أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا؛ فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين " ١. انتهى.
قلت: وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب والسنة، من رواية أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به؛ فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ٢.
وفي استدلال أبي بكر، واعتراض عمر ﵄: دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله ﷺ ما رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة؛ وكأن هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادة في روايتهم في مجلس آخر، فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة حجة عليه، ولو سمع أبو بكر هذه الزيادة لاحتج بها، ولما كان احتج بالقياس والعموم، والله أعلم. انتهى كلام النووي.
فتأمل ما ذكره الخطابي، تجده صريحا في رد قولكم، وتأمل قوله: فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة حجة عليهم.
стр. 4482
وبالجملة: فحديث أبي هريرة حجة عليكم لا لكم، ولو لم يكن فيه إلا قوله: "بحقها" لكان كافيا في بطلان شبهتكم؛ فإن الصلاة والزكاة من أعظم حقوق لا إله إلا الله، بل هما أعظمها على الإطلاق.
ومما يدل على بطلان قولكم، وفساد فهمكم في معنى الحديث، أعني حديث أبي هريرة: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " ١،أن جميع الشراح والمحدثين لم يتأولوه على هذا التأويل الذي ذهبتم إليه.
فإنه حديث صحيح مخرج في الصحاح، وهؤلاء شراح البخاري، ومحشّوه نحوا من أربعين، كما نبه عليه القسطلاني في خطبة شرح البخاري، وكذا شرح مسلم، هل أحد منهم استدل به، على ترك قتال من ترك الفرائض؟ بل الذي ذكروه خلاف ما ذهبتم إليه; ولو لم يكن إلا احتجاج عمر به على أبي بكر، واستدلال أبي بكر على قتال مانعي الزكاة، لكان كافيا؛ ونحن نذكر كلامهم عذرا أو نذرا.
قال النووي، ﵀: قوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله " ٢.قال الخطابي: ومعلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان، دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون لا إله إلا الله،
стр. 4483
ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف.
قال: ومعنى حسابه على الله، أي: فيما يسرون ويخفون، قال: ففيه: أن من أظهر الإسلام، وأسر الكفر، يقبل إسلامه في الظاهر؛ وهذا قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى ذلك عن أحمد بن حنبل، هذا كلام الخطابي.
وذكر القاضي عياض، ﵀ في معنى هذا، وزاد عليه وأوضحه، فقال: اختصاص عصمة المال والنفس، لمن قال لا إله إلا الله، تعبيرا عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي إلى الإسلام، وقوتل عليه; فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفى في عصمته بقول لا إله إلا الله إذا كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، ولذلك جاء في الحديث الآخر "وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة"؛ هذا كلام القاضي عياض.
قال النووي: قلت: ولا بد من الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة: " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به " ١. انتهى كلام النووي.
فتأمل ما ذكر الخطابي، وذكره القاضي عياض، أن
стр. 4484
المراد بقول لا إله إلا الله: التعبير عن الإجابة إلى الإيمان، واستدل لذلك بالحديث الآخر، الذي فيه: "وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة".
وتأمل قوله: إن المراد بحديث أبي هريرة، مشركو العرب، ومن لا يوحد; فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقول لا إله إلا الله، إذا كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده.
وتأمل قول النووي: ولا بد من الإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ . وبالجملة: فقوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله " ١ لا نعلم أحدا من العلماء، أجراه على ظاهره، وقال: إن من قال لا إله إلا الله، يكف عنه، ولا يجوز قتاله، وإن ترك الصلاة، ومنع الزكاة، هذا لم يقل به أحد من العلماء.
ولازم قولكم: أن اليهود لا يجوز قتالهم، لأنهم يقولون لا إله إلا الله; وأن الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب، لا يجوز قتالهم، لأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأن الصحابة مخطئون في قتالهم لمانعي الزكاة، لأنهم يقولون لا إله إلا الله.
ولازم قولكم: أن بني حنيفة مسلمون، لا يجوز قتالهم، لأنهم يقولون لا إله إلا الله. سبحان الله! ما أعظم
стр. 4485
هذا الجهل! ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
ومن العجب: أنكم تقرؤون في صحيح البخاري هذا الباب، الذي ذكره في كتاب الإيمان، حيث قال: باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٢.
حدثنا عبد الله بن محمد المسندي، أنبأنا أبو روح الحرمي، قال: حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد، سمعت أبي يحدث عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ ، قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله " ٣.
ثم بعد ذلك تقولون: من قال لا إله إلا الله حرم ماله ودمه، ولا أدري بماذا تجيبون به عن هذه الآية والحديثين، اللذين ذكرهما البخاري؟ وبأي شيء تدفعون به هذه الأدلة؟!
وقال الإمام أبو عيسى الترمذي، في سننه: باب (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) :
حدثنا هناد، وأنبأنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أمرت أن
стр. 4486
أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله " ١ الحديث، ثم أردفه بحديث أبي هريرة في قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، وساق الحديث بتمامه.
ثم قال: باب ما جاء " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة " ٢: حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا؛ فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين " ٣، وفي الباب عن معاذ بن جبل، وأبي هريرة، هذا حديث حسن صحيح.
والمقصود: فساد هذه الشبهة التي دسها من يدعي أنه من العلماء، على الجهلة من الناس: أن من قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أنه مسلم، ولا يجوز قتله، وإن ترك فرائض الإسلام؛ فهذا كلام الله، وهذا كلام رسوله، وهذا كلام العلماء، صريحا في رد هذه الشبهة؛ بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع، على أن الطائفة الممتنعة تقاتل على ترك الصلاة، ومنع الزكاة، وإن أقروا بالوجوب، كما تقدمت النصوص الدالة على ذلك.
بل قد صرح العلماء: أن أهل البلد إذا تركوا الأذان
стр. 4487
والإقامة، يقاتلون كما سيأتي، وصرحوا أيضا: بأنهم لو تركوا إقامة صلاة الجماعة يقاتلون، وكذلك لو تركوا صلاة العيد؛ وعلماء حرم الله الشريف يقولون: من قال لا إله إلا الله، فقد عصم ماله ونفسه، وإن لم يصل ولم يزك، فسبحان الله مقلب القلوب كيف يشاء!
