← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ١. وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٢، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ ٣؛ فهذا إخباره سبحانه عن المشركين، الذين بعث إليهم النبي ﷺ ينهاهم عن الشرك، ويأمرهم بالتوحيد، وغالب مشركي أهل هذا الزمان، بعكس ذلك. وقول ابن القيم، ﵀: وغلب الشرك على أكثر النفوس، وسبب ذلك كله ظهور الجهل وقله العلم، فهذا قوله فيما شاهده في زمانه ببلاد الإسلام، فكيف لو رأى هذا الزمان؟ وفي الحديث: " لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه " ٤؛ قال ابن مسعود: "لا أقول: زمان أخصب من زمان، ولا أمير خير من أمير، ولكن بذهاب خياركم وعلمائكم"، فكيف لو شاهد من يقول: إن الله أمر بطلب الحاجات من الأموات؟ ويقول: إنما الشرك هو السجود لغير الله لا غير؟ كما قال ذلك داود البغدادي مشافهة لي.

стр. 4552

فيلزمه: أن قصد المشركين الأولين لآلهتهم، كاللات والعزى ومناة، وكذلك هبل، إذا طلبوا الحاجات منها، وكشف الكربات، والتقرب إليها بالنذور، والذبائح، أن هذا ليس بشرك، إذا لم يسجدوا لها، فيا سبحان الله! كيف يبلغ الجهل بمن ينتسب إلى علم إلى هذه الفضيحة؟! وقال ابن القيم، رحمه الله تعالى: رأيت لأبي الوفاء بن عقيل فصلا حسنا، فذكرته بلفظه; قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها، بما نهى عنه الشرع، من إيقاد السرج عليها، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب أهلها بالحوائج، وكتابة الرقاع، فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، والقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى. وقولك: إن الشيخ تقي الدين وابن القيم يقولان: إن من فعل هذه الأشياء، لا يطلق عليه أنه كافر مشرك، حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، من إمام أو نائبه،

стр. 4553

فيصر; وأنه يقال: هذا الفعل كفر، وربما عذر فاعله، لاجتهاد، أو تقليد، أو غير ذلك، فهذه الجملة التي حكيت عنهما، لا أصل لها في كلامهما. وأظن اعتمادك في هذا، على ورقة كتبها داود، ونقل فيها نحوا من هذه العبارة، من اقتضاء الصراط المستقيم، للشيخ تقي الدين، لما قدم عنيزة المرة الثانية، معه هذه الورقة، يعرضها على ناس في عنيزة، يشبه بهذا، ويقول: لو سلمنا أن هذه الأمور التي تفعل عند القبور شرك، كما تزعم هذه الطائفة، فهذا كلام إمامهم ابن تيمية، الذي يقتدون به، يقول: إن المجتهد المتأول، والمقلد، والجاهل، معذورون، مغفور لهم فيما ارتكبوه. فلما بلغني هذا عنه، أرسلت إليه وحضر عندي، وبينت له خطأه، وأنه وضع كلام الشيخ في غير موضعه; وبينت له: أن الشيخ إنما قال ذلك في أمور بدعية، ليست بشرك، مثل تحري دعاء الله عند قبر النبي ﷺ وبعض العبادات المبتدعة، فقال في الكلام على هذه البدع: وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا، ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه; وهذا باب واسع. وعامة العبادات المنهي عنها، قد يفعلها بعض الناس، ويحصل له نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها

стр. 4554

مشروعة، ثم العالم قد يكون متأولا، أو مجتهدا مخطئا، أو مقلدا فيغفر له خطؤه، ويثاب على فعله من المشروع، المقرون بغير المشروع، فهذا كلامه في الأمور التي ليست شركا. وأما الشرك، فقد قال ﵀: إن الشرك لا يغفر، وإن كان أصغر; نقل ذلك عنه تلميذه صاحب الفروع فيه، وذلك - والله أعلم - لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ١، مع أن الشيخ ﵀، لم يجزم أنه يغفر لمن ذكرهم، وإنما قال قد يكون. وقد قال ﵀، في "شرح العمدة" لما تكلم في كفر تارك الصلاة، فقال: وفي الحقيقة: فكل رد لخبر الله، أو أمره فهو كفر، دق أو جل، لكن قد يعفى عما خفيت فيه طرق العلم، وكان أمرا يسيرا في الفروع، بخلاف ما ظهر أمره، وكان من دعائم الدين، من الأخبار والأوامر، يعني: فإنه لا يقال قد يعفى عنه. وقال ﵀، في أثناء كلام له، في ذم أصحاب الكلام، قال: والرازي من أعظم الناس في باب الحيرة، له نهمة في التشكيك، والشك في الباطل خير من الثبات على اعتقاده، لكن قل أن يثبت أحد على باطل محض، بل لا بد فيه من نوع من الحق، وتوجد الردة فيهم كثيرا، كالنفاق؛ وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم

стр. 4555

تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها. لكن يقع ذلك في طوائف منهم، في أمور يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدا بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، ومثل معاداة المشركين، وأهل الكتاب، ومثل تحريم الفواحش، والربا والميسر، ونحو ذلك. وقولك: إن الشيخ يقول، إن من فعل شيئا من هذه الأمور الشركية، لا يطلق عليه أنه مشرك كافر، حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر، وعبادة غير الله، ونحوه من الكفر، وإنما قال هذا في المقالات الخفية، كما قدمنا من قوله: وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها; فلم يجزم بعد كفره، وإنما قال: قد يقال. وقوله: قد يقع ذلك في طوائف منهم، يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى، يعلمون أن محمدا بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شرائع الإسلام، يعني: فهذا لا يمكن أن يقال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي

стр. 4556

عن عبادة غيره، هو ما نحن فيه، قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١. وقوله ﵀: بل اليهود والنصارى يعلمون ذلك، حكي لنا عن غير واحد من اليهود في البصرة، أنهم عابوا على المسلمين ما يفعلونه عند القبور، قالوا: إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي، وإن لم يأمركم فقد عصيتموه؛ وعبادة الله وحده لا شريك له، هي أصل الأصول، الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢، أي: يعبدوني وحدي. وهو الذي أرسل به جميع الرسل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣، والطاغوت: اسم لكل ما عبد من دون الله، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤. وكل رسول أرسله الله، فأول ما يدعوهم إليه هذا التوحيد، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٥ ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٦، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا

стр. 4557

قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢. فمن جعل شيئا من العبادة لغير الله، فهذا هو الشرك الأكبر، الذي لا يغفره الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣؛ فمن زعم أن الله يغفره، فقد رد خبر الله سبحانه. وحد العبادة وحقيقتها: طاعة الله; فكل قول وعمل ظاهر وباطن يحبه الله فهو عبادة، فكل ما أمر به شرعا، أمر إيجاب، أو استحباب، فهو عبادة؛ فهذا حقيقة العبادة عند جميع العلماء، التي من جعل منها شيئا لغير الله فهو كافر مشرك. ومما يبين أن الجهل ليس بعذر في الجملة، قوله ﷺ في الخوارج ما قال، مع عبادتهم العظيمة؛ ومن المعلوم: أنه لم يوقعهم ما وقعوا فيه إلا الجهل، وهل صار الجهل عذرا لهم؟ يوضح ما ذكرنا: أن العلماء من كل مذهب يذكرون في كتب الفقه: باب حكم المرتد، وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه. وأول شيء يبدؤون به من أنواع الكفر: الشرك، يقولون: من أشرك بالله كفر، لأن الشرك عندهم أعظم

стр. 4558

أنواع الكفر، ولم يقولوا إن كان مثله لا يجهله، كما قالوا فيما دونه، وقد قال النبي ﷺ لما " سئل: أي الذنب أعظم إثما عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ١. فلو كان الجاهل أو المقلد، غير محكوم بردته إذا فعل الشرك، لم يغفلوه؛ وهذا ظاهر. وقد وصف الله سبحانه، أهل النار بالجهل، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٢، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٣ وقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٥، قال ابن جرير - عند تفسير هذه الآية -: وهذا يدل على أن الجاهل غير معذور؛ ومن المعلوم: أن أهل البدع الذين كفرهم السلف والعلماء بعدهم، أهل علم وعبادة وفهم وزهد، ولم يوقعهم فيما ارتكبوه إلا الجهل.

стр. 4559

والذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار، هل آفتهم إلا الجهل؟ ولو قال إنسان: أنا أشك في البعث بعد الموت، لم يتوقف من له أدنى معرفة في كفره، والشاك جاهل، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ١؛ وقد قال الله تعالى عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ٢ الآية. " قال عدي بن حاتم للنبي ﷺ : ما عبدناهم، قال: أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه؟ ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى; قال: فتلك عبادتهم " ٣، فذمهم الله سبحانه، وسماهم مشركين، مع كونهم لم يعلموا أن فعلهم معهم هذا عبادة لهم، فلم يعذروا بالجهل. ولو قال إنسان عن الرافضة في هذا الزمان: إنهم معذورون في سبهم الشيخين وعائشة، لأنهم جهال مقلدون، لأنكر عليهم الخاص والعام. وما تقدم من حكاية شيخ الإسلام ﵀، إجماع المسلمين على: أن من جعل بينه وبين الله وسائط، يتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، أنه كافر مشرك، يتناول الجاهل وغيره، لأنه من المعلوم أنه إذا كان إنسان يقر برسالة محمد ﷺ ويؤمن بالقرآن، ويسمع ما ذكر الله سبحانه في

стр. 4560

كتابه، من تعظيم أمر الشرك، بأنه لا يغفره، وأن صاحبه مخلد في النار، ثم يقدم عليه وهو يعرف أنه شرك، هذا مما لا يفعله عاقل، وإنما يقع فيه من جهل أنه شرك؛ وقد قدمنا كلام ابن عقيل، في جزمه بكفر الذين وصفهم بالجهل فيما ارتكبوه من الغلو في القبور، نقله عنه ابن القيم متحسنا له. والقرآن يرد على من قال: إن المقلد في الشرك معذور، فقد افترى وكذب على الله، وقد قال الله تعالى عن المقلدين من أهل النار ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ ١، وقال سبحانه حاكيا عن الكفار قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢. وفي الآية الأخرى ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٣، واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها، على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد، والرسالة، وأصول الدين، وأن فرضا على كل مكلف أن يعرف التوحيد بدليله، وكذلك الرسالة، وسائر أصول الدين، لأن أدلة هذه الأصول ظاهرة ولله الحمد، لا يختص بمعرفتها العلماء. وقولك: حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، من إمام

стр. 4561

أو نائبه، معناه: أن الحجة الإسلامية لا تقبل إلا من إمام أو نائبه، وهذا خطأ فاحش، لم يقله أحد من العلماء، بل الواجب على كل أحد قبول الحق ممن قاله كائنا من كان. ومقتضى هذا: أن من ارتكب أمرا محرما، شركا فما دونه بجهل، وبين له من عنده علم بأدلة الشرع أن ما ارتكبه حرام، وبين له دليله من الكتاب والسنة، أنه لا يلزمه قبوله، إلا أن يكون ذلك من إمام أو نائبه، وأن حجة الله لا تقوم عليه، إلا أن يكون ذلك من الإمام أو نائبه. وأظنك سمعت هذا الكلام من بعض المبطلين، وقلدته فيه، ما فطنت لعيبه; وإنما وظيفة الإمام أو نائبه: إقامة الحدود، واستتابة من حكم الشرع بقتله، كالمرتد في بلاد الإسلام. وأظن هذه العبارة مأخوذة، من قول بعض الفقهاء في تارك الصلاة: أنه لا يقتل حتى يدعوه إمام أو نائبه إلى فعلها؛ والدعاء إلى فعل شيء، غير بيان الحجة على خطئه أو صوابه، أو كونه حقا أو باطلا بأدلة الشرع; فالعالم مثلا: يقيم الأدلة الشرعية على وجوب قتل تارك الصلاة، ثم الإمام أو نائبه يدعوه إلى فعلها، ويستتيبه. وقولك: إنك رأيت كثيرا من هذه الأمور التي نقول إنها شرك، ظاهرة في الشام، والعراق، والحجاز، ولم

стр. 4562

تسمع منكرا; فمن رزقه الله بصيرة بدينه، ما راج عليه ذلك؛ والمتعين على الإنسان معرفة الحق بدليله، فإذا عرف الحق بالأدلة الشرعية، عرض أعمال الناس عليه، فما وافق الحق عرفه وقبله، وما خالفه رده، ولا يغتر بكثرة المخالف. "قال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁: أترى أننا نظن أنك على الحق، وفلانا على باطل؟ فقال علي: ويحك يا فلان! الحق لا يعرف بالرجال; اعرف الحق، تعرف أهله" وقد سبق كلام ابن القيم، في وصفه لزمانه، وقوله: غلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل، وخفاء العلم، وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلب السفهاء; هذا وصفه لزمانه، فما ظنك بأهل زمان بعده بخمسمائة عام؟ لأنه لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، بخبر الصادق المصدوق ﷺ مع قوله: " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة " ١ مع أننا قد سمعنا، وبلغنا عن كثير من علماء الزمان، إنكار هذه البدعة الشركية، سمعنا في الحرمين واليمن، وبلغنا عن أناس في مصر والشام، إنكار هذه المحدثات، لكن همتهم تقصر عن إظهار ذلك،

