← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

الناس، وأبعدهم عن الله وعن دينه; وعبد العزيز جزاه الله خيرا أدى الذي عليه. وأما ابن منصور، فالله أعلم أنه معاقب، ولا ندري هل هذا كله جهل، أوْ له مقصد شر، وإلا فالذي على فطرة أو له عقل ينكر هذا بفطرته وعقله; وذكر شيخ الإسلام ﵀، في كتاب "الفرقان" من الأحوال الشيطانية أمورا من هذا، تركنا ذكرها، لئلا يطول الجواب. فهذا من جنس أحوال الكهان مع الشياطين; والكهانة أنواع هذا منها، وفي الحديث الصحيح: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ١. وأمور الكهانة وما شابهها، من الاستمتاع بالشياطين، والاستكثار منهم، محاها الله بما أطلع في نجد من الدعوة إلى توحيد الله، وامتدت إلى كثير من الجزائر، كما محا الله أحوال الكهان، ببعثة رسول الله ﷺ ، فسدّ ﷺ أبواب الشرك، وأحوال الجاهلية، وحمى حمى الإسلام. من ذلك: ما ثبت في حديث ابن مسعود مرفوعا: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " ٢، فلم يبح من الرقى إلا ما خصه الدليل، من الآيات القرآنية، والأذكار النبوية، والدعوات المعروفة بالألفاظ العربية. وأما ما كان بأسماء الشياطين، أو بما لا يعرف معناه، فينهى عنه، لهذا الحديث، وحكمه

стр. 4517

التحريم; فإذا كان حال الرقى التي فيها من الألفاظ ما لا يعرف معناه، فكيف بما هو ظاهر أنه من أعمال الشياطين مع من تولاهم؟ مثل هذا الهتيمي وأمثاله، ممن شاهدنا بمصر، لا يشك أحد أنه من أعمال الشيطان. ولهؤلاء اعتقادات شركية في معبودهم الذي يعبدونه من دون الله، وأكثر هذه الطرائق محشوة بالشرك والبدع. قوله في الحديث: " والتولة شرك " ١ ذكر العلماء: أنها تشبه السحر؛ وما يشبه السحر فهو شرك، وكذلك التمائم شرك، للتعلق بها، والاعتماد عليها من دون الله، وفي بعضها أسماء الشياطين، وما لا يعرف معناه; فكل هذه الأمور لا تجامع الإسلام الصحيح، بل تنافيه إذا اشتملت على ما هو شرك بالله، من التوكل على غيره، ونحو ذلك. وقد وقع في نفوس كثير من الجهال، الذين أخذوا عن هذا الهتيمي كثير من تصديقه، وقبول ما جاءهم به، من هذه الضلالة، وهذه فتنة، وقى الله شرها; وبسط القول في ذلك، وذكر ما قاله العلماء، له موضع آخر، إن شاء الله تعالى، والسلام. [الوقوع في بعض المكفرات جهلا] وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀: عمن ارتكب شيئا من المكفرات جهلا، يكفر إذا كان جاهلا بكون ما ارتكبه كفر، أم لا؟ فأجاب: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى

стр. 4518

نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ١. فلا عذر لأحد بعد بعثة محمد ﷺ في عدم الإيمان به وبما جاء به، بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته لأن الله سبحانه أخبر عن الكفار بعدم الفهم، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ ٢ وقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣ وقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٤. والآيات في وصفهم بغاية الجهل، كثيرة معلومة، فلم يعذرهم تعالى بكونهم لم يفهموا، بل صرح بتكفير هذا الجنس، وأنهم من أهل النار، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ٥، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ

стр. 4519

بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١. قال الشيخ أبو محمد المقدسي، لما انجر كلامه في مسألة: هل كل مجتهد مصيب، أم لا؟ ورجح ما هو الحق في ذلك، وهو: أنه ليس كل مجتهد مصيبا، بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين; قال: وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام، إذا نظر فعجز عن إدراك الحق، فهو معذور غير آثم، - إلى أن قال: وأما ما ذهب إليه الجاحظ، فباطل يقينا، وكفر بالله، ورد عليه وعلى رسوله. فإنا نعلم قطعا: أن النبي ﷺ أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على إصرارهم، وقاتل جميعهم، وقتل البالغ منهم، ونعلم أن المعاند العارف مما يقل، وإنما الأكثر مقلدة، اعتقدوا دين آبائهم تقليدا، ولم يعرفوا معجزة الرسول ﷺ وصدقه. قال: والآيات الدالة على هذا كثيرة من القرآن، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٢، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٥، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٦، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٧.

стр. 4520

وفي الجملة: ذم المكذبين لرسوله ﷺ مما لا ينحصر في الكتاب والسنة، انتهى كلامه ﵀. ١. فبين ﵀: أنا لو لم نكفر إلا العارف المعاند، لزمنا أن لا نكفر اليهود والنصارى، وهذا من أبطل الباطل. وأما قول الشيخ ﵀، لما ذكر شيئا من أنواع الشرك الحادث في هذه الأمة، قال: لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ ، لم يقل: حتى يتبين، فتحقق منهم العناد بعد المعرفة. قال ﵀ في بعض كتبه، لما ذكر بعض ما يفعله كثير من الكفار، والخروج بذلك عن الإسلام، قال: وهذا كثير غالب، لا سيما في الأعصار والأمصار، التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق؛ فلهؤلاء من عجائب الجهل، والظلم، والكذب، والنفاق، والضلال، ما لا يتسع لذكره المقام. وإذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال فيها إنه مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها؛ لكن ذلك يقع من طوائف منهم، في الأحوال الظاهرة التي