وهل هذا إلا معارضة لكلام الله، وكلام رسوله، وكلام أئمة المذاهب، وهذا كلامهم موجود في كتبهم، يصرحون بأن من ترك الصلاة قتل، وأن الطائفة الممتنعة من فعل الصلاة، والزكاة والصيام والحج تقاتل، حتى يكون الدين كله لله؛ ويحكون عليه الإجماع، كما صرح بذلك أئمة الحنابلة في كتبهم.
فإذا كانوا مصرحين بأن من ترك بعض شعائر الإسلام، كأهل القرية إذا تركوا الأذان، أو تركوا الجماعة، أو تركوا صلاة العيد، أنهم يقاتلون، فكيف بمن ترك الصلاة رأسا؟ وهؤلاء يقولون: من قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فقد عصم ماله ودمه، وإن كانوا طائفة ممتنعين من فعل الصلاة والزكاة.
بل يصرحون بأن البوادي مسلمون، حرام علينا دماؤهم وأموالهم، مع العلم القطعي بأنهم لا يؤذنون، ولا يصلون، ولا يزكون؛ بل الظاهر عنهم أنهم كافرون بالشرائع، وينكرون البعث بعد الموت. فسبحان الله ما
стр. 4488
أعظم هذا الجهل!
وقد ذكرنا من كلام الله، وكلام رسوله، وكلام شراح الحديث، ما فيه الهدى لمن هداه الله، وبينا أن العصمة شرطها التوحيد، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ فمن لم يأت بهذه الثلاث، لم يكف عنهم، ولم يخل سبيلهم، وقد قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ١.
وقال النبي ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله " ٢.
وأما كلام الفقهاء، فنذكره على التفصيل إن شاء الله; أما كلام المالكية: فقال الشيخ علي الأجهوري، في "شرح المختصر": من ترك فرضا آخر، لبقاء ركعة بسجدتيها من الضروري، قتل بالسيف حدا على المشهور، وقال ابن حبيب وجماعة خارج المذهب: كفرا، واختاره ابن عبد السلام، انتهى.
وقال في فضل الأذان: قال المازري: في الأذان معنيان، أحدهما: إظهار الشعائر، والتعريف بأن الدار دار إسلام، وهو فرض كفاية، يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه،
стр. 4489
فإن عجز عن قهرهم على إقامته إلا بقتال قوتلوا; والثاني: الدعاء للصلاة، والإعلام بوقتها.
وقال الأبي في شرح مسلم: والمشهور: أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر، لأنه شعار الإسلام، فقد كان رسول الله ﷺ إن لم يسمع الأذان أغار، وإلا أمسك; وقال المصنف: يقاتلون عليه، ليس القتال من خصائص القول بالوجوب، لأنه نص عن عياض; وفي قول المصنف: والوتر غير واجب، لأنهم اختلفوا في التمادي على ترك السنن، هل يقاتلون عليها؟ والصحيح: قتالهم وإكراههم، لأن في التمادي على تركها إماتتها، انتهى.
وقال في فضل صلاة الجماعة: قال ابن رشد: صلاة الجماعة مستحبة للرجل في نفسه، فرض كفاية في الجملة; ويعني بقوله في الجملة: أنها فرض كفاية على أهل المصر، ولو تركوها قوتلوا، كما تقدم. انتهى.
وعبارة غيره: وإن تركها أهل بلد قوتلوا، وأهل حارة أجبروا عليها؟ انتهى كلام الشيخ علي الأجهوري.
فانظر تصريحهم: بأن تارك الصلاة يقتل باتفاق أصحاب مالك، وإنما اختلفوا في كفره، وأن ابن حبيب، وابن عبد السلام اختارا: أنه يقتل كافرا. وتأمل كلامهم في الطائفة الممتنعة عن الأذان، أو عن إقامة الجماعة في المساجد، أنهم يقاتلون; فأين هذا من قولكم: إن من ترك
стр. 4490
الفرائض مع الإقرار بوجوبها، لا يحل قتالهم، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله.
وأما كلام الشافعية، فقال الشيخ الإمام العلامة، أحمد بن حمدان الأذرعي، ﵀، في كتاب "قوت المحتاج، في شرح المنهاج": من ترك الصلاة جاحدا لوجوبها كفر بالإجماع، وذلك جار في كل جحود مجمع عليه، معلوم من الدين بالضرورة; فإن تركها كسلا، قتل حدا على الصحيح، أو المشهور.
أما قتله: فلأن الله أمر بقتل المشركين، ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ١، فدل على أن القتل لا يرفع إلا بالإيمان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولما في الصحيحين: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها " ٢.
ثم قال: إشارات، منها: جعل قتله ردة، ووجد لشرذمة، منهم منصور التميمي، وابن خزيمة; وقضية كلام الرونق: أنه كلام منصور، حيث قال: فإذا قتل ففي ماله ودفنه بين المسلمين قولان: أحدهما: ما رواه الربيع عن الشافعي، أن ماله يكون فيئا، ولا يدفن في مقابر المسلمين; والثاني: ما رواه المازني عن الشافعي: ماله
стр. 4491
لورثته، ويدفن في مقابر المسلمين.
وقال منصور في "المستعمل": سألت الربيع: ما نصنع بماله إذا قتلناه؟ قال: يكون فيئا; ومنها: قال "في الروضة": تارك الوضوء يقتل على الصحيح، جزم به الشيخ أبو حامد.
وفي "البيان": أو صلى عريانا مع القدرة على الستر، أو الفريضة قاعدا بلا عذر، قتل، وكذلك التشهد، والاعتدال، حكاه ابن الأستاذ عن البحر، فإن صح، طرد في سائر الأركان والشروط، ويجب أن يكون محله فيما أجمع عليه; ومنها: لو امتنع من الصوم والزكاة، حبس ومنع المفطرات.
وقال إمام الحرمين: يجوز أن يجعل الممتنع مما يضيق عليه، كالممتنع من الصلاة، فإن أبى ضربت عنقه; قال المصنف: والصحيح قتله بصلاة واحدة، بشرط إخراجها عن وقت الضرورة، انتهى كلام الأذرعي.
فانظر كلامه في قتل من ترك الصلاة كسلا، وأن الربيع روى عن الشافعي: أن ماله يكون فيئا، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
وتأمل كلام أبي حامد، وكلام صاحب "الروضة" في قتل تارك الوضوء، وكلام صاحب "البيان"، فيمن صلى عريانا
стр. 4492
مع القدرة على الستر، أو صلى الفريضة قاعدا بلا عذر، أنه يقتل; فأين هذا من قولكم: إن من قال لا إله إلا الله كف عنه، ولا يجوز قتاله بوجه من الوجوه.
