وأما ما ذكرته، عن الأعراب من الفرق، بين من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ومن لم يستحل؟ فهذا هو الذي عليه العمل، وإليه المرجع، عند أهل العلم، والسلام.
(معنى السمت والهدي والتؤدة)
وسئل الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن، بن حسن، عن السمت والهدى، والتؤدة ... إلخ.
فأجاب: الأحاديث التي سألت عن معناها، قد تكلم عليها بعض العلماء، بما حاصله: أن السمت، والهدى، في حالة الرجل، في مذهبه، وخلقه; وأصل السمت في اللغة: الطريق المنقاد، ثم نقل لحالة الرجل، وطريقته في المذهب، والخلق، والاقتصاد، سلوك القصد في الأمر، والدخول فيه برفق، وعلى سبيل يمكن الدوام عليه; وأما: التؤدة، فهي: التأني، والتمهل، وترك العجلة، وسبق الفكر، والروية، للتلبس في الأمور.
وأما كون هذه الخصال، جزءا من أربعة وعشرين جزءا من النبوة، فقد قيل: إن هذه الخلال من شمائل الأنبياء ﵈، ومن الخصال المعدودة من خصالهم، وأنها جزء من أجزاء فضائلهم، فاقتدوا بهم فيها، وتابعوهم عليها، قالوا: وليس معنى الحديث، أن النبوة: تتجزأ، ولا أن من جمع هذه الخلال كان فيه جزء من النبوة; فإن النبوة غير مكتسبة، ولا مجتلبة بالأسباب، وإنما هي كرامة من الله تعالى، وخصوصية لمن أراد الله إكرامه من عباده: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 492
حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٢٤] . وقد انقطعت النبوة، بموت محمد ﷺ .
وفيه وجه آخر; وهو أن يكون معنى النبوة هاهنا، ما جاءت به النبوة، ودعت إليه الأنبياء ﵈، يعني: أن هذه الخلال جزء من أربعة وعشرين جزءا، مما جاءت به النبوات، ودعت إليه الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم; وقد أمرنا باتباعهم، في قوله ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قالوا: وقد يحتمل وجها آخر، وهو: أن من اجتمعت له هذه الخصال، لقيه الناس بالتعظيم والتوقير، وألبسه الله لباس التقوى، الذي يلبسه أنبياءه، فكأنها جزء من النبوة; قلت: وما قبل هذا، أليق بمعنى الحديث.
وأما حديث: " الرؤيا حق " فقيل معناه: تحقيق أمر الرؤيا، وتأكيده، وهو جزء من أجزاء النبوة، في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم دون غيرهم; لأن رؤيا الأنبياء ﵈ وحي، قال عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي، وقرأ قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [سورة الصافات آية: ١٠٢] .
وأما تحديد الأجزاء، بالعدد المذكور في الحديث، فقد قال بعض أهل العلم: إنه أوحى إليه ﷺ بمكة ستة أشهر في منامه، ثم توالى الوحي يقظة، إلى أن توفي ﷺ . وكانت مدة
стр. 493
الوحي ثلاثا وعشرين سنة، منها نصف سنة في أول الأمر يوحى إليه في منامه، ونسبة الستة الأشهر لبقية مدة الوحي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة; وسئل بعض أهل العلم عن هذا الحديث، قال: معناه أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة، لا أنها جزء من باقي النبوة، وقال بعضهم: إنها جزء من أجزاء علم النبوة، وعلم النبوة باق، والنبوة غير باقية بعد رسول الله ﷺ ذهبت النبوة، وبقيت المبشرات، وهي: الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له.
وعندي: أن النبوة - التي هي الوحي بشرائع الأنبياء - عبارة عن نبأ، أو شأن عظيم في القوة وإفادة اليقين; والرؤيا الصالحة - التي هي من أقسام الوحي - جزء باعتبار القوة، وإفادة العلم، من ستة وأربعين جزءا، ولا يقتضي هذا تجزؤ النبوة، وأنها مكتسبة، ولا إطلاق اسم النبوة على هذا الجزء، لأن المسمى هو الكل المستجمع لجميع الأجزاء، فلا محذور، ويمكن أن يقال هذا فيما تقدم، من قوله: " الهدى الصالح، والسمت الحسن، والاقتصاد، جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة " ١ هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
(الفرق بين الفلاسفة الإلهيين والمشائين)
وسئل: عن الفرق بين الفلاسفة الإلهيين، والمشائين:
فأجاب: أما الفرق بين الفلاسفة الإلهيين والفلاسفة المشائين، فذكر شارح رسالة ابن زيدون، أن المشائين: أفلاطون، ومن اتبعه; وأنهم أول من قال بالطبائع، وتكلم
стр. 494
فيها، وأمر بالرياضة، والمشي، لمعاونة قوة الطبيعة، وتحليل ما يضادها من الأخلاط، وأمر بالمشي، والرياضة، عند المذاكرة في مسائل الطبيعة، فسموا مشائين لهذا.