стр. 4563

لأن عمارة هذه المشاهد الشركية، أكثرها من تحت أيدي ولاة الأمور، وأهل الدنيا، ووافقهم على ذلك، وزينه لهم بعض علماء السوء; وبسبب ذلك: استحكم الشر، وتزايد، والشر في زيادة، والخير في نقصان. وفي حديث عن النبي ﷺ قال: " هلكت بنو إسرائيل على يدي قرائهم وفقهائهم، وستهلك هذه الأمة على يدي قرائها وفقهائها "؛ فما أصدق قول عبد الله بن المبارك، رحمه الله تعالى: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها ومما يبين لك عدم الاغترار بالكثرة، أن أكثر هذه الأمصار التي ذكرت، مخالفون للصحابة والتابعين، وأئمة الإسلام - خصوصا الإمام أحمد ومن وافقه - في صفات الرب ﵎، يتأولون أكثر الصفات، بتحريف الكلم عن مواضعه. من ذلك، قولهم: إن الله لا يتكلم بحرف وصوت، وأن حروف القرآن مخلوقة، ويقولون: الإيمان مجرد التصديق; وكلام السلف والأئمة في ذم أهل هذه المقالات كثير; وكثير منهم صرح بكفرهم; وأكثر الأئمة ذما لهم وتضليلا: الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وأفاضل أصحابه بعده.

стр. 4564

وأكثر أهل هذه الأمصار اليوم، على خلاف ما عليه السلف والأئمة; ومن له بصيرة بالحق، لم يغتر بكثرة المخالف، فإن أهل الحق هم أقل الناس فيما مضى، فكيف بهذه الأزمان التي غلب فيها الجهل، وصار بسبب ذلك المعروف منكرا، والمنكر معروفا؟ نسأل الله أن يهدينا وإخواننا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وصلى الله على محمد. وسئل أيضا: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله تعالى، قال السائل: إن قال قائل: تقرون أن إجماع الأمة حجة، وأنها لا تجتمع على ضلالة، وأنتم قد خالفتم جميع العلماء، من أهل الأمصار قاطبة، وادعيتم ما لم يدعه غيركم، وأنكرتم ما لم ينكر في جميع الأرض، وافتريتم أمرا أنكرته جميع علماء الأمة؛ والإشارة هنا إلى التوحيد، وما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتكفير من أشرك بالله في ألوهيته عند المشاهد وغيرها، فما الجواب لذلك؟ فأجاب قدس الله روحه: أما دعوى هذا المبطل إجماع العلماء على جواز دعاء أهل القبور، والاستغاثة بهم، والتقرب إليهم بالنذور والذبائح، فهذا كذب ظاهر؛

стр. 4565

وشبهته: أن هذه الأمور ظاهرة في جميع الأمصار، ولم يسمعوا أن عالما أنكره; فيقال: بل أنكره كثير من علماء هذا الزمان، ووافق عليه خواص من علماء الحرمين واليمن، وسمعنا منهم مشافهة، ولكن الشوكة لغيرهم. وصنف فيه جماعة، كالنعمى من أهل اليمن، له مصنف في ذلك حسن، وكذلك الشوكاني، ومحمد بن إسماعيل، وغيرهم; ورأيت مصنفا لعالم من أهل جبل سليمان في إنكار ذلك؛ وهذا مصداق قول النبي ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين " ١، وليس المراد الظهور بالسيف، بل بالحجة دائما وبالسيف أحيانا. ولو قال هذا المجادل: إن أكثر الناس على ما يرى، لكان صادقا، وهذا مصداق الحديث: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ " ٢. وأيضا: فالبناء على القبور، وإسراجها، وتجصيصها، ظاهر غالب في الأمصار التي نعرف، مع أن النهي عن ذلك، ثابت عن النبي ﷺ ومنصوص على النهي عنه، في جميع المذاهب; فهل يمكن هذا المبطل، أن يقول: إن الأمة مجمعة على جواز ذلك، لكونه ظاهرا في الأمصار؟ والله سبحانه إنما افترض على الخلق طاعته، وطاعة رسوله، وأمرهم أن يردوا إلى كتابه وسنة رسوله، ما تنازعوا فيه؛ وأجمع العلماء على أنه لا يجوز التقليد، في

стр. 4566

التوحيد والرسالة. فإذا عرف أن الشرك عبادة غير الله، وعرف معنى العبادة، وأنها كل قول وعمل يحبه الله ويرضاه، ومن أعظم ذلك الدعاء، لأنه مخ العبادة، وعلم ما يفعل عند القبور، من دعاء أصحابها بسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالنذور والذبائح، عرف أن هذا هو الشرك الأكبر، الذي هو عبادة غير الله تعالى; فإذا تحقق الإنسان ذلك، عرف الحق، ولم يبال بمخالفة أكثر الناس، ويعتقد أن الأمة لا تجتمع على ذلك، لأنه ضلالة. فإن قال هذا المجادل: إن هذه الأفعال التي تفعل عند القبور، وعلى القبور، جائزة شرعا، فهو محاد لله ولرسوله; وإن قال: هذه الأمور لا تجوز، لكنها ليست شركا، مع دعواه أن علماء الزمان أجمعوا على ذلك، فيلزمه أن الأمة أجمعت على ضلالة; والإنسان إذا تبين له الحق، لم يستوحش من قلة الموافقين، وكثرة المخالفين، لا سيما في آخر هذا الزمان. وقول الجاهل: لو كان هذا حقا ما خفي على فلان وفلان، هذه دعوى الكفار، في قولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ ١، ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ٢؛ وقد قال علي ﵁:"اعرف الحق تعرف أهله". وأما الذي في حيرة ولبس، فكل شهبة