وقال الشيخ: أحمد بن حجر الهيتمي في "التحفة" في باب حكم تارك الصلاة: إن ترك الصلاة جاحدا وجوبها، كفر بالإجماع، أو تركها كسلا، مع اعتقاده وجوبها، قتل للآية: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ ، وخبر: " أمرت أن أقاتل الناس" ١، لأنهما شرطا في الكف عن القتل والمقاتلة: الإسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأن الزكاة يمكن الإمام أخذها، ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا وقاتلوا، فكانت فيها على حقيقتها بخلافها في الصلاة، فإنه لا يمكن فعلها بالمقاتلة.
وقال في باب صلاة الجماعة: قيل: وهي فرض للرجال، فتجب بحيث يظهر بها الشعائر في ذلك المحل، في البادية أو غيرها، فإن لم يظهر الشعار، بأن امتنعوا كلهم أو بعضهم، كأهل محلة من قرية كبيرة، ولم يظهر الشعار إلا بهم، قوتلوا؛ يقاتلهم الإمام أو نائبه، لإظهار هذه الشعيرة الكبيرة.
وقال في باب الأذان: والإقامة سنة، وقيل فرض كفاية، يقاتل أهل بلد تركوهما، أو أحدهما، أو بحيث لم يظهروا الشعائر.
стр. 4493
وقال في باب صلاة العيد: هي سنة، وقيل فرض كفاية، فعليه يقاتل أهل بلد تركوها، انتهى كلامه في التحفة; فانظر كلامهم في قتل تارك الصلاة كسلا; وتأمل قوله: إن الآية والحديث، شرطا في الكف عن القتل والمقاتلة: الإسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن الإمام يأخذ الزكاة بالمقاتلة، ممن امتنعوا وقاتلوا.
وتأمل كلامه، في باب صلاة الجماعة: وأنها تجب بحيث يظهر الشعار، في ذلك المحل، حتى في البادية وأنهم يقاتلون إذا امتنعوا; وتأمل كلامه في الأذان والإقامة، وأن الإمام يقاتل على تركهما، وعلى ترك أحدهما، على القول بأنها فرض كفاية. وتأمل كلامه في الطائفة: إذا امتنعوا من صلاة العيدين؛ فأين هذا من كلام من يقول: إن أهل البلد والبوادي، إذا قالوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، لم يجز قتالهم، وإن لم يصلوا ولم يزكوا; سبحان الله! ما أعظم هذا الجهل!
وأما كلام الحنابلة: فقال في "الإقناع وشرحه"، في كتاب الصلاة: ومن جحد وجوبها كفر، فإن تركها تهاونا وكسلا لا جحودا، دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها، لاحتمال أن يكون تركها لعذر، يعتقد سقوطها به، كالمرض
стр. 4494
ونحوه، فيهدده، فإن أبى أن يصليها، حتى تضايق وقت التي بعدها، وجب قتله، لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ١ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٢.
فمتى ترك الصلاة، لم يأت بشرط التخلية، فيبقى على إباحة القتل، ولقوله ﵇: " ومن ترك الصلاة متعمدا، فقد برئت منه ذمة الله ورسوله " ٣ رواه أحمد عن مكحول، وهو مرسل جيد؛ ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام، كمرتد نصا; فإن تاب بفعلها، وإلا قتل بالسيف، لما رواه جابر عن النبي ﷺ أنه قال: " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة " ٤ رواه مسلم; وروى بريدة: أن النبي ﷺ قال: " من تركها فقد كفر " رواه الخمسة، وصححه الترمذي، انتهى.
وقال ﵀ في باب الأذان والإقامة: فإن تركهما، أي: الأذان والإقامة، أهل بلد قوتلوا; أي: يقاتلهم الإمام أو نائبه، حتى يفعلوهما، لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، فقوتلوا على تركهما، كصلاة العيد.
وقال ﵀، في باب صلاة الجماعة: وهي واجبة وجوب عين، فيقاتل تاركها كأذان، لكن الأذان إنما يقاتل على تركه، إذا تركه أهل البلد كلهم، بخلاف الجماعة، فإنه يقاتل تاركها وإن أقامها غيره، لأن وجوبها
стр. 4495
على الأعيان بخلافه.
وقال ﵀، في باب صلاة العيدين: وهي فرض كفاية، إن تركها أهل بلد يبلغون أربعين بلا عذر، قاتلهم الإمام كأذان، لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي تركها تهاون بالدين.
وقال ﵀، في باب إخراج الزكاة: ومن منعها بخلا أو تهاونا، أخذت منه قهرا، كدين الآدمي. وإن غيب ماله أو كتمه، وأمكن أخذها، بأن كان في قبضة الإمام، أخذت منه بغير زيادة. وإن لم يمكن أخذها استتيب ثلاثة أيام وجوبا، فإن تاب وأخرج كف عنه، وإلا قتل، لاتفاق الصحابة على قتال مانعيها. وإن لم يمكن أخذها إلا بقتال، وجب على الإمام قتاله، إن وضعها موضعها، انتهى كلامه في "الإقناع وشرحه".
فتأمل كلامه فيمن ترك الصلاة كسلا، من غير جحود، أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرا. وتأمل كلامه في أهل البلد، إذا تركوا الأذان والإقامة، وصلاة العيد: أنهم يقاتلون بمجرد ترك ذلك; فهذا كلام المالكية، وهذا كلام الشافعية، وهذا كلام الحنابلة، الكل منهم قد صرح بما ذكرناه.
فإذا كانوا مصرحين بقتال من التزم شرائع الإسلام، إلا
стр. 4496
أنهم تركوا الأذان، أو تركوا صلاة الجماعة، أو تركوا صلاة العيد، فكيف بمن ترك الصلاة رأسا؟ كالبوادي الذين لا يصلون، ولا يزكون، ولا يصومون، بل ينكرون الشرائع، وينكرون البعث بعد الموت؛ هذا هو الغالب عليهم، إلا من شاء الله وهم القليل، وإلا فأكثرهم ليس معهم من الإسلام، إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله.
ومع هذا يجادل عنهم علماء مكة المشرفة، ويقولون: إنهم مسلمون، وإن دماءهم وأموالهم حرام بحرمة الإسلام، وإن لم يصلوا ولم يزكوا، ولم يصوموا، إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله، وهل هذا إلا رد على الله تعالى حيث قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ١.
وهؤلاء يقولون: يخلى سبيلهم، وإن لم يصلوا، ولم يزكوا، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام " ٢.