стр. 4521

يعلم الخاصة والعامة من المسلمين، أنها من دين الإسلام بل اليهود والنصارى، والمشركون، يعلمون أن محمدا ﷺ بعث بها، وكفر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله، من الملائكة، والنبيين أو غيرهم؛ فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل هذا: معاداة اليهود والنصارى والمشركين، ومثل تحريم الفواحش، والربا والخمر والميسر، ونحو ذلك، ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع، فكانوا مرتدين، وإن كانوا قد يتوبون من ذلك، أو يعودون إلى أن قال: وأبلغ من ذلك: أن منهم من يصنف في دين المشركين، والردة عن الإسلام، كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب، وأقام الأدلة على حسن ذلك، ومنفعته، ورغب فيه؛ وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام، انتهى. فانظر إلى تفريقه بين المقالات الخفية، والأمور الظاهرة‘ فقال في المقالات الخفية التي هي كفر: قد يقال: إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، ولم يقل ذلك في الأمور الظاهرة؛ بل قال: ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأمور، فكانوا مرتدين، فحكم بردتهم مطلقا، ولم يتوقف في الجاهل.

стр. 4522

فكلامه ظاهر: في التفرقة بين الأمور المكفرة الخفية، كالجهل ببعض الصفات ونحوها، فلا يكفر بها الجاهل، كقوله للجهمية: أنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وقال فيمن ارتكب بعض أنواع الشرك جهلا، لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ ، ولم يقل: لم يمكن تكفيرهم، لأنهم جهال، كما قال في المنكر لبعض الصفات جهلا؛ بل قال: لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ فلم ينتهوا، أو إن كانوا جهالا، مع أن قول الشيخ ﵀، في عدم تكفير الجهمية ونحوهم، خلاف المشهور في المذهب؛ فإن الصحيح من المذهب: تكفير المجتهد الداعي إلى القول بخلق القرآن، ونفي الرؤية ونحو ذلك. قال المجد ﵀: الصحيح: أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية، فإنا نفسق المقلد فيها، كمن يقول بخلق القرآن، أو أن علم الله سبحانه مخلوق، أو أسماءه مخلوقة، أو أنه لا يرى في الآخرة، أو يسب الصحابة، أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد، ونحو ذلك؛ فمن كان عالما في شيء من هذه البدع، يدعو إليه، ويناظر عليه، فهو محكوم بكفره، نص أحمد على ذلك في مواضع، انتهى. فتبين: أن الصحيح من المذهب تكفيره، ولم يعذرهم

стр. 4523

بالجهل. ومما يوضح المسألة: ما هو معلوم من حكم أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم في المرتد، أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتلوه، ولم يتوقفوا في قتله حتى تتحقق منه المعاندة؛ وكذلك العلماء في المذاهب، ذكروا حكم من كانت ردته بإنكار ما يمكن جهله به، أنه يعرف ذلك، فإن أصر قتل، ولم يعتبروا تحقق العناد منه، كما قالوا فيمن جحد تحريم الخمر ونحوه، أو شك فيه ومثله لا يجهله، كفر، وإن كان مثله يجهله عرف، فإن أصر بعد التعريف كفر وقُتل، ولم يعتبروا المعاندة. وأيضا، فقد دل القرآن على أن الشك في الجملة كفر، كما في قوله تعالى في الكفار: ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ١، وغير ذلك من الآيات الصريحة؛ والشك غير العناد، وهذا ظاهر بحمد الله تعالى. ومما يبين لك مراد الشيخ تقي الدين ﵀، ما ذكره في بعض كتبه، بقوله: من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك الأمر محرم عرف ذلك، فإن أصر صار مرتدا; وقال: من سب الصحابة أو واحدا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط، فلا نشك في كفره، بل لا شك

стр. 4524

في كفر من توقف في تكفيره. وقال أيضا: من زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر، انتهى. فانظر تكفيره الشاك، مع القطع بأن سبب الشك هو الجهل، وأطلق على من ذكر مع العلم القاطع بأن أكثر هؤلاء أو كلهم جهال لم يعلموا أن ما قالوه كفر. وقال أيضا: فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، مثل أن يقول: يا فلان أغثني، أو ارحمني، أو انصرني، أو اجبرني، أو توكلت عليك، أو أنا في حسبك، أو أنت في حسبي، ونحو هذه الأقوال، التي هي من خصائص الربوبية، التي لا تصلح إلا لله، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، انتهى. ولم يخص القتل بمن تحقق منه العناد، ولم يقل في هؤلاء ونحوهم: لم يكفروا لأنهم جهال، كما قال في الجهمية، وهذا كثير في كلامه ﵀. وقال أيضا: لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين، الخمر، كقدامة وأصحابه، وظنوا أنها تباح لمن آمن وعمل

стр. 4525

صالحا، على ما فهموا من آية المائدة، اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما، على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جلدوا؛ فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء، لأجل الشبهة حتى يبين لهم الحق، فإن أصروا كفروا، انتهى. فانظر كيف حكم الصحابة بكفرهم، لو أصروا بعد الاستتابة، ولم يعذروهم بعد المعرفة، وبعد التعريف، فأوضح مما ذكرناه: ضلالا من لم يكفر من ارتكب ما هو كفر، إلا إذا كان معاندا، وأن هذا مخالف للكتاب والسنة، وإجماع الأمة. فكيف يقول هذا فيمن يشك في وجوب الرب ، أو في وحدانيته، أو يشك في نبوة محمد ﷺ أو في البعث بعد الموت، فإن طرد أصله في ذلك فهو كافر بلا شك، كما قرره موفق الدين في كلامه المتقدم، وإن لم يطرد أصله في ذلك، فلم لا يعذر بالشك في هذه الأشياء، وعذر فاعل الشرك الأكبر، المناقض لشهادة أن لا إله إلا الله، التي هي أصل دين الإسلام بجهله؛ فهذا تناقض ظاهر. فقد بين أنه لا عذر لأحد في الجهل بهذه الأمور ونحوها، بعد بعثته ﷺ وبلوغ حجج الله وبيناته، وإن لم يفهمها من بلغته، فحجة الله قائمة على عباده ببلوغ الحجة،

