الأمور الشركية.
[الإكراه على فعل مكفر]
وسئل: عن الإكراه على فعل مكفر ... إلخ؟
فأجاب: الظاهر من كلام الفقهاء أنه في حكم المرتد، حيث قالوا: إنه يكفر بعد إسلامه، بقول، أو فعل، أو شك، أو اعتقاد; واشترطوا كونه طوعا، ولم يقيدوه بالقول; قال ابن رجب، في شرح الأربعين: ولو أكره على شرب الخمر، أو غيره من الأفعال المحرمة، ففي إباحته بالإكراه قولان، إلى أن قال:
والقول الثاني: أن التقية بالأقوال، ولا تقية بالأفعال، روي ذلك عن ابن عباس، وجماعة من التابعين، ذكرهم، وهو رواية عن أحمد، إلى أن قال: وما روي عن النبي ﷺ أنه أوصى طائفة من أصحابه، وقال: " لا تشركوا بالله، وإن قطعتم، أو حرقتم "، فالمراد: الشرك بالقلوب؛ فظاهر كلامه: أن الإكراه في الفعل، كالقول، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ ١،والله أعلم.
[الصلاة خلف الجهمية]
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهما الله، عما أورده بعض الملحدين: أنه نسب عن شيخ الإسلام أنه ذكر عن الإمام أحمد: أنه كان يصلي خلف الجهمية ... إلخ؟
стр. 4587
فأجاب: هذا لو سلم، من أوضح الواضحات عند طلبة العلم، وأهل الأثر; وذلك: أن الإمام أحمد وأمثاله من أهل العلم والحديث، لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة؛ وقد ذكر من صنف في السنة تكفيرهم عن عامة أهل العلم والأثر، وعد اللالكائي ﵀ منهم عددا، يتعذر ذكرهم في هذه الرسالة. وكذا عبد الله بن الإمام أحمد، في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وابن أبي مليكة في كتاب السنة؛ وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم، ونقله عن أساطين الأئمة، وقد حكى كفرهم شمس الدين ابن القيم في كافيته، عن خمسمائة من أئمة المسلمين وعلمائهم، والصلاة خلفهم لا سيما صلاة الجمعة، لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة خلف غيرهم؛ والرواية المشهورة عن الإمام أحمد، هي المنع من الصلاة خلفهم.
وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، وبين من لا شعور له بذلك؛ وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس. على هذا القول: فالجهمية في هذه الأزمنة، قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل، وعرفوا ما عليه أهل السنة، واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهورا ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد.
стр. 4588
كيف: لا؟ وقولهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات، والكفر بما اتفقت عليه الرسالة والنبوات، وشهدت به الفطر السليمات، ما لا يبقى معه حقيقة للربوبية والإلهية، ولا وجود للذات المقدسة، المتصفة بجميل الصفات؛ وهم إنما يعبدون عدما لا حقيقة لوجوده، ويعتمدون من الخيالات والشبه، ما يعلم فساده بضرورة العقل، وبالضرورة من دين الإسلام، عند من عرفه وعرف ما جاءت به الرسل من الإثبات.
ولبشر المريسي وأمثاله، من الشبه والكلام في نفي الصفات، ما هو من جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كل أمة أخف إلحادا من بعض هؤلاء الضلال، ومع ذلك، فأهل العلم متفقون على تكفيره، وأن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره.
وقد صرح الإمام أحمد، فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره، أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها؛ وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين، إذا كانت لهم شوكة ودولة؛ والنصوص في ذلك معروفة مشهورة، نحيل طالب العلم على أماكنها ومظانها. وبهذا ظهر الجواب عن السؤال، والله أعلم.
[تكفير من ظاهره الإسلام]
وسئل أيضا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، عن
стр. 4589
تكفير من أحب انتصار آل شامر على المسلمين وفرح بقتلهم، هل له مستند؟
فأجاب: لا أعلم مستندا لهذا القول، والتجاسر على تكفير من ظاهره الإسلام، من غير مستند شرعي ولا برهان مرضي، يخالف ما عليه أئمة العلم من أهل السنة والجماعة; وهذه الطريقة، هي طريقة أهل البدع والضلال، ومن عُدم الخشية والتقوى، فيما يصدر عنه من الأقوال والأفعال.
والفرح بمثال هذه القضية، قد يكون له أسباب متعددة، لا سيما وقد كثر الهرج، وخاضت الأمة في الأموال والدماء، واشتد الكرب والبلاء، وخفي الحق والهدى، وفشا الجهل والهوى، وكثر الخوض والردى، وغلب الطغيان والعمى، وقل التمسك بالكتاب والسنة، بل قل من يعرفهما، ويدري حدود ما أنزل الله من الأحكام الشرعية، كالإسلام والإيمان، والكفر والشرك، والنفاق، ونحوها.
وقد جاء في الحديث: " من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " ١؛ فإطلاق القول بالتكفير والحالة هذه، دليل على جهل المكفر وعدم علمه بمدارك الأحكام وتأول أهل العلم ما ورد، من إطلاق الكفر على بعض المعاصي، كما في حديث: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " ٢،وحديث:
стр. 4590
" لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ١، وحديث " لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم " ٢، فهذا ونحوه تأولوه على أنه كفر عملي، ليس كالكفر الاعتقادي الذي ينقل عن الملة، كما جزم به العلامة ابن القيم وغيره من المحققين، هذا مع أنه باشره عمل وفرح، وأطلق عليه الشارع هذا الوصف، فكيف بمجرد الفرح؟ وذكر عن الإمام أحمد أنه قال: أمروا هذه النصوص كما جاءت، ولا تعرضوا لتفسيرها.
وقد ذكر شيخ الإسلام في "الفتاوى المصرية" أن السلف متفقون على عدم تكفير البغاة، فكيف بمجرد الفرح؛ وقد قابل هذا الصنف من الإخوان، قوم كفروا أهل العارض أو جمهورهم في هذه الفتنة، واشتهر عن بعضهم أنه تلا عند سماع وقعة آل شامر، قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ ٣.
وعللوا بأشياء متعددة، من فرح ومكاتبة وموالاة، وغير ذلك، والفريقان ليس لهم لسان صدق، ولا هدى ولا كتاب منير. قال شيخ الإسلام، ﵀: لا بد للمتكلم في هذه المباحث ونحوها، أن يكون معه أصول كلية يرد إليها الجزئيات، ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل
стр. 4591
وظلم في الكليات؛ وأطال الكلام على الفرق بين المتأول والمتعمد، ومن قامت عليه الحجة وزالت عنه الشبهة، والمخطئ الذي التبس عليه الأمر، وخفي عليه الحكم. وقرر مذهب علي بن أبي طالب، في عدم تكفير الخوارج المقاتلين له، المكفرين له ولعثمان، ولمن والاهما ﵄; ونقل قول علي لما سئل عن الخوارج: أكفار هم؟ قال: (من الكفر فروا) ، وقوله: (إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجد الله، وأن لا نقاتلكم حتى تبدؤونا بالقتال، وأن لا نمنعكم حقا هو لكم في مال الله) ; ومع هذا هم مصرحون بتكفيره، مقاتلون له، مستحلون لدمه؛ فكيف بالفرح وقد ذكر في الزواجر: أن الفرح بمثل هذه المعاصي من المحرمات، ولم يقل إنه كفر.
ثم اعلم: أن الفتنة في هذا الزمان، بالبادية والبغاة، وبالعساكر الطغاة، فتنة عمياء صماء، عم شرها وطار شررها، ووصل لهيبها إلى العذارى في خدورهن، والعواتق وسط بيوتهن، ولم يتخلص منها إلا من سبقت له من الله الحسنى، وكان له نصيب وافر من نور الوحي، والنور الأول يوم خلق الله الخلق في ظلمة، وألقى عليهم من نوره; وما أعز من يعرف هذا الصنف؛ بل ما أعز من لا يعاديهم ويرميهم بالعظائم!
وأكثر الناس، كما وصفهم أمير المؤمنين علي
стр. 4592
رضي الله عنه،
فيما رواه عنه كميل بن زياد، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق؛ ومجرد الانتساب إلى الإيمان والإخوان، والتزيي بزي أهل العلم والإيمان، مع فقد الحقيقة لا يجدي.
والناس مشتبهون في إيرادهم وتفاضل الأقوام في الإصدار
[التحاكم إلى الأعراف والعادات]
وسئل أيضا، الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن، عما يحكم به أهل السوالف من البوادي وغيرهم من عادات الآباء والأجداد، هل يطلق عليهم بذلك الكفر بعد التعريف ... إلخ؟
فأجاب: من تحاكم إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ بعد التعريف، فهو كافر، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ ٢ الآية،
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ٣ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤ الآية؛ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
[من يقول في الرياح: هذه هبوب الثريا]
وسئل: عمن إذا أكلته يده، أو شهق، أنه يأكل كذا
стр. 4593
أو كذا، أو إذا أكله عقب قدمه، قال إنه يحكى فيه، هل هذا شرك أو لا؟
فأجاب: الاستدلال بأكل اليد، والشهيق، وأكلة العقب، على ما ذكر: جهل وضلال، من أوضاع الجهلة الضالين؛ وبعض الرافضة، يزعم أن اختلاج الأعضاء يدل على الحوادث، وينسبونه إلى جعفر الباقر، وقد ذكر أهل العلم: أنه كذب على جعفر، وأنه من أوضاع الرافضة المشركين، الغالين في أهل البيت، سلام الله على أهل بيت رسوله.
وأما مسألة من يقول في الرياح: هذه هبوب الثريا، هذه هبوب التويبع، هذه هبوب الجوزاء، فهذا لا يجوز؛ شدد في المنع منه مالك وغيره، ولا يجوز إضافة هذه الأشياء إلى النجوم، قال قتادة: (خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها) فمن تأول فيها غير ذلك، فقد أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، والله أعلم.
[الاستهزاء بالدين]
وسئل الشيخ حمد بن عتيق، عن معنى قول الفقهاء: ومن قال: يا فقيِّه، بالتصغير، يكفر; ما المعني بالاستهزاء؟ هل هو بالشخص نفسه؟ أو بما معه من العلم؟ وهل هذا كفر ينقل من الملة؟
стр. 4594
فأجاب: كان عليك أن تذكر من قال ذلك من الفقهاء؛ واعلم أن العلماء قد أجمعوا على أن من استهزأ بالله أو رسوله، أو كتابه، أو دينه، فهو كافر; وكذا إذا أتى بقول، أو فعل صريح في الاستهزاء، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١، وسبب النُزول مشهور.
وأما قول القائل: "فقيِّه" أو "عُوَيْلِم" أو "مطَيْوِيع" ونحو ذلك، فإذا كان قصد القائل الهزل، أو الاستهزاء بالفقه، أو العلم، أو الطاعة، فهذا كفر أيضا، ينقل عن الملة، فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدا.
وأما قولك: هل هو استهزاء بالشخص نفسه؟ أو بما معه من العلم؟ فإن كنت تسأل عن مراد القائل، فعجب منك; وإن كان السؤال عن علة الحكم، فإنا نقول: ظاهر هذا القول أن مراد قائله الفقه، أو العلم، أو الطاعة، فيحكم عليه به، ولأنه يمكنه الاستهزاء بالشخص، بدون هذه العبارات، فلما عدل إليها عما هو دونها، أعطيناه حكمها؛ لكن الله يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات.
стр. 4595
[من لم يكفر الذين يحكمون بغير ما أنزل الله]
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، عمن لم يكفر الدولة، ومن جرهم على المسلمين، واختار ولايتهم وأنه يلزمهم الجهاد معه; والآخر لا يرى ذلك كله، بل الدولة ومن جرهم بغاة، ولا يحل منهم إلا ما يحل من البغاة، وأن ما يغنم من الأعراب حرام؟
فأجاب: من لم يعرف كفر الدولة، ولم يفرق بينهم وبين البغاة من المسلمين، لم يعرف معنى لا إله إلا الله،؛ فإن اعتقد مع ذلك: أن الدولة مسلمون، فهو أشد وأعظم، وهذا هو الشك في كفر من كفر بالله، وأشرك به; ومن جرهم وأعانهم على المسلمين، بأي إعانة، فهي ردة صريحة.
ومن لم ير الجهاد مع أئمة المسلمين، سواء كانوا أبرارا أو فجارا، فهو لم يعرف العقائد الإسلامية، إذا استقام الجهاد مع ذوي الإسلام، فلا يبطله عدل عادل ولا جور جائر؛ والمتكلم في هذه المباحث، إما جاهل فيجب تعليمه، أو خبيث اعتقاد، فتجب منافرته ومباعدته.
[الكلام على الجهمية]
وسئل أيضا، الشيخ عبد الله، والشيخ إبراهيم ابنا الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان رحمهم الله تعالى، عن الجهمية؟
فأجابوا: أما الجهمية، فالمشهور من مذهب أحمد،
стр. 4596
وعامة علماء السنة ﵏، تكفيرهم، لأن قولهم صريح في مناقضة ما جاء به الرسل، وأنزلت به الكتب، وحقيقة قولهم: جحود الصانع، وجحود ما أخبر به عن نفسه، بل وجميع الرسل; ولهذا قال الإمام: عبد الله بن المبارك: (إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية) .
وبهذا كفروا من يقول: القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، وإن الله ليس على العرش، وإنه ليس له علم ولا قدرة، ولا رحمة، ولا غضب، ولا غير ذلك من صفاته; وهم عند كثير من السلف مثل ابن المبارك، ويوسف ابن أسباط، وطائفة من أصحاب أحمد، ليسوا من الثلاث والسبعين فرقة.
وقد بينا لك فيما مضى: أن الإمام أحمد، وأمثاله من أهل العلم والحديث، لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة مرتدون; وقد ذكر من صنف في السنة: تكفيرهم عن عامة أهل العلم والأثر، كاللالكائي، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة له، وابن أبي ملكية، والخلال في السنة له، وإمام الأئمة ابن خزيمة، قد قرر كفرهم ونقله عن أساطين الأئمة.
وقد حكى كفرهم شمس الدين ابن القيم في كافيته، عن خمسمائة من أئمة المسلمين وعلمائهم، فكيف إذا
стр. 4597
انضاف إلى ذلك كونهم من عباد القبور، وعلى طريقتهم؟ فلا إشكال - والحالة هذه - في كفرهم وضلالهم.
وأما إباضية أهل هذا الزمان، فحقيقة مذهبهم وطريقتهم: جهمية، قبوريون، وإنما ينتسبون إلى الإباضية انتسابا، فلا يشك في كفرهم وضلالهم، إلا من غلب عليه الهوى، وأعمى الله عين بصيرته؛ فمن تولاهم فهو عاص ظالم، يجب هجره ومباعدته، والتحذير منه، حتى يعلن بالتوبة، كما أعلن بالظلم والمعصية.
وما ذكر في السؤال: عمن لا يرى كفر الجهمية، وإباضية أهل هذا الزمان، ويزعم: أن جهاد أهل الإسلام لهم سابقا غلو، وهو لأجل المال كاللصوص، فهذا لم يعرف حقيقة الإسلام، ولا شم رائحته، وإن انتسب إليه وزعم أنه من أهله. ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ١، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٢.
وأما ما ذكرته: من استدلال المخالف، بقوله ﷺ : "من صلى صلاتنا " ٣ وأشباه هذه الأحاديث، فهذا استدلال جاهل بنصوص الكتاب والسنة، لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، فإن هذا فرضه ومحله في أهل الأهواء، من هذه الأمة؛ ومن لا تخرجه بدعته من الإسلام، كالخوارج ونحوهم، فهؤلاء لا يكفرون،
стр. 4598
لأن أصل الإيمان الثابت، لا يحكم بزواله إلا بحصول مناف لحقيقته، مناقض لأصله; والعمدة: استصحاب الأصل وجودا وعدما، لكنهم يبدعون ويضللون، ويجب هجرهم وتضليلهم، والتحذير عن مجالستهم ومجامعتهم، كما هو طريقة السلف في هذا الصنف.
وأما الجهمية وعباد القبور، فلا يستدل بمثل هذه النصوص على عدم تكفيرهم، إلا من لم يعرف حقيقة الإسلام، وما بعث الله به الرسل الكرام، لأن حقيقة ما جاؤوا به ودعوا إليه، وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص العمل له، وأن لا يشرك في واجب حقه أحد من خلقه، وأن يوصف بما وصف به نفسه، من صفات الكمال ونعوت الجلال.
فمن خالف ما جاؤوا به، ونفاه وأبطله، فهو كافر ضال، وإن قال لا إله إلا الله، وزعم أنه مسلم، لأن ما قام به من الشرك، يناقض ما تكلم به من كلمة التوحيد؛ فلا ينفعه التلفظ بقول لا إله إلا الله، لأنه تكلم بما لم يعمل به، ولم يعتقد ما دل عليه.
وأما قوله: نقول بأن القول كفر، ولا نحكم بكفر القائل; فإطلاق هذا جهل صرف، لأن هذه العبارة لا تنطبق إلا على المعين، ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة، إذا
стр. 4599
قال قولا يكون القول به كفرا، فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعين، إذا قال ذلك لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.
وهذا في المسائل الخفية، التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء، فإن بعض أقوالهم تتضمن أمورا كفرية، من رد أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفرا، ولا يحكم على قائله بالكفر، لاحتمال وجود مانع كالجهل، وعدم العلم بنقض النص، أو بدلالته، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها؛ ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه في كثير من كتبه.
وذكر أيضا تكفير أناس من أعيان المتكلمين، بعد أن قرر هذه المسألة، قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية، فقد يقال بعدم التكفير; وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة، فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة، تدفع بها في نحر من كفر البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات، بعد بلوغ الحجة ووضوح المحجة.
وأما قوله: وهؤلاء ما فهموا الحجة; فهذا مما يدل على جهله، وأنه لم يفرق بين فهم الحجة، وبلوغ الحجة، ففهمها نوع وبلوغها نوع آخر؛ فقد تقوم الحجة على من لم
стр. 4600
يفهمها; وقد قال شيخنا، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀ في كلام له -: فإن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسائل خفية، مثل مسألة الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف.
وأما أصول الدين التي وضحها الله، وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة; ولكن أصل الإشكال: أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وفهم الحجة؛ فإن الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ ٢. فقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمها نوع آخر، وكفرهم الله ببلوغها إياهم، مع كونهم لم يفهموها، إلى آخر كلامه ﵀.
وأما قوله - عن الشيخ محمد، ﵀: إنه لا يكفر من كان على قبة الكواز، ونحوه، ولا يكفر الوثني حتى يدعوه، وتبلغه الحجة، فيقال: نعم; فإن الشيخ محمدا ﵀، لم يكفر الناس ابتداء، إلا بعد قيام الحجة والدعوة، لأنهم إذ ذاك في زمن فترة، وعدم علم
стр. 4601
بآثار الرسالة، ولذلك قال: لجهلهم وعدم من ينبههم، فأما إذا قامت الحجة، فلا مانع من تكفيرهم وإن لم يفهموها.
وفي هذه الأزمان، خصوصا في جهتكم، قد قامت الحجة على من هناك، واتضحت لهم المحجة، ولم يزل في تلك البلاد من يدعو إلى توحيد الله، ويقرره، ويناضل عنه، ويقرر مذهب السلف، وما دلت عليه النصوص من الصفات العلية، والأسماء القدسية، ويرد ما يشبه به بعض أتباع الجهمية، ومن على طريقتهم، حتى صار الأمر في هذه المسائل،؛ في تلك البلاد، أظهر منه في غيرها، ولا تخفى النصوص والأدلة، حتى على العوام؛ فلا إشكال - والحالة هذه - في قيام الحجة وبلوغها، على من في جهتكم من المبتدعة، والزنادقة الضلال.
ولا يجادل في هذه المسألة، ويشبه بها، إلا من غلب جانب الهوى، ومال إلى المطامع الدنيوية، واشترى بآيات الله ثمنا قليلا، والله أعلم. وأما قوله: وتجوز حماية الكفار، أو نائبهم، وأخذ علم منهم، لسلامة المال، والسفينة، وأن هذا بمنْزلة الخفير، الذي هو الرفيق، فالجواب، أن يقال: هذا قياس باطل، فإن أخذ
стр. 4602
الخفير لسلامة المال، جائز إذا ألجأ الحال إليه، والخفير مسلم ظالم، أو فاجر فاسق؛ وأما الدخول تحت حماية الكفار، فهي ردة عن الإسلام؛ وأخذ العلم منهم لا يجوز، إذا كانوا لم يدخلوا تحت حمايتهم، وولايتهم، وليس بمنْزلة أخذ الخفير لحماية المال، فإن هذا علم وعلامة على أنهم منقادون لأمرهم، داخلون في حمايتهم، وذلك موافقة لهم في الظاهر.
وأجابوا أيضا: لا تصح إمامة من لا يكفر الجهمية، والقبوريين، أو يشك في تكفيرهم؛ وهذه المسألة من أوضح الواضحات عند طلبة العلم وأهل الأثر، وذلك أن الإمام أحمد وأمثاله من أهل العلم والحديث، لم يختلفوا في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة. وقد ذكر من صنف في السنة تكفيرهم، عن عامة أهل العلم والأثر؛ وعد اللالكائي منهم عددا يتعذر ذكرهم في هذه الفتوى، وكذا عبد الله بن الإمام أحمد، في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم، ونقله عن أساطين الأئمة.
وقد حكى كفرهم ابن القيم في كافيته، عن خمسمائة من أئمة المسلمين وعلمائهم؛ وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة، التي يكفر تاركها، وبين من لا شعور له بذلك، وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام، في المسائل التي قد
стр. 4603
يخفى دليلها على بعض الناس.
وعلى هذا القول: فالجهمية في هذه الأزمنة، قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل، وعرفوا ما عليه أهل السنة والجماعة، واشتهرت التفاسير والأحاديث النبوية، وظهرت ظهورا ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذه هي حقيقة الكفر والإلحاد، كيف: لا؟ وقولهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات، والكفر بما اتفقت عليه الرسالة والنبوات، وشهدت به الفطر السليمات، مما لا يبقى معه حقيقة للربوبية والإلهية، ولا وجود للذات المقدسة، المتصفة بجميل الصفات، وهم إنما يعبدون عدما، لا حقيقة لوجوده، ويعتمدون على الخيالات والشبه، ما يعلم فساده بضرورة العقل، وبالضرورة من حقيقة دين الإسلام، عند من عرفه، وعرف ما جاءت به الرسل.
ولبشر المريسي وأمثاله، من الشبه والكلام في نفي الصفات، ما هو من جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحادا من بعض قول هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره؛ وكذلك القبوريون لا يشك في كفرهم، من شم رائحة الإيمان.
وقد ذكر شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم، في غير موضع: أن نفي التكفير بالمكفرات، قوليها وفعليها، فيما
стр. 4604
يخفى دليله، ولم تقم الحجة على فاعله، وأن النفي يراد به نفي تكفير الفاعل وعقابه، قبل قيام الحجة عليه، وأن نفي التكفير مخصوص بمسائل النِّزاع بين الأئمة.
دعاء الصالحين، والاستغاثة بهم، وقصدهم في الملمات والشدائد، فهذا لا ينازع مسلم في تحريمه، والحكم بأنه من الشرك الأكبر؛ فليس في تكفيرهم، وتكفير الجهمية قولان.
وأما الإباضية في هذه الأزمنة، فليسوا كفرقة من أسلافهم، والذي يبلغنا أنهم على دين عباد القبور، وانتحلوا أمورا كفرية، لا يتسع ذكرها هنا؛ ومن كان بهذه المثابة فلا شك في كفره، فلا يقول بإسلامهم إلا مصاب في عقله ودينه.
[جواب الشيخ محمد بن عبد اللطيف فيما يفعل عند القبور]
وقال الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف، وفقه الله تعالى ١:
بسم الله الرحمن الر حيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين
стр. 4605
والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاتم النبيين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فقد رفع إلينا ونحن بمكة المشرفة، في المحرم سنة ١٣٥٨ هـ، أسئلة من رجل من أهل حضرموت، يطلب الجواب عنها، فرأيت الجواب متعينا، فقلت مستعينا بالله معتمدا عليه:
المسألة الأولى: وهي قوله: ما قولكم في مواسم وأعياد تقام في بلادنا الحضرمية، كأعياد الجاهلية الأولى، على بعض الأضرحة في مختلف الأقطار، لمن يدعون لهم الولاية، ويفدون من كل فج عميق، رجالا وركبانا، وتضرب إليها أكباد الإبل، وتقام عندها الحضرات، والموالد والاحتفالات العظيمة، حول تلك القباب الهائعة، والتوابيت الكبيرة، فمن مقبل وملتثم وباك، ومتمسح بالأركان، وآخذ من ذياك التراب، يذره على رأسه للتبرك، والإكثار من الخير، وتشاع فيها الفواحش، والمنكرات ... إلى آخر السؤال؟
الجواب: وبالله التوفيق: اعلم أن هذه الأفعال هي من دين الجاهلية التي بعث رسول الله ﷺ بإنكارها وإزالتها،
стр. 4606
ومحو آثارها، لأنها من الشرك الأكبر، الذي دلت الآيات المحكمات على تحريمه؛ وهذه الأعياد تشبه أعياد الجاهلية، فمن اعتقد جوازه وحله، وأنه عبادة ودين، فهو من أكفر خلق الله وأضلهم، ومن شك في كفرهم بعد قيام الحجة عليهم فهو كافر.
والآيات والأحاديث الدالة على منع ذلك، أكثر من أن تحصر، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ٥ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ
стр. 4607
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١ الآية،
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ ٣ الآية،
وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٦.
فدلت هذه الآيات على أن الدعاء عبادة، فمن صرف شيئا من هذه العبادة لغير الله، سواء كان ملكا، أو نبيا، أو وليا، أو جنيا، أو إنسيا، أو حجرا، أو شجرا،
стр. 4608
فهو مشرك كافر.
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى?وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ١ الآية؛ فهذه الأشجار والأحجار، كانت تعظمها أهل الجاهلية، وينحرون لها، ويعتقدون أنها تقبل النذر، أي: تقبل العبادة.
ولما " خرج النبي ﷺ من مكة، عام الفتح، قاصدا حنينا، مر بشجرة يقال لها "ذات أنواط"، فقالوا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ . لتركبن سنن من كان قبلكم) ٢") أخرجه الترمذي، عن أبي واقد الليثي.
فشبه المقالة بالمقالة، لأن قولهم اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، أي: اجعل لنا إلها، كما لهم آلهة; فهذه الأضرحة، وهذه الأماكن، هي من مواسم الشرك؛ فالنذر لها، وتقبيلها، واستلامها، هو الشرك الأكبر، الذي نزلت الكتب، وأرسلت الرسل بتحريمه، وقتال من دان به، واستحلال دمه وماله.
المسألة الثانية: فيمن خصص بعض المواضع، كبعض
стр. 4609
الأحجار التي يعتقدون فيها، أن من وقف بها نهار تاسع ذي الحجة، كأنما وقف بعرفة، وبذلك يسقط عنه فرض الحج، فهل يكفر معتقد ذلك، أم لا يكفر إلا بعد التعريف، والإصرار على ذلك؟
الجواب: إن هذه المسألة كالتي قبلها، لأن من خصص بعض المواضع بعبادة، أو اعتقد أن من وقف عندها سقط عنه الحج، كفره لا يستريب فيه من شم رائحة الإسلام؛ ومن شك في كفره، فلا بد من إقامة الحجة عليه، وبيان أن هذا كفر وشرك، وأن اتخاذ هذه الأحجار مضاهاة لشعائر الله، التي جعل الله الوقوف بها عبادة لله، فإذا أقيمت الحجة عليه، وأصر فلا شك في كفره.
المسألة الثالثة: فيمن يأتي قبر نبي الله هود ﵇، في كل حول للزيارة والتبرك به، والاغتسال في موضع تجتمع فيه المياه هنالك، المنحدرة من رؤوس الشعاب، وبطون الأودية، ويعتقدون أن الذي يتمكن من الغسل فيه، يكون مغفورا له من جميع الذنوب.
وهنالك بئر يذهبون إليها، ويقولون بزعمهم إنها "البئر المعطلة" التي ذكرت في سورة الحج، وينادي أكبرهم، فيقول: السلام عليك يا نبي الله آدم، ويعدد الأنبياء ﵈ إلى آخرهم، والذين في معيته يؤمّنون على دعائه، ويعتقدون أن أرواح الأنبياء، موجودة في هذه
стр. 4610
البئر؟
الجواب: إنه لا يعلم على وجه الأرض قبر معروف، من قبور الأنبياء، لا هود ولا غيره، ومن زعم ذلك فهو مفتر ضال، ولا يعرف إلا قبر محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهذه المغارات، والقبور التي تنسب إلى الأنبياء، كلها كذب وافتراء، والماء الذي يزعمون حول قبر هود، وأن من اغتسل منه فهو مغفور له، من أعظم الكذب والزور الذي يروجون به على خفافيش البصائر.
وأما "البئر المعطلة" فالله سبحانه أخبر أنها هي والقصر المشيد آثار من مضى، ذكرها الله للاعتبار، وأن الله أفناهم، وأبقى آثارهم عبرة؛ وأما معنى الآية، فقال البغوي ﵀ في تفسيره: قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ ١ يعني: من بئر معطلة متروكة، مخلاة عن أهلها، وقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ٢: قال قتادة والضحاك ومقاتل: رفيع طويل، من قولهم: شاد بناءه إذا رفعه; وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء: مجصص من الشيد، وهو الجص.
وقيل: إن البئر المعطلة والقصر المشيد باليمن؛ أما القصر فعلى قمة جبل، والبئر في سفحه، ولكل واحد منهما قوم كانوا في نعمة، فكفروا فأهلكهم الله، فبقي البئر والقصر خاليين.
стр. 4611
وروى أبو روق عن الضحاك: أن هذه البئر كانت بحضرموت، في بلد يقال لها "حاصوراء"، وذلك أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح نجوا من العذاب، أتوا حضرموت ومعهم صالح، فلما حضروه مات صالح، فسمي حضرموت، لأن صالحا لما حضره مات.
فبنوا حاصوراء، وقعدوا على هذه، وأمَّرُوا عليهم رجلا، فأقاموا دهرا، وتناسلوا حتى كثروا. ثم إنهم عبدوا الأصنام وكفروا، فأرسل الله إليهم نبيا، يقال له: حنظلة بن صفوان، وكان حمالا فيهم، فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم، وخربت قصورهم، انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير على قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ :أي: لا يستقي فيها، ولا يردها أحد، بعد كثرة وارديها والازدحام عليها. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال عكرمة يعني: مبيضا بالجص، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ ومجاهد وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي المليح والضحاك نحو ذلك.
وقال آخرون: هو المنيف المرتفع; وقال آخرون: المشيد المنيع الحصين، وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته، عن حلول بأس الله بهم، كما قال
стр. 4612
تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ ١. انتهى كلامه ﵀.
وأما دعوى: إن أرواح الأنبياء في هذا البئر، فمن الخرافات والكذب، التي تنافي ما جاءت به الشريعة المطهرة. ومن المعلوم بالضرورة: أن أرواح الأنبياء والمرسلين في جنات عدن في الرفيق الأعلى، منعمة من النعيم المقيم; وأما أرواح الكفار، ففي أسفل سافلين، في الأرض السابعة; وأجساد الأنبياء في الأرض لا تبلى، ولا يأكلها التراب، وأرواحهم كما تقدم في الجنة.
وأما وقوف أحدهم على البئر، ينادي يا آدم حتى يعدد الأنبياء والرسل، فهذا من الكذب البحت، فإنما تخاطبهم في القليب الشياطين، تضلهم عن سواء السبيل، ويروّجون بذلك على خفافيش البصائر، الذين خليت قلوبهم من الإيمان، ولا شعور لهم بما جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، بل هم في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء.
المسألة الرابعة: فيمن خصص بعض ماله، إذا وافته المنية، صدقة جارية، باسم مولد النبي ﷺ تفعل في رمضان، كقراءة القرآن ختمة، أو ختمتين فأكثر، أو سبعين ألفا من قول لا إله إلا الله، وبوليمة يصنع فيها اللحم،
стр. 4613
وأنواع الأطعمة، في تلك الليلة المعلومة، من رمضان، تقدم للفقراء والمساكين، وأرحامه وإن كانوا موسرين؛ وما يقصد من ذلك، إلا الأجر والثواب من الله، فهل لهذا وجه من الشرع؟ أو هو من البدع التي ينبغي هجرها والفرار منها؟
الجواب: إن هذه الأفعال من البدع المنكرات، والأعمال السيئات؛ وصرف المال لأجل مولد النبي ﷺ بدعة محرمة، وفاعلها مأزور غير مأجور. فيجب الإنكار على من فعل ذلك؛ وهذا الطعام محرم، لأنه قصد به غير وجه الله، فلا يباح الأكل منه، بل يجب هجر من فعل ذلك، واعتقد جوازه.
ثم قال:
المسألة السادسة: فيما ينذره الناس، لإنارات القبور، والمشاهد من الزيت، وفيمن مرض، أو أصابه شيء من دنياه، فيقول إذا شفي مريضي، وحصل مقصودي، عليّ زيارة لقبر الشيخ الفلاني، أو أن أذبح له، أو أسوي خبزا أو قهوة، أو تمرا، ثم يعمل ذلك، ويجتمع على ذلك أناس، يأكلون الخبز والتمر، واللحم، والقهوة، وغير ذلك عند القبر المذكور، فهل يجوز الأكل من ذلك؟ أم هو رجس أهلّ به لغير الله ؟
الجواب: إن هذا النذر لغير الله شرك، لأنه عبادة، وصرفها لغير الله شرك، وهذه الذبيحة مما أهل به لغير الله،
стр. 4614
والأكل منها ومن الطعام حرام، فلا يباح الأكل منه; والزيارة للقبور إذا كانت بشد رحل وسفر، فهي زيارة بدعية محرمة; وقوله: إذا شفي مريضي أو حصل مقصودي، فعليّ زيارة قبر الشيخ الفلاني، فهذا النذر محرم، ومن البدع المنكرة.
المسألة السابعة: فيما هو مشاع في بلادنا الحضرمية، عندما توضع القواعد لبناء الديار، وهو المسمى عندنا "الساس" فيأتون بالجلبة، ويذبحونها على أول لبنة توضع على الساس، ويقولون هكذا: اذبحوا للساس، ويقصدون بذلك الوقاية من الأعين الخبيثة السمية، ومن الجن. وكذلك إذا حفروا بئرا، أو نبع ماؤها، قالوا: اذبحوا للبئر، أتى أحدهم بجلبة، وذبحها على شفير البئر، لكي يمزج الدماء بماء البئر، فهل هذا يدخل فيما أهل به لغير الله؟ وهل يحل الأكل من الجلبة المذكورة، أم لا؟
الجواب: إن هذا الذبح عند تأسيس البناء، وعند حفر البئر وغيره، مما أهلّ به لغير الله، وإنه حرام؛ والذابح إذا قصد بذبحه دفع الأعين، أو دفع شر الجن، فلا شك أن هذا كفر، والأكل مما ذبح لهذه الأشياء حرام، لا يحل، لأنها من الذبح الذي أهل لغير الله به؛ والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
стр. 4615
[جواب الشيخ محمد بن عبد اللطيف عمن اتصف بالكفر من بادية نجد]
وسئل أيضا: الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، عن حكم من اتصف بالكفر اليوم وقام به، من بادية نجد، هل هو كفر أصلي، أم طارئ؟ وهل عمهم الإسلام، في وقت دعوة شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى أم لا؟
فأجاب: اعلم - وفقني الله وإياك للصواب - أن أهل نجد باديتهم وحاضرتهم، قبل دعوة شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام، مجدد ما اندرس من معالم الإسلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قدس الله روحه، ونور ضريحه، في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء؛ قد اشتدت غربة الإسلام فيما بينهم، واستحكمت، وعم الشر وطم، وفشا الشرك، وشاع الكفر وذاع، في القرى والأمصار، والبادية والحضار، وصارت عبادة الطواغيت والأوثان، دينا يدينون به، ويعتقدون في الأولياء، أنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب، مع تضييع الصلاة، وترك الزكاة، وارتكاب المحرمات، ولم يوجد من ينكر ذلك؛ نشأ عليه الصغير وهرم عليه الكبير.
فشرح الله صدر إمام الدعوة الإسلامية، الشيخ محمد ﵀، فدعا الخلق إلى دين الله، وعرفهم حقيقة العبادة التي خلقوا لها، وأمروا بها، ودعت إليها الرسل، فشمروا له عن ساق العداوة، فعارضوه، وصادموه، العلماء منهم
стр. 4616
والأمراء، وسعوا بالتهييج عليه عند القريب والبعيد، ولم يبقوا ممكنا. فعند ذلك ثبته الله، وصبر على أعباء الدعوة ومكابدة من عارضه، ولم يعبأ بمن خالفه، لأنه قام مقام نبوة، لأن حقيقة ما دعا إليه هي دعوة الرسل، من أولهم إلى آخرهم.
فأعانه على هذه الدعوة، والقيام بها، وتحمل عداوة القريب والبعيد، وآواه ونصره الإمام محمد بن سعود، وأولاده، وإخوانه، فعاضدوه ﵏، فثبتهم الله وقوى عزمهم. وبادأهم من بادأهم بالعداوة والقتال، وألبوا عليهم، فما ثنى عزمهم ولا تضعضعوا، فأظهرهم الله، وخذل جميع من ناوأهم، فدخل كافة أهل نجد والجزيرة، من البادية والحاضرة، تحت ولايتهم، والتزموا ما دعوا إليه، ودانوا به. ولم يوجد في نجد من البادية والحاضرة، من لم يدخل في هذا الدين، ولم يلتزم شرائعه; بل شملتهم الدعوة الإسلامية، والتزموا أحكام الإسلام، وواجباته.
وأقاموا على ذلك مدة سنين، في أمن وعافية، وعز وتمكين، وبنودهم تخفق شرقا وغربا، جنوبا وشمالا، حتى دهمهم ما دهمهم، من الحوادث العظام، التي أزعجت القلوب، وزلزلتهم من الأوطان، عقوبة قدرية، سببها ارتكاب الذنوب والمعاصي، لأن من عصى الله وهو
стр. 4617
يعرفه، سلط الله عليه من لا يعرفه.
والفتنة التي حلت بهم، هي فتنة العساكر التركية، والمصرية، فانتثر نظام الإسلام، وشتت أنصاره وأعوانه، وارتحلت الدولة الإسلامية; وأعلن أهل النفاق بنفاقهم، فرجع من رجع إلى دين آبائه، وإلى ما كان عليه سابقا من الشرك والكفر; وثبت من ثبت على الإسلام; وقام بهم من أمور الجاهلية أشياء، لا تخرج من ثبت منهم عن الإسلام.
إذا تبين هذا: فاعلم أن الكفر الموجود في أعراب نجد، الذين قد دخلوا في الإسلام سابقا، إنما هو كفر طارئ، لا كفر أصلي، فيعامل من وجد منه مكفر بما يعامل به أهل الردة، ولا يحكم عليهم بعموم الكفر، لأنه يوجد فيهم من هو ملتزم لشرائع الإسلام وواجباته.
وأما من ظاهره الإسلام منهم، ولكن ربما قد يوجد فيهم من الكفر العملي، الذي لا يخرج من الملة، وفيهم شيء من أمور الجاهلية، ومن أنواع المعاصي، صغائر كانت أو كبائر، فلا يعاملون معاملة المرتدين; بل يعاملون بالنصح برفق ولين، ويبغضون على ما معهم من هذه الأوصاف.
وليعلم: أن المؤمن تجب موالاته ومحبته، على ما معه من الإيمان، ويبغض ويعادى على ما معه من المعاصي، وهجره مشروع إن كان فيه مصلحة، وزجر
стр. 4618
وردع، وإلا فيعامل بالتأليف وعدم التنفير، والترغيب في الخير برفق ولطف ولين، لأن الشريعة مبنية على جلب المصالح، ودفع المضار; والله ولي الهداية.
[من يسب الدين ويفعل المكفرات]
وسئل أيضا: عن حكم الذي باع بيته بعد ما نزل، ثم خرج إلى البادية، ومع ذلك يصدر منه مسبة للدين وأهل الدين ويفعل أشياء من المكفرات؟
فأجاب: إذا كان بهذه الصفة، فهو مرتد قد خرج من الإسلام، ولا ينفعه ما فعله أولا، لأن إقامته عند إخوانه، وسماع النصائح، والمواعظ، وسماع القرآن من أعظم قيام الحجة عليه، لأنه عرف ثم أنكر. وقد كان سابقا من جملة المسلمين، وإنما رغب عن السكنى، وفعل ما فعل من المسبة وغيرها، لخبث في قلبه، فهذا يعادى ولا يوالى، ويبغض ولا يحب، وهجره من الواجبات الشرعية، إلا إن حصل منه توبة صادقة، فالتوبة تهدم ما قبلها، ولا يحال بينه وبين التوبة، والتوبة معروضة، وبابها مفتوح لمن وفقه الله وهداه.
стр. 4619
[رسالة الشيخ سعد بن حمد في الذبح عند المريض]
وقال الشيخ: سعد بن حمد بن عتيق، أعتقه الله من النار:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخليله الصادق الأمين; أرسله رحمة للعالمين، وحجة على الخلق أجمعين، فأشاد منار الملة، ومهد قواعد الدين، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه الهداة المهتدين، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابته، ولم تسعني مخالفته، عما يفعله كثير من الجهال، من أهل البوادي، ومن شابههم من ساكني البلدان، من ذبح كبش أو غيره، إذا مرض المريض، يزعمون أنهم قصدوا الصدقة، والتقرب إلى الله تعالى بتلك الذبيحة، وهل ذلك مما يجوز فعله للإنسان، ويثاب عليه؟ أو ينهى عنه، وينكر على من فعله؟
الجواب: لا ريب أن التقرب إلى الله بالنسك، من أفضل القربات، وأعظم الطاعات، ومن أشرف الحسنات، وأفضل النفقات التي يعظم ثوابها للمسلم، إذا حسن قصده في ذلك، وتجرد من الشوائب، والأسباب التي توجب
стр. 4620
حبوط العمل، وعدم الانتفاع به، أو لحوقه بالمعاصي التي يعاقب عليها، كما سيأتي بيانه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢.
قال ابن كثير: يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه، أنه مخالف لهم في ذلك؛ فإن صلاته ونسكه، على اسمه وحده لا شريك له؛ وهذا كقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها.
فأمره تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم، على الإخلاص لله تعالى، قال مجاهد: (النسك الذبح في الحج والعمرة) ؛ قال الثوري عن السدي، عن سعيد بن جبير (وَنُسُكِي) : ذبحي، وكذا قال الضحاك، انتهى; فما يتقرب به المسلم إلى الله تعالى، من الهدي والأضاحي، وغير ذلك من النسك المأمور به شرعا، كل ذلك من العبادات التي أمر الله بها عباده; فمن فعل من ذلك شيئا لغير الله، فهو مشرك.
وقد كان المشركون يتقربون إلى معبوداتهم بأنواع من القرب، كالهدايا والنذور وغير ذلك، وهذا من الشرك الذي
стр. 4621
حرمه الله، وأخبر أنه لا يغفره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١، وقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢،وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٣.
وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " ٤ وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر فقال:?"الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله" وعن ابن مسعود ﵁ قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله" رواه عبد الرزاق; وفي صحيح مسلم، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: " لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض " ٥.
وعن طارق بن شهاب، قال: قال رسول الله ﷺ : "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب.
стр. 4622
قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب; قال ليس عندي شيء أقرب; قالوا: قرب ولو ذبابا; فقرب ذبابا فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب; فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله، فضربوا عنقه فدخل الجنة "
ومن الشرك المحرم: ما يقع في كثير من المدن، والبوادي والقرى، والأمصار، من كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، ممن قل نصيبه من الدين، وخالف سبيل المؤمنين، وسلك طريق المغضوب عليهم والضالين، من الذبح للجن، واتخاذهم أولياء من دون الله، مضاهاة لإخوانهم من المشركين الأولين، الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١، وقال: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وقد كان أولئك المشركون، يجعلون الجن شركاء لله في عبادته، فيذبحون لهم، وينذرون لهم، ويستعيذون بهم، ويفزعون إليهم عند النوائب; وكان منهم من يفعل ذلك خوفا من شرهم، وتخلصا من أذاهم; ومنهم من يفعل ذلك لقضاء بعض حاجاته، فإن من الناس من تخدمه الجن، فتخبره بأخبار من المغيبات، أو تأتيه بطعام أو
стр. 4623
بشراب، أو نفقة أو تدله على مسروق، وربما تطير به في الهواء، ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀; قال: ومثله واقع كثيرا، أعرف منه وقائع كثيرة، انتهى.
وإنما تفعل الجن ذلك بأوليائهم من الإنس، لطاعتهم إياهم فيما يهوونه، ويأمرونهم به من الشرك، وفعل الفواحش، وغير ذلك; وكل ذلك من الاستمتاع الذي ذكره الله في كتابه، في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١، قال بعض المفسرين على هذه الآية: فاستمتاع الإنسي بالجني، في قضاء حوائجه، وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات، واستمتاع الجني بالإنسي: تعظيمه إياه، واستعاذته به، وخضوعه له، انتهى.
ولهذا أمر الله عباده بالاستعاذة به، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ٢، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ٣، وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ ٤. وفي صحيح مسلم عن خولة بنت حكيم قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من نزل منْزلا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منْزله ذلك " ٥.
стр. 4624
وفي الدعاء المأثور عنه ﷺ : "اللهم رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منْزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها. أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر " ١.
وكذلك الدعاء الذي علمه النبى ﷺ بعض أصحابه: "اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا، أو أجره إلى مسلم " ٢.
وفي الموطأ عن كعب الأحبار، قال: كلمات أحفظها من التوراة - لولاها لجعلتني يهود حمارا -: أعوذ بوجه الله العظيم، الذي لا شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى، ما علمت منها وما لم أعلم، وشر ما خلق وذرأ وبرأ.
فشرع سبحانه لعباده الاستعاذة به، والالتجاء إليه، والاعتصام به، والفزع إليه عند المخاوف والشرور، والرغبة إليه في دفع كل محذور، عكس ما كان عليه جهلة المشركين، من أهل الجاهلية الأولين، ومن سلك سبيلهم، ممن اتخذ الولائج من دون الله، من الأولياء والصالحين
стр. 4625
وغيرهم، من الأصنام والجن والشياطين، فإنهم كانوا يستجيرون بهم، ويستعيذون بهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ١.
قال ابن كثير، أي: كنا نرى لنا فضلا على الإنس، لأنهم كانوا يعوذون بنا، أي: إذا نزلوا واديا، أو مكانا موحشا، كما كانت عادة العرب في جاهليتها، يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجن، أن يصيبهم أحد بسوء؛ فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم، زادوهم رهقا، أي: خوفا وإرهابا وذعرا، حتى بقوا أشد منهم مخافة، وأكثر تعوذا بهم، انتهى.
فالاستعاذة بالله من أفضل مقامات العبودية، التي أمر الله بها عباده، مثل الدعاء والخوف والرجاء، والذبح والتوكل غير ذلك؛ فمن صرف منها شيئا لغير الله، من ملك أو ولي أو جني، أو صنم أو غير ذلك، فهو مشرك.
قال ابن القيم ﵀: ومن ذبح للشيطان ودعاه، واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب، فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة، أو يسميه استخداما؛ وصدق، هو: استخدام من الشيطان له، فيصير من خدم الشيطان وعابديه، وبذلك يخدمه الشيطان؛ لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة، فإن الشيطان لا يخضع له، ولا يعبده كما يفعله هو