وهؤلاء يقولون: من قال لا إله إلا الله، عصم دمه وماله، وإن لم يصل ولم يزك. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣. فهذا كتاب الله، وهذه
стр. 4497
سنة رسوله، وهذا إجماع الصحابة، على قتل من ترك الصلاة، أو منع الزكاة.
قال صديق الأمة، أبو بكر ﵁: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا، كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ ، وفي رواية: عناقا، لقاتلتهم على منعها"
وهذا أيضا إجماع العلماء. قال في شرح "الإقناع": أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة، عن شريعة من شرائع الإسلام، فإنه يجب قتالها، حتى يكون الدين كله لله، كالمحاربين وأولى، انتهى.
وقال أبو العباس ﵀: القتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب؛ فأيما طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضات، أو الزكاة، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال، والخمر والزنى والميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، وضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين، أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها؛ وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء.
стр. 4498
وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة، إذا اجترؤوا على ترك بعض السنن، كركعتي الفجر، أو الأذان والإقامة، عند من لا يقول بوجوبها، ونحو ذلك من الشعائر، فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها، أم لا؟ فأما الواجبات، والمحرمات المذكورة، ونحوها، فلا خلاف في القتال عليها، انتهى كلامه.
فتأمل: كلام إمام الحنابلة، وتصريحه بأن من امتنع من شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، كالصلوات الخمس، والصيام، أو الزكاة، أو الحج، وعن ترك المحرمات، كالزنى أو شرب الخمر، أو المسكرات، أو غير ذلك، فإنه يجب قتال الطائفة الممتنعين عن ذلك، حتى يكون الدين كله لله، ويلتزمون جميع شرائع الإسلام، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين ببعض شرائع الإسلام، وإن كان ذلك مما اتفق عليه الفقهاء، من سائر الصحابة فمن بعدهم.
فأين هذا من قولكم: إن من قال لا إله إلا الله، فقد عصم ماله ودمه، وإن ترك الفرائض، وارتكب المحرمات؟ بل من تأمل سيرة النبي ﷺ وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، عرف أن قولكم هذا مضاد لما فعله النبي ﷺ وما فعله الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم.
стр. 4499
فيا سبحان الله! أما علمتم: أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود، وهم يقولون لا إله إلا الله، وسبى نساءهم، واستحل دماءهم وأموالهم؟ أما علمتم: أن رسول الله ﷺ أراد أن يغزو بني المصطلق، لما قيل له إنهم منعوا الزكاة؟ وكان الذي قاله كاذبا؛ والقصة مشهورة في كتب الحديث، والتفسير، ذكرها المفسرون عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١.
أما علمتم: "أن علي بن أبي طالب، ﵁ حرق الغالية مع أنهم يقولون لا إله إلا الله؟ ". أما علمتم: "أن الصحابة ﵃، قاتلوا الخوارج بأمر نبيهم ﷺ ؟ "، مع أنه ﷺ أخبر: أن الصحابة يحقرون صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قراءتهم، وقال: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم) ; أما علمتم: أن الصحابة قاتلوا بني حنيفة؟ وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلون، ويؤذنون، ويصومون.
أما علمتم: أن الصحابة قاتلوا بني يربوع؟ لما منعوا الزكاة مع أنهم مقرون بوجوبها، وكانوا قد جمعوا صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر، فمنعهم مالك بن نويرة، وفي أمر هؤلاء عرضت الشبهة لعمر ﵁ حتى جلاها له الصديق أبو بكر ﵁ وقال: "والله لو منعوني عقالا، وفي رواية: عناقا،
стр. 4500
كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق". وقد تقدم ذلك مبسوطا، وذكرنا لفظه في شرح مسلم، في باب الأمر بقتال الناس، حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.
أما علمتم: "أن رسول الله ﷺ بعث أبا بردة، إلى رجل تزوج امرأة أبيه"، كما رواه الترمذي في سننه، حيث قال: باب فيما جاء فيمن تزوج امرأة أبيه، حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن عدي بن ثابت، " عن البراء، قال مر بي خالي أبو بردة، ومعه لواء، فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل، تزوج امرأة أبيه، أن آتيه برأسه " ١، حديث حسن غريب، انتهى.
ولو تتبعنا الآيات، والأحاديث، والآثار، وكلام العلماء، في قتال من قال لا إله إلا الله، إذا ترك بعض حقوقها، لطال الكلام جدا، فكيف بمن جحد الإسلام كله؟ وكذب به، واستهزأ به على عمد، إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله، كهؤلاء البوادي.
وفيما ذكرنا كفاية لمن طلب الإنصاف، فقد ذكرنا من كلام الله، وكلام رسوله ﷺ ، وإجماع الصحابة، وإجماع العلماء بعدهم، فإن كان هذا الذي ذكرناه، له
стр. 4501
معنى آخر غير ما فهمناه، فبينوه لنا من كلام الله، وكلام رسوله ﷺ ، وكلام الصحابة، وكلام العلماء، فرحم الله امرءا نظر لنفسه، وعرف أنه ملاقي الله، الذي عنده الجنة والنار.
[كفار أهل زماننا هل هم مرتدون؟]
وسئل: عن قول الفقهاء، إن المرتد لا يرث ولا يورث، فكفار أهل زماننا هل هم مرتدون؟ أم حكمهم حكم عبدة الأوثان، وأنهم مشركون؟
فأجاب: أما من دخل في دين الإسلام ثم ارتد، فهؤلاء مرتدون، وأمرهم عندك واضح; وأما من لم يدخل في دين الإسلام، بل أدركته الدعوة الإسلامية، وهو على كفره، كعبدة الأوثان، فحكمه حكم الكافر الأصلي، لأنا لا نقول الأصل إسلامهم، والكفر طارئ عليهم.
بل نقول: الذين نشؤوا بين الكفار، وأدركوا آباءهم على الشرك بالله، هم كآبائهم، كما دل عليه الحديث الصحيح في قوله:" فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه " ١. فإن كان دين آبائهم الشرك بالله، فنشأ هؤلاء واستمروا عليه، فلا نقول الأصل الإسلام والكفر طارئ، بل نقول: هم الكفار الأصليون، ولا يلزمنا على هذا تكفير من مات في الجاهلية قبل ظهور الدين، فإنا لا نكفر الناس بالعموم، كما أنا لا نكفر اليوم بالعموم.