стр. 4567

تروج عليه؛ فلو كان أكثر الناس اليوم على الحق، لم يكن الإسلام غريبا، وهو والله اليوم في غاية الغربة. ولما ذكر ابن القيم ﵀ نوع الشرك وظهوره، قال: فما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره؟! يعني: ما أقل من لا يعادي من أنكره! وهذا قوله في زمانه، ولا يأتي عام إلا وما بعده شر منه، كما قال النبي ﷺ . وقد نقلنا في الأوراق التي كتبناها - وهي عندكم - طرفا من كلام العلماء في أنواع الشرك. ومن ذلك قول: شيخ الإسلام تقي الدين ﵁: فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، فهو كافر بإجماع المسلمين، انتهى; وهذا هو الذي يفعل اليوم عند هذه المشاهد، وهذا أظهر أمور الدين; ولكن ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١. ونسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين. [كلا م الشيخ عبد الله أبا بطين في تكفير المعين] وقال أيضا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، نقول في تكفير المعين: ظاهر الآيات، والأحاديث، وكلام جمهور العلماء تدل على كفر من أشرك بالله فعبد معه غيره، ولم تفرق الأدلة بين المعين وغيره، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا

стр. 4568

يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢، وهذا عام في كل واحد من المشركين. وجميع العلماء في كتب الفقه، يذكرون حكم المرتد، وأول ما يذكرون من أنواع الكفر والردة: الشرك، فقالوا: إن من أشرك بالله كفر، ولم يستثنوا الجاهل، ومن زعم لله صاحبة أو ولدا كفر، ولم يستثنوا الجاهل، ومن قذف عائشة كفر، ومن استهزأ بالله أو رسله أو كتبه، كفر إجماعا، لقوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٣؛ ويذكرون أنواعا كثيرة مجمعا على كفر صاحبها، ولم يفرقوا بين المعين وغيره. ثم يقولون: فمن ارتد عن الإسلام قتل بعد الاستتابة، فحكموا بردته قبل الحكم باستتابته، فالاستتابة بعد الحكم بالردة، والاستتابة إنما تكون لمعين; ويذكرون في هذا الباب، حكم من جحد وجوب واحدة من العبادات الخمس، أو استحل شيئا من المحرمات، كالخمر والخنْزير ونحو ذلك، أو شك فيه يكفر، إذا كان مثله لا يجهله. ولم يقولوا ذلك في الشرك ونحوه مما ذكرنا بعضه، بل أطلقوا كفره ولم يقيدوه بالجهل، ولا فرقوا بين المعين وغيره، وكما ذكرنا أن الاستتابة إنما تكون لمعين؛ وهل يجوز لمسلم أن يشك في كفر من قال: إن لله صاحبة أو

стр. 4569

ولدا، أو أن جبرائيل غلط في الرسالة، أو ينكر البعث بعد الموت، أو ينكر أحدا من الأنبياء، وهل يفرق مسلم بين المعين وغيره في ذلك ونحوه، وقد قال ﷺ :" من بدل دينة فاقتلوه " ١، وهذا يعم المعين وغيره. وأعظم أنواع تبديل الدين: الشرك بالله بعبادة غيره، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٢، ولقوله ﷺ لما سئل: أي الذنب أعظم؟ أي: عند الله، قال: (أن تجعل لله ندا وهو خلقك) ٣. وأما قول الشيخ في موضع من كلامه، لما ذكر الشرك، قال: ولكن لغلبة الجهل في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ ، فالظاهر أن مراده المعين، لجزمه في غير موضع بكفر من فعل الشرك، ولم يتوقف في تكفيره حتى يبين له ما جاء به الرسول ﷺ ، لقوله في مسألة الوسائط: فمن جعل الملائكة أو الأنبياء وسائط، يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين، إلى أن قال: فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط الذين يكونون بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه،

стр. 4570

بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس، لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبا منهم، أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل. فانظر قوله: فهو كافر بإجماع المسلمين، فجزم بكفر من هذه حاله، وأنه إجماع المسلمين، ولم يقل في هذا الموضع لم يمكن تكفير من فعل ذلك حتى يبين له ما جاء به الرسول، وقوله: فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فجزم بكفره قبل الاستتابة. وكلامه في هذا الموضع نقله صاحب "الفروع" فيه، وكذا صاحب "الإنصاف" و"الإقناع" وغيرهم؛ وهذا الذي ذكر الشيخ أن من فعله كافر بإجماع المسلمين، هو الذي يفعل اليوم عند هذه المشاهد المشهورة في أكثر بلاد الإسلام، بل زادوا على ذلك أضعافه، وضموا إلى ذلك الذبح والنذر لهم، وبعضهم زاد السجود لهم في الأرض. فنقول: كل من فعل اليوم ذلك عند هذه المشاهد،

стр. 4571

فهو مشرك كافر بلا شك، بدلالة الكتاب والسنة والإجماع؛ ونحن نعلم أن من فعل ذلك ممن ينتسب إلى الإسلام، أنه لم يوقعهم في ذلك إلا الجهل، فلو علموا أن ذلك يبعد عن الله غاية الإبعاد، وأنه من الشرك الذي حرمه الله، لم يقدموا عليه، فكفرهم جميع العلماء، ولم يعذروهم بالجهل، كما يقول بعض الضالين: إن هؤلاء معذورون لأنهم جهال. وهذا قول على الله بغير علم، معارض بمثل قوله تعالى: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآية، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ ٢ الآيتين. وكذلك الخوارج، ورد فيهم الذم العظيم، مع أنهم ما ارتكبوا ما ارتكبوا إلا عن جهل، ولم يعذروا بذلك؛ وهذا جواب لمن يعترف بأن ما يفعلون شرك. وأما كثير من الناس، فيقولون: ما يقوله هؤلاء الضالون عند المشاهد، ليس بشرك، بل يقول إنه جائز، أو إنه مستحب، كما يزعمه بعض أئمة الضالين. وأما قول الشيخ: ولكن لغلبة الجهل في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم ... إلخ، فهو لم يقل إنهم

