← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ٣. قال ابن عباس: (تكفل الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه، أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة) ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٤. وروى مالك في الموطأ: أن رسول الله ﷺ قال: " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة رسوله " ٥، وعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها؛ لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ". وقال ﷺ : "ما تركت من شيء يقرب من الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيء يقرب إلى النار إلا وقد حدثتكم به"، وقال ﷺ : " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة

стр. 4447

ضلالة ". فمن أصغى إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وجد فيهما الهدى والشفاء. وقد ذم الله تعالى من أعرض عن كتابه، ودعا عند التنازع إلى حكم غيره، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ١. إذا عرف هذا، فنقول: الذي شرعه رسول الله ﷺ عند زيارة القبور، إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى الميت، بالدعاء له والترحم، والاستغفار له، وسؤال العافية، كما في صحيح مسلم، عن بريدة قال: " كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، أن يقولوا: السلام على أهل الديا ر ـ وفي لفظ: عليكم أهل الديار- من المؤمنين والمسلمين. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية " ٢. وفي سنن أبي داود، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء " ٣، وعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : " ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة، كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه " ٤ رواه مسلم. فإذا كنا على جنازته، ندعو له لا ندعوه، ونشفع له لا نستشفع به، فبعد الدفن أولى وأحرى.

стр. 4448

فبدل أهل الشرك قولا غير الذي قيل لهم: بدلوا الدعاء له بدعائه، والشفاعة له بالاستشفاع وبه، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحسانا إلى الميت، سؤال الميت، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، بنص رسول الله ﷺ . فعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : " الدعاء مخ العبادة " ١ رواه الترمذي، وعن النعمان بن بشير، قال قال رسول الله ﷺ : " الدعاء هو العبادة " ٢، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٣، رواه أحمد والترمذي، وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ومن المحال أن يكون دعاء الموتى مشروعا، ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ﷺ ، ثم يوفق له الخلوف، الذي يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فهذه سنة رسول الله ﷺ وهذه طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل نقل عن أحد منهم بنقل صحيح، أو حسن، أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة، قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلا عن أن يسألوا أصحابها جلب الفوائد، وكشف الشدائد؟ ومعلوم: أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على

стр. 4449

نقله، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون؛ فما منهم من استغاث عند قبر ولا دعاه، ولا استشفى به ولا استنصر به، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا الصلاة عندها؛ فإن كان عندكم في هذا أثر صحيح، أو حسن، فأوقفونا عليه. بل الذي صح عنهم خلاف ما ذهبتم إليه، "ولما قحط الناس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، وتوسل بدعائه، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، فيسقون" ثبت ذلك في صحيح البخاري، ذكره في كتاب الاستسقاء من صحيحه. ونحن نعلم بالضرورة: أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها؛ بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الأكبر، الذي حرمه الله ورسوله. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ

стр. 4450

دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ ٣ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ٥ الآية. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٦. قال مجاهد: (يبتغون إلى ربهم الوسيلة هو عيسى وعزير والملائكة". وكذا قال إبراهيم النخعي، قال: كان ابن عباس يقول في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ:﴾ (هو عزير والمسيح، والشمس والقمر) وعن السدي، وعن أبي هريرة، عن ابن عباس قال: (عيسى وأمه

стр. 4451

والعزير) . وعن عبد الله بن مسعود، قال: (نزلت إلى نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنَزلت هذه الآية"، ثبت ذلك عنه في صحيح البخاري، ذكره في كتاب التفسير. وهذه الأقوال في معنى الآية كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدا الله، سواء كان من الملائكة، أو من الجن، أو من البشر؛ فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوا، وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته، ويخاف عذابه؛ فكل من دعا ميتا، أو غائبا من الأنبياء والصالحين، فقد تناولته هذه الآية. ومعلوم: أن المشركين يسألون الصالحين، بمعنى أنهم وسائط بينهم وبين الله، ومع هذا فقد نهى الله عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعي، ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية، ولا يحولونه من موضع إلى موضع، كتغيير صفته، أو قدره، ولهذا قال: ﴿ولا تحويلا﴾ ، فذكر نكرة تعم أنواع التحويل. فكل من دعا ميتا من الأنبياء والصالحين، أو دعا الملائكة أو الجن، فقد دعا من لا يغيثه، ولا يملك كشف الضر عنه، ولا تحويله.