стр. 4502
بل نقول: من كان من أهل الجاهلية، عاملا بالإسلام، تاركا للشرك، فهو مسلم، وأما من كان يعبد الأوثان، ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدين، فهذا ظاهره الكفر، وإن كان يحتمل أنه لم تقم عليه الحجة الرسالية، لجهله وعدم من ينبهه، لأنا نحكم على الظاهر، وأما الحكم على الباطن فذلك إلى الله، والله تعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ١.
وأما من مات منهم مجهول الحال، فهذا لا نتعرض له، ولا نحكم بكفره ولا بإسلامه، وليس ذلك مما كلفنا به، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.فمن كان منهم مسلما أدخله الله الجنة، ومن كان كافرا أدخله الله النار، ومن كان منهم لم تبلغه الدعوة، فأمره إلى الله؛ وقد علمت الخلاف في أهل الفترات، ومن لم تبلغهم الحجة الرسالية.
وأيضا: فإنه لا يمكن أن نحكم في كفار زماننا، بما حكم به الفقهاء في المرتد: أنه لا يرث ولا يورث، لأن من قال لا يرث ولا يورث، يجعل ماله فيئا لبيت مال المسلمين؛ وطرد هذا القول، أن يقال: جميع أملاك الكفار اليوم بيت مال، لأنهم ورثوها عن أهليهم، وأهلوهم مرتدون لا يورثون، وكذلك الورثة مرتدون لا يرثون، لأن
стр. 4503
المرتد لا يرث ولا يورث.
وأما إذا حكمنا فيهم بحكم الكفار الأصليين، لم يلزم شيء من ذلك، بل يتوارثون؛ فإذا أسلموا فمن أسلم على شيء فهو له، ولا نتعرض لما مضى منهم في جاهليتهم، لا المواريث ولا غيرها، وقد روى أبو داود، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام " ١، وروى سعيد في سننه من طريقين، عن عروة بن أبي مالك، عن النبي ﷺ : " من أسلم على شيء فهو له "، ونص أحمد على مثل ذلك، كما تقدم عنه في رواية مهنا.
واعلم: أن القول بأن المرتد لا يرث ولا يورث، أحد الأقوال في المسألة، وهو المشهور في المذهب، وهو مذهب مالك والشافعي. والقول الثاني: أنه لورثته المسلمين، وهو رواية عن أحمد، وهو مروي عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وهو قول جماعة من التابعين، وهو قول الأوزاعي، وأهل العراق، والقول الثالث: أن ماله لأهل دينه الذي اختاره، إن كان منهم من يرثه، وإلا فهو فيء، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب داود بن علي، وصلى الله على محمد.
[التكفير بالمعصية]
وسئل أيضا: الشيخ حمد بن ناصر، قال السائل: إنكم تكفرون بالمعاصي؟
стр. 4504
فأجاب: ليس هذا قولنا، بل هذا قول الخوارج، الذين يكفرون بالذنوب، ولم نكفر أحدا بعمل المعاصي؛ بل نكفر من فعل المكفرات، كالشرك بالله بأن يعبد معه غيره، فيدعو غير الله، أو يذبح له، أو ينذر له، أو يخافه، أو يرجوه، أو يتوكل عليه، فإن هذه الأمور كلها عبادة لله بنص القرآن، وإيراد الأدلة على ذلك له بسط طويل، لا تحتمله هذه الورقة.
فنقول: الدعاء والذبح والنذر وغير ذلك، حق الله على عباده، فمن أشرك مع الله غيره في هذه الأفعال فهو مشرك كافر، وإن قال لا إله إلا الله، وصلى وصام، وزعم أنه مسلم؛ وهذا مجمع عليه عند أهل العلم، لا اختلاف في ذلك.
[التطير والتشاؤم]
سئل الشيخ سليمان بن حمدان: هل يجوز للإنسان أن يصدق، أو يعتقد، أو يتشاءم، أو يتوهم: أن يصيبه ضرر كمرض أو موت أو غيره من الأعداد أو السنين، أو الشهور أو الأيام، أو الأوقات، أو قراءة سورة أو آية، أو ورد أو فائدة، أو دخول بيت، أو لبس ثوب أو غيره، أم لا؟
فأجاب: الحمد لله، لا يجوز للإنسان التشاؤم، باعتقاد أو توهم: أن يصيبه ضرر، كمرض أو موت، أو غير ذلك من قبل الأشياء المذكورة، أو غيرها،
стр. 4505
ولا التصديق بذلك؛ بل هذا ونحوه من الطيرة المنهي عنها، وهي من أعمال أهل الشرك والكفر، كما حكاه الله في كتابه عن قوم فرعون، وقوم صالح، وأصحاب القرية التي جاءها المرسلون، ومن أمور الجاهلية وعاداتها التي جاء الإسلام بإبطالها وتحريمها، فكانوا يتطيرون بالسوانح والبوارح وغيرهما.
والتطير: التشاؤم، وأصله: الشيء المكروه من قول أو فعل أو مرئي، قاله النووي، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر " ١، وهذا نفي لما كانت الجاهلية تعتقده في هذه الأمور، من التأثير من غير أن يكون ذلك بقضاء الله وقدره؛
فدل على بطلان ذلك، وعدم تأثيره. وقد فسرت "الهامة" في هذا الحديث بأنها طائر من طير الليل، قيل: إنه "البومة"، وأن العرب كانت تشاءم بها، إذا وقعت على بيت أحدهم، قال: نَعَتْ إلي نفسي أو أحدا من أهل داري.
ومما جاء في معنى "صفر"، أنه التشاؤم بدخول صفر والقول بأنه شهر مشؤوم، قال ابن رجب ﵀: ولعله أشبه الأقوال في ذلك، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: " لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة " ٢.
стр. 4506
فنفى العدوى والطيرة، وأخبر أن الفأل يعجبه، وأنه الكلمة الطيبة; فدل على أنه ليس من الطيرة المذمومة، لأنه حسن ظن، ورجاء خير، وأما الطيرة فهى سوء ظن بالله، وتوقع للبلاء.
ولما ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ قال: " خيرها الفأل، ولا ترد مسلما " ١. قال ابن القيم ﵀: أخبر أن الفأل من الطيرة، وهو خيرها، فأبطل الطيرة وأخبر أن الفأل منها، ولكنه خيرها، ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد، ونفع أحدهما ومضرة الآخر؛ ونظير هذا منعه من الرقى بالشرك، وإذنه في الرقية إذا لم يكن فيها شرك، لما فيها من المنفعة الخالية من المفسدة، انتهى.