стр. 4526

لا بفهمها، فبلوغ الحجة شيء وفهمها شيء آخر؛ ولهذا لم يعذر الله الكفار بعدم فهمهم، بعد أن بلغتهم حجته وبيناته، وهذا ظاهر بحمد الله. [أهل العلم والسنة لا يكفرون المخالف] وسئل أيضا: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀، عن قول شيخ الإسلام تقي الدين، ﵀، في رده على ابن البكري: فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفّرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي؛ فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك، وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه، وتزني بأهله، لأن الزنى والكذب، حرام لحق الله تعالى؛ وكذلك التكفير حق لله، فلا نكفر إلا من كفره الله ورسوله. وأيضا: فإن تكفير الشخص المعين، وجواز قتله، موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية، التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر، إلى أن قال: ولهذا كنت أقول للجهمية، من الحلولية والنفاة، الذين ينفون أن يكون الله فوق العرش: أنا لو وافقتكم كنت كافرا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال ... إلخ، ما معنى قيام الحجة؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين، تضمن كلام الشيخ ﵀، مسألتين: إحداهما: عدم تكفيرنا لمن كفرنا،

стр. 4527

وظاهر كلامه: أنه سواء كان متأولا أم لا، وقد صرح طائفة من العلماء: أنه إذا قال ذلك متأولا، لا يكفر، ونقل ابن حجر الهيتمي عن طائفة من الشافعية، أنهم صرحوا بكفره إذا لم يتأول، فنقل عن المتولي أنه قال: إذا قال لمسلم: يا كافر، بلا تأويل كفر; قال: وتبعه على ذلك جماعة. واحتجوا بقوله ﷺ : " إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما " ١، والذي رماه به مسلم، فيكون هو كافرا، قالوا: لأنه سمى الإسلام كفرا؛ وتعقب بعضهم هذا التعليل، وهو قولهم: إنه سمى الإسلام كفرا، فقال: هذا المعنى لا يفهم من لفظه، ولا هو مراده، إنما مراده ومعنى لفظه: إنك لست على دين الإسلام، الذي هو حق، وإنما أنت كافر، دينك غير الإسلام، وأنا على دين الإسلام، وهذا مراده بلا شك. لأنه إنما وصف بالكفر الشخص، لا دين الإسلام، فنفى عنه كونه على دين الإسلام، فلا يكفر بهذا القول، وإنما يعزر بهذا السب الفاحش، بما يليق به؛ ويلزم على ما قالوه أن من قال لعابد: يا فاسق، كفر، لأنه سمى العبادة فسقا، ولا أحسب أحدا يقوله، وإنما يريد: إنك تفسق، وتفعل مع عبادتك ما هو فسق، لا أن عبادتك فسق، انتهى. وظاهر كلام النووي في شرح مسلم، يوافق ذلك،

стр. 4528

فإنه لما ذكر الحديث، قال: وهذا مما عده العلماء من المشكلات، فإن مذهب أهل الحق: أن المسلم لا يكفر بالمعاصي، كالقتل والزنى، وكذا قوله لأخيه: يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام. ثم حكى في تأويل الحديث وجوها: أحدها: أنه محمول على المستحل، ومعنى (باء بها) أي بكلمة الكفر، وكذا (حارت عليه) في رواية، أي: رجعت عليه كلمة الكفر، فباء وحار ورجع بمعنى. الثاني: رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره. الثالث: أنه محمول على الخوارج، المكفرين للمؤمنين; وهذا نقله القاضي عياض عن مالك، وهو ضعيف، لأن المذهب الصحيح المختار، الذي قاله الأكثرون، والمحققون: إن الخوارج لا يكفّرون، كسائر أهل البدع. الرابع: معناه: أنه يؤول إلى الكفر، فإن المعاصي كما قالوا: بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها، أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر، ويؤيده رواية أبي عوانة، في مستخرجه على مسلم: "فإن كان كما قال، وإلا فقد باء بالكفر". الخامس: فقد رجع بكفره، وليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير، كونه جعل أخاه المؤمن كافرا، فكأنه

стр. 4529

كفر بنفسه، إما لأنه كفر من هو مثله، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر، يعتقد بطلان الإسلام، انتهى. وقال ابن دقيق العيد، في قوله: ﷺ " ومن دعا رجلا بالكفر، وليس كذلك، إلا حار عليه " ١ أي: رجع عليه; وهذا وعيد عظيم لمن كفر أحدا من المسلمين، وليس هو كذلك؛ وهي ورطة عظيمة، وقع فيها خلق من العلماء، اختلفوا في العقائد، وحكموا بكفر بعضهم بعضا. ثم نقل عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، أنه قال: لا أكفر إلا من كفرني; قال: وربما خفي هذا القول على بعض الناس، وحمله على غير محمله الصحيح؛ والذي ينبغي أن يحمل عليه، أنه لمح هذا الحديث الذي يقتضي: أن من دعا رجلا بالكفر وليس كذلك، رجع عليه الكفر; وكذلك قوله ﷺ : " من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " ٢. وكان هذا المتكلم، أي: أبو إسحاق، يقول: الحديث دل على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين، إما المكفر أو المكفر، فإذا كفرني بعض الناس، فالكفر واقع بأحدنا، وأنا قاطع أني لست بكافر، فالكفر راجع إليه، انتهى. فظاهر كلام أبي إسحاق: أنه لا فرق بين المتأول

стр. 4530

وغيره، والله أعلم; وما نقله القاضي عن مالك، من حمله الحديث على الخوارج، موافق لإحدى الروايتين عن أحمد، في تكفير الخوارج، اختارها طائفة من الأصحاب وغيرهم، لأنهم كفروا كثيرا من الصحابة، واستحلوا دماءهم وأموالهم، متقربين بذلك إلى الله، فلم يعذروهم بالتأويل الباطل; لكن أكثر الفقهاء على عدم كفرهم، لتأويلهم، وقالوا: من استحل قتل المعصومين، وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كفر، وإن كان استحلالهم ذلك بتأويل كالخوارج لم يكفر، والله أعلم. [تكفير الشخص المعين وجواز قتله] المسألة الثانية: أن تكفير الشخص المعين وجواز قتله، موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية، التي يكفر من خالفها ... إلى آخره، يشمل كلامه من لم تبلغه الدعوة، وقد صرح بذلك في موضع آخر; ونقل ابن عقيل عن الأصحاب: أنه لا يعاقب; وقال: إن الله عفا عن الذي كان يعامل ويتجاوز، لأنه لم تبلغه الدعوة، وعمل بخصلة من الخير. واستدل لذلك بما في صحيح مسلم مرفوعا: " والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي أو نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار " ١. قال في شرح مسلم: وخص اليهودي والنصراني، لأن لهم كتابا; قال: وفي مفهومه أن من

стр. 4531

لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور; قال: وهذا جار على ما تقرر في الأصول، لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح، انتهى. وقال القاضي أبو يعلى: في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ١: في هذا دليل على أن معرفة الله لا تجب عقلا، وإنما تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك، لم يقطع عليه بالنار; انتهى. وفيمن لم تبلغه الدعوة قول آخر: أنه يعاقب؛ اختاره ابن حامد، واحتج بقوله ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٢. والله أعلم; فمن بلغته رسالة محمد ﷺ وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة، فلا يعذر في عدم الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل. وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار، مع تصريحه بكفرهم، ووصف النصارى بالجهل، مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم; ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، فنعتقد كفرهم، وكفر من شك في كفرهم. وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر؛

стр. 4532

والشك هو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول ﷺ ولا كذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه، ونحو ذلك، كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنى ولا عدم تحريمه؛ وهذا كفر بإجماع العلماء، ولا عذر لمن كان حاله هكذا، بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته، لأنه لا عذر له بعد بلوغها، وإن لم يفهمها. وقد أخبر الله تعالى عن الكفار أنهم لم يفهموا، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ ١، وقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢؛ فبين الله سبحانه: أنهم لم يفقهوا، فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا، بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ٣ الآية. قال الشيخ: أبو محمد، موفق الدين بن قدامة، ﵀، لما انجر كلامه في مسألة: هل كل مجتهد، مصيب أم لا؟ ورجح أنه ليس كل مجتهد مصيبا، بل الحق

стр. 4533

في قول واحد من أقوال المجتهدين، قال: وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام، إذا نظر فعجز عن إدراك الحق، فهو معذور غير آثم، إلى أن قال:: أما ما ذهب إليه الجاحظ، فباطل يقينا، وكفر بالله تعالى، ورد عليه وعلى رسوله. فإنا نعلم قطعا: أن النبي ﷺ أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على إصرارهم، وقاتل جميعهم، وقتل البالغ منهم; ونعلم: أن المعاند العارف مما يقل، وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا دين آبائهم تقليدا، ولم يعرفوا معجزة الرسول ﷺ وصدقه. والآيات الدالة في القرآن على هذا كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ١، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ ٤، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٥، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ٦؛ وفي الجملة: ذم المكذبين لرسول الله ﷺ مما لا ينحصر في الكتاب والسنة، انتهى.

стр. 4534

فبين ﵀: أنا لو لم نكفر إلا المعاند العارف، لزمنا الحكم بإسلام أكثر اليهود والنصارى، وهذا من أظهر الباطل؛ فقول الشيخ تقي الدين، ﵀: إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة، يدل من كلامه على أن هذين الأمرين، وهما: التكفير، والقتل، ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقا، بل على بلوغها، ففهمها شيء، وبلوغها شيء آخر. فلو كان هذا الحكم موقوفا على فهم الحجة، لم نكفر ونقتل إلا من علمنا أنه معاند خاصة، وهذا بين البطلان؛ بل آخر كلامه ﵀، يدل على أنه يعتبر فهم الحجة، في الأمور التي تخفى على كثير من الناس، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة، كالجهل ببعض الصفات. وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد، والإيمان بالرسالة، فقد صرح ﵀ في مواضع كثيرة بكفر أصحابها، وقتلهم بعد الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل، مع أنا نتحقق أن سبب وقوعهم في تلك الأمور، إنما هو الجهل بحقيقتها؛ فلو علموا أنها كفر تخرج من الإسلام، لم يفعلوها. وهذا في كلام الشيخ ﵀ كثير، كقوله في بعض كتبه: فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه

стр. 4535

نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، نحو أن يقول: يا فلان أغثني، أو اغفر لي، أو ارحمني، أو انصرني، أو اجبرني، أو توكلت عليك، أو أنا في حسبك، أو أنت حسبي، ونحو هذه الأقوال، التي هي من خصائص الربوبية، التي لا تصلح إلا لله؛ فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. وقال أيضا: فمن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم، كفر إجماعا; وقال: من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله، فهو مرتد؛ وإن جهل أن ذلك محرم عرف ذلك، فإن أصر صار مرتدا. وقال: من سب الصحابة أو أحدا منهم، أو اقترن بسبه دعوى أن عليا إله، أو نبي، أو أن جبرائيل غلط، فلا شك في كفر هذا؛ بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. وقال أيضا: من زعم أن الصحابة ارتدوا، بعد رسول الله ﷺ إلا نفرا قليلا، لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب في كفر قائل ذلك؛ بل من شك في كفره، فهو كافر، انتهى; فانظر كيف كفر الشاك، والشاك جاهل؛ فلم ير الجهل عذرا في مثل هذه الأمور. وقال ﵀ في أثناء كلام له، قال: ولهذا قالوا:

стр. 4536

من عصى مستكبرا كإبليس، كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيا لم يكفر عند أهل السنة، ومن فعل المحارم مستحلا، فهو كافر بالاتفاق. وقال: والاستحلال: اعتقاد أنها حلال، وذلك يكون تارة باعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها؛ وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية أو الرسالة، ويكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم: أن الله حرمها، ثم يمتنع من التزام هذا التحريم ويعاند، فهذا أشد كفرا ممن قبله، انتهى. وكلامه ﵀ في مثل هذا كثير، فلم يخص التكفير بالمعاند، مع القطع بأن أكثر هؤلاء جهال لم يعلموا أن ما قالوه أو فعلوه كفر؛ فلم يعذروا بالجهل في مثل هذه الأشياء، لأن منها ما هو مناقض للتوحيد، الذي هو أعظم الواجبات، ومنها ما هو متضمن معارضة الرسالة، ورد نصوص الكتاب والسنة الظاهرة المجمع عليها بين علماء المسلمين. وقد نص السلف والأئمة على تكفير أناس بأقوال صدرت منهم، مع العلم أنهم غير معاندين; ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله تعالى: من جحد وجوب عبادة من العبادات الخمس، أو جحد حل الخبز ونحوه، أو جحد تحريم الخمر ونحوه، أو شك في ذلك ومثله لا يجهله،

стр. 4537

كفر، وإن كان مثله يجهله عرّف ذلك، فإن أصر بعد التعريف، كفر، وقتل؛ ولم يخصوا الحكم بالمعاند، وذكروا في باب حكم المرتد أشياء كثيرة، أقوالا وأفعالا، يكون صاحبها بها مرتدا، ولم يقيدوا الحكم بالمعاند. وقال الشيخ أيضا: لما استحل طائفة من الصحابة الخمر، كقدامة وأصحابه، وظنوا أنها تباح لمن آمن بالله وعمل صالحا، على ما فهموه من آية المائدة، اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما، على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جلدوا؛ فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة، حتى يبين لهم الحق، فإن أصروا كفروا. وقال أيضا: ونحن نعلم بالضرورة، أن رسول الله ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا من الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بلفظ الاستعانة، ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لهم السجود لميت، ولا إلى ميت ونحو ذلك؛ بل نعلم أنه نهى عن ذلك كله، وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ انتهى. فانظر إلى قوله: لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ ، ولم يقل: حتى يتبين لهم،

стр. 4538

ونتحقق منهم المعاندة بعد المعرفة. وقال أيضا: لما انجر كلامه في ذكر ما عليه كثير من الناس، من الكفر، والخروج عن الإسلام، قال: وهذا كثير غالب في الأعصار والأمصار، التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق؛ فلهؤلاء من عجائب الجهل، والظلم والكذب، والنفاق والكفر والضلال، ما لا يتسع لذكره المقال. وإذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف منهم، في الأمور الظاهرة، التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين، أنها من دين الإسلام، بل اليهود والنصارى والمشركون، يعلمون أن محمدا ﷺ بعث بها، وكفر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه، من الملائكة والنبيين أو غيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين، ومثل تحريم الفواحش، والربا والخمر والميسر، ونحو ذلك، ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع، فكانوا مرتدين، وإن كانوا قد يتوبون من ذلك، أو يعودون إلى أن قال: وأبلغ من ذلك: أن منهم من يصنف في دين المشركين، والردة عن الإسلام، كما صنف الرازي كتابه في

стр. 4539

عبادة الكواكب، وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته، ورغب فيه؛ وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام، انتهى. فانظر إلى تفريقه بين المقالات الخفية، والأمور الظاهرة، فقال في المقالات الخفية، التي هي كفر: قد يقال إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، ولم يقل ذلك في الأمور الظاهرة؛ فكلامه ظاهر في الفرق بين الأمور الظاهرة والخفية، فيكفر بالأمور الظاهر حكمها مطلقا، وبما يصدر منها من مسلم جهلا، كاستحلال محرم أو فعل أو قول شركي بعد التعريف، ولا يكفر بالأمور الخفية جهلا، كالجهل ببعض الصفات، فلا يكفر الجاهل بها مطلقا، وإن كان داعية، كقوله للجهمية: أنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال; وقوله عندي يبين أن عدم تكفيرهم، ليس أمرا مجمعا عليه، لكنه اختياره؛ وقوله في هذه المسألة خلاف المشهور في المذهب، فإن الصحيح من المذهب تكفير المجتهد الداعي إلى القول بخلق القرآن، أو نفي الرؤية، أو الرفض ونحو ذلك، وتفسيق المقلد. قال المجد ﵀: الصحيح: أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية، فإنا نفسق المقلد فيها، كمن يقول بخلق القرآن، أو أن علم الله مخلوق، أو أن أسماءه مخلوقة، أو

стр. 4540

أنه لا يُرى في الآخرة، أو يسب الصحابة تدينا، أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد، وما أشبه ذلك؛ فمن كان عالما في شيء من هذه البدع، يدعو إليه ويناظر عليه، فهو محكوم بكفره، نص أحمد على ذلك في مواضع، انتهى. فانظر كيف حكموا بكفرهم مع جهلهم، والشيخ ﵀ يختار عدم كفرهم، ويفسقون عنده; ونحوه قول ابن القيم ﵀، فإنه قال: وفسق الاعتقاد، كفسق أهل البدع الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويحرمون ما حرم الله، ويوجبون ما أوجب الله، ولكن ينفون كثيرا مما أثبت الله ورسوله، جهلا وتأويلا وتقليدا للشيوخ، ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك؛ وهؤلاء كالخوارج المارقة، وكثير من الروافض والقدرية والمعتزلة، وكثير من الجهمية الذين ليسوا غلاة في التجهم. وأما غلاة الجهمية، فكغلاة الرافضة، ليس للطائفتين في الإسلام نصيب، ولذلك أخرجهم جماعة من السلف، من الثنتين والسبعين فرقة، وقالوا هم مباينون للملة، انتهى. وبالجملة: فيجب على من نصح نفسه، ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله؛ وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه، أعظم أمور الدين; وقد

стр. 4541

كفينا بيان هذه المسألة كغيرها، بل حكمها في الجملة أظهر أحكام الدين؛ فالواجب علينا: الاتباع وترك الابتداع، كما قال ابن مسعود ﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم". وأيضا: فما تنازع العلماء في كونه كفرا، فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام، ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم ﷺ . وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم. ومن العجب: أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة، أو البيع ونحوهما، لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله، بل يبحث عن كلام العلماء، ويفتي بما قالوه؛ فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم، الذي هو أعظم أمور الدين وأشد خطرا، على مجرد فهمه واستحسانه؟ فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين ومحنته من تينك البليتين!! ونسألك اللهم أن تهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وصلى الله على محمد.

стр. 4542

[التشديد في أمر الشرك] وله أيضا، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، إلى جناب الأخ إبراهيم بن عجلان، وفقه الله لطاعته، وهداه بهدايته، آمين; سلام عليكم ورحمة الله وبركاته; والخط وصل وصلك الله إلى خير، وصرف عنا وعنكم كل ضير; وذكرت في خطك أشياء، ينبغي تنبيهك عليها. منها قولكم: إن الشيخ تقي الدين بن تيمية، شدد في أمر الشرك تشديدا لا مزيد عليه، فالله سبحانه هو الذي شدده، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ١ في موضعين من كتابه، وقال عن قول المسيح لبني إسرائيل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ ٢ الآية، وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٣ الآية، وقال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤، وقال : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ٥.

стр. 4543

وفي السنة الثابتة عن النبي ﷺ من التحذير عن الشرك، والتشديد فيه ما لا يحصى؛ وغالب الأحاديث التي يذكر ﷺ الكبائر فيها، يبدؤها بالشرك، ولما " سئل ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ١. إذا عرف ذلك، تعين على كل مكلف معرفة حد الشرك وحقيقته، لا سيما في هذه الأزمنة التي غلب فيها الجهل بهذا الأمر العظيم. والشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن القيم إنما بالغا في بيان هذا الشرك وإيضاحه، لما شهدا من ظهوره في زمنهما، وكثرته في بلاد الإسلام، وبينا بطلانه بالأدلة والبراهين القاطعة الواضحة، كما قال أبو حيان في حق الشيخ: قام ابن تيمية في نصر شرعتنا ... مقام سيد تيم إذ عصت مضر وأظهر الحق إذ آثاره اندرست ... وأخمد الكفر إذ طارت له شرر وقولك: إن هذه الأمور المحدثة، منها ما هو شرك أكبر، ومنها ما هو أصغر، فالأمر كذلك، لكن يتعين معرفة الأكبر، المخرج من الملة، الذي يحصل به الفرق بين المسلم والكافر، وهو عبادة غير الله. فمن جعل شيئا من العبادة لغير الله، فهو المشرك الشرك الأكبر، من ذلك الدعاء الذي هو مخ العبادة،

стр. 4544

كالتوجه إلى الموتى والغائبين، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وكذلك الذبح والنذر لغير الله. كذلك يتعين البحث عن الشرك الأصغر، فمنه الحلف بغير الله، ونحو تعليق الخرز والتمائم عن العين، وكيسير الرياء في أنواع كثيرة لا تحصى. ومن كلام للشيخ تقي الدين، وقد سئل عن الوسائط، فقال - بعد كلام -: وإن أراد بالواسطة: أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله، في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكونوا واسطة في رزق العباد، ونصرهم وهداهم، يسألونهم ذلك، ويرجعون إليهم فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار، إلى أن قال: قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ ١ إلى قوله ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٢. وقال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار يدعون عيسى، وعزيرا، والملائكة، والأنبياء، فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا، وأنهم يتقربون إليه ويرجون رحمته، ويخافون عذابه إلى أن قال ﵀:

стр. 4545

فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وسد الفاقات، فهو كافر مشرك بإجماع المسلمين، إلى أن قال: فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالحجّاب الذين يكونون بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائجهم، وأن الله إنما يهدي عباده، ويرزقهم وينصرهم، بتوسطهم، بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبا منهم، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ وهؤلاء مشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا؛ وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى؛ فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى، إلى أن قال: وأما الشفاعة التي نفاها القرآن، كما عليه المشركون

стр. 4546

والنصارى، ومن ضاهاهم من هذه الأمة، فينفيها أهل العلم والإيمان، مثل أنهم يطلبون من الأنبياء، والصالحين الغائبين، والميتين، قضاء حوائجهم، ويقولون: إنهم إن أرادوا ذلك قضوها; ويقولون: إنهم عند الله كخواص الملوك عند الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنْزلة شركاء الملك؛ والله سبحانه قد نزه نفسه عن ذلك، انتهى، ملخصا. فهذا الذي ذكر الشيخ، ﵀، إجماع المسلمين على أن مرتكبه مشرك كافر يقتل، هو الذي زعم داود البغدادي أنه جائز; بل زعم: أن الله أمر به، وأنه معنى الوسيلة التي أمر الله بها، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ١، وزعم أن الوسيلة التي أمر الله بها، أمر إيجاب، أو استحباب، بطلب الحاجات، وتفريج الكربات، من الأموات والغائبين. وزعم أن الشرك هو السجود لغير الله فقط، وأن دعاء الأموات، والغائبين، والتقرب إليهم بالنذور، والذبائح، ليس بشرك، بل هو مباح; ثم زاد على ذلك بالكذب على الله، وعلى رسوله، وزعم أن الله أمر بذلك، وأحبه; لم يقتصر على دعوى إباحة ذلك، بل زعم: أن الله أمر عباده المؤمنين، أن يقصدوا قبور

стр. 4547

الأموات، ويسألوهم قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم. فسبحان الله! ما أجرأ هذا على الافتراء والكذب على الله؟ فلو أن إنسانا ادعى إباحة بعض صغائر الذنوب، كأن يزعم أنه يباح للرجل تقبيل المرأة الأجنبية، لكان كافرا بإجماع المسلمين، وإن زاد على ذلك، بأن قال: إن الله يحب ذلك ويرضاه، فقد ازداد كفرا على كفره، فكيف بمن زعم أن الله أباح الشرك الأكبر؟ ثم زاد على ذلك بأن قال: إن الله أمر به وأحب من عباده المؤمنين أن يسارعوا إليه؟ ما أعظم هذه الجراءة! ومن كذبه على الله، زعمه أن النبي ﷺ يعلم الغيب، حتى مفاتيح الغيب الخمس يزعم أن الله أطلعه عليها; وكلام شيخ الإسلام في هذه المسألة كثير، لا يخلو غالب مصنفاته من الكلام عليها; وذكر رحمه الله تعالى، عن بعض علماء عصره أنه قال: هذا من أعظم ما بينته لنا. وذكر ﵀، في "الرسالة السنية" لما ذكر حديث الخوارج، قال: وإذا كان في زمن رسول الله ﷺ من قد مرق من الدين، مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذه الأزمان، قد يمرق أيضا; وذلك بأمور; منها: الغلو الذي ذمه الله، كالغلو في بعض المشائخ، مثل: الشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح.

стр. 4548

فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. فإن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده، لا يجعل معه إله آخر؛ والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الملائكة، والمسيح، وعزير، والصالحين، لم يكونوا يعتقدون: أنها ترزق، وتدبر أمر من دعاها، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله; فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استعانة; وكلامه ﵀ في هذا الباب كثير. وكذلك ابن القيم، رحمه الله تعالى، بالغ في إيضاح هذا الأمر، وبين بطلانه، كقوله في "شرح المنازل": ومنه - أي الشرك -: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، فإن هذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا عمن يستغيث به، ويسأله أن يشفع له، انتهى; وهذا الذي قال: إنه أصل شرك العالم، هو الذي يزعم داود: أن الله أمر به؛ تعالى الله عما يقول المفترون علوا كبيرا.

стр. 4549

وقال ابن القيم في "الهدي" في فوائد غزوة الطائف: ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت، بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا؛ فإنها شعائر الكفر والشرك، ولا يجوز الإقرار عليها بعد القدرة عليها البتة. قال: وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله، وكذا الأحجار التي تقصد بالتعظيم والتبرك، والنذر والتقبيل، فلا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالتها; وكثير منها بمنزلة اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شركا عندها وبها؛ والله المستعان. ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت، يعتقد أنها تخلق وترزق، وتحيي وتميت، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها، ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم؛ اتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم، حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم، شبرا بشبر وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل وخفاء العلم. وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، نشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل

стр. 4550

العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس؛ ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية، بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، انتهى. فانظر قوله في المشاهد التي بنيت على القبور، كونها اتخذت أوثانا وطواغيت، وربما ينفر قلب الجاهل من تسمية قبر نبي، أو رجل صالح وثنا، وقد قال النبي ﷺ : " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ١؛ فهذا الحديث ينبئ أنه لو قصد قبر النبي ﷺ بعبادة له، كان قاصده بذلك قد اتخذه وثنا، فكيف بغيره من القبور؟. وقوله ﵀: وكثير منها بمنْزلة اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شركا عندها وبها; صدق ﵀، لما شاهدنا في هذه الأزمنة من الغلو والشرك العظيم، من كون كثير من الغلاة عند الشدائد في البر والبحر، يخلصون الدعاء لمعبوديهم، وكثير منهم ينسون الله عند الشدائد، كما هو مستفيض عند الخاصة والعامة. وقد أخبر الله عن المشركين الأولين أنهم يخلصون الدعاء له ، وينسون آلهتهم، ونصوص القرآن في ذلك كثيرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢، ﴿وَإِذَا

стр. 4551

مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ١. وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٢، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ ٣؛ فهذا إخباره سبحانه عن المشركين، الذين بعث إليهم النبي ﷺ ينهاهم عن الشرك، ويأمرهم بالتوحيد، وغالب مشركي أهل هذا الزمان، بعكس ذلك. وقول ابن القيم، ﵀: وغلب الشرك على أكثر النفوس، وسبب ذلك كله ظهور الجهل وقله العلم، فهذا قوله فيما شاهده في زمانه ببلاد الإسلام، فكيف لو رأى هذا الزمان؟ وفي الحديث: " لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه " ٤؛ قال ابن مسعود: "لا أقول: زمان أخصب من زمان، ولا أمير خير من أمير، ولكن بذهاب خياركم وعلمائكم"، فكيف لو شاهد من يقول: إن الله أمر بطلب الحاجات من الأموات؟ ويقول: إنما الشرك هو السجود لغير الله لا غير؟ كما قال ذلك داود البغدادي مشافهة لي.

стр. 4552

فيلزمه: أن قصد المشركين الأولين لآلهتهم، كاللات والعزى ومناة، وكذلك هبل، إذا طلبوا الحاجات منها، وكشف الكربات، والتقرب إليها بالنذور، والذبائح، أن هذا ليس بشرك، إذا لم يسجدوا لها، فيا سبحان الله! كيف يبلغ الجهل بمن ينتسب إلى علم إلى هذه الفضيحة؟! وقال ابن القيم، رحمه الله تعالى: رأيت لأبي الوفاء بن عقيل فصلا حسنا، فذكرته بلفظه; قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها، بما نهى عنه الشرع، من إيقاد السرج عليها، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب أهلها بالحوائج، وكتابة الرقاع، فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، والقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى. وقولك: إن الشيخ تقي الدين وابن القيم يقولان: إن من فعل هذه الأشياء، لا يطلق عليه أنه كافر مشرك، حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، من إمام أو نائبه،

стр. 4553

فيصر; وأنه يقال: هذا الفعل كفر، وربما عذر فاعله، لاجتهاد، أو تقليد، أو غير ذلك، فهذه الجملة التي حكيت عنهما، لا أصل لها في كلامهما. وأظن اعتمادك في هذا، على ورقة كتبها داود، ونقل فيها نحوا من هذه العبارة، من اقتضاء الصراط المستقيم، للشيخ تقي الدين، لما قدم عنيزة المرة الثانية، معه هذه الورقة، يعرضها على ناس في عنيزة، يشبه بهذا، ويقول: لو سلمنا أن هذه الأمور التي تفعل عند القبور شرك، كما تزعم هذه الطائفة، فهذا كلام إمامهم ابن تيمية، الذي يقتدون به، يقول: إن المجتهد المتأول، والمقلد، والجاهل، معذورون، مغفور لهم فيما ارتكبوه. فلما بلغني هذا عنه، أرسلت إليه وحضر عندي، وبينت له خطأه، وأنه وضع كلام الشيخ في غير موضعه; وبينت له: أن الشيخ إنما قال ذلك في أمور بدعية، ليست بشرك، مثل تحري دعاء الله عند قبر النبي ﷺ وبعض العبادات المبتدعة، فقال في الكلام على هذه البدع: وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا، ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه; وهذا باب واسع. وعامة العبادات المنهي عنها، قد يفعلها بعض الناس، ويحصل له نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها

стр. 4554

مشروعة، ثم العالم قد يكون متأولا، أو مجتهدا مخطئا، أو مقلدا فيغفر له خطؤه، ويثاب على فعله من المشروع، المقرون بغير المشروع، فهذا كلامه في الأمور التي ليست شركا. وأما الشرك، فقد قال ﵀: إن الشرك لا يغفر، وإن كان أصغر; نقل ذلك عنه تلميذه صاحب الفروع فيه، وذلك - والله أعلم - لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ١، مع أن الشيخ ﵀، لم يجزم أنه يغفر لمن ذكرهم، وإنما قال قد يكون. وقد قال ﵀، في "شرح العمدة" لما تكلم في كفر تارك الصلاة، فقال: وفي الحقيقة: فكل رد لخبر الله، أو أمره فهو كفر، دق أو جل، لكن قد يعفى عما خفيت فيه طرق العلم، وكان أمرا يسيرا في الفروع، بخلاف ما ظهر أمره، وكان من دعائم الدين، من الأخبار والأوامر، يعني: فإنه لا يقال قد يعفى عنه. وقال ﵀، في أثناء كلام له، في ذم أصحاب الكلام، قال: والرازي من أعظم الناس في باب الحيرة، له نهمة في التشكيك، والشك في الباطل خير من الثبات على اعتقاده، لكن قل أن يثبت أحد على باطل محض، بل لا بد فيه من نوع من الحق، وتوجد الردة فيهم كثيرا، كالنفاق؛ وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم

стр. 4555

تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها. لكن يقع ذلك في طوائف منهم، في أمور يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدا بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، ومثل معاداة المشركين، وأهل الكتاب، ومثل تحريم الفواحش، والربا والميسر، ونحو ذلك. وقولك: إن الشيخ يقول، إن من فعل شيئا من هذه الأمور الشركية، لا يطلق عليه أنه مشرك كافر، حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر، وعبادة غير الله، ونحوه من الكفر، وإنما قال هذا في المقالات الخفية، كما قدمنا من قوله: وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها; فلم يجزم بعد كفره، وإنما قال: قد يقال. وقوله: قد يقع ذلك في طوائف منهم، يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى، يعلمون أن محمدا بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شرائع الإسلام، يعني: فهذا لا يمكن أن يقال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي
следующие страницы →