стр. 4452

وهؤلاء المشركون اليوم، منهم من إذا نزلت به شدة، لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلا اسمه، قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه، فإذا تعس أحدهم، قال: يا ابن عباس، أو يا محجوب. ومنهم من يحلف بالله ويكذب، ويحلف بابن عباس أو غيره فيصدق ولا يكذب، فيكون المخلوق في صدره أعظم من الخالق، وإذا كان دعاء الموتى يتضمن هذا الاستهزاء بالدين، وهذه المحادة لرب العالمين، فأي الفرقين أحق بالاستهزاء، والمحادة لله؟ من كان يدعو الموتى ويستغيث بهم، أو يأمر بذلك؟ أو من كان لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، كما أمرت به رسله، ويوجب طاعة الرسول، ومتابعته في كل ما جاء به؟ ونحن- بحمد الله- من أعظم الناس إيجابا لرعاية الرسول ﷺ تصديقا له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، واتباع ذلك دون ما خالفه، عملا بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢. ومعنا- ولله الحمد- أصلان عظيمان: أحدهما: أن لا نعبد إلا الله، فلا ندعو إلا هو، ولا نذبح النسك إلا لوجهه، ولا نرجو إلا هو، ولا نتوكل إلا عليه. والأصل

стр. 4453

الثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة. وهذان الأصلان: هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فإن شهادة أن لا إله إلا الله تتضمن إخلاص الإلهية لله، فلا يتأله القلب، ولا اللسان، ولا الجوارح بغيره تعالى، لا بحب ولا خشية، ولا إجلال ولا رهبة. وشهادة أن محمدا عبده ورسوله تتضمن تصديقه في جميع ما أخبر به، وطاعته واتباعه في كل ما أمر به، فما أثبته وجب اتباعه، وما نفاه وجب نفية. وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى، يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى " ١. إذا تمهد هذا، فنقول: الذي نعتقده وندين الله به، أن من دعا نبيا أو وليا، أو غيرهما، وسأل منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، أن هذا من أعظم الشرك، الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا أولياء وشفعاء، يستجلبون بهم المنافع، ويستدفعون بهم المضار بزعمهم. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا

стр. 4454

لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.فمن جعل الأنبياء أو غيرهم، كابن عباس، أو المحجوب، أو أبي طالب، وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون الملوك حوائج الناس، لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبا منهم، أن يباشروا سؤال الملك، أو لكونهم أقرب إلى الملك، فمن جعلهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، حلال المال والدم. وقد نص العلماء ﵏ على ذلك، وحكوا عليه الإجماع؛ قال في "الإقناع" وشرحه: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، ويدعوهم، ويسألهم، كفر إجماعا، لأن ذلك فعل عابدي الأصنام، قائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢. انتهى. وقال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي، ﵀: لما صعبت التكاليف على الطغام والجهال، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم

стр. 4455

القبور وإكرامها، والتزامها بما نهى عنه الشرع، من إيقاد النيران، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع عليها: يا مولاي افعل لي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى، انتهى كلامه. وقال الإمام البكري الشافعي، ﵀، في تفسيره، عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١: وكانت الكفار إذا سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فإذا سئلوا عن عبادة الأصنام، قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ ٢، لأجل طلب شفاعتهم عند الله؛ وهذا كفر منهم، انتهى كلامه. فتأمل ما ذكره صاحب "الإقناع"، وما ذكره ابن عقيل، من تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وأن ذلك كفر. وقال الحافظ العماد بن كثير ﵀، في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ : ٣ إنما يحملهم على عبادتهم: أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين بزعمهم، فعبدوا تلك الصور تنْزيلا لذلك، منْزلة عبادتهم

стр. 4456

الملائكة، ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمور الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له، كافرين به. قال قتادة والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١ أي: ليشفعوا لنا عنده ويقربونا، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم، إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتقدها المشركون، في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بردها، والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣. وأخبر أن الملائكة التي في السماوات، من المقربين وغيرهم، كلهم عبيد، خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون بغير إذنهم، فيما أحبه الملوك وكرهوه؛ فلا

стр. 4457

تضربوا لله الأمثال، تعالى الله عن ذلك، انتهى كلامه. وقال الإمام البكري، ﵀، عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ ١ الآية: فإن قلت: إذا أقروا بذلك، فكيف عبدوا الأصنام؟ قلت: كلهم كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام، عبادة الله، والتقرب إليه، لكن بطرق مختلفة. ففرقة قالت: ليس لنا أهلية عبادة الله تعالى بلا واسطة لعظمته، فعبدناها لتقربنا إليه زلفى. وفرقة قالت: الملائكة ذو وجاهة ومنْزلة عند الله، فاتخذنا أصناما على هيئتها، لتقربنا إلى الله زلفى. وفرقة قالت: جعلنا الأصنام قبلة لنا في العبادة، كما أن الكعبة قبلة في عبادته. وفرقة اعتقدت: أن لكل ملك شيطانا موكلا بأمر الله، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله، وإلا أصابه شيطان بنكبة بأمر الله تعالى، انتهى كلامه. فانظر إلى كلام هؤلاء الأئمة، وتصريحهم بأن المشركين ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله، وطلب شفاعتهم عند الله، وتأمل: ما ذكره ابن كثير، وما حكاه عن زيد بن أسلم، وابن زيد، ثم قال: وهذه الشبهة، هي التي اعتقدها المشركون، في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم

стр. 4458

الرسل- صلوات الله وسلامه عليهم- بردها، والنهي عنها. وتأمل ما ذكره البكري ﵀ عند آية الزمر: أن الكفار ما أرادوا إلا الشفاعة، ثم صرح بأن هذا كفر; فمن تأمل ما ذكره الله في كتابه، تبين له أن الكفار ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله، وطلب شفاعتهم عند الله، فإنهم لم يعتقدوا فيها أنها تخلق الخلائق، وتنَزل المطر، وتنبت النبات، بل كانوا مقرين أن الفاعل لذلك هو الله، وحده لا شريك له في ذلك. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم ِسَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ?قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ?سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٣،

стр. 4459

إلى غير ذلك من الآيات التي أخبر الله فيها أن المشركين معترفون، أن الله هو الخالق الرازق، وإنما كانوا يعبدونهم ليقربوهم، ويشفعوا لهم، كما ذكره سبحانه، في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١؛ فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده، ولا يجعل معه إله آخر، وأخبر سبحانه أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأنه لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، وأنه لا يرضى إلا التوحيد، فالشفاعة مقيده بهذه القيود. قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ?قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٧. وفي الصحيحين من غير وجه، عن رسول الله ﷺ وهو

стр. 4460

سيد ولد آدم، وأكرم الخلق على الله، أنه قال: " آتي تحت العرش، فأخر لله ساجدا، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع، قال: فيحد لي حدا، ثم أدخلهم الجنة، ثم أعود " ١ فذكر أربع مرات، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر الأنبياء. وقال الإمام البكري ﵀، عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٢: نفى الشفيع، وإن كانت الشفاعة واقعة في الآخرة، لأنها من حيث إنها لا تقع إلا بإذنه، كأنها غير موجودة من غيره، وهو كذلك، لكن جعل ذلك لتبيين الرتب؛ وجملة النفي حال من ضمير يحشروا، وهي محل الخوف، والمراد به المؤمنون العاصون، انتهى. وقال أيضا: عند قوله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٣: دل على أن الشفاعة تكون للمؤمنين فقط. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير، عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ ٤: يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون أنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو ربها ومدبرها؛ وهم مع

стр. 4461

هذا، قد اتخذوا من دون الله أولياء يعبدونهم، وإنما عبد هؤلاء المشركون آلهة، هم يعترفون أنها مخلوقة عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وكما أخبر عنهم في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١، فأنكر تعالى ذلك عليهم، حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى: لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٢. ثم قد أرسل رسله، من أولهم إلى آخرهم، يزجرون عن ذلك، وينهون عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم؛ انتهى كلامه. والمقصود: بيان شرك المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ، وأنهم ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله، وطلب شفاعتهم عند الله، وبيان أن طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم في الشدائد، أنه من الشرك الأكبر، الذي كفر الله به المشركين، وبيان أن الشفاعة كلها لله، ليس لأحد معه فيها شيء، وأنه لا شفاعة إلا بعد إذن الله تعالى، وأنه تعالى لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، وأنه لا يرضى إلا التوحيد، كما تقدمت الأدلة الدالة على ذلك.

стр. 4462

ومعلوم: أن أعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عند الله: الرسل، والملائكة المقربون، وهم عبيد محض، لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئا إلا بعد إذنه لهم وأمره، فيأذن سبحانه لمن يشاء أن يشفع فيه؛ فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له تعالى، والذي شفع عنده إنما شفع بإذنه له، وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته أن يرحم عبيده. وهذا ضد الشفاعة الشركية، التي أثبتها المشركون ومن وافقهم، وهي التي أبطلها سبحانه في كتابه العزيز، بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ ٢. ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة: أهل التوحيد، كما صرحت بذلك النصوص، فروى البخاري عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه " ٣،وعن عوف بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : " أتاني آت من عند ربي، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا " ٤، رواه الترمذي

стр. 4463

وابن ماجه. فأسعد الناس بشفاعة رسول الله ﷺ : أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد، وأخلصوه من التعلقات الشركية، وهم الذين ارتضى الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٢؛ فأخبر سبحانه: أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع، إلا بعد رضاه قول المشفوع له، وإذنه للشافع؛ فأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه؛ فإنه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع؛ فما لم يوجد مجموع الأمرين، لم توجد الشفاعة. وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه سبحانه، فإنه الذي أذن، والذي قبل، والذي رضي عن المشفوع له، والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة؛ فالرب ﵎: هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه. فالشفاعة التي نفاها القرآن: ما كان فيها شرك، ولهذا أثبتها الله سبحانه بإذنه، في مواضع من كتابه؛ وبين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد، كما تقدم من حديث أبي هريرة، وعوف بن

стр. 4464

مالك، فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب إلهه ومعبوده، هو الذي يأذن للشفيع أن يشفع فيه، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. فبين أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم، إنما تحصل بإذنه سبحانه للشافع، ورضاه عن المشفوع له، كما تقدم بيانه. والمقصود: أن الكتاب والسنة دلا على أن من جعل الملائكة والأنبياء أو ابن عباس أو أبا طالب أو المحجوب وسائط بينهم وبين الله، ليشفعوا لهم عند الله لأجل قربهم من الله، كما يفعل عند الملوك، أنه كافر مشرك حلال الدم والمال، وإن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وصلى وصام، وزعم أنه مسلم؛ بل هو من ﴿الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ٣. ومن تأمل القرآن العزيز، وجده مصرحا بأن

стр. 4465

المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بأن الله هو الخالق الرازق، وأن السماوات السبع ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن، كلهم عبيده وتحت قهره وتصرفه، كما حكاه تعالى عنهم في سورة يونس، وسورة المؤمنون، والعنكبوت، وغيرها من السور، ووجده مصرحا بأن المشركين يدعون الصالحين، كما ذكر تعالى ذلك عنهم في سورة سبحان، والمائدة وغيرهما من السور. وكذلك ذكر عنهم أنهم يعبدون الملائكة، كما ذكر ذلك عنهم، في سورة الفرقان والنجم، ووجده مصرحا بأن المشركين ما أرادوا ممن عبدوا إلا الشفاعة، والتقرب إلى الله، كما ذكر تعالى ذلك عنهم، في سورة يونس والزمر، وغيرهما من السور. فإذا تبين لكم أن القرآن قد صرح بهذه المسائل الثلاث، أعني: اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية، وأنهم يدعون الصالحين، وأنهم ما أرادوا منهم إلا الشفاعة، تبين لكم أن هذا الذي يفعل عند القبور اليوم، من سؤالهم جلب الفوائد، وكشف الشدائد، أنه الشرك الأكبر، الذي كفر الله به المشركين، فإن هؤلاء المشركين مشبهون، شبهوا الخالق بالمخلوق. وفي القرآن العزيز، وكلام أهل العلم، من الرد على

стр. 4466

هؤلاء، ما لا يتسع له هذا الموضع؛ فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس، تكون على أحد وجوه ثلاثة: إما لإخبارهم عن أحوال الناس ما لا يعرفونه، ومن قال: إن الله لا يعرف أحوال العباد، حتى يخبره بذلك بعض الأنبياء، أو غيرهم من الأولياء والصالحين، فهو كافر؛ بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. الثاني: أن يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته، ودفع أعدائه، إلا بأعوان يعاونون، فلا بد له من أعوان يعاونونه، وأنصار لذله وعجزه؛ والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل، وكل ما في الوجود من الأسباب، فهو سبحانه ربه وخالقه، وهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم، وهم في الحقيقة شركاؤهم. والله سبحانه ليس له شريك في الملك، بل لا إله إلا هو، وحده لا شريك له له الملك، وله الحمد؛ ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلا عن غيرهما; فإن من شفع عنده بغير إذنه، فهو شريك له في حصول المطلوب أثر فيه بشفاعته، حتى يفعل ما يطلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه.

стр. 4467

الثالث: أنه لا يكون الملك مريدا لنفع رعيته، والإحسان إليهم، إلا بمحرك يحركة من خارج، فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظمه، أو من يدل عليه، بحيث يكون يرجوه ويخافه، تحركت إرادة الملك وهمته، في قضاء حوائج رعيته؛ والله تعالى رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وهو سبحانه إذا أراد إجراء، نفع العباد، بعضهم على يد بعض، جعل هذا يحسن إلى هذا، ويدعو له أو يشفع له؛ فهو الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن، والداعي إرادة الإحسان، والدعاء والشفاعة; ولا يجوز أن يكون في الوجود، من يكرهه على خلاف مراده، أو يعلمه ما لم يكن يعلمه. والشفعاء الذين يشفعون عنده، لا يشفعون إلا بإذنه، كما تقدم بيانه، بخلاف الملوك المحتاجين، فإن الشافع عندهم، يكون شريكا لهم في الملك، وقد يكون مظاهرا لهم، معاونا لهم على ملكهم، وهم يشفعون عند الملوك، بغير إذن الملوك، والملك يقبل شفاعتهم، تارة لحاجته إليهم، وتارة لجزاء إحسانهم ومكافأتهم، حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك.

стр. 4468

فإنه محتاج إلى الزوجة والولد، حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة مملوكه، فإنه إذا لم يقبل شفاعته، يخاف أن لا يطيعه، ويقبل شفاعة أخيه، مخافة أن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد بعضهم عند بعض، كلها من هذا الجنس، فلا يقبل أحد شفاعة أحد، إلا لرغبة أو لرهبة؛ والله تعالى لا يرجو أحدا، ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد; بل هو الغني سبحانه عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه. والمشركون يتخذون شفعاء، من جنس ما يعهدونه عند المخلوق، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً?أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ٢. فأخبر سبحانه: أن ما يدعى من دونه، لا يملك كشف الضر عن الداعي، ولا تحويله، وأنهم يرجون رحمته، ويخافون عذابه، ويتقربون إلى الله؛ فقد نفى سبحانه ما أثبتوه، من توسط الملائكة، والأنبياء. وفيما ذكرنا كفاية

стр. 4469

لمن هداه الله; وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه، ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ ١. [من تلفظ بالشهادة ولم يصل ولم يزك] وأما المسألة الثانية، فقالوا: من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولم يصل ولم يزك، هل يكون مؤمنا؟. فنقول: أما من قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وهو مقيم على شركه، يدعو الموتى، ويسألهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، فهذا كافر مشرك، حلال الدم والمال، وإن قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وصلى وصام، وزعم أنه مسلم، كما تقدم بيانه. وأما إن وحد الله تعالى، ولم يشرك به، ولكنه ترك الصلاة، ومنع الزكاة، فإن كان جاحدا للوجوب، فهو كافر إجماعا; وأما إن أقر بالوجوب، ولكنه ترك الصلاة تكاسلا عنها، فهذا قد اختلف العلماء في كفره. والعلماء إذا أجمعوا، فإجماعهم حجة، لا يجتمعون على ضلالة، وإذا تنازعوا في شيء، رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول; والواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ

стр. 4470

فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١،قال العلماء: الرد إلى الله، هو الرد إلى كتابه; والرد إلى الرسول: هو الرد إلى السنة بعد وفاته، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢. وقد ذم الله تعالى من أعرض عن كتابه، ودعا عند التنازع إلى غيره، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ٣. إذا عرف هذا فنقول: اختلف العلماء ﵏، في تارك الصلاة كسلا من غير جحود، فذهب الإمام أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، ومالك: إلى أنه لا يحكم بكفره، واحتجوا بما رواه عبادة بن الصامت، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن كان له عند الله عهدا أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عندالله عهد، إن شاء عذبه، إن شاء غفر له " ٤. وذهب إمامنا أحمد بن حنبل، والشافعي في أحد قوليه، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والنخعي، والحكم، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم من كبار الأئمة والتابعين، إلى أنه كافر؛ وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعا، ذكره عنه الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي، في "شرح الأربعين"، وذكره في

стр. 4471

كتاب "الزواجر عن اقتراف الكبائر" عن جمهور الصحابة ﵃. وقال الإمام أبو محمد بن حزم: سائر الصحابة ﵃، ومن بعدهم من التابعين، يكفرون تارك الصلاة مطلقا، ويحكمون عليه بالارتداد، منهم أبو بكر وعمر، وابنه عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وغيرهم من الصحابة، ولا نعلم لهؤلاء مخالفا من الصحابة. وأجابوا عن قوله ﷺ : " من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له " ١ أن المراد: عدم المحافظة عليهن في أوقاتهن، بدليل الآيات، والأحاديث الواردة فيها، وفي تركها. واحتجوا على كفر تاركها، بما رواه مسلم في صحيحه، عن جابر بن عبد الله، قال قال رسول الله ﷺ : " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " ٢، وعن بريدة بن الحصيب، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر " ٣، رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، إسناده على شرط مسلم.

стр. 4472

وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بين العبد والكفر والإيمان، الصلاة؛ فإذا تركها فقد كفر وأشرك " ١، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵁ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوما، فقال: " من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأبي بن خلف " ٢ رواه الإمام أحمد، وأبو حاتم، وابن حبان في صحيحه. وعن عبادة بن الصامت: قال أوصاني رسول الله ﷺ فقال: "لا تشرك بالله شيئا، ولا تترك الصلاة عمدا؛ فمن تركها عمدا فقد خرج من الملة" رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه; وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : " من ترك صلاة مكتوبة متعمدا، فقد برئت منه ذمة الله " ٣ رواه الإمام أحمد; وعن أبي الدرداء، قال: " أوصاني أبو القاسم ﷺ لا أترك الصلاة متعمدا، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة " ٤ رواه ابن أبي حاتم. وعن معاذ بن جبل: عن النبي ﷺ أنه قال: " رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة " ٥ الحديث; وعن عبد الله بن شقيق العقيلي، قال: "كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" رواه الترمذي.

стр. 4473

فهذه الأحاديث كما ترى، صريحة في كفر تارك الصلاة، مع ما تقدم من إجماع الصحابة، كما حكاه إسحاق بن راهويه، وابن حزم، وعبد الله بن شقيق؛ وهو مذهب جمهور العلماء، من التابعين ومن بعدهم. ثم اعلم: أن العلماء كلهم مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلا، إلا أبا حنيفة، ومحمد بن شهاب الزهري، وداود، قالوا: يحبس تارك الصلاة المفروضة، حتى يموت أو يتوب. ومن احتج لهذا القول، بقوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها " ١، فقد أبعد النجعة، فإن هذا الحديث لا حجة فيه، بل هو حجة لمن يقول بقتله، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. واحتج الجمهور على قتله بالكتاب والسنة: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢ إلى قوله ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٣. فشرط الكف: التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإذا لم توجد هذه الثلاث، لم يكف عن قتلهم، ولم يخل سبيلهم. قال ابن ماجه: حدثنا نصر بن علي، حدثنا أبو

стр. 4474

أحمد، حدثنا الربيع بن أنس، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مات والله عنه راض " ١. قال أنس: (وهو دين الله الذي جاءت به الرسل، وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث، واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله، في آخر ما أنزل الله ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ ، قال: خلعوا الأوثان وعبادتها، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٢ وقال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ٣) . وأما السنة: فثبت في الصحيحين، عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله " ٤؛ فعلق العصمة على الشهادتين، والصلاة والزكاة. وقد بعث النبي ﷺ كتابا فيه: "من محمد رسول الله، إلى أهل عمان. أما بعد: فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله، والنبي رسول الله، وأدوا الزكاة، وخطوا المساجد، وإلا غزوتكم" خرجه الطبراني، والبزار وغيرهما، ذكره الحافظ ابن رجب

стр. 4475

الحنبلي، في شرح الأربعين. وروى ابن شهاب عن حنظلة، عن علي بن الأشجع: "أن أبا بكر الصديق بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يقاتل الناس على خمس، فمن ترك واحدة فقاتله عليها كما تقاتله على الخمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام". قال سعيد بن جبير، قال عمر بن الخطاب: "لو أن الناس تركوا الحج، لقاتلناهم على تركه، كما نقاتل على الصلاة والزكاة" وبالجملة: فالكتاب والسنة، يدلان على أن القتال ممدود إلى الشهادتين، والصلاة والزكاة؛ وقد أجمع العلماء على ذلك، قال في شرح "الإقناع": أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام، فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله، كالمحاربين وأولى; انتهى. وأما حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ١؛فهذا لا إشكال فيه بحمد الله، وليس لكم فيه حجة، بل هو حجة عليكم، ولو لم يكن إلا قوله: (إلا بحقها) لكان كافيا في إبطال قولكم. وقد قال علماؤنا ﵏: إذا قال الكافر: لا إله

стр. 4476

إلا الله، فقد شرع في العاصم لدمه، فيجب الكف عنه، فإن تمم ذلك تحققت العصمة وإلا بطلت، ويكون النبي ﷺ قد قال كل حديث في وقت، فقال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله " ١ ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب، إذا قالها كف عنه، وصار دمه وماله معصوما. ثم بين ﷺ في الحديث الآخر: أن القتال ممدود إلى الشهادتين، والعبادتين، فقال: " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة " ٢ فبين: أن تمام العصمة وكمالها إنما يحصل بذلك، ولئلا تقع الشبهة بأن مجرد الاقرار يعصم على الدوام، كما وقعت لبعض الصحابة، حتى جلاها أبو بكر الصديق، ثم وافقوه ﵁. ومما يبين فساد قولكم، وخطأ فهمكم في معنى حديث أبي هريرة: أن الصحابة ﵃، أجمعوا على قتال مانعي الزكاة، بعد مناظرة وقعت بين أبي بكر وعمر؛ واستدل عمر على أبي بكر، بحديث أبي هريرة، فبين صديق الأمة ﵁ أن الحديث حجة على قتال من منع الزكاة؛ فوافقه عمر، وسائر الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويصلون. ونحن نسوق الحديث بتمامه، ثم نذكر ما قاله العلماء

стр. 4477

في شرحه، ليتبين أن فهمكم الفاسد، لم يقل به أحد من العلماء، وأنه فهم مذموم مشؤوم، مخالف للكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فنقول: ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: "لما توفي رسول الله ﷺ وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟ فقال أبو بكر: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال؛ فوالله، لو منعوني عقالا، كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه; قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله، قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق" وهذا الحديث خرجه البخاري في كتاب الزكاة، ومسلم في كتاب الإيمان، وهو من أعظم الأدلة على فساد قولكم؛ فإن الصديق ﵁ جعل المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد الوجوب. وقد تكلم النووي ﵀ على هذا الحديث، في شرح صحيح مسلم، فقال: باب الأمر بقتال الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ ، وأن من قال ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها، ووكلت سريرته إلى الله تعالى، وقتال من منع الزكاة وغيرها، من حقوق

стр. 4478

الإسلام، واهتمام الإمام بشرائع الإسلام؛ ثم ساق الحديث. ثم قال: قال الخطابي في شرح هذا الكلام كلاما حسنا لا بد من ذكره، لما فيه من الفوائد، قال ﵀: مما يجب تقديمه، أن يعلم: أن أهل الردة كانوا إذ ذاك صنفين: صنف ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة، وعادوا لكفرهم، وهم الذين عنى أبو هريرة بقوله وكفر من كفر من العرب. والصنف الآخر: فرقوا بين الصلاة، وأنكروا فرض الزكاة، ووجوب أدائها إلى الإمام. وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة، من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك، كبني يربوع، فإنهم جمعوا صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر، فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك، وفرقها فيهم. وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف، ووقعت الشبهة لعمر ﵁، فراجع أبا بكر ﵁ وناظره، واحتج عليه بقول النبي ﷺ :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فمن قالها فقد عصم نفسه وماله" ١ فكان هذا من عمر ﵁ تعلقا بظاهر الكلام، قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه.

стр. 4479

فقال أبو بكر: الزكاة حق المال; يريد أن القضية التي قد تضمنت عصمة دمه وماله، معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المتعلق بشرطين، لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قاسه بالصلاة، ورد الزكاة إليها، وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة، كان إجماعا من الصحابة ﵃، ولذلك ردوا المختلف فيه إلى المتفق عليه. فلما استقر صحة رأي أبي بكر ﵁ وبان لعمر صوابه، تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله: "فلما رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال عرفت أنه الحق"‘ يريد انشراح صدره بالحجة، التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه، نصا ودلالة. انتهى. فتأمل: هذا الباب، الذي ذكره النووي ﵀ وهو إمام الشافعية، على الإطلاق ـ، تجده صريحا في رد شبهتك: أن من قال لا إله إلا الله، لا يباح دمه وماله، وإن ترك الصلاة ومنع الزكاة؛ فالترجمة نفسها صريحة في رد قولكم، فإنه صرح بالأمر بالقتال، على ترك الصلاة، ومنع الزكاة. وتأمل: ما ذكره الخطابي، أن الذين منعوا الزكاة، منهم من كان يسمح بها ولا يمنعها، إلا أن رؤساءهم

стр. 4480

صدوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم، كبني يربوع، فإنهم أرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر، فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم، وأنه عرض الخلاف، ووقعت الشبهة لعمر في أمر هؤلاء، ثم إن عمر وافق أبا بكر على قتالهم. وتأمل قوله: واحتج عمر بقول النبي ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله " ١، وكان هذا من عمر تعلقا بظاهر الكلام، قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل في شرائطه. وتأمل قوله: إن قتال الممتنع من الصلاة، كان إجماعا من الصحابة. وقد أشار الخطابي إلى أن حديث أبي هريرة مختصر; قال النووي ﵀: قال الخطابي: ويبين لك أن حديث أبي هريرة مختصر، وأن عبد الله بن عمر وأنسا، روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة; ففي حديث ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ٢. وفي رواية أنس: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا

стр. 4481

أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا؛ فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين " ١. انتهى. قلت: وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب والسنة، من رواية أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به؛ فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ٢. وفي استدلال أبي بكر، واعتراض عمر ﵄: دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله ﷺ ما رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة؛ وكأن هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادة في روايتهم في مجلس آخر، فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة حجة عليه، ولو سمع أبو بكر هذه الزيادة لاحتج بها، ولما كان احتج بالقياس والعموم، والله أعلم. انتهى كلام النووي. فتأمل ما ذكره الخطابي، تجده صريحا في رد قولكم، وتأمل قوله: فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة حجة عليهم.

стр. 4482

وبالجملة: فحديث أبي هريرة حجة عليكم لا لكم، ولو لم يكن فيه إلا قوله: "بحقها" لكان كافيا في بطلان شبهتكم؛ فإن الصلاة والزكاة من أعظم حقوق لا إله إلا الله، بل هما أعظمها على الإطلاق. ومما يدل على بطلان قولكم، وفساد فهمكم في معنى الحديث، أعني حديث أبي هريرة: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " ١،أن جميع الشراح والمحدثين لم يتأولوه على هذا التأويل الذي ذهبتم إليه. فإنه حديث صحيح مخرج في الصحاح، وهؤلاء شراح البخاري، ومحشّوه نحوا من أربعين، كما نبه عليه القسطلاني في خطبة شرح البخاري، وكذا شرح مسلم، هل أحد منهم استدل به، على ترك قتال من ترك الفرائض؟ بل الذي ذكروه خلاف ما ذهبتم إليه; ولو لم يكن إلا احتجاج عمر به على أبي بكر، واستدلال أبي بكر على قتال مانعي الزكاة، لكان كافيا؛ ونحن نذكر كلامهم عذرا أو نذرا. قال النووي، ﵀: قوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله " ٢.قال الخطابي: ومعلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان، دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون لا إله إلا الله،

стр. 4483

ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف. قال: ومعنى حسابه على الله، أي: فيما يسرون ويخفون، قال: ففيه: أن من أظهر الإسلام، وأسر الكفر، يقبل إسلامه في الظاهر؛ وهذا قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى ذلك عن أحمد بن حنبل، هذا كلام الخطابي. وذكر القاضي عياض، ﵀ في معنى هذا، وزاد عليه وأوضحه، فقال: اختصاص عصمة المال والنفس، لمن قال لا إله إلا الله، تعبيرا عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي إلى الإسلام، وقوتل عليه; فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفى في عصمته بقول لا إله إلا الله إذا كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، ولذلك جاء في الحديث الآخر "وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة"؛ هذا كلام القاضي عياض. قال النووي: قلت: ولا بد من الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة: " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به " ١. انتهى كلام النووي. فتأمل ما ذكر الخطابي، وذكره القاضي عياض، أن

стр. 4484

المراد بقول لا إله إلا الله: التعبير عن الإجابة إلى الإيمان، واستدل لذلك بالحديث الآخر، الذي فيه: "وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة". وتأمل قوله: إن المراد بحديث أبي هريرة، مشركو العرب، ومن لا يوحد; فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقول لا إله إلا الله، إذا كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده. وتأمل قول النووي: ولا بد من الإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ . وبالجملة: فقوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله " ١ لا نعلم أحدا من العلماء، أجراه على ظاهره، وقال: إن من قال لا إله إلا الله، يكف عنه، ولا يجوز قتاله، وإن ترك الصلاة، ومنع الزكاة، هذا لم يقل به أحد من العلماء. ولازم قولكم: أن اليهود لا يجوز قتالهم، لأنهم يقولون لا إله إلا الله; وأن الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب، لا يجوز قتالهم، لأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأن الصحابة مخطئون في قتالهم لمانعي الزكاة، لأنهم يقولون لا إله إلا الله. ولازم قولكم: أن بني حنيفة مسلمون، لا يجوز قتالهم، لأنهم يقولون لا إله إلا الله. سبحان الله! ما أعظم

стр. 4485

هذا الجهل! ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. ومن العجب: أنكم تقرؤون في صحيح البخاري هذا الباب، الذي ذكره في كتاب الإيمان، حيث قال: باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٢. حدثنا عبد الله بن محمد المسندي، أنبأنا أبو روح الحرمي، قال: حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد، سمعت أبي يحدث عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ ، قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله " ٣. ثم بعد ذلك تقولون: من قال لا إله إلا الله حرم ماله ودمه، ولا أدري بماذا تجيبون به عن هذه الآية والحديثين، اللذين ذكرهما البخاري؟ وبأي شيء تدفعون به هذه الأدلة؟! وقال الإمام أبو عيسى الترمذي، في سننه: باب (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) : حدثنا هناد، وأنبأنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أمرت أن
следующие страницы →