← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

حرمه الله، وأخبر أنه لا يغفره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١، وقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢،وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٣. وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " ٤ وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر فقال:?"الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله" وعن ابن مسعود ﵁ قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله" رواه عبد الرزاق; وفي صحيح مسلم، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: " لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض " ٥. وعن طارق بن شهاب، قال: قال رسول الله ﷺ : "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب.

стр. 4622

قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب; قال ليس عندي شيء أقرب; قالوا: قرب ولو ذبابا; فقرب ذبابا فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب; فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله، فضربوا عنقه فدخل الجنة " ومن الشرك المحرم: ما يقع في كثير من المدن، والبوادي والقرى، والأمصار، من كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، ممن قل نصيبه من الدين، وخالف سبيل المؤمنين، وسلك طريق المغضوب عليهم والضالين، من الذبح للجن، واتخاذهم أولياء من دون الله، مضاهاة لإخوانهم من المشركين الأولين، الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١، وقال: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٢. وقد كان أولئك المشركون، يجعلون الجن شركاء لله في عبادته، فيذبحون لهم، وينذرون لهم، ويستعيذون بهم، ويفزعون إليهم عند النوائب; وكان منهم من يفعل ذلك خوفا من شرهم، وتخلصا من أذاهم; ومنهم من يفعل ذلك لقضاء بعض حاجاته، فإن من الناس من تخدمه الجن، فتخبره بأخبار من المغيبات، أو تأتيه بطعام أو

стр. 4623

بشراب، أو نفقة أو تدله على مسروق، وربما تطير به في الهواء، ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀; قال: ومثله واقع كثيرا، أعرف منه وقائع كثيرة، انتهى. وإنما تفعل الجن ذلك بأوليائهم من الإنس، لطاعتهم إياهم فيما يهوونه، ويأمرونهم به من الشرك، وفعل الفواحش، وغير ذلك; وكل ذلك من الاستمتاع الذي ذكره الله في كتابه، في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١، قال بعض المفسرين على هذه الآية: فاستمتاع الإنسي بالجني، في قضاء حوائجه، وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات، واستمتاع الجني بالإنسي: تعظيمه إياه، واستعاذته به، وخضوعه له، انتهى. ولهذا أمر الله عباده بالاستعاذة به، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ٢، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ٣، وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ ٤. وفي صحيح مسلم عن خولة بنت حكيم قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من نزل منْزلا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منْزله ذلك " ٥.

стр. 4624

وفي الدعاء المأثور عنه ﷺ : "اللهم رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منْزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها. أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر " ١. وكذلك الدعاء الذي علمه النبى ﷺ بعض أصحابه: "اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا، أو أجره إلى مسلم " ٢. وفي الموطأ عن كعب الأحبار، قال: كلمات أحفظها من التوراة - لولاها لجعلتني يهود حمارا -: أعوذ بوجه الله العظيم، الذي لا شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى، ما علمت منها وما لم أعلم، وشر ما خلق وذرأ وبرأ. فشرع سبحانه لعباده الاستعاذة به، والالتجاء إليه، والاعتصام به، والفزع إليه عند المخاوف والشرور، والرغبة إليه في دفع كل محذور، عكس ما كان عليه جهلة المشركين، من أهل الجاهلية الأولين، ومن سلك سبيلهم، ممن اتخذ الولائج من دون الله، من الأولياء والصالحين

стр. 4625

وغيرهم، من الأصنام والجن والشياطين، فإنهم كانوا يستجيرون بهم، ويستعيذون بهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ١. قال ابن كثير، أي: كنا نرى لنا فضلا على الإنس، لأنهم كانوا يعوذون بنا، أي: إذا نزلوا واديا، أو مكانا موحشا، كما كانت عادة العرب في جاهليتها، يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجن، أن يصيبهم أحد بسوء؛ فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم، زادوهم رهقا، أي: خوفا وإرهابا وذعرا، حتى بقوا أشد منهم مخافة، وأكثر تعوذا بهم، انتهى. فالاستعاذة بالله من أفضل مقامات العبودية، التي أمر الله بها عباده، مثل الدعاء والخوف والرجاء، والذبح والتوكل غير ذلك؛ فمن صرف منها شيئا لغير الله، من ملك أو ولي أو جني، أو صنم أو غير ذلك، فهو مشرك. قال ابن القيم ﵀: ومن ذبح للشيطان ودعاه، واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب، فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة، أو يسميه استخداما؛ وصدق، هو: استخدام من الشيطان له، فيصير من خدم الشيطان وعابديه، وبذلك يخدمه الشيطان؛ لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة، فإن الشيطان لا يخضع له، ولا يعبده كما يفعله هو

стр. 4626

به، انتهى. فصل [الذبح للجن عند المريض] والذبح للجن يفعله كثير من أهل الجهل والضلال، في البوادي والبلدان، إذا مرض الشخص أو أصابه جنون، أو داء مزمن ذبحوا عنده كبشا أو غيره، وكثير منهم يصرحون: بأنهم ذبحوه للجن، ويزعمون أن الجن أصابته بسبب حدث منه، فيذبحون عنده ذبيحة للجن، يقصدون تخليصه مما أصابه من ذلك الداء. ولا شك أن الجن قد تعرض لبعض الإنس بأنواع من الأذى، كالصرع أو غيره، لأسباب يفعلها الإنسي يتأذون بها، كإلقائه عليهم مثقلا، أو غير ذلك من الأسباب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: وصرع الجن للإنس، هو لأسباب ثلاثة: تارة يكون الجني يحب المصروع، فيصرعه ليستمتع به، وهذا الصرع يكون أرفق من غيره وأسهل، وتارة يكون الإنسي آذاهم، إذا بال عليهم أو صب عليهم ماء حارا، أو يكون قتل بعضهم، أو غير ذلك بأنواع الأذى، وهذا أشد الصرع، وكثيرا ما يقتلون المصروع، وتارة يكون بطريق العبث به، كما يعبث سفهاء الإنس بأبناء السبيل، انتهى. وأكثر ما ينسبه من ابتلي بشيء مما ذكر، ليس كما يزعمون من نسبته إلى الجن، بل أكثر ذلك كذب باطل،