стр. 4572

معذورون، ولكن هذا توقف منه في إطلاق الكفر عليهم قبل التبيين؛ فيجمع بين كلامه بأن يقال: إن مراده أننا إذا سمعنا من إنسان كلام كفر، أو وجدناه في كلام بعض الناس المنظوم، أو المنثور، أننا لا نبادر في تكفير من رأينا منه ذلك؛ أو سمعناه حتى نبين له الحجة الشرعية، وهذا مع قولنا: إن هؤلاء الغلاة الداعين للمقبورين، أو الملائكة، أو غيرهم، الراغبين إليهم في قضاء حوائجهم، مشركون كفار. وأما تبيين ما جاء به الرسول لعباد القبور، فلا يمكن اليوم، لأن هذه أمور نشأ عليها الصغير، وهرم عليها الكبير، وقوّى ذلك في نفوسهم أئمة ضلال، زينوا لهم هذا الصنيع؛ فلو يقوم إنسان بين هؤلاء الغلاة، يبين لهم ضلالهم، تبادروا إلى قتله، لأن الفتنة عظمت بسبب من ينتسب إلى علم، يزينون ذلك للناس. وولاة الأمور يبنون مشاهد الشرك، ويعمرونها، ويقفون عليها الأوقاف، فتبيين ما جاء به الرسول ﷺ لا يمكن إلا من عالم يعرفونه، أو يعظمونه، فقد يحتملون منه؛ ولكن الأمر كما ورد في الحديث: "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين " ١، وورد أن هلاك هذه الأمة، على يدي قرائها وفقهائها، والله أعلم. [من لا يعرف معنى الإيمان والكفر ولكنه يلتزم الشرائع] وسئل أيضا: عمن لا يعرف الإيمان بالله ولا معنى

стр. 4573

الكفر بالطاغوت، وهذه حالة الأكثر ممن لدينا يدعي الإسلام، ويلتزم شرائعه الظاهرة، ويزعم حب أهل الحق، وينتسب إليهم على الإجمال، وأما على التفصيل، فيبغض أهل التوحيد، ويمقتهم، ويرى منهم الخطأ في الأمور التي تخالف عادته، وما يعرفه، فيعتقد خلاف ما عرف خطأ،. لأن الذي في ذهنه أن ما عرف الناس عليه هو الدين، ولا يعرف دليلا يرد عليه، ولا يرعوي ولا يلتفت إليه، لأنه يرى الدين ما تظاهر به المنتسبون، فما حال من هذا وصفه؟ ومنهم كثير يصرحون بالبغض والعداوة لأهل الحق، ويحرصون على اتباع عوراتهم، والوقوع في عثراتهم، ونرى مثل هؤلاء الواقع منهم هذا المذكور، مع عدم معرفة أصل الإسلام كفارا، لأنهم لم يعرفوا الإسلام أولا، وثانيا عادْوا أهله وأبغضوهم، ورأوا الدين ما عليه أكثر المنتسبين، فهل رأيُنا فيهم صواب أم لا؟ وبينوا حال الصنف الأول لنا أيضا، هل يطلق عليهم الكفر أم لا؟ وفيمن يزعم أن النفاق لا يوجد في هذه الأمة، بعد زمن النبي ﷺ أو قريبا منه، ثم بعد ذلك لا يوجد إلا الإسلام المحض، ويحتج بما رواه البخاري عن عبد الله بن عقبة بن مسعود، قال سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (إن ناسا يؤاخذون في الوحي وإن

стр. 4574

الوحي قد انقطع؛ فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته من شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا، لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة) . وعن حذيفة ﵁ قال: (إنما النفاق على عهد النبي ﷺ ، فأما اليوم إنما هو الكفر والإيمان) رواه البخاري، ما الجواب عن قول حذيفة؟ وعن قول عمر؟ وما علامات النفاق، الذي يصير به الرجل في الدرك الأسفل من النار؟ فأجاب رحمه الله تعالى: حكم الصنفين المسؤول عنهما، الموصوفة حالهما، يرجع إلى شيء واحد، وهو: إن كان الرجل يقر بأن هذه الأمور الشركية التي تفعل عند القبور وغيرها، من دعاء الأموات، والغائبين، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالنذور، والذبائح أن هذا شرك وضلال، ومن أنكره هو المحق، ومن زينه ودعا إليه فهو شر من الفاعل، فهذا يحكم بإسلامه، لأن هذا معنى الكفر بالطاغوت، والكفر بما يعبد من دون الله. فإذا اعترف أن هذه الأمور وغيرها من أنواع العبادة، محض حق الله تعالى، لا تصلح لغيره، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلا عن غيرهما، فهذا حقيقة

стр. 4575

الإيمان بالله، والكفر بما يعبد من دون الله، قال النبي ﷺ : " من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله تعالى " ١.وفرض على كل أحد معرفة التوحيد، وأركان الإسلام بالدليل. ولا يجوز التقليد في ذلك، لكن العامي الذي لا يعرف الأدلة، إذا كان يعتقد وحدانية الرب سبحانه، ورسالة محمد ﷺ ، ويؤمن بالبعث بعد الموت، وبالجنة والنار، وأن هذه الأمور الشركية التي تفعل عند هذه المشاهد، باطلة وضلال، فإذا كان يعتقد ذلك اعتقادا جازما لا شك فيه، فهو مسلم وإن لم يترجم بالدليل، لأن عامة المسلمين ولو لقنوا الدليل، فإنهم لا يفهمون المعنى غالبا. ذكر النووي في شرح مسلم، في الكلام على حديث ضمام بن ثعلبة، قال: قال أبو عمرو بن الصلاح، فيه دلالة لما ذهب إليه أئمة العلماء، من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق، جزما من غير شك وتزلزل، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك لأنه ﷺ قرر ضمام على ما اعتمد عليه في معرفة رسالته، وصدقه، ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال يجب عليك النظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية، انتهى. وأما من قال: إن هذه الأمور التي تفعل عند هذه

стр. 4576

المشاهد، من دعاء غير الله، والنذر، والذبح لهم، إن هذا ليس بحرام، فإطلاق الكفر على هذا النوع لا بأس به، بل هذا كفر بلا شك، وأما من يوافق في الظاهر، على أن هذه الأمور شرك، ويبطن خلاف ذلك، فهو منافق نفاقا أكبر، فإن كان يظهر منه بغض من قام بهذه الدعوة الإسلامية عامة، فهذا دليل نفاقه. قال بعض العلماء، في قول النبي ﷺ في الأنصار: " لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق " ١، قال: فمن أبغض من قام لنصرة دين الله وسنّة نبيه ﷺ استحق هذا الوصف، وهو النفاق، وأما من يبغض بعضا دون بعض، فقد يكون ذلك لسبب غير الدين. وأما من صرح بالسب، فقد قال شيخ الإسلام تقي الدين، رحمه الله تعالى، فيمن سب أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: اختلف العلماء في حكمهم على قولين، قيل: بكفرهم، وقيل: بفسقهم; وتوقف أحمد في كفره وقتله، وقال: يعاقب ويجلد، ويحبس حتى يموت، أو يرجع عن ذلك; قال: وهذا هو المشهور من مذهب مالك، انتهى. فإذا كان هذا كلامهم في الذي يسب أصحاب النبي ﷺ ، الذين أثنى الله عليهم ورضي عنهم، فغيرهم دونهم، ولم يقل أحد من العلماء بكفر من سب غيرهم ولا قتله؛ ولهذا قال الأصحاب: من سب إماما عدلا، أو عدلا