وأما قوله ﷺ : " خيرها الفأل " ٢ مع أن الطيرة كلها لا خير فيها، فقال صاحب الفتح: إن أفعل التفضيل في ذلك إنما هو بين القدر المشترك بين شيئين، والقدر المشترك بين الطيرة والفأل: تأثير كل منهما فيما هو فيه، والفأل في ذلك أبلغ، انتهى.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " الطيرة شرك، الطيرة شرك "، وهذا صريح في تحريمها، وأنها من الشرك، لما فيها من تعلق القلب على غير الله تعالى، باعتقاد أنها تجلب نفعا أو تدفع ضرا، إذا عمل الإنسان بموجبها، مع أن الأمر
стр. 4507
بخلاف ذلك، وأنه لا تأثير لها في جلب نفع أو دفع ضر، لأنها مجرد وساوس وأوهام يلقيها الشيطان في نفس العبد، فإن صادفت إيمانا كاملا وتوكلا قويا، فلا قرار لها، وإنما تتمكن مع نقص الإيمان وضعف التوكل.
وفي صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم أنه قال لرسول الله ﷺ : " ومنا أناس يتطيرون، قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم " ١. قال ابن القيم ﵀: فأخبر أن تشاؤمة بالطيرة إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به؛ فوهمه، وخوفه، وإشراكه، هو الذي يطيره ويصده، لا ما رآه وسمعه؛ فأوضح ﷺ لأمته الأمر وبين لهم فساد الطيرة، ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببا لما يخافونه ويحذرونه، انتهى.
وفي الحديث: " ليس منا من تطير، أو تطير له "؛ وقد جاء بأن الطيرة من الجبت، وذكر بعض العلماء أنها من الكبائر، وقال ابن القيم: قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " الطيرة شرك " ٢، فيحتمل أن تكون من الكبائر، ويحتمل أن تكون دونها.
وقال صاحب الرعاية: تكره الطيرة، وهي: التشاؤم; وكذا قال غير واحد من أصحاب أحمد.
وقال ابن مفلح: الأولى القطع بتحريمها، لأنها شرك،
стр. 4508
وكيف يكون الشرك مكروها الكراهة الاصطلاحية؟ وقال: ولعل مرادهم - يعني الأصحاب - بالكراهة التحريم، وما قاله هو موجب النصوص، والقواعد تقتضيه، لأن الأحكام الخمسة لا تؤخذ إلا عن الله ورسوله ﷺ ؛وقد قام الدليل الموجب للتحريم، فتعين القول به، وحمل كلام من أطلق الكراهة عليه بلا تودد.
إذا علم هذا، فيحرم التطير والتشاؤم من حيث هو، من غير استثناء شيء من ذلك، لعموم الأدلة وعدم المخصص؛ وعليه: فالتشاؤم بالأعداد الناتجة عن حساب اسم الشخص واسم أمه، بالجمل، وأن طالعه كذا، ونجمه كذا، والحكم كذا، أو الحكم على ذلك بفقر أو غنى، أو صحة أو مرض، أو حياة أو موت، أو غير ذلك من الدلائل الفلكية على الأحوال السفلية، كما يصنع الآن في بعض النتائج والتقاويم، كل ذلك محرم لا يجوز تعلمه وتعليمه، ولا اعتقاد صحته؛ وهو من الطيرة المذمومة، ومن تعاطي علم ما استأثر الله به من الغيب.
وكذا يحرم التشاؤم بالأزمان، لا فرق في ذلك بين السنين والشهور، والأيام والأوقات، لأن السنين مجموعة من الأشهر، وهي من الأيام، والأيام من الأوقات، لأن الزمان مخلوق مسخر، وليس له فعل ولا إرادة. فالتشاؤم به مضاهاة لأهل الجاهلية، في تشاؤمهم بصفر، وبشوال في
стр. 4509
النكاح خاصة، لما فيه من أن طاعونا وقع فيه، مات منه كثير من العرائس فتشاءموا به.
وقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: " تزوجني النبي ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني؟ وكانت تستحب أن يدخل على نسائها في شوال" ١،" وتزوج النبي ﷺ أم سلمة في شوال " ٢ أيضا، وهذا منه ﷺ مخالفة لما عليه أهل الجاهلية.
وما زالت هذه العادات السيئة سارية في كثير من الناس، مثل التشاؤم بصفر، وربما نهوا عن السفر فيه، وحتى أن منهم من لا يكاد يذكر صفر إلا ويضيف إليه لفظة "الخير"، نظرا لما قام في قلوبهم من هذه الأمور؛ وقد قال عكرمة: "كنا جلوسا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال ابن عباس: لا خير ولا شر، فبادره بالإنكار عليه، لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر".
"وخرج طاووس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاووس: وأي خير عند هذا؟ لا تصحبني! "
فالطيور والشهور كغيرهما، لا خير عندها ولا شر، فلا يجوز أن يضاف إليها شيء من ذلك; ومن هذا تشاؤمهم
стр. 4510
ببعض الأيام، كيوم الأربعاء وهذا أمر باطل، وما يروى في يوم الأربعاء من أنه يوم نحس مستمر، قال أهل العلم: إنه حديث لا يصح، بل قد جاء في المسند عن جابر ﵁: "أن النبي ﷺ دعا على الأحزاب يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الظهر والعصر، فعرف البشر في وجهه؛ قال جابر ﵁: فما نزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت ذلك الوقت، فدعوت الله فيه فرأيت الإجابة"، فتبين بهذا: أنه يوم تجاب فيه الدعوات، وتقضى فيه الحاجات، وهذا ينافي كونه يوم نحس مستمر.
وأما التشاؤم بقراءة سورة، أو آية من كتاب الله، فحرام أيضا، لما تقدم، ولأن قراءة القرآن عبادة مرغب فيها، وهي من أفضل الأعمال، وفيها ثواب عظيم مع الإخلاص.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " ١
وأيضا: فإن القرآن كلام الله تعالى، وكلامه صفة من صفات ذاته المقدسة؛ ولذا لو حلف بسورة أو آية منه، فهو يمين تجب فيه الكفارة بالحنث؛ وصفاته تعالى لا شر فيها ولا ضرر يتوقع منها، بل قد قال أعلم الخلق بربه،
стр. 4511
محمد ﷺ : " والشر ليس إليك " ١ يعني ربه، فلا يصح أن يضاف الشر إلى ذاته تعالى، ولا إلى صفاته.