وأما الإلهيون، فهم: قدماؤهم من أهل النظر، والكلام في الأفلاك العلوية، وحركاتها، وما يزعمون، وينتحلونه، من إفاضتها، وتأثيرها; وفي اللغة: إطلاق الإله، على المدبر والمؤثر، كما يطلق على المعبود; وقد عرفت أن جمهورهم وقدماءهم: ليسوا مما جاءت به الرسل في شيء، ومذهبهم أكفر المذاهب، وأبطلها وأضلها عن سواء السبيل.
стр. 495
(رسالة أملاها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن على لسان راشد بن عبيد الله الغزي)
وهذه رسالة أملاها الشيخ: عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن، على لسان راشد بن عبيد الله الغزي، لما أخبره بالمناظرة التي وقعت بينه وبين إبراهيم خيار؛ قال: لعلها تكون سببا لرجوعه إلى الحق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من راشد بن عبيد الله الغزي، إلى الشيخ إبراهيم خيار، وفقنا الله وإياه لاتباع السنة النبوية والأخيار، وبعد إبلاغ السلام عليكم، ورحمة الله وبركاته، نعرفكم أنا وصلنا الرياض بالسلامة، وبحثنا عن نقض كلام داود بن جرجيس، فوجدنا ثلاث نسخ، كل نسخة لواحد من المنتسبين إلى الدين، من أهل تلك البلاد النجدية، وسمعت كثيرا من ردهم ونقضهم، فوجدتهم قد أوردوا من الحجج، والأدلة، والبراهين، ما لا يقاومه أحد، ولا يستطيع ذلك مجادل; فإنهم احتجوا على وجوب إخلاص الدين لله، وإفراده بالعبادة، والدعاء، والاستغاثة، والاستجارة، بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وأقوال علماء الأمة، وما درج عليه القرون المفضلة، بنص الحديث.
فقام الدليل، واتضح السبيل، في حكم أبيات البردة، وتشطير داود لها، وهي قوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك
- البيت - وقوله:
فإن من جودك الدنيا
стр. 496
وضرتها
- البيت - وبينوا ما في هذه الأبيات وتشطيرها من البشاعة، والشناعة، والجهالة، وقرروا أن هذا من الغلو الذي ذمه الله ورسوله; وتكرر النهي عنه، وهو يشبه غلو النصارى، من بعض الوجوه.
فإن الله هو الذي يستحق أن يلاذ ويعاذ، ويستجار به، وهو الذي أوجد الدنيا، والآخرة، وهما من جوده، لا من جود أحد سواه، وهو العالم بجميع الغيب، أحاط علمه بكل شيء، لا يصلح أن يكون المخلوق - وإن علت درجته، كالأنبياء والملائكة - مساويا ومماثلا لله تعالى، في صفة من صفاته، أو فعل من أفعاله، تعالى الله عن ذلك. وبسط الكلام يطول، وأنا أحب لك الخير، وأن لا تهلك مع من هلك، فلذلك كتبت لك، طمعا في إنصافك، وتأملك.
وبالجملة: فعقيدة القوم: تحكيم الكتاب، والسنة، والأخذ بأقوال سلف الأمة، وأئمتها، كالأئمة الأربعة، وأمثالهم، في باب: وجوب إخلاص العبادة لله ومحبته، والإنابة إليه، وتعظيمه، وطاعته; وفي باب: معرفته بصفات كماله، ونعوت جلاله، فيثبتون له ما أثبته الله تعالى لنفسه، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل; فهم على طريقة السلف; وما قاله مالك، ﵀، يجري عندهم في الاستواء، وفي غيره.