стр. 4627

وزعم فاسد؛ ولكن إذا ابتلي الإنسان بشيء من ذلك، فالواجب عليه الفزع إلى الله تعالى، والاستعاذة به، والالتجاء إليه، ورجاؤه والتوكل عليه، والتوجه إليه بقلبه وقالبه، فإن هذا هو السبب المنجي من الشرور. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٣، أي: كافيه. وقال ابن عباس: "حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ". وفي بعض الآثار: إن الله تعالى أوحى إلى داود، يا داود: وعزتي وعظمتي، ما يعتصم بي عبد من عبادي دون غيري، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع والأرضون ومن فيهن، إلا جعلت له من بينهن مخرجا. أما وعزتي وعظمتي، ما يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته، إلا قطعت أسباب السماء من يديه، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالي في أي واد هلك; قال ابن القيم، رحمه الله تعالى:

стр. 4628

وإذا تولاه امرؤ دون الورى ... طرا تولاه العظيم الشان فبالاعتصام بالله والاعتماد عليه، وإنزال الحوائج به دون غيره، يبطل كيد الكائدين، ويندفع عدوان المعتدين، وشر الحاسدين، من الإنس والجن والشياطين؛ وأما العدول عن ذلك، إلى التجاء إلى الجن، والذبح لهم، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله، كما عرفت مما تقدم في هذا الجواب، وفاعل ذلك مشرك، خارج عن الإسلام، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. والذبيحة على هذا الوجه حرام، لا يباح لمسلم أكلها، وإن ذكر اسم الله عليها، لأنها مما أهل به لغير الله، كذبائح الكفار التي يذبحونها للأصنام، والشمس والكواكب. قال شيخ الإسلام، ﵀ في قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ١ مثل أن يقول: هذا ذبيحة لكذا، وإن كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ؛ وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه باسم المسيح، أو نحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله، كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه باسم الله; فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح، أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح، أو الزهرة، أو قصد به ذلك، أولى; فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من

стр. 4629

الاستعانة بغيره. وعلى هذا، فلو ذبح لغير الله متقربا إليه يحرم، وإن قال فيه بسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك؛ وإن كان هؤلاء مرتدين، لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان: الأول: أنه مما أهل به لغير الله. والثاني: أنها ذبيحة مرتد؛ ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون بمكة، من الذبح للجن; ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذبائح الجن، انتهى. قال الزمخشري: كانوا إذا اشتروا دارا أو بنوها، أو استخرجوا عينا ذبحوا ذبيحة، خوفا أن تصيبهم الجن، فأضيفت إليهم الذبائح لذلك; ثم من الناس من يذبح عند المريض، لهذا المقصد الخبيث، ويظهر للناس أنه إنما قصد التقرب إلى الله، والصدقة على الفقراء والمساكين، بلحم ما يذبحه. وقد اطلع الله منه على سوء القصد، وأنه إنما قصد بذبيحته التقرب إلى الجن، ولكن منعه من بيان مقصده، وإظهار نيته الخوف من المسلمين؛ وهذا نفاق وخيم، وزندقة شنيعة، ومحادة لله ورسوله، ومخادعة لله ولعباده المؤمنين، كإخوانه الموصوفين في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا

стр. 4630

يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ١. وفاعل ذلك أعظم من الذي قبله، لأنه أظهر الخير وحسن القصد، والتقرب إلى الله، وهو بضد ذلك، إنما أبطن الشر وقصد السوء، والتقرب إلى غير الله، وهو نظير إخوانه من المنافقين، والزنادقة الضالين. فصل: [الذبح عند المريض لغير مقصد شركي] وإذا عرفت أن الذبح عند المريض، على هذا الوصف الذي ذكرناه، من الشرك المحرم، فاعلم: أن من الناس من يذبح عند المريض لغير مقصد شركي، وإنما يقصد بالذبح التقرب إلى الله بالذبيحة، والصدقة بلحمها على من عنده من الأقارب، والمساكين وغيرهم. ولا يخفى: أن قاعدة سد الذرائع المفضية إلى الشرك، ودرء المفاسد، يقتضي المنع من فعل ذلك، والنهي عنه، لأن ذلك ذريعة قوية، وفتح باب لفعل الشرك المحرم، لما قد عرَّفناك: أن كثيرا من الناس يذبح عند المريض، لقصد التقرب إلى الجن، ولكنه يخفي قصده عن الناس، خوفا من العقوبة الدنيوية، وبعضهم بين قصده بالذبح، ويظهر نيته لإخوانه، وأخدانه من شياطين الإنس، وهذا يعلمه من عرف أحوال الناس. وقد حدثني من لا أتهم: أن من هذا الجنس من أتى

стр. 4631

إلى مريض زمن، وأشار بأن يذبح عنده ذبيحة، ثم لما تفرق الناس عنه، ولم يبق عنده إلا ذلك الرجل، الذي حدثني، أسر إليه وأشار: أن الذبيحة لغير الله; وبذلك يعلم: أن المتعين النهي عن الذبح عند المريض، وإن حسن قصد الفاعل، سدا لباب الشرك، وحسما للذرائع، والمواد التي تجر إليه. فإن العمل وإن كان أصله قربة، وفعله طاعة، فقد يقترن به ما يوجب بطلانه، ويقتضي النهي عنه، ولحوقه بالمنهيات، كأعمال الرياء، وتحري الدعاء، والصلاة لله عند القبور، والصلاة غير ذوات السبب في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، والنحر لله في أمكنة أعياد المشركين، ومواطن أوثانهم، قبل زوالها وبعده. وفي حديث ثابت بن الضحاك، ﵁ قال: "نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا; قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا; فقال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم " ١. فسأله ﷺ هل كان في ذلك المحل وثن من أوثان الجاهلية، أو عيد من أعيادهم; وقوله بعد ذلك: " فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله " ٢ يفيد: أنه لو كان فيه وثن من

стр. 4632

أوثان الجاهلية، أو عيد من أعياد الجاهلية، لكان الوفاء بالنذر لله فيه معصية، وهذا بين واضح. قال الشيخ عبد اللطيف رحمه الله تعالى، في بعض رسائله: الوجه الخامس: أن سد الذرائع وقطع الوسائل، من أكبر أصول الدين وقواعده، وقد رتب العلماء على هذه القاعدة من الأحكام الدينية، تحليلا وتحريما، ما لا يحصى كثرة، ولا يخفى أهل العلم والخبرة؛ وقد ترجم شيخ الدعوة النجدية - قدس الله روحه - لهذه القاعدة في "كتاب التوحيد" فقال: باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، انتهى. وبما ذكرناه وحررناه، يعلم وجه النهي عن ذبح المسلم عند المريض، وإن حسن قصده ; ومن مفاسد ذلك: أنه سبب لدخول أهل النفاق والزندقة، من هذا الباب، متشبهين بالمسلمين، فيذبحون لأوليائهم من الجن، والشياطين، ولا يخافون من أحد من المسلمين، لعلمهم بخفاء سوء قصدهم، وعدم اطلاع المؤمنين على ما أبطنوه، من شركهم وضلالهم. وقد نهى الله أصحاب رسول الله ﷺ أن يقولوا له: "راعنا"، لئلا يتشبه بهم اليهود، فيخاطبون بذلك رسول الله ﷺ سبا له بذلك.

стр. 4633

قال ابن القيم ﵀، على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ ١: نهى سبحانه المؤمنين، أن يقولوا هذه الكلمة، مع قصدهم بها الخير، لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود، في أقوالهم وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويقصدون بها السب؛ فراعنا من الرعونة، فنهي المسلمون عن قولها، سدا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ تشبها بالمسلمين، يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون، انتهى. وفيما أوردناه كفاية، ولنختم الجواب بأبيات، قليلة الألفاظ والمباني، جليلة القدر والمعاني، يأنس بها كل ذي قلب سليم، وعقل مستقيم، وهي هذه: نور الشريعة يهدي قلب ملتمس ... للحق من ساطع الأنوار مقتبس والجهل والصدف عن نهج الهدى كفلا ... لا شك للشخص بالخذلان والفلس وبالشقا والردى والبعد عن سبل ... تفضي إلى جنة المأوى بملتمس فخذ بنص من التنْزيل أو سنن ... جاءت عن المصطفى الهادي بلا لبس وسنة الخلفاء الراشدين فهم ... أكرم بهم لمريد الحق من قبس فإن خير الأمور السالفات على ... نهج الهدى والهدى يبدو لمقتبس

стр. 4634

والشر في بدع في الدين منكرة ... تحلو لدى كل أعمى القلب منتكس من ذاك ذبح لدى المرضى فصاحبه ... على شفا جرف الخسران والتعس فإن به قصد الجن لفواه فذا ... شرك وكفر جلي غير ملتبس أولا فبدعة ذي جهل وذي عمه ... تدني إلى درن الإشراك والدنس فاصغ للحق واردد سواه على ... أربابه من أخي نطق وذي خرس وهذه حجة التحريض قائمة ... قد أسفرت لمريد الحق فاقتبس وصلى الله على محمد. [بماذا يعامل من ظاهره الإسلام، ومن ظاهره لا إسلام ولا كفر] وقال الشيخ سليمان بن سحمان، رحمه الرحيم المنان. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فقد تأملت ما ذكره الأخ، من المسائل التي ابتلي بالخوض فيها كثير من الناس، من غير معرفة ولا اتقان، ولا بينة ولا دليل واضح، من السنة والقرآن؛ وقد كان غالب من يتكلم فيها بعض المتدينين من العوام الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام، ولا خبرة لهم بمسالك مهالكها المظلمة العظام، وليس لهم اطلاع على ما قرره أئمة الإسلام، ووضحوه في هذه المباحث، التي لا يتكلم

стр. 4635

فيها إلا فحول الأئمة الأعلام. وهذه المسائل قد وضحها أهل العلم وقرروها، وحسبنا أن نسير على منهاجهم القويم; ونكتفي بما وضحوه، من التعليم والتفهيم، ونعوذ بالله من القول على الله بلا علم. وهذه المسائل التي أشرت إليها، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزق الفهم عن الله، وأوتي الحكمة، وفصل الخطاب. ونحن وإن كنا لسنا من أهل هذا الشأن، ولا ممن يجري الجواد في هذا الميدان، فإنما نسير على منهاج أهل العلم، ونتكلم بما وضحوه في هذا الباب؛ ولولا ما ورد عن النبي ﷺ من الوعيد في ذلك، بقوله: " من سئل عن علم وهو يعلمه، فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار " ١، لضربت عن الجواب صفحا، ولطويت عن ذلك كشحا، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. فقوله: ماذا يعامل من ظاهره الإسلام؟ ومن ظاهره لا إسلام ولا كفر، بل جاهل؟ ومن ظاهره الكفر؟ ومن ظاهره المعاصي دون الكفر؟ ومن الذي تباح ذبيحته منهم؟ ومن الذي لا تباح ذبيحته؟ وما القدر الواجب في الإسلام المبيح للذبيحة؟

стр. 4636

فالجواب: أن من في جزيرة العرب، لا نعلم ما هم عليه جميعهم، بل الظاهر أن غالبهم وأكثرهم ليسوا على الإسلام، فلا نحكم على جميعهم بالكفر، لاحتمال أن يكون فيهم مسلم. وأما من كان في ولاية إمام المسلمين، فالغالب على أكثرهم الإسلام، لقيامهم بشرائع الإسلام الظاهرة; ومنهم من قام به من نواقض الإسلام، ما يكون به كافرا، فلا نحكم على جميعهم بالإسلام، ولا على جميعهم بالكفر لما ذكرنا. وأما من لم يكن في ولاية إمام المسلمين، فمن كان ظاهره الإسلام منهم، فيعامل بما يعامل به المسلم في جميع الأحكام. وأما من ظاهره لا إسلام ولا كفر، بل هو جاهل، فنقول: هذا الرجل الجاهل، إن كان معه الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام، فهو مسلم، ولو كان جاهلا بتفاصيل دينه، فإنه ليس على عوام المسلمين، ممن لا قدرة لهم على معرفة تفاصيل ما شرعه الله ورسوله، أن يعرفوا على التفصيل، ما يعرفه من أقدره الله على ذلك، من علماء المسلمين، وأعيانهم، مما شرعه الله ورسوله، من الأحكام الدينية؛

стр. 4637

بل عليهم أن يؤمنوا بما جاء به الرسول، إيمانا عاما مجملا، كما قرر ذلك شيخ الإسلام في المنهاج. وإن لم يوجد معه الأصل، الذي يدخل به الإنسان في الإسلام، فهو كافر، وكفره هو بسبب الإعراض عن تعلم دينه، لا علمه، ولا تعلمه، ولا عمل به. والتعبير بأن ظاهره لا إسلام ولا كفر، لا معنى له عندي، لأنه لا بد أن يكون مسلما جاهلا، أو كافرا جاهلا؛ فمن كان ظاهره الكفر، فهو كافر، ومن كان ظاهره المعاصي، فهو عاص؛ ولا نكفر إلا من كفره الله ورسوله، بعد قيام الحجة عليه. وأما الذي تباح ذبيحته منهم، فهو المسلم، وأما الذي لا تباح ذبيحته، فهو الكافر، والمرتد، وهو الذي يكفر بعد إسلامه، بفعل ناقض من نواقض الإسلام، المخرجة من الملة؛ وقد وضحنا حكم أعراب أهل نجد. والعجب كل العجب من هؤلاء الجهال، الذين يتكلمون في مسائل التكفير، وهم ما بلغوا في العلم والمعرفة، معشار ما بلغه من أشار إليهم الشيخ عبد الله أبا بطين، من أن أحدهم لو سئل عن مسألة في الطهارة، أو البيع، ونحوهما لم يفت بمجرد فهمه، واستحسان عقله؛

стр. 4638

بل يبحث عن كلام العلماء، ويفتي بما قالوه، فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم، الذي هو أعظم أمور الدين، وأشدها خطرا، على مجرد فهمه، واستحسان عقله؟ فما أشبه الليلة بالبارحة، في إقدام هؤلاء على الفتوى، في مسائل التكفير، بمجرد أفهامهم، واستحسان عقولهم، ثم أخذ بذلك عنهم، وأفتى به من لا يحسن قراءة الفاتحة؟ المسألة الرابعة: قول السائل: وما الإعراض الذي هو ناقض من نواقض الإسلام؟ وما الذي يصدق عليه الإعراض؟ فالجواب أن نقول: قد ذكرنا الجواب عن هذه المسألة، ولكن نذكر هاهنا ما ذكره شيخنا، الشيخ عبد اللطيف، رحمه الله تعالى، لما سئل عن هذه المسألة. فقال، الجواب: إن أحوال الناس تتفاوت تفاوتا عظيما، وتفاوتهم بحسب درجاتهم في الإيمان، إذا كان أصل الإيمان موجودا، والتفريط والشرك، إنما هو فيما دون ذلك من الواجبات، والمستحبات; وأما إذا عدم الأصل الذي يدخل به في الإسلام، وأعرض عن هذا بالكلية، فهذا كفر إعراض، فيه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ ١ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ ٢ الآية.

стр. 4639

ولكن عليك أن تعلم: أن المدار على معرفة حقيقة الأصل، وحقيقة القاعدة، وإن اختلف التعبير واللفظ; فإن كثيرا يعرف الأصل والقاعدة، ويعبر بغير التعبير المشهور؛ وتعزيرهم وتوقيرهم كذلك، تحته أنواع أيضا، أعظمها: رفع شأنهم، ونصرتهم على أهل الإسلام، وتصويب ما هم عليه، فهذا وجنسه من المكفرات؛ ودونه مراتب، من التوقير بالأمور الجزئية، كلياقة الدواة ونحوه، انتهى. فتبين من كلام الشيخ: أن الإنسان لا يكفر، إلا بالإعراض عن تعلم الأصل، الذي يدخل به الإنسان في الإسلام، لا ترك الواجبات والمستحبات. ثم قال رحمه الله تعالى: وأما قول السائل: ومما يتقاولونه بينهم، ما فعل المشايخ بهم ذلك، إلا أنهم مكفرون لهم. فالجواب: أن نقول: هذا من أعظم كذبهم، وافترائهم على المشايخ، لأنه قد كان من المعلوم أن المبادرة بالتكفير، والجراءة على ذلك بغير بينة من الله ولا برهان، من طرائق أهل البدع ومذاهبهم، كما قال شيخ الإسلام: ومن مثالب أهل البدع: تكفير بعضهم لبعض; ومن

стр. 4640

ممادح أهل العلم: أنهم يخطئون ولا يكفرون; فإذا فهمت هذا، وتحققت أن المشايخ لا يكفرون بما دون الكفر من الذنوب والمعاصي، تبين لك أن هذه الأمور، التي زعموا أن المشايخ ما منعوهم من فعلها، إلا أنهم مكفرون لهم بها، كان من المعلوم: أنهم هم الذين يكفرون بها، لاعتقادهم أنها كفر. والمشايخ: يبرؤون إلى الله من هذا المعتقد، لأن هذا هو حقيقة مذهب الخوارج الذين يكفرون بما دون الكفر من الذنوب؛ وإذا كان هذا هو معتقدهم، وكان هذا القول، الذي بهتوا به المشايخ، ثابتا عنهم، فلا تسأل عنهم وعن معتقدهم، هذا عين ما نطقوا به، وأظهروه علانية، وهذا هو الذي خاف الإمام والمشايخ بمنعهم، أن يتجارى بهم هذا الأمر، ويبثوه في عوام البدو، الذين ليس عندهم من المعرفة والعلم إلا ما ألقاه هؤلاء إليهم، فيصادف قلوبا خالية من غيره، فيصعب إخراجه من قلوبهم، كما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا وهذا قد وقع في كثير من البدو، لا يقبلون إلا ما قاله هؤلاء لهم; والعاقل يسير وينظر، والظاهر أنهم في رميهم وبهتانهم المشايخ بأنهم مكفرون لهم، مبرئون أنفسهم مما هو معلوم بالضرورة، بأن تلك هي حالتهم وسيرتهم، كما

стр. 4641

قيل: ... رمتني بدائها وانسلت. ثم إن المشايخ - ولله الحمد والمنة - لا يزكون أنفسهم، ولا يبرئونها من الخطأ والزلل، والذنوب والمعاصي، بل هم معترفون بذلك على أنفسهم، وأنهم مقصرون في الأعمال الصالحات، والعصمة إنما هي للرسل؛ ولكنهم لا يرضون ما يسخط الله، من الأقوال والأعمال، والغلو، والتجاوز، والمجاوزة للحد، بغير ما شرعه الله ورسوله، ولا القول على الله بلا علم؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل. [السؤال عن حكم استعمال الساعات وعن تركيبها] [استعمال الساعات وتركيبها] وله أيضا قدس الله روحه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وإمام المتقين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد تأملت ما ذكره الأخ المكرم حفظه الله، من السؤال عن الساعة، وعن تركيبها; والموجب لذلك: أن رجلين تنازعا في شأنها، فقال أحدهما: هي عمل سحر; وقال الآخر: هي صنعة من سائر الصناعات، المخترعة في هذه الأزمنة; قال الآخر: أقل أحوالها أنها

стр. 4642

بدعة، لم تكن على عهد النبي ﷺ ولا أصحابه، والبدع محظورة ... إلى آخر السؤال. فاعلم وفقك الله لطاعته، وأحاطك بحياطته، وتولاك في الدنيا والآخرة: أن أمر الساعة قد تكلم العلماء فيها قديما، ولم تكن مما أحدث في هذه الأزمان; وقد كانت موجودة على عهد مشايخ أهل الإسلام، الذين هم القدوة، وبهم الأسوة في مسائل الدين والأحكام، وهم يعلمون أنها موجودة في بلادهم، وعند بعض الولاة والحكام، ولم ينكرها أحد منهم، ولم يتكلم فيها بشيء مما يتكلم به هؤلاء المتمعلمون المتنطعون، الصعافقة المجان، الذين تكلفوا أن يتجروا فينا بلا أثمان. فإذا تحققت هذا، وعرفته، فاعلم أن قول المنكر للساعات: إنها عمل سحر، وإن أقل أحوالها أنها بدعة، لم تكن على عهد النبي ﷺ ولا أصحابه، والبدع محظورة، قول خطأ محض، لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، ولا قول أحد من العلماء، الذين يعتد بقولهم في الخلاف والوفاق، بل هو قول مجرد عن الدليل، ودعوى عارية عن التأصيل، والتفصيل. ونحن نبين ما ذكره العلماء في ذلك، ليزول الإشكال والتلبيس، ويندفع ما قصده من التمويه والتدليس; قال الإمام الحافظ: العماد بن كثير، رحمه الله تعالى في

стр. 4643

تفسيره، على قوله تعالى ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ ١ الآية: حكى أبو عبد الله الرازي، في تفسيره، عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، فذكر كلاما طويلا، إلى أن قال: ثم ذكر أبو عبد الله الرازي، أنواع السحر ثمانية، فذكرها إلى أن قال: النوع الخامس من السحر: الأعمال العجيبة، من تركيب الآلات، المركبة من النسب الهندسية، كفارس على فرس، في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق، من غير أن يمسها أحد; ومنها: الصور التي تصورها الروم والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصوروها ضاحكة وباكية، إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل; قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل، قلت: يعني ما قاله بعض المفسرين، أنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي، فحشوها زئبقا، فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها. قال الرازي: ومن هذا الباب: تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال بالآلات الخفية; قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب

стр. 4644

السحر، لأن لها أسبابا معلومة يقينية، من اطلع عليها قدر عليها. قلت: ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يرونهم إياه من الأنوار، كقضية قمامة الكنيسة، التي لهم ببلد المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصفة لطيفة، تروج على العوام منهم; وأما الخواص منهم، فهم معترفون بذلك، ولكن يتأولون: أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغا لهم ... إلى آخر كلامه ﵀. فتأمل ما ذكره الرازي، من تركيب صندوق الساعات، وأنه من هذا الباب، يعني من باب جعل الزئبق في الحبال والعصي، فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها; ثم قال: ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال بالآلات الخفية; قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر، لأن لها أسبابا معلوما يقينية، من اطلع عليها قدر عليها. فذكر: أن تركيب صندوق الساعات، وعلم جر الأثقال بالآلات الخفية، لا ينبغي أن يعد من باب السحر، لأن لها أسبابا معلومة يقينية، من اطلع عليها قدر عليها، وهذا مما لا إشكال فيه، لأنه قد ذكر ابن القيم ﵀ في "بدائع الفوائد" ما معناه: أن سحر سحرة

стр. 4645

فرعون من باب الشعبذة والتخييلات، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ٢، فذكر أنهم سحروا أعين الناس، وخيلوا إليهم بسحرهم أنها تسعى، وهذا بخلاف جعل الزئبق، في الحبال، والعصي، فإنه صناعة من الصناعات؛ ورد ﵀ قول من قال من المفسرين: إنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي فحشوها زئبقا، لأن هذا صناعة من الصناعات، ليس من باب الشعبذة، ولا من باب التخييل. وقد أقر الحافظ ابن كثير ما ذكره الرازي من صندوق الساعات، وعلم جر الأثقال بالآلات الخفية، ولم يعترض عليه في ذلك بشيء، كما اعترض عليه فيما أخطأ فيه من الأمور التي تقدم ذكرها، في السحر، وجواز تعلمه، ووجوبه، وغير ذلك; بل ذكر ﵀: أن صناعة صندوق الساعات، كمثل صناعات النصارى، فيما تتحيل به على عوامهم، بما يرونهم إياه من الأنوار، كقضية قمامة المتقدم ذكرها، وقد ذكرها ابن القيم في "هداية

стр. 4646

الحيارى"، وذكر أنها من الحيل والصناعات التي أضلت بها النصارى عوامهم، وليست من قبيل السحر، كما يظنه من لا معرفة لديه. فإذا فهمت هذا، وتحققته، فاعلم: أن المنكر للساعات لم يأت بدليل يمنع من استعمالها، ولا ذكر أن أحدا من العلماء، المعتد بأقوالهم أنكرها، وجعلها من قبيل السحر; وإنما ذكر: أن أقل أحوالها، أنها بدعة، والبدع محظورة، والجواب عن ذلك من وجوه. الوجه الأول: أن البدع لا تكون إلا في القرب، والعبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، لا في العادات، كالصناعات، والملابس، والمآكل، والمشارب، وغير ذلك من العادات الطبيعية، ولا يعترض بمثل هذا إلا الجهال العوام الذين هم أشبه شيء بسائمة الأنعام. الوجه الثاني: أنا لو سلمنا أنها من البدع، وأنها محظورة، فما الجواب عن الآلات، والصناعات، والملابس، التي حدثت بعد النبي ﷺ وأصحابه، كالمدافع، والصمع، وآلات الحرب، مما يستعمله الناس، إن كانت من قبيل البدع، فلأي شيء لم ينكر هذه البدع؟ وما الذي يسوغ له السكوت عن إنكارها، إن كان مقصوده إنكار البدع؟

стр. 4647

الوجه الثالث: أن يقال لهذا الجاهل: لا بد أن تذكر شيئا من الأدلة الشرعية، على الفرق بين جواز استعمال آلات الحرب، والصنائع العادية المحدثة بعد عهد النبي ﷺ وأصحابه، وأنها من قسيم العادات التي يجوز استعمالها، وبين آلات صندوق الساعات، وما أحدثه الناس من الملابس، والمطاعم، وغيرها من العادات المصنوعة، لكن بعضها بأسباب خفية لطيفة، وبعضها بأسباب معلومة ظاهرة، وأنها من قسيم العبادات، والبدع المحظورة المحدثة، بعد عهد النبوة. فإن لم يذكر دليلا شرعيا، يدل على الفرق بين ما ذكرناه، وإلا فكيف يجوز له أن يتكلم فيما لا معرفة له به؟ ويأمر وينهى وينكر بغير علم، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١. ومن سوى بين العبادات التي يتقرب بها إلى الله، وبين العادات التي هي مباحة في الجملة، فهو أضل من حمار أهله. وقد اعترض رجل من الجهمية، على أهل الإسلام، بمسائل يطعن عليهم بها في دينهم، منها قوله: أكثر ما

стр. 4648

تستعملونه من شرب القهوة، ولبس المحارم، بدعة. فأجاب شيخنا: الشيخ عبد اللطيف، بقوله: وهذا من أدلة جهله، وعدم معرفته للأحكام الشرعية، والمقاصد النبوية؛ فإن الكلام في العبادات، لا في العادات، والمباحث الدينية نوع، والعادات الطبيعية نوع آخر؛ فما اقتضته العادة من أكل، وشرب، ومركب، ونحو ذلك، ليس الكلام فيه; والبدعة: ما ليس لها أصل في الكتاب والسنة، ولم يرد بها دليل شرعي، ولم تكن من هديه ﷺ وهدي أصحابه. وأما ما له أصل، كإرث ذوي الأرحام، وجمع المصحف، والزيادة في حد الشارب، وقتل الزنديق، ونحو ذلك، فهذا وإن لم يفعل في وقته ﷺ فقد دل عليه الدليل الشرعي؛ وبهذا التعريف تنحل إشكالات، طالما عرضت في المقام. وقال رحمه الله تعالى، في رده على البولاقي صاحب مصر، في قوله: وها أنتمو قد تفعلون كغيركم ... حوادث قد جاءت عن الأب والجد كحرب ببارود وشرب لقهوة ... وكم بدع زادت عن الحد والعد قال رحمه الله تعالى: وأعجب شيء أن عددت لقهوة ... مع الحرب بالبارود في بدع الضد

стр. 4649

وقد كان في الإعراض ستر جهالة ... غدوت بها من أشهر الناس في البلد فما بدع في الدين تلك وإنما ... يراد بها الإحداث في قرب العبد فتبين بما ذكرناه، عن الشيخ عبد اللطيف ﵀: كثافة جهل هذا المنكر، وعدم علمه ومعرفته بالأحكام الشرعية والمقاصد النبوية، حيث زعم أن العادات الطبيعية والآلات الصناعية، من قسيم العبادات، وأنها محظورة، لأنها لم تكن على عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولم يفرق بين العادات، والعبادات. وأما قول، القائل: ومما يدل على أنها سحر، أن فلانا قرأ عليها آية من القرآن، فوقفت؟ فالجواب: أن نقول: وهذا أيضا من الأدلة الدالة على جهل هذا المتكلم، وكثافة طبعه وشدة غباوته، حيث حكم واستدل على أنها من السحر، بحكاية لم يسندها من نقلها، عمن يوثق به في دينه وعدالته. وحقيقة الأمر: أن الذي صدر في قراءته على الساعة، أنه قرأ عليها بمحضر من الإخوان، قراءة طويلة، وجعل يتفل عليها بريقه، فلم تقف، فلما تبين عجزه، وتبين كذبه في دعواه أنها سحر، أمسك عن القراءة; وأخذ الساعة صاحبها، فأزال عنها الأذى الذي حصل بريقه فيها.

стр. 4650

فقال القارئ: أعوذ بالله، كيف تزيل عنها كلام الله؟ فزعم هذا الجاهل المركب: أن تفاله وريقه القذر المخلوق، هو نفس كلام الله ، وكلام الله صفة قائمة بذاته، ليس هو الريق المتفول المخلوق المستقذر، تعالى الله وتقدس عما يقوله الجاهلون علوا كبيرا، ولكنا نحمله على الجهل؛ فكيف يستدل بقول هذا الجاهل أو فعله، عاقل؟ مع عدم ثبوت النقل على حقيقته، في التحليل والتحريم، سبحانك هذا بهتان عظيم! وقد كان من المعلوم أن دعواه أنها وقفت بقراءته عليها كذب، وأنها لم تقف; ومما يبين كذب هذه الدعوى، أنها معنا ومع من يحملها من طلبة العلم وغيرهم، ممن يقرأ القرآن، فلا تقف عند قراءة أحد من الناس. ثم إنه قد كان من المعلوم أن كثيرا من الناس، إذا اختلت نقض صندوقها، ونثرها، ثم أعادها على هيئتها الأولى، وهم لا يعرفون السحر، ولا أسبابه ولا أنواعه. وقد أشكل على بعض الناس ما ذكره ابن كثير عن الرازي، لما أدخل في مسمى السحر، وأنواعه، بعض الصناعات، باسمه العام في اللغة، فظن أنه من السحر الذي من تعلمه وعمل به كان كافرا، وليس الأمر كذلك. وقد بيّن ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى، بقوله: قلت

стр. 4651

وإنما أدخل كثيرا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر، للطافة مداركها، لأن السحر في اللغة: عبارة عما لطف وخفي سببه; ولهذا جاء في الحديث: " إن من البيان لسحرا " ١، وسمي "السَّحَر" لكونه يقع خفيا آخر الليل; و "السَّحَر" الرئة، وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها، ولطف مجاريها، إلى أجزاء البدن وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سحره، أي: انتفخت رئته من الخوف، وقالت عائشة ﵂: "توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري"، وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ ٢، أي: أخفوا عنهم عملهم، والله أعلم. وبهذا القدر الذي أوردناه كفاية لمن كان قصده الحق، والله المستعان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 4652

[تقريظ الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف على رسالة حكم استعمال الساعات] قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وكفى، وصلى الله على محمد النبي الهاشمي المصطفى، وسلم تسليما. أما بعد: فقد تأملت ما أجاب به الشيخ سليمان بن سحمان، فيمن سأله عن أمر الساعة، فما أجاب به هو عين الصواب، وأهل الخوض فيها فلان وأشياعه، ممن ارتكب ما نهى الله عنه من التحليل والتحريم برأيه، ممن تناولهم نص هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ١ وهي قديمة من القرن السادس، أو قبله، متداولة بين الملوك. وقد نص شيخ الإسلام، على أشياء ملتحقة بالسحر، لأنها بواسطة عبادة الشياطين، كالسيميا، والكيميا، ولم يتعرض للساعة، لأنها من الصناعة المستخرجة; وهذا مشاهد أنها من قوي إدراكه أحسن تركيبها; وبالجملة: من أصغى إلى هؤلاء وكلامهم، فقد رضي بافتراء الكذب على الله، في التحليل والتحريم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 4653

وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف، وفقه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أقام من شاء من عباده لنصر السنة والقرآن، ووفقهم لكشف ما موّه به أهل الزيغ والافتتان، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، وصفوة الخلق أجمعين، نبينا محمد سيد ولد عدنان، وآله وصحبه الذابين عن دينه، بالسيف واللسان، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فإني نظرت فيما كتبه العالم النبيل، والفاضل الجليل، الشيخ سليمان بن سحمان، جوابا لمن سأله عن الساعة، فإذا هو عين الصواب، والحق الذي لا شك فيه ولا ارتياب؛ إذ المجادل فيها، والقائل أنها من السحر، من أضل الناس، وأجهلهم بقواعد الشرع، وبالتحريم والتحليل، لأن من يحلل ويحرم بلا حجة ولا برهان، بل بمجرد رأيه، فهو أضل من حمار أهله. والتحليل والتحريم، مرجعهما ومأخذهما، من كتاب الله وسنّة نبيه ﷺ وما أجمع عليه السلف الصالح، وأئمة الدين. والساعة صنعة من الصناعات، التي تدرك بالحذق والفكرة، ليست من البدع، ولا من السحر؛ إذ البدع

стр. 4654

المذمومة ما كانت في القرب الشرعية، وأما العادات والصناعات، فليست من قسيم البدع. وقد تداولها الملوك وغيرهم، والعلماء من أهل التحقيق، يشاهدونها، ويسمعون بها، ولم يبلغنا عن أحد ممن مضى ممن يعتد به، تحريمها، ولا إنكارها. ولكن إذا خاض في مسائل التحليل والتحريم، من لا بصيرة له ولا علم، ولا دراية له بالحدود الشرعية، وقلده على جهله من هو من عوام المسلمين، الذين هم أشباه الأنعام، وقع اللبس والتشكيك؛ ولا يلتفت إلى هؤلاء الصعافقة، إلا من قلّ حظه، وضاع نصيبه، من العلم، والإيمان. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 4655

[تقريظ الشيخ سعد بن حمد على رسالة حكم استعمال الساعات] وقال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي نور قلوب أهل العلم والإيمان، بنور السنّة والقرآن، ووفق من أراد هدايته عند الاختلاف، لإصابة الحق والعرفان، وحرم المخذولين بما انتحلوه، من طرائق الجهل، وموارد الخذلان؛ أحمده على تيسير السنة والقرآن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة متواطئ عليها القلب واللسان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد ولد عدنان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: فقد نظرت في هذا التحرير المفيد، والكلام السديد، الذي كتبه أخونا الشيخ الفاضل سليمان بن سحمان، أيده الله بروح منه وسلطان، في رد ما قاله بعض الجهلة، في صندوق الساعة، من أنها من السحر المحرم، وأنه يحرم على المسلم اتخاذها واستعمالها، فوجدت كلامه عافاه الله، وافيا بالمرام، شافيا للسقام، كافيا في رد ما انتحله أولئك الجهلة الطغام، وتهجين ما توهموه واعتقدوه بآرائهم الفاسدة، وعقولهم الكاسدة؛ فجزاه الله أحسن

стр. 4656

الجزاء. ولا يشك من له معرفة بمدارك الأحكام الشرعية، وأصول الشريعة المحمدية أن هذا القول من أفسد الأقوال، وأبعدها عن الصواب، وأنه من القول على الله في شرعه وأحكامه بغير علم. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ٢. وكيف يستجيز من له نصيب من العقل والدين، الجراءة على مثل هذا القول؟! ومن العجب: أن الرجل الذي اخترع هذا الكلام، حتى اغتر به بعض جهلة العوام، الذين هم أشبه شيء بالأنعام، ينسب هذا القول – أعني: زعمه أن صندوق الساعة من السحر - إلى ابن كثير ﵀، ويدعي أنه استدل بكلام ابن كثير، على ما اعتقده برأيه الفاسد؛ وهذا يدل العاقل على كثافة جهل هذا الرجل، وفساد تصوره لما ذكره ابن كثير؛ فإن ما ذكره ابن كثير، ونقله عن

стр. 4657

الرازي، أوضح شيء في بيان أن الساعة ليست من السحر في شيء، وإنما هي من الأعمال العجيبة، والحِرَف التي هي أسباب تخفى على من لا يعرفها. وقد اجتمعت بهذا الرجل، وبينت خطأه في ذلك، وفساد تصوره لما ذكره ابن كثير، وأنه ينادي بخلاف ما ادعاه، ويشهد بجهله وخطئه، فأصر على ما انتحله، وكابر وعاند; ولا يغتر بما تخيله هذا الرجل ورآه، واعتقده بجهله، وافتراه من التحريم، بغير حجة من الله ولا برهان، إلا من هو من الجهلة المخذولين; والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. [حكم ذبائح الصلب وكفار البوادي] وله أيضا: أسكنه الله الفردوس الأعلى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من سليمان بن سحمان إلى عبد الكريم بن السيد عباس، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: وصل إلي منك جملة خطوط، تذكر فيها التنصل من هذه الفتوى المنسوبة إليك، وتزعم أنها مكذوبة عليك، وتبرأ إلى الله منها وممن قالها؛ وهذا بخلاف ما حدثني به الشيخ عبد الله بن بليهد، لما قدم الهند،

стр. 4658

واجتمع بك، وعرض عليك الفتوى التي أفتيت بها، في حل ذبائح الصلب ١ وكفار البوادي، بمجرد النطق بالشهادتين، وانتسابهم إلى دين الإسلام، مع ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج، وارتكاب جميع المحارم، التي حرمها الله ورسوله، وذكر لي أنك ستكتب بالتوبة، والرجوع عما قلت فيها. ثم لما جاءتنا رسائلك، فإذا هي بخلاف ما ذكره الشيخ عنك; ولا يخفى عليك أن الرد الذي كتبناه، إنما كتبناه في الرد على هذه الشبهات، التي شبّه بها هذا المفتري على أهل الإسلام، وزعم أنها مما أمر الله به ورسوله; وليس المقصود الرد عليك نفسك، وإنما هو على هذه الورطات العظيمة، والشبهات المدلهمة الوخيمة. وليس المقصود الأعظم بالرد على من أباح ذبائح الصلب فقط، لأنه من المعلوم عند جميع المسلمين أنهم كفار، وأنها لا تباح ذبائحهم، وإنما المقصود بالرد على من أفتى بهذه الفتوى لأمور: أحدها: أن دعوى من أفتى بهذه الفتوى: أن من تلفظ بالشهادتين يكون مسلما تؤكل ذبيحته، وإن كان مع ذلك لا يصلي ولا يزكي، ولا يصوم ولا يحج، ويرتكب مع ذلك جميع الكبائر. وقد تبين لك: أنه لا بد من معرفة شهادة أن لا إله

стр. 4659

إلا الله، والعمل بمقتضاها من القيام بهذه الأركان الأربعة. وهؤلاء الصَّلب الذين أحل ذبائحهم، وشهد لهم بالإسلام، لا يعرفون معنى لا إله إلا الله، ولا عملوا بمقتضاها، وقد حكم لهم بغير ما أمر الله به ورسوله. الأمر الثاني: أنه زعم أن من انتسب إلى الإسلام، يكون مسلما بمجرد انتسابه إليه، فعلى زعمه: أن عباد القبور اليوم، ممن يدعون الأنبياء، والأولياء والصالحين، وسائر من كفر بالله، وأشرك به ممن يتلفظ بالشهادتين، أنهم مسلمون بمجرد انتسابهم إلى الإسلام، تحل نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم؛ وقد تبين لك ما أمر الله به فيهم ورسوله، من تكفيرهم وعدم إسلامهم. الأمر الثالث: أنه زعم أن الرجل يكون مسلما بنفسه، لا باعتقاده وإرادته، وقوله وعمله; وزعم: أن هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو نقل محرف متصرف فيه، كما بيناه في الرد، وأن هذا لا يقوله عالم؛ ولو أن هذا الرجل من أهل العلم والمعرفة، العالمين بمدارك الأحكام، لعلم أن آخر العبارة يناقض تحريفهم، وما تصرفوا فيه منها. فإن قوله ﵀: وكل حكم علق بأسماء الدين، من إسلام وإيمان، وكفر ونفاق، وردة وتهود وتنصر، إنما يثبت لمن اتصف بالصفات الموجبة لذلك، فهذا يناقض ما

стр. 4660

حرفوه بقولهم، هو حكم يتعلق بنفسه، لا باعتقاده، وإرادته، وقوله وعمله؛ فإن هذه الأوصاف: من الإيمان والإسلام، والكفر والنفاق، والردة وغيرها، هي الموجبة لكونه مسلما، أو يهوديا، أو نصرانيا. الأمر الرابع: أنه زعم أن من أشرك بالله وكفر به، مسلم بمجرد انتسابه إلى الإسلام، قياسا على اليهود والنصارى، لأن الله أحل ذبائحهم ونساءهم، بمجرد انتسابهم إلى الكتاب، وأن الله سماهم أهل كتاب، مع أنهم لم يعملوا بما في التوراة والإنجيل، مما أمر الله به؛ فكذلك تحل ذبيحة من ارتد عن الإسلام، وكفر بالله وأشرك به، من هذه الأمة على زعمه، وإن لم يعملوا بما أمر الله به، من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، بمجرد انتسابه إلى الإسلام. الأمر الخامس: أنه قاس هؤلاء الصَّلَب، وكفار البدو، الذين لم يعملوا بشيء من شرائع الإسلام، ولم يأتمروا بشيء من الأوامر، ولم ينتهوا عن شيء من المناهي، إلا بمجرد التلفظ بالشهادتين; وقد كان من المعلوم بالضرورة: أن الله قد أكمل لنا الدين، وأتم لنا شرائع الإسلام، وقد بلّغ رسول الله ﷺ البلاغ المبين، فقاسهم على الأعراب، الذين قالوا - أول ما دخلوا في الإسلام -:آمنا، فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا
следующие страницы →