كذلك، يحرم التشاؤم بالأوراد والأدعية المأثورة، لأنه لا شؤم فيها ولا ضرر، بل قد ورد الأمر بها، والحث على المحافظة عليها في المساء والصباح؛ فالاشتغال بها من أعظم ما يستدفع به الشر والبلاء، فضلا عن كونها سببا في حصوله، لأن الدعاء يمنع البلاء بعد انعقاد أسبابه، وفي الحديث " لا يرد القضاء إلا الدعاء " ٢، وقال ابن عباس: "الدعاء يدفع القدر، وهو إذا دفع القدر فهو من المقدر".
وبالجملة: فليس فيما بعث الله به رسوله ﷺ ما يكون سببا للشر أصلا، بل كل شر أصاب العبد أو يصيبه في دنياه وآخرته، فسببه الذنوب والمعاصي.
وأما الفوائد، سواء كانت دينية أو دنيوية، فقد استفيدت بطريق مباح، فلا ضرر فيها ولا شؤم؛ فيحرم التشاؤم بها، لأنها من نعم الله على عبده، التي يجب أن تقابل بشكر المنعم بها، لا التشاؤم منها؛ ولهذا شرع سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم، دينية كانت أو دنيوية، عامة أو خاصة، وهكذا في الحكم كل ما يتشاءم به، من دخول بيت أو لبس ثوب أو غير ذلك.
إذا تبين هذا، فلا يجوز إضافة الشؤم إلى عدد أو سنة
стр. 4512
أو شهر، أو يوم أو وقت، أو قراءة سورة، أو آية، أو ورد أو فائدة، أو دخول بيت، أو لبس ثوب، أو غير ذلك.
ولا اعتقاد وقوع ضرر منه، أو كونه سببا في حصوله، إلا بقضاء الله وقدره؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو سبحانه خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره ولا مقدر سواه؛ والعبد مأمور بتوقي أسباب الشر الظاهرة، واجتنابها بقدر ما وردت به الشريعة، مثل اتقاء المجذوم والمريض، والقدوم على مكان الطاعون.
وأما ما خفي منها، فلا يشرع اتقاؤه واجتنابه، بل ذلك من الطيرة المحرمة، فإنها سوء ظن بالله تعالى، بغير سبب محقق، فلا تجوز; وأما ما ورد من إثبات الشؤم، في المرأة والدار والدابة، فقد اختلف أهل العلم في معناه؛ وحاصل ما ذكروه من التحقيق في ذلك، هو: أن إثبات الشؤم في هذه الثلاث، بمعنى أنها أسباب، يقدر الله بها الشؤم واليمن ويقرنه، ولهذا شرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابة، أن يسأل الله من خيرها وخير ما جبلت عليه، ويستعيذه من شرها وشر ما جبلت عليه، وكذا ينبغي لمن سكن دارا أن يفعل ذلك.
وقد أمر النبي ﷺ قوما سكنوا دارا، فقل عددهم وقل مالهم، أن يتركوها ذميمة; فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة من دار أو زوجة أو دابة غير منهي عنه.
стр. 4513
قال ابن قتيبة في مختلف الحديث: إنما أمرهم من التحول منها، لأنهم كانوا مقيمين فيها، على استثقال لظلها، واستخباث بما نالهم فيها، فأمرهم بالتحول، وقد جعل الله في غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم فيه السوء، إن كان لا سبب له في ذلك، وحب من جرى على يديه الخير لهم وإن لم يردهم به؛ وكيف يتطير ﷺ والطيرة من الجبت؟ انتهى.
فالواجب على من نصح نفسه: عدم الالتفات إلى شيء من هذه التخيلات الباطلة والأوهام الكاذبة، والاشتغال عنها بما يدفع البلاء من الدعاء والذكر، والصدقة، والتوكل على الله، والإيمان بقضائه وقدره، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وقول ما ورد، ومنه: " اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك" ١ فإذا قال ذلك لم يضره شيء، وأما إذا استرسل معها، وفتح على نفسه باب الوساوس في هذه الأمور، أو همه الشيطان وألقى في نفسه منها ما يفسد عليه دينه وينكد عليه عيشته، وربما وقع به ما يحذره، عقوبة له. والله أعلم وصلى الله على محمد.
стр. 4514
[الخوراج ومذهبهم في التكفير بالمعاصي]
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى، عن مذهب الخوارج ... إلى آخر السؤال.
فأجاب: أما مذهب الخوارج، فإنهم يكفرون أهل الإيمان بارتكاب الذنوب، ما كان منها دون الكفر والشرك، وإنهم قد خرجوا في خلافة علي ﵁ وكفروا الصحابة بما جرى بينهم من القتال، واستدلوا على ذلك بآيات، وأحاديث، لكنهم اخطؤوا في الاستدلال.
فما دون الكفر والشرك من المعاصي، فلا يكفر فاعله، لكنه ينهى عنه إذا أصر على كبيرة ولم يتب منها، فيجب نهيه والقيام عليه؛ وكل منكر يجب إنكاره، من ترك واجب، أو ارتكاب محرم، لكن لا يكفر إلا من فعل مكفرا، دل الكتاب والسنة على أنه كفر، وكذلك ما اتفق العلماء على أن فعله، أو اعتقاده كفر، كما إذا جحد وجوب ما هو معروف من الدين بالضرورة، أو استحل ما هو معروف بالضرورة أنه محرم، فهذا مما أجمع العلماء على أنه كفر إذا جحد الوجوب، لا إذا ترك الصلاة تهاونا وكسلا، فالمشهور في مذهب أحمد أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرا، وأما الثلاثة فلا يكفرونه بالترك، بل يعدونه من الكبائر؛ وكذلك إذا فعل كبيرة كما تقدم، فلا يكفر عند أهل السنة والجماعة إلا إذا استحلها.
стр. 4515
[التحذير من أنواع الكهانة]
له أيضا، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الإخوان: علي بن حمد، وإخوانه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وتذكرون أمر "الهتيمي" الذي معه الحيات، ويبيع "سقوة" على الناس البدو الحضر، يسقيهم من ريقه، ويأخذ عليهم العهد، ويدعي أن من سقاه من ريقه لا تلدغه الحية، ولم ينكر عليه إلا عبد العزيز بن عبد الجبار، جزاه الله خيرا.
وتذكرون: أن عثمان بن منصور تابعه، وقبل منه سقوته، هذا تحققناه منكم، ومن سبيع الذين جاؤوا من قبلكم، ويذكرون أنهم توقفوا في مبدأ أمره، وأهل القرايا كذلك، حتى وافقه ابن منصور وقبل منه، وكتب معه خطابا؛ وبعد هذا تزاحم عليه البدو والحضر، الذي يشتري سقوته بدراهم، والذي بعيش، والذي بغنم، والذي بسمن; والذي حصل منهم باعه في "تمير"، وبعد هذا قدم "المجمعة"، وطردوه.
وخط عبد العزيز بن عبد الجبار أشرفنا عليه، وذكر كلام العلماء وإنكارهم على من فعل هذا، وأخذ الحيات، وأن هذه أحوال شيطانية، تحصل بواسطة الشياطين، إذا تقرب إليهم بالشرك بالله، وهذا لا يوجد إلا في أجهل
стр. 4516
الناس، وأبعدهم عن الله وعن دينه; وعبد العزيز جزاه الله خيرا أدى الذي عليه.
وأما ابن منصور، فالله أعلم أنه معاقب، ولا ندري هل هذا كله جهل، أوْ له مقصد شر، وإلا فالذي على فطرة أو له عقل ينكر هذا بفطرته وعقله; وذكر شيخ الإسلام ﵀، في كتاب "الفرقان" من الأحوال الشيطانية أمورا من هذا، تركنا ذكرها، لئلا يطول الجواب.
فهذا من جنس أحوال الكهان مع الشياطين; والكهانة أنواع هذا منها، وفي الحديث الصحيح: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ١. وأمور الكهانة وما شابهها، من الاستمتاع بالشياطين، والاستكثار منهم، محاها الله بما أطلع في نجد من الدعوة إلى توحيد الله، وامتدت إلى كثير من الجزائر، كما محا الله أحوال الكهان، ببعثة رسول الله ﷺ ، فسدّ ﷺ أبواب الشرك، وأحوال الجاهلية، وحمى حمى الإسلام.
من ذلك: ما ثبت في حديث ابن مسعود مرفوعا: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " ٢، فلم يبح من الرقى إلا ما خصه الدليل، من الآيات القرآنية، والأذكار النبوية، والدعوات المعروفة بالألفاظ العربية. وأما ما كان بأسماء الشياطين، أو بما لا يعرف معناه، فينهى عنه، لهذا الحديث، وحكمه
стр. 4517
التحريم; فإذا كان حال الرقى التي فيها من الألفاظ ما لا يعرف معناه، فكيف بما هو ظاهر أنه من أعمال الشياطين مع من تولاهم؟ مثل هذا الهتيمي وأمثاله، ممن شاهدنا بمصر، لا يشك أحد أنه من أعمال الشيطان. ولهؤلاء اعتقادات شركية في معبودهم الذي يعبدونه من دون الله، وأكثر هذه الطرائق محشوة بالشرك والبدع.
قوله في الحديث: " والتولة شرك " ١ ذكر العلماء: أنها تشبه السحر؛ وما يشبه السحر فهو شرك، وكذلك التمائم شرك، للتعلق بها، والاعتماد عليها من دون الله، وفي بعضها أسماء الشياطين، وما لا يعرف معناه; فكل هذه الأمور لا تجامع الإسلام الصحيح، بل تنافيه إذا اشتملت على ما هو شرك بالله، من التوكل على غيره، ونحو ذلك. وقد وقع في نفوس كثير من الجهال، الذين أخذوا عن هذا الهتيمي كثير من تصديقه، وقبول ما جاءهم به، من هذه الضلالة، وهذه فتنة، وقى الله شرها; وبسط القول في ذلك، وذكر ما قاله العلماء، له موضع آخر، إن شاء الله تعالى، والسلام.
[الوقوع في بعض المكفرات جهلا]
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀: عمن ارتكب شيئا من المكفرات جهلا، يكفر إذا كان جاهلا بكون ما ارتكبه كفر، أم لا؟
فأجاب: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى
стр. 4518
نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ١.
فلا عذر لأحد بعد بعثة محمد ﷺ في عدم الإيمان به وبما جاء به، بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته لأن الله سبحانه أخبر عن الكفار بعدم الفهم، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ ٢ وقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣ وقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
والآيات في وصفهم بغاية الجهل، كثيرة معلومة، فلم يعذرهم تعالى بكونهم لم يفهموا، بل صرح بتكفير هذا الجنس، وأنهم من أهل النار، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ٥، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ
стр. 4519
بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١.
قال الشيخ أبو محمد المقدسي، لما انجر كلامه في مسألة: هل كل مجتهد مصيب، أم لا؟
ورجح ما هو الحق في ذلك، وهو: أنه ليس كل مجتهد مصيبا، بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين; قال: وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام، إذا نظر فعجز عن إدراك الحق، فهو معذور غير آثم، - إلى أن قال: وأما ما ذهب إليه الجاحظ، فباطل يقينا، وكفر بالله، ورد عليه وعلى رسوله.
فإنا نعلم قطعا: أن النبي ﷺ أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على إصرارهم، وقاتل جميعهم، وقتل البالغ منهم، ونعلم أن المعاند العارف مما يقل، وإنما الأكثر مقلدة، اعتقدوا دين آبائهم تقليدا، ولم يعرفوا معجزة الرسول ﷺ وصدقه.
قال: والآيات الدالة على هذا كثيرة من القرآن، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٢، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٥، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٦، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٧.
стр. 4520
وفي الجملة: ذم المكذبين لرسوله ﷺ مما لا ينحصر في الكتاب والسنة، انتهى كلامه ﵀. ١.
فبين ﵀: أنا لو لم نكفر إلا العارف المعاند، لزمنا أن لا نكفر اليهود والنصارى، وهذا من أبطل الباطل.
وأما قول الشيخ ﵀، لما ذكر شيئا من أنواع الشرك الحادث في هذه الأمة، قال: لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ ، لم يقل: حتى يتبين، فتحقق منهم العناد بعد المعرفة.
قال ﵀ في بعض كتبه، لما ذكر بعض ما يفعله كثير من الكفار، والخروج بذلك عن الإسلام، قال: وهذا كثير غالب، لا سيما في الأعصار والأمصار، التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق؛ فلهؤلاء من عجائب الجهل، والظلم، والكذب، والنفاق، والضلال، ما لا يتسع لذكره المقام.
وإذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال فيها إنه مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها؛ لكن ذلك يقع من طوائف منهم، في الأحوال الظاهرة التي