وكذلك: ينكرون، ويكفرون من قال بأن لأرواح المشائخ تصرفات بعد الممات، وأن ذلك لهم على سبيل
стр. 497
الكرامات، فإن هذا من أشنع الأقوال المكفرة، وأضلها، لمصادمة الكتاب المصدق، ولما فيه من الشرك المحقق; وكذلك ينكرون التعبد بالبدع التي لم يشرعها الله ولا رسوله، من كل فعل، أو قول، تركه رسول الله ﷺ وتركه أصحابه، مع قيام المقتضي الموجب له، لو كان مشروعا.
ويشددون في النهي عن وسائل الشرك وذرائعه، كبناء المساجد على القبور، والصلاة عندها، وإيقاد السرج عليها، والعكوف لديها، واتخاذ السدنة لها، واتخاذها أعيادا، تزار، وتقصد في يوم معلوم، ووقت مرسوم; فإن هذا فيه من روائح الشرك ووسائله ما لا يخفى.
ومن أصولهم: أنهم يقولون بوجوب رد ما تنازعت فيه الأمة إلى كتاب الله، وسنة رسوله، ولا يقبلون قولا مجردا عن دليل ينصره، وبرهان يعضده، بمجرد نسبته إلى شيخ أو متبوع غير الرسول، لا سيما من خالف هدى القرون المفضلة، وما درج عليه أوائل هذه الأمة، فإنهم يشددون على من خالفهم; وأما أمرهم بأركان الإسلام، والتأديب على تركها، والحث على فعلها، فأمر مشهور، لا ينكره الخصم.
وقد جرى بيني وبينك، في مسألة الاستواء مذاكرة، وقلت لي إن معنى استوى: استولى، وأنشدتنا في ذلك قول الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... البيت. فأخبرت بكلامك بعض مشائخنا، فعجب منه، وقال: هذا
стр. 498
قول باطل مردود بوجوه كثيرة.
منها: أنه لا يقال استوى، بمعنى الاستيلاء، إلا إذا سبق ذلك مغالبة، وخروج عن الاستيلاء، كما في البيت. ومنها: أن هذا البيت مولد، لا يحتج به. ومنها: أن المعروف في اللغة، يبطل هذا، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [سورة هود آية: ٤٤] ، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٩] ، ولا يصلح أن يراد بالآيتين الاستيلاء، وقال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [سورة الزخرف آية: ١٣] ، ولا يصلح أن يكون بمعنى الاستيلاء، وخير ما فسر كتاب الله بما ورد، وبعضه يبين بعضا. والبيت معارض بقول الشاعر:
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة ... وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد، استولى; لأن النجم لا يستولي.
وقد ذكر النضر بن شميل، وكان ثقة مأمونا، جليلا في علم الديانة واللغة، قال حدثني الخليل، وحسبك بالخليل، قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا عليه، فرد السلام، وقال: استووا، فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال، فقال لنا أعرابي إلى جانبه: إنه أمركم أن ترتفعوا، فقال الخليل: هو
стр. 499
من قول الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [سورة فصلت آية: ١١] فصعدنا إليه، ولا يصلح هنا الاستيلاء.
ومن صرف كلام الله عن حقيقته وظاهره، لمجرد كلام بعض المولدين، وترك تفاسير الصحابة وأهل العلم والإيمان، فهو: إما زائغ، وإما جاهل في غاية الجهالة.
ومن زعم أن الرسول ﷺ لم يبين للأمة ما يراد من هذه الآيات، وما يعتقدونه في ربهم، فهو من أضل الناس وأجهلهم; بل هذا محال شرعا، وعقلا; كيف يبين كل شيء، حتى الخراءة، ويدع أصل الأصول ملتبسا لا يبينه، ولا يعلمه أمته، حتى يجيء بعض الخلف، ويبينون للأمة العقيدة الصحيحة في ربهم؟! والرسول وأصحابه قد أعرضوا عن ذلك، ولم يبينوه؟! وهذا لازم لقولكم لزوما لا محيد عنه.
ومستحيل أيضا أن يكون الرسول وأصحابه، غير عالمين بالحق في هذا الباب، وأن الخلف أعلم من السابقين الأولين، ومن التابعين، وتابعيهم من أهل القرون المفضلة، كالأئمة الأربعة، ومن ضاهاهم من أئمة الدين، وأعلام الهدى.
