدع والمنكرات، حتى غلبوا وقهروا، فعند ذلك أذعنوا، وأقروا بعد الإنكار.
стр. 4441
وأما من مات، وهو يفعل الشرك جهلا لا عنادا، فهذا نكل أمره إلى الله، ولا ينبغي الدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وذلك لأن كثيرا من العلماء يقولون: من بلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة، كما قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ١.
فإذا بلغه القرآن وأعرض عنه، ولم يبحث عن أوامره ونواهيه، فقد استوجب العقاب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً خَالِدِينَ فِيهِ﴾ ٣.
[حلق شعر الرأس وشرب التنباك]
ثم قال رحمه الله تعالى: وأما البحث عن حلق شعر الرأس، وأن بعض البوادي الذين دخلوا في ديننا، قاتلوا من لم يحلق رأسه، وقتلوا بسبب الحلق خاصة، وأن من لم يحلق رأسه صار مرتدا؟.
فالجواب: أن هذا كذب وافتراء علينا، ولا يفعل هذا من يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فإن الكفر والردة لا تكون إلا بإنكار ما علم بالضرورة من دين الإسلام؛ وأنواع الكفر والردة من الأقوال والأفعال، معلومة عند أهل العلم، وليس عدم الحلق منها، بل ولم نقل أن الحلق مسنون،
стр. 4442
فضلا عن أن يكون واجبا، فضلا عن أن يكون تركه ردة عن الإسلام.
والذي وردت السنة بالنهي عنه، هو القزع، وهو: حلق بعض الرأس، وترك بعضه، وهذا هو الذي نهينا عنه، ونؤدب فاعله؛ ولكن الجهال القادمون إليكم، لا يميزون أنواع الكفر والردة، وكثير منهم غرضه نهب الأموال، ونحن لم نأمر أحدا من الأمراء بقتال من لم يحلق رأسه.
بل نأمرهم بقتال من أشرك بالله، وأبى عن توحيد الله، والتزام شرائع الإسلام، من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، فإذا فعلوا خلاف ذلك، وبلغنا ذلك من فعلهم، لم نقرهم على ذلك، بل نبرأ إلى الله من فعلهم، ونؤدبهم على قدر جرائمهم، بحول الله وقوته.
وأما البحث عن التنباك، وقولكم: بلغنا أنكم أفتيتم فيه، بأنه من المسكرات، اعتمدنا على قولكم، فعارض بعض الراحلين من عندكم، فقالوا: من شربه بعدما تاب منه، فقد ارتد وحل دمه وماله.
فالجواب: أن من نسب إلينا القول بهذا، فقد كذب وافترى؛ بل من قال هذا القول، استحق التعزير البليغ، الذي يردعه وأمثاله، فإن هذا مخالف للكتاب والسنة، بل لو تاب منه ثم عاد إلى شربه، لم يحكم بكفره وردته، ولو
стр. 4443
أصر على ذلك، إذا لم يستحله؛ والتكفير بالذنوب مذهب الخوارج، الذين مرقوا من الإسلام، واستحلوا دماء المسلمين بالذنوب والمعاصي ١.
[من يرد عن الحوض وما ذكر العلماء فيهم]
سئل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود عما جاء في بعض كتب الحديث ما معناه: إنه "يرد على الحوض جماعة من أصحابي، فيعدل بهم ذات الشمال"، هل ورد في تعيينهم أثر خاص ... إلخ؟
فأجاب: هذه الأحاديث ثابتة في الصحاح والمساند، لكن لم يرد نص فيما علمنا بتعيينهم، وذكر العلماء أن هذا في أهل الردة، الذين ارتدوا بعد موت النبي ﷺ كأصحاب مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وكثير من بوادي العرب، الذين جاهدهم خليفة رسول الله ﷺ ومن معه من الصحابة، حتى أدخلهم في الإسلام الذي خرجوا منه، وقتلوا منهم من قتلوا؛ فعلى هؤلاء تنَزل هذه الأحاديث، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، من هذه الأمة.
وأما من جعلها متناولة لأكثر الصحابة وخيارهم، الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، فقد كذب وافترى، واتبع غير سبيل المؤمنين.
стр. 4444
وهؤلاء كأهل البدع، من الروافض والخوارج، الذين كفروا جمهور الصحابة ﵃، فهؤلاء وأمثالهم ممن استحوذ عليهم الشيطان، فأضلهم عن الصراط المستقيم.
وجعلوا من أصول دينهم: التبري من جمهور الصحابة، وبغضهم، وسبهم، لأنهم ظنوا أن ذلك من إتمام التولي لعلي، وأهل البيت ﵃؛ وهذا من حمقهم وجهلهم، نعوذ بالله من الخذلان.
وأما أهل السنة والجماعة فيتولون أهل البيت، وجميع الصحابة ﵃، الذين ثبتوا على الإسلام، وجاهدوا المرتدين، وما أحسن ما قال بعض أهل السنة:
إن كان نصبا حب صحب محمد فليشهد الثقلان أني ناصبي
وذلك أن الروافض يسمون أهل السنة ناصبة، أي: أنهم نصبوا العداوة لأهل البيت، وقد تواتر عن أمير المؤمنين علي ﵁ أنه قال في خلافته على منبر الكوفة: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر) ، وقال: (لا أوتى برجل يفضل على أبي بكر، إلا جلدته حد المفتري) . ونسأل الله تعالى: أن يهدينا وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويجنبنا ما يسخطه من المعاصي والزلل، وأن يجعلنا ممن يتبع كتابه، وسنة
стр. 4445
رسوله ﷺ وما عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ويعيذنا من التفرق والاختلاف، ويرزقنا الاجتماع والائتلاف، على دينه القويم، وصراطه المستقيم؛ وفي هذا بيان لمن أراد الله هدايته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ١٢١٢ هـ.
[من دعا نبيا واستغاث به]
وسئل الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر، ﵀: ما قولكم فيمن دعا نبيا أو وليا، أو استغاث به في تفريج الكربات، كقوله: يا رسول الله، أو يا ابن عباس، أو يا محجوب، أو غيرهم من الأولياء والصالحين.
فأجاب: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبعهم بإحسان، وقفا أثرهم إلى آخر الزمان.
أما بعد: فإن الله تعالى قد أكمل لنا الدين، ورسوله قد بلغ البلاغ المبين، وأنزل عليه الكتاب هدى وذكرى للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ
стр. 4446
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١،
وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ٣. قال ابن عباس: (تكفل الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه، أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة) ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٤.
وروى مالك في الموطأ: أن رسول الله ﷺ قال: " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة رسوله " ٥، وعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها؛ لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ".
وقال ﷺ : "ما تركت من شيء يقرب من الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيء يقرب إلى النار إلا وقد حدثتكم به"، وقال ﷺ : " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة
стр. 4447
ضلالة ".
فمن أصغى إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وجد فيهما الهدى والشفاء. وقد ذم الله تعالى من أعرض عن كتابه، ودعا عند التنازع إلى حكم غيره، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ١.
إذا عرف هذا، فنقول: الذي شرعه رسول الله ﷺ عند زيارة القبور، إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى الميت، بالدعاء له والترحم، والاستغفار له، وسؤال العافية، كما في صحيح مسلم، عن بريدة قال: " كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، أن يقولوا: السلام على أهل الديا ر ـ وفي لفظ: عليكم أهل الديار- من المؤمنين والمسلمين. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية " ٢.
وفي سنن أبي داود، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء " ٣، وعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : " ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة، كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه " ٤ رواه مسلم. فإذا كنا على جنازته، ندعو له لا ندعوه، ونشفع له لا نستشفع به، فبعد الدفن أولى وأحرى.
стр. 4448
فبدل أهل الشرك قولا غير الذي قيل لهم: بدلوا الدعاء له بدعائه، والشفاعة له بالاستشفاع وبه، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحسانا إلى الميت، سؤال الميت، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، بنص رسول الله ﷺ .
فعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : " الدعاء مخ العبادة " ١ رواه الترمذي، وعن النعمان بن بشير، قال قال رسول الله ﷺ : " الدعاء هو العبادة " ٢، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٣، رواه أحمد والترمذي، وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
ومن المحال أن يكون دعاء الموتى مشروعا، ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ﷺ ، ثم يوفق له الخلوف، الذي يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فهذه سنة رسول الله ﷺ وهذه طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل نقل عن أحد منهم بنقل صحيح، أو حسن، أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة، قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلا عن أن يسألوا أصحابها جلب الفوائد، وكشف الشدائد؟
ومعلوم: أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على
стр. 4449
نقله، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون؛ فما منهم من استغاث عند قبر ولا دعاه، ولا استشفى به ولا استنصر به، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا الصلاة عندها؛ فإن كان عندكم في هذا أثر صحيح، أو حسن، فأوقفونا عليه.
بل الذي صح عنهم خلاف ما ذهبتم إليه، "ولما قحط الناس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، وتوسل بدعائه، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، فيسقون" ثبت ذلك في صحيح البخاري، ذكره في كتاب الاستسقاء من صحيحه.
ونحن نعلم بالضرورة: أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها؛ بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الأكبر، الذي حرمه الله ورسوله.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ
стр. 4450
دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ١،
وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ ٣ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ٥ الآية.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٦. قال مجاهد: (يبتغون إلى ربهم الوسيلة هو عيسى وعزير والملائكة".
وكذا قال إبراهيم النخعي، قال: كان ابن عباس يقول في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ:﴾ (هو عزير والمسيح، والشمس والقمر) وعن السدي، وعن أبي هريرة، عن ابن عباس قال: (عيسى وأمه