стр. 4577

غيره عزر. وأما قول من قال: إن النفاق لا يوجد إلا في أفضل القرون، فهذا جاهل بحقيقة النفاق، ضال أو معاند فاجر، بل كافر إذا قال: إنه لا يوجد بعد ذلك إلا الإسلام المحض; وصاحب هذا القول مكذب لله ورسوله، ولجميع علماء أهل السنة والجماعة. فإنهم أجمعوا على كفر الاتحادية، الذين يقولون: الخالق هو المخلوق; وكذلك أجمعوا على تكفير الحلولية، الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان; وهاتان الطائفتان، منتشرون في أمصار المسلمين. ولما ذكر صاحب "الإقناع" حكم هاتين الطائفتين، قال شارحه: وقد عمت البلوى بهذه الفرق، فأفسدوا كثيرا من عقائد أهل التوحيد، فأخبر الشارح بكثرة هؤلاء المجمع على كفرهم. وذكرنا هاتين الطائفتين، وكذا من قذف عائشة ﵂، أو ادعى أن جبرئيل غلط ونحو ذلك، مما لا يقدر أحد على إنكاره. وأما أمر الشرك، فالكلام معهم فيه يطول، وكفى هذا فضيحة قوله: إن الكفر والنفاق يوجد في القرن الأول، ويستحيل وجوده فيما بعده، وهذا في حقيقة أمره ينكر على

стр. 4578

الفقهاء، وضعهم "باب حكم المرتد" إذا لم يكن إلا الإسلام المحض، فيلزم تخطئتهم، بأن نقول: لا كفر ولا نفاق، بعد القرون الأُوَل الأفاضل. وأما احتجاج بعضهم بقول عمر ﵁:"إن الناس كانوا يؤاخذون بالوحي على عهد رسول الله ﷺ " ... إلخ، فأي حجة له في هذا، على نفي الكفر والنفاق عن الأمة؟ وإنما هذا مثل قوله ﷺ فيمن أتى بشرائع الإسلام، حيث قال: " وحسابهم على الله تعالى " ١. ومراد عمر ﵁ أن من رأينا عمله حسنا، ولم نر منه ما يعاب، أمناه وقربناه، وحسابه في سريرته إلى الله، ومن رأينا منه ما يكرهه الله، من المعاصي، كشرب الخمر، وشهادة الزور، والكذب، والنميمة، والغيبة، وغير ذلك من الذنوب، أو إخلال في فرض، لم نأمنه ولم نقربه، وإن قال سريرته حسنة. فقوله: من أظهر لنا سوءا، أي: من اطلعنا منه على ذلك، وعلمناه، ليس مراده أنه يظهر ذلك ويجاهر به، كما يقول العلماء في الشاهد، إذا علم منه ما يقدح في شهادته ردت شهادته، وإن كان لا يظهر إلا الخير. وكذا إذا رأينا من ظاهره الخير، لكن رأيناه يألف الفسقة، أو أهل البدع والضلال، قلنا هذه خصلة سوء يتهم

стр. 4579

بها، وإن قال سريرته حسنة، نقل أبو داود، عن الإمام أحمد ﵀، في الرجل يمشي مع المبتدع، لا تكلمه; ونقل غيره إذا سلم على المبتدع فهو يحبه. وقال أحمد ﵀: إنما هجر النبي ﷺ الثلاثة، لأنه اتهمهم بالنفاق، فكذلك كل من خفنا عليه، وهذا الذي ينكر وجود النفاق، سببه: عدم معرفة الإسلام وضده; وحقيقة النفاق: إظهار الخير وإسرار ضده. فإذا كان إنسان عند أهل السنة، يظهر بطلان مذهب الاتحادية، والحلولية ونحوهم، وهو يعتقد في الباطن صحة بعض هذه المذاهب، فهو منافق نفاقا أكبر؛ وكذا إذا أظهر تضليل غلاة الرافضة، وهو في الباطن يرى رأيهم، فهو منافق؛ وكذا من اعترف بصحة هذا الأمر، الذي ندعو إليه، وهو التوحيد وإفراد الله بالعبادة، يعترف به ظاهرا، ويبطن خلافه، فهو منافق نفاقا أكبر. وأما قول حذيفة، فهو كما روي عنه من وجه آخر، أنه قال: (المنافقون على عهد رسول الله ﷺ يخفون نفاقهم، وهم اليوم يظهرونه) ، ومراد حذيفة: أنهم في زمانه تبدو منهم أمارات ظاهرة، بخلاف حالهم زمن النبوة; وقال: (إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة، على عهد رسول الله ﷺ ، يصير بها منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم، أو المجلس، عشر مرات) .

стр. 4580

"وسمع حذيفة رجلا يقول: اللهم أهلك المنافقين; فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم، من قلة السالكين". وهذا النافي للنفاق عن جميع الأمة، قائل بغير علم، كاذب، وما يدريه أنه ليس في الأمة حاضرها وباديها منافق، لأن من أظهر الإسلام وهو يشك في البعث بعد الموت، أو في رسالة محمد ﷺ فهو منافق نفاقا أكبر؛ وهل اطلع هذا المتخرص على قلوب الأمة، شرقا وغربا؟ وهل يأمن على نفسه من النفاق، بأن يزيغ قلبه إذا زاغ عن الحق؟ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ١. وقد أثنى الله سبحانه على الراسخين في العلم، بسؤالهم إياه أن لا يزيغ قلوبهم، في قولهم: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ٢؛ ومن دعاء النبي ﷺ : " يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك. فقيل له: أوتخاف عليك؟ قال: نعم، ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه " ٣. ومن دعائه ﷺ عند الانتباه من النوم: " ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني ".٤ قيل للإمام أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف

стр. 4581

النفاق على نفسه؟ فقال: ومن يأمن على نفسه النفاق؟ وروي عن الحسن: أنه: (حلف ما مضى مؤمن قط أو بقي، إلا وهو من النفاق خائف، ولا مضى منافق قط، ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن"؛ وكلام السلف في هذا كثير. ويكفي في بطلان قول هذا إثباته الكفر والنفاق، في أفضل قرون الأمة، ونفي ذلك عن القرون التي وصفها ﷺ بأنها شر إلى يوم القيامة; ويفضح شبهة هذا، وشبهة من قال إنه يستحيل وجود الكفر في أرض العرب: ما ثبت في صحيح مسلم، من حديث أنس، عن النبي ﷺ قال: "ليس من بلد إلا سيطوله الدجال إلا مكة والمدينة، وما من نقب من أنقابهما إلا وعليه الملائكة حافين تحرسهما، فينْزل السبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج الله تعالى منها كل كافر ومنافق" فأخبر ﷺ أن في المدينة إذ ذاك كفارا ومنافقين، موجودين قبل خروج الدجال، فإذا كان هذا حال المدينة، فغيرها أولى وأحرى، والله أعلم. [من كفر مسلما] وسئل: عما يروى: "من كفر مسلما فقد كفر"؟ فأجاب: لا أصل لهذا اللفظ فيما نعلم عن النبي ﷺ ، وإنما الحديث المعروف: " من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " ١، ومن كفر إنسانا أو فسقه، أو نفقه متأولا غضبًا لله تعالى، فيرجى العفو عنه، كما قال عمر رضي الله

стр. 4582

عنه، في شأن حاطب بن أبي بلتعة، أنه منافق; وكذا جرى من غيره من الصحابة وغيرهم، وأما من كفر شخصا، أو نفقه غضبا لنفسه، أو بغير تأويل، فهذا يخاف عليه. وأما من جعل سبيل الكفار أهدى من سبيل المؤمنين، فإن كان مراده حال أهل الزمان اليوم، كأن يقول: إن فعل مشركي الزمان عند القبور وغيرها، أحسن ممن لا يدعو إلا الله، ولا يدعو غيره، فهذا كافر بلا شك; وكذا قولنا: إن فعل مشركي الزمان عند القبور، من دعاء أهل القبور، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والذبح، والنذر لهم، وقولنا: إن هذا شرك أكبر، وأن من فعله فهو كافر، والذين يفعلون هذه العبادات عند القبور، كفار بلا شك. وقول الجهال: إنكم تكفرون المسلمين، فهذا ما عرف الإسلام، ولا التوحيد، والظاهر عدم صحة إسلام هذا القائل؛ فإن لم ينكر هذه الأمور، التي يفعلها المشركون اليوم، ولا يراها شيئا، فليس بمسلم. [من يرتكب شيئا من المكفرات] وسئل أيضا: عمن يرتكب شيئا من المكفرات ... إلخ؟ فأجاب: ما سألت عنه، من أنه هل يجوز تعيين إنسان بعينه بالكفر، إذا ارتكب شيئا من المكفرات، فالأمر

стр. 4583

الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع العلماء على أنه كفر، مثل الشرك بعبادة غير الله سبحانه، فمن ارتكب شيئا من هذا النوع أو جنسه، فهذا لا شك في كفره. ولا بأس بمن تحققت منه شيئا من ذلك، أن تقول: كفر فلان بهذا الفعل، يبين هذا: أن الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتد أشياء كثيرة، يصير بها المسلم كافرا، ويفتتحون هذا الباب بقولهم: من أشرك بالله كفر، وحكمه أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، والاستتابة إنما تكون مع معين. ولما قال بعض أهل البدع عند الشافعي: إن القرآن مخلوق; قال: كفرت بالله العظيم; وكلام العلماء في تكفير المعين كثير. وأعظم أنواع الكفر: الشرك بعبادة غير الله، وهو كفر بإجماع المسلمين، ولا مانع من تكفير من اتصف بذلك، كما أن من زنى قيل: فلان زان، ومن رابى: قيل: فلان مراب. وأما قولك: إذا ظهر من إنسان الكفر، وقامت عليه الحجة، وامتنع إنسان من تكفيره، فكأنك تشير إلى حال أهل هذه المشاهد، التي يقع عندها الشرك الأكبر; ومن المعلوم: أنه لا يصح إسلام إنسان، حتى يكفر بالطاغوت، وهو كل ما عبد من دون الله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ١. وفي الحديث الصحيح: " من قال لا إله

стр. 4584

إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه " ١؛ والكفر بذلك: البراءة منه، واعتقاد بطلانه. وقال أيضا الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما قول القائل: إن دعاءهم الأموات، وسؤالهم قضاء الحاجات، مجاز، والله سبحانه هو المسؤول حقيقة، فهذا حقيقة قول المشركين: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣، فهم يسألون الوسائط، زاعمين أنهم يشفعون لهم عند الله، في قضاء حوائجهم; قال شيخ الإسلام، تقي الدين، ﵀: فمن جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم، كفر إجماعا. وأما قول من يقول: إن الآيات التي نزلت بحكم المشركين الأولين، فلا تتناول من فعل فعلهم، فهذا كفر عظيم، مع أن هذا قول، ما يقوله إلا "ثور" مرتكس في الجهل، فهل يقول: إن الحدود المذكورة في القرآن والسنة، لأناس كانوا وانقرضوا؟ فلا يحد الزاني اليوم، ولا تقطع يد السارق، ونحو ذلك، مع أن هذا قول يستحيا من ذكره; أفيقول هذا: إن المخاطبين بالصلاة والزكاة، وسائر شرائع الإسلام، انقرضوا، وبطل حكم القرآن؟! وأما قول من يقول: إن النبي ﷺ أو غيره ينجي من عذاب الله، أو يغني من الله شيئا، فهذا كفر، يحكم بكفر

стр. 4585

صاحبه بعد تعريفه إن كان جاهلا؛ بل أبلغ من ذلك لو قال: إن أحدا يشفع عند الله من غير إذنه له، فهو كافر. [من فعل الشرك فهو مشرك] وسئل أيضا: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، عن قول الصنعاني: إنه لا ينفع قول من فعل الشرك: أنا لا أشرك بالله ... إلخ؟ فأجاب، يعني: أنه إذا فعل الشرك فهو مشرك، وإن سماه بغير اسمه، ونفاه عن نفسه. وقوله: وقد صرح الفقهاء في كتبهم، بأن من تكلم بكلمة الكفر، يكفر، إن لم يقصد معناها، فمرادهم بذلك: أن من يتكلم بكلام كفر، مازحا أو هازلا، وهو عبارة كثير منهم، في قولهم: من أتى بقول، أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين، وإن كان مازحا، لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١. وأما من تكلم بكلمة كفر، لا يعلم أنها كفر، فعرِّف بذلك فرجع، فإنه لا يحكم بكفره، كالذين قالوا: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط; وقوله: فصاروا كفارا، كفرا أصليا، يعني: أنهم نشؤوا على ذلك، فليس حكمهم كالمرتدين الذين كانوا مسلمين، ثم صدرت منهم هذه

стр. 4586

الأمور الشركية. [الإكراه على فعل مكفر] وسئل: عن الإكراه على فعل مكفر ... إلخ؟ فأجاب: الظاهر من كلام الفقهاء أنه في حكم المرتد، حيث قالوا: إنه يكفر بعد إسلامه، بقول، أو فعل، أو شك، أو اعتقاد; واشترطوا كونه طوعا، ولم يقيدوه بالقول; قال ابن رجب، في شرح الأربعين: ولو أكره على شرب الخمر، أو غيره من الأفعال المحرمة، ففي إباحته بالإكراه قولان، إلى أن قال: والقول الثاني: أن التقية بالأقوال، ولا تقية بالأفعال، روي ذلك عن ابن عباس، وجماعة من التابعين، ذكرهم، وهو رواية عن أحمد، إلى أن قال: وما روي عن النبي ﷺ أنه أوصى طائفة من أصحابه، وقال: " لا تشركوا بالله، وإن قطعتم، أو حرقتم "، فالمراد: الشرك بالقلوب؛ فظاهر كلامه: أن الإكراه في الفعل، كالقول، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ ١،والله أعلم. [الصلاة خلف الجهمية] وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهما الله، عما أورده بعض الملحدين: أنه نسب عن شيخ الإسلام أنه ذكر عن الإمام أحمد: أنه كان يصلي خلف الجهمية ... إلخ؟

стр. 4587

فأجاب: هذا لو سلم، من أوضح الواضحات عند طلبة العلم، وأهل الأثر; وذلك: أن الإمام أحمد وأمثاله من أهل العلم والحديث، لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة؛ وقد ذكر من صنف في السنة تكفيرهم عن عامة أهل العلم والأثر، وعد اللالكائي ﵀ منهم عددا، يتعذر ذكرهم في هذه الرسالة. وكذا عبد الله بن الإمام أحمد، في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وابن أبي مليكة في كتاب السنة؛ وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم، ونقله عن أساطين الأئمة، وقد حكى كفرهم شمس الدين ابن القيم في كافيته، عن خمسمائة من أئمة المسلمين وعلمائهم، والصلاة خلفهم لا سيما صلاة الجمعة، لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة خلف غيرهم؛ والرواية المشهورة عن الإمام أحمد، هي المنع من الصلاة خلفهم. وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، وبين من لا شعور له بذلك؛ وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس. على هذا القول: فالجهمية في هذه الأزمنة، قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل، وعرفوا ما عليه أهل السنة، واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهورا ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد.

стр. 4588

كيف: لا؟ وقولهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات، والكفر بما اتفقت عليه الرسالة والنبوات، وشهدت به الفطر السليمات، ما لا يبقى معه حقيقة للربوبية والإلهية، ولا وجود للذات المقدسة، المتصفة بجميل الصفات؛ وهم إنما يعبدون عدما لا حقيقة لوجوده، ويعتمدون من الخيالات والشبه، ما يعلم فساده بضرورة العقل، وبالضرورة من دين الإسلام، عند من عرفه وعرف ما جاءت به الرسل من الإثبات. ولبشر المريسي وأمثاله، من الشبه والكلام في نفي الصفات، ما هو من جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كل أمة أخف إلحادا من بعض هؤلاء الضلال، ومع ذلك، فأهل العلم متفقون على تكفيره، وأن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره. وقد صرح الإمام أحمد، فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره، أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها؛ وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين، إذا كانت لهم شوكة ودولة؛ والنصوص في ذلك معروفة مشهورة، نحيل طالب العلم على أماكنها ومظانها. وبهذا ظهر الجواب عن السؤال، والله أعلم. [تكفير من ظاهره الإسلام] وسئل أيضا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، عن

стр. 4589

تكفير من أحب انتصار آل شامر على المسلمين وفرح بقتلهم، هل له مستند؟ فأجاب: لا أعلم مستندا لهذا القول، والتجاسر على تكفير من ظاهره الإسلام، من غير مستند شرعي ولا برهان مرضي، يخالف ما عليه أئمة العلم من أهل السنة والجماعة; وهذه الطريقة، هي طريقة أهل البدع والضلال، ومن عُدم الخشية والتقوى، فيما يصدر عنه من الأقوال والأفعال. والفرح بمثال هذه القضية، قد يكون له أسباب متعددة، لا سيما وقد كثر الهرج، وخاضت الأمة في الأموال والدماء، واشتد الكرب والبلاء، وخفي الحق والهدى، وفشا الجهل والهوى، وكثر الخوض والردى، وغلب الطغيان والعمى، وقل التمسك بالكتاب والسنة، بل قل من يعرفهما، ويدري حدود ما أنزل الله من الأحكام الشرعية، كالإسلام والإيمان، والكفر والشرك، والنفاق، ونحوها. وقد جاء في الحديث: " من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " ١؛ فإطلاق القول بالتكفير والحالة هذه، دليل على جهل المكفر وعدم علمه بمدارك الأحكام وتأول أهل العلم ما ورد، من إطلاق الكفر على بعض المعاصي، كما في حديث: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " ٢،وحديث:

стр. 4590

" لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ١، وحديث " لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم " ٢، فهذا ونحوه تأولوه على أنه كفر عملي، ليس كالكفر الاعتقادي الذي ينقل عن الملة، كما جزم به العلامة ابن القيم وغيره من المحققين، هذا مع أنه باشره عمل وفرح، وأطلق عليه الشارع هذا الوصف، فكيف بمجرد الفرح؟ وذكر عن الإمام أحمد أنه قال: أمروا هذه النصوص كما جاءت، ولا تعرضوا لتفسيرها. وقد ذكر شيخ الإسلام في "الفتاوى المصرية" أن السلف متفقون على عدم تكفير البغاة، فكيف بمجرد الفرح؛ وقد قابل هذا الصنف من الإخوان، قوم كفروا أهل العارض أو جمهورهم في هذه الفتنة، واشتهر عن بعضهم أنه تلا عند سماع وقعة آل شامر، قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ ٣. وعللوا بأشياء متعددة، من فرح ومكاتبة وموالاة، وغير ذلك، والفريقان ليس لهم لسان صدق، ولا هدى ولا كتاب منير. قال شيخ الإسلام، ﵀: لا بد للمتكلم في هذه المباحث ونحوها، أن يكون معه أصول كلية يرد إليها الجزئيات، ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل
следующие страницы →