قالوا لنا: ومشائخ الأشاعرة، والكرامية، والمعتزلة، يعترفون أن قولهم لم يقله السلف، ولم ينقل عنهم، ولذلك يقول جهالهم: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم
стр. 500
وأحكم، لأنهم يظنون أن السلف بمنْزلة الأميين الذين لم يتفطنوا لدقيق العلم الإلهي، ولم يعرفوا حقيقة ما يعتقدونه في ربهم ومعبودهم، وأن الخلف حازوا قصب السبق في ذلك!
قالوا لنا: والإشارة بالخلف، في قولهم: الخلف أعلم، إلى طائفة من أهل الكلام، الذين اعترفوا على أنفسهم بالحيرة، وذم ما هم عليه من الخوض في الجواهر والأعراض، قالوا: ومن أشهر مشائخهم: أبو المعالي الجويني; وهو القائل: لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، والآن إن لم يتداركني الله برحمته، فالويل لابن الجويني; قال: وها أنا أموت على عقيدة أمي.
قال بعض السلف: أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام; وأنت خبير بأن من ترك مذهب السلف، وأخذ بمذهب الخلف، إنما يحمله على ذلك شبه أهل الكلام، وأقيستهم، أو تقليدهم، ولم يترك مذهب السلف لدليل من كتاب، أو سنة.
ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا ، إلا على ذلك; وإنما يوجه كلام الله تعالى على الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع ذلك ما يجب له التسليم، قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾
стр. 501
[سورة التوبة آية: ٢] أي: على الأرض، وقيل لمالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] كيف استوى؟ قال مالك ﵀ لسائله: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة; وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء.
قال أبو عبيدة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] أي: علا، قال، وتقول العرب: استويت فوق الدابة، وفوق البيت; ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع، ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب، من معهود مخاطبتها، مما يصح معناه عند السامعين; وكل ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء، وأن استوى بمعنى: استولى، لأن الاستيلاء في اللغة: المغالبة، وهو سبحانه لا يغالبه أحد، والاستواء معلوم في اللغة; وهو: العلو والارتفاع، والتمكن.
قال الإمام محيي السنة: أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، الشافعي، صاحب: معالم التنْزيل، عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] : قال الكلبي، ومقاتل: استقر; وقال أبو عبيدة: صعد، قلت: لا يعجبني قوله: استقر، بل أقول كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول; ثم قال البغوي: وأولت المعتزلة الاستواء، بالاستيلاء; وأما أهل السنة، فيقولون: الاستواء على العرش، صفة لله بلا كيف، يجب الإيمان به.
واعلم أن القصد بهذا: مناصحتك، ودعوتك إلى الله،
стр. 502
لعل الله أن يمن عليك بالرجوع إليه، ومعرفة الحق، والعمل به; وعليك بالتفكر والتدبر، والدعاء بدعاء الاستفتاح، الذي أخرجه مسلم في صحيحه: " اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل إلى آخره " ١.
وقال أيضا: الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن:
حديث عبادة: ٢ حديث عظيم، جليل الشأن، من أجمع الأحاديث لأصول الدين وقواعده; لأن شهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات، وهي: الأصول الثلاثة: توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات; وهذه الأصول تدور عليها أديان الرسل، وما أنزل إليهم; وهي الأصول العظام الكبار، التي دلت عليها، وشهدت بها العقول والفطر; وفي شهادة "أن محمدا رسول الله" الإيمان به، وبجميع الرسل، لما بينهما من التلازم، وكذلك الإيمان بالكتب التي جاءت بها الرسل.
وفي شهادة "أن عيسى عبد الله" رد على النصارى، وإبطال مذهبهم، وفي قوله: "ورسوله" رد على اليهود، وتكذيبهم بما نسبوه إلى عيسى وأمه، وأما قوله: "وكلمته ألقاها إلى مريم" فسماه كلمة، لأنه كان بالكلمة من غير أب،
стр. 503
هذا دين المرسلين، خلافا للنصارى القائلين: هو نفس الكلمة، وهم من أضل الخلق وأضعفهم عقولا، لأنهم لم يفرقوا بين الخلق والأمر; قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] ففرق تعالى بين خلقه وأمره; ومنه رد السلف، والأئمة على من قال: القرآن مخلوق.
وفي قوله: وروح منه كشف شبهة النصارى القائلين بإلهية عيسى، وأنه من ذات الله، لأن في هذا الحديث أنه روح من جملة الأرواح المخلوقة المحدثة، فهو منه خلقا وإيجادا، وليس من ذاته كما قالت النصارى; ومثله قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [سورة الجاثية آية: ١٣] فـ "منه" هنا، وفي الحديث، وفي آية النساء، بمعنى واحد، وهو خلقه وإيجاده.
وفي قوله: " وأن الجنة حق، والنار حق " ١ الإيمان بالوعد، الوعيد، والجزاء بعد البعث، وفيه: الإيمان بالساعة; وفيه: الإيمان بالبعث بعد الموت، وأن ذلك لحكمة، وهي: ظهور مقتضى أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، من إثابة أوليائه وكرامتهم، وعقاب أعدائه، وإهانتهم، وظهور حمده، واعتراف جميع خلقه له به.
стр. 504
(شرح حديث: " ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة")
وله أيضا: ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ صالح آل عثمان، سلمه الله وحفظه من طائف الشيطان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على ما أولاه من الإنعام، جعلنا الله وإياك من أوليائه الذاكرين الشاكرين.
وأما المسألة التي سألت عنها، في معنى قوله ﷺ : " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة " ١ فمن أحسن ما قيل في معناه، قول العلامة: ابن القيم، رحمه الله تعالى، في باب المعاينة، من شرح المنازل، لما تكلم على ما يزعمه القوم، من إدراك نفس الحقيقة، والأنوار التي يجدونها، وأنها أمثلة وشواهد.
قال: وحقيقتها هي وقوع القوة العاقلة، على المثال العلمي المطابق للخارجي، فيكون إدراكه له، بمنْزلة إدراك العبد للصورة الخارجية; وقد يقوى سلطان هذا الإدراك الباطن، بحيث يصير الحكم له، ويقوى استحضار القوة العاقلة لمدركها، بحيث يستغرق فيه، ويغلب حكم القلب، على حكم الحس والمشاهدة، ويستولي على السمع والبصر، بحيث يراه، ويسمع خطابه في الخارج، أو في
стр. 505
النفس والذهن، لكن، لغلبة الشهود، وقوة الاستحضار، وتمكن حكم القلب، واستيلائه على القوى، صار كأنه مرئي بالعين، مسموع بالأذن، بحيث لا يشك المدرك في ذلك، ولا يرتاب البتة، ولا يقبل عذلا.
وحقيقة الأمر: أن ذلك كله شواهد، وأمثلة علمية، تابعة للمعتقد - إلى أن قال -: وليس مع القوم إلا الشواهد، والأمثلة العلمية، والرقائق، التي هي: ثمرة قرب القلب من الرب، وأنسه، واستغراقه في محبته، وذكره، واستيلاء سلطان معرفته عليه; والرب ﵎، وراء ذلك كله: منَزه مقدس، عن اطلاع البشر على ذاته، وأنوار ذاته أو صفاته; وإنما هي الشواهد التي تقوم بقلب العبد، كما يقوم بقلبه شاهد الآخرة، والجنة والنار، وما أعد الله لأهلها. وهذا هو الذي وجده عبد الله بن حرام، يوم أحد، لما قال: " واها لريح الجنة، إني لأجد ريحها دون أحد; " ومنه قوله ﷺ : " إذ مررتم برياض الجنة فارتعوا " ١ وقوله: " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة " ٢، فهي: روضة لأهل العلم والإيمان، لما يقوم بقلوبهم من شواهد الجنة، حتى كأنها لهم رأي عين; وإذا قعد المنافق هناك، لم يكن ذلك المكان في حقه روضة من رياض الجنة; فالعمل إنما هو على الشواهد، وعلى حسب شاهد العبد يكون عمله; انتهى ملخصا. وبه: يظهر معنى الحديث، وأن اختصاص هذا
стр. 506
المكان بكونه روضة من رياض الجنة، لما يقوم بقلب العبد من المثال والشاهد الذي يقوي سلطانه هناك، وتظهر ثمرته، ويجد المؤمن من لذته، وروحه، حتى كأنه رأي عين; وفي هذا القدر كفاية، والله الموفق; ولا تذخر عمارة مجلسك، بذكر الله، والدعوة إليه، ونشر العلم، الذي أنزله على رسوله ﷺ من الكتاب، والحكمة، والله أعلم، وصلى الله على محمد.
(الفرق بين القدر والقضاء)
وسئل ﵀ عن الفرق، بين القدر، والقضاء؟
فأجاب: القدر في الأصل، مصدر قدر; ثم استعمل في التقدير، الذي هو: التفصيل والتبيين; واستعمل أيضا بعد الغلبة في تقدير الله للكائنات قبل حدوثها; وأما القضاء: فقد استعمل في الحكم الكوني بجريان الأقدار، وما كتب في الكتب الأولى; وقد يطلق هذا على القدر الذي هو: التفصيل والتمييز.
ويطلق القدر أيضا على القضاء، الذي هو الحكم الكوني، بوقوع المقدرات; ويطلق القضاء، على الحكم الديني الشرعي; قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] ، ويطلق القضاء على الفراغ، والتمام، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [سورة الجمعة آية: ١٠] ، ويطلق على نفس الفعل، قال تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [سورة طه آية: ٧٢] ، ويطلق على الإعلام، والتقدم بالخبر، قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾
стр. 507
[سورة الإسراء آية: ٤] .
ويطلق على الموت، ومنه قولهم: قضى فلان، أي: مات، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٧٧] ، ويطلق على وجود العذاب، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ ، ويطلق على التمكن من الشيء وتمامه، كقوله: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [سورة طه آية: ١١٤] ، ويطلق على الفصل والحكم، كقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٩] ، ويطلق على الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [سورة فصلت آية: ١٢] .
ويطلق على الحتم، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٢١] ، ويطلق على الأمر الديني، كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، ويطلق على بلوغ الحاجة، ومنه: قضيت وطري. ويطلق على إلزام الخصمين بالحكم، ويطلق بمعنى الأداء، كقوله تعالى:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٠٠] . والقضاء في الكل: مصدر; واقتضى الأمر الوجوب: دل عليه، والاقتضاء، هو: العلم بكيفية نظم الصيغة; وقولهم: لا أقضي منه العجب، قال الأصمعي: يبقى ولا ينقضي.
(معنى قول القائل: أسألك بمعقد العز من عرشك)
وسئل أيضا، ﵀ عن قوله: أسألك بمعقد العز من عرشك، ما معناه؟
فأجاب: لا يخفى أن هذا ليس من الأدعية المشروعة; ولذلك، اختلف الناس فيه، فكره أبو حنيفة المسألة بمعقد العز، وأجازها صاحبه أبو يوسف، لأنه قد يراد بهذه الكلمة
стр. 508
المحل، أي محل المعقد وزمانه، كمذهب، يطلق على محل الذهاب وزمانه; وربما أريد بها المفعول، كمركوب، ويكون هنا اسم مصدر، من: عقد يعقد عقدا، والاسم: معقد; ويكون صفة ذات; ولهذا قال أبو يوسف: معقد العز هو الله; وأما أبو حنيفة، فنظر إلى أن اللفظ، محتمل لمعان متعددة، فلذلك كره المسألة به، وبهذا يتبين المعنى.
(معنى قوله ﷺ : " إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني ".
وسئل: عن قوله ﷺ في الدعاء المشهور: " إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني ".
فأجاب: اعلم أن التجهم: الغلظة، والعبوس، والاستقبال بالوجه الكريه; قال بعض علماء اللغة: الجهم الغليظ المجتمع، وجهم ككرم، جهامة وجهومة، استقبله بوجه كريه، كتجهمه; والجهمة: آخر الليل، أو بقية سواد من آخره; وأجهم: دخل فيه. انتهى. وبه يظهر أن التجهم يقع على الاستقبال بوجه مظلم عبوس، والله أعلم.
(رسالة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن في بيان عقيدة الشيخ ابن عبد الوهاب وأخباره وأحواله)
وقال الشيخ: إسحاق بن عبد الرحمن، بن حسن، رحمهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون، وبعدله ضل الضالون ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٣] ، أحمده سبحانه حمد عبد نزه ربه عما يقول الظالمون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسبحان الله رب العرش عما يصفون. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق
стр. 509
المأمون، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، الذين هم بهديه متمسكون; وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فإنه ابتلي بعض من استحوذ عليه الشيطان، بعداوة شيخ الإسلام، الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، ومسبته، وتحذير الناس عنه، وعن مصنفاته، لأجل ما قام بقلوبهم من الغلو في أهل القبور، وما نشؤوا عليه من البدع التي امتلأت بها الصدور; فأردت أن أذكر طرفا من أخباره وأحواله، ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره، فلا يروج عليه الباطل، ولا يغتر بحائد عن الحق مائل، مستنده ما ينقله أعداؤه، الذين اشتهرت عداوتهم له في وقته، وبالغوا في مسبته، والتأليب عليه وتهمته، وكثيرا ما يضعون من مقداره، ويغيضون ما رفع الله من مناره، منابذة للحق الأبلج، وزيغا عن سواء المنهج.
والذي يقضي به العجب قلة إنصافهم، وفرط جورهم واعتسافهم، وذلك أنهم لا يجدون زلة من المنتسبين إليه، ولا عثرة إلا نسبوها إليه، وجعلوا عارها راجعا عليه، وهذا من تمام كرامته، وعظم قدره، وإمامته; وقد عرف من جهالهم، واشتهر من أعمالهم أنه ما دعا إلى الله أحد، وأمر بمعروف، ونهى عن منكر، في أي قطر من الأقطار، إلا سموه وهابيا، وكتبوا فيه الرسائل إلى البلدان، بكل قول هائل يحتوي على الزور والبهتان.
ومن أراد الإنصاف، وخشي مولاه وخاف، نظر في
стр. 510
مصنفات هذا الشيخ، التي هي الآن موجودة عند أتباعه؛ فإنها أشهر من نار على علم، وأبين من نبراس على ظلم، وسأذكر لك بعض ما وقفت عليه من كلامه، خوفا أن تخوض من مسبته في مهامه، فأقول:
قد عرف واشتهر، واستفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته، ومصنفاته المسموعة المقروءة عليه، وما ثبت بخطه، وعرف واشتهر من أمره ودعوته، وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته، أنه على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين، أهل الفقه والفتوى، في باب معرفة الله، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحت بها الأخبار النبوية، وتلقاها أصحاب رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، يثبتونها ويؤمنون بها، ويمرونها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
وقد درج على هذا: من بعدهم من التابعين، من أهل العلم والإيمان، من سلف الأمة; كسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وكمجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وأمثالهم كعلي بن الحسين، وعمر بن عبد العزيز، ومحمد بن مسلم الزهري، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وكحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والفضيل بن عياض، وابن المبارك، وأبي حنيفة
стр. 511
النعمان بن ثابت، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والبخاري، ومسلم، ونظرائهم من أهل الفقه والأثر; لم يخالف هذا الشيخ ما قالوه، ولم يخرج عما دعوا إليه واعتقدوه.
وأما توحيد العبادة والإلهية، فقد حققه غاية التحقيق، ووضح فيه المنهج والطريق; وقال: إن حقيقة ما عليه أهل الزمان، وما جعلوه هو غاية الإسلام والإيمان، من طلب الحوائج من الأموات، وسؤالهم في المهمات، وحج قبورهم للعكوف عندها والصلوات، هو بعينه فعل الجاهلية الأولى، من دعاء اللات والعزى ومناة، لأن اللات، كما ورد في الأحاديث: رجل يلت السويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره، يرجون شفاعته في مجاوريه، والتقرب به إلى الله في زائريه، لم يقولوا: إنه يدبر الأمر ويرزق، ولا أنه يحيى ويميت ويخلق، كما نطق بذلك الكتاب، فكان مما لا شك فيه ولا ارتياب.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] . قال العماد ابن كثير، ﵀، أي: أفلا تتقون الشرك في العبادة، لأنهم لا يطلبون إلا الشفاعة والقرب، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ
стр. 512
إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] .
قال الشيخ ﵀: يوضح ذلك، أن أصل الإسلام وقاعدته: شهادة أن لا إله إلا الله، وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان، وهذا الأصل، لا بد فيه من العلم والعمل والإقرار، بإجماع المسلمين; ومدلوله: وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه، كائنا من كان; وهذا هو الحكمة التي خلقت لها الجن والإنس، وأرسلت لها الرسل، وأنزلت بها الكتب، وهي تضمن كمال الذل والحب، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم; وهذا هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينا سواه، لا من الأولين، ولا من الآخرين.
قال ﵀: وقد جمع ذلك في سورتي الإخلاص، أي: العلم، والعمل، والإقرار. وقد اكتفى بعض أهل زماننا، بالإقرار وحده، وجعلوه غاية التوحيد، وصرفوا العبادة التي هي مدلول لا إله إلا الله، للمقبورين، وجعلوها من باب التعظيم للأموات، وأن تاركها قد هضمهم حقهم، وأبغضهم وعقهم; ولم يعرفوا أن دين الإسلام هو الاستسلام لله وحده، والخضوع له وحده، وأن لا يعبد بجميع أنواع العبادة سواه.
وقد دل القرآن على أن من استسلم لله ولغيره، كان مشركا; قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [سورة الزمر آية: ٥٤] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ
стр. 513
اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٧] ، وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] ، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٤٥] . وذكر عن رسله نوح، وهود، وشعيب، وغيرهم، أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] .
قال ﵀: والشرك المراد في هذه الآيات ونحوها، يدخل فيه شرك عباد القبور، وعباد الأنبياء والملائكة والصالحين، فإن هذا، هو شرك جاهلية العرب، الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد ﷺ ؛ فإنهم كانوا يدعونها، ويلتجئون إليها، ويسألونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها، لتقربهم إلى الله، كما نبه تعالى على ذلك في آيتي يونس والزمر.
قال ﵀: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء، والصالحين شاركوا الله في خلق
стр. 514
السماوات والأرض، واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣٨] . فهم معترفون بهذا، مقرون به، لا ينازعون فيه، ولذلك حسن موقع الاستفهام، وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر، ولا يمسك الرحمة; ولا يخفى ما في التنكير من العموم والشمول، المتناول لأقل شيء وأدناه من ضر أو رحمة; قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٦] . ذكر فيه السلف كابن عباس، وغيره، أن إيمانهم هنا بما أقروا به من ربوبيته وملكه; وفسر شركهم المذكور، بعبادة غير الله.
قال ﵀: فإن قلت: إنهم لم يطلبوا إلا من الأصنام، ونحن ندعو الأنبياء; قلت: قد بين القرآن في غير موضع، أن من المشركين من أشرك بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالكواكب، ومنهم من أشرك بالأصنام، وقد رد الله عليهم جميعهم، وكفر كل أصنافهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] ، وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ
стр. 515
دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] الآية، وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ [سورة النساء آية: ١٧٢] الآية، ونحو ذلك في القرآن كثير.
وكما في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٩٨] ، وقول ابن الزبعرى: نحن نعبد الملائكة، والأنبياء، وغيرهم، فكلنا في حصب جهنم؟! فرد الله عليهم بالاستثناء في آخرها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ١٠١] . وبه يعلم المؤمن أن عبادة الأنبياء والصالحين، كعبادة الكواكب والأصنام، من حيث الشرك والكفر بعبادة غير الله.
قال ﵀: وهذه العبادات التي صرفها المشركون لآلهتهم، هي أفعال العباد الصادرة منهم: كالحب، والخضوع، والإنابة، والتوكل والدعاء، والاستعانة، والاستغاثة، والخوف، والرجاء، والنسك، والتقوى، والطواف ببيته رغبة ورجاء، وتعلق القلوب والآمال بفيضه، ومده، وإحسانه، وكرمه، فهذه الأنواع: أشرف أنواع العبادة وأجلها; بل هي: لب سائر الأعمال الإسلامية، وخلاصتها; وكل عمل يخلو منها فهو خداج، مردود على صاحبه.
وإنما أشرك، وكفر من كفر من المشركين، بقصد غير الله بهذا، وتأليهه غير الله بذلك، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ
стр. 516
كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١٧] ، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٤٣] ، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [سورة الفرقان آية: ٣] الآية. وحكى عن أهل النار، أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آية: ٩٧-٩٨] ، ومعلوم: أنهم ما ساووهم به، في الخلق، والتدبير، والتأثير، وإنما كانت التسوية، في الحب، والخضوع، والتعظيم، والدعاء ونحو ذلك من العبادات.
قال ﵀: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم، ممن يعبد الأولياء والصالحين، نحكم بأنهم مشركون; ونرى كفرهم، إذا قامت عليهم الحجة الرسالية; وما عدا هذا من الذنوب، التي هي دونه في المرتبة والمفسدة، لا نكفر بها.
ولا نحكم على أحد من أهل القبلة، الذين باينوا لعباد الأوثان والأصنام والقبور، بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه; وغلاة الجهمية والقدرية والرافضة، ونحوهم ممن كفرهم السلف، لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى، من سلف هذه الأمة، ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج، وقالته في أهل الذنوب من المسلمين.
قال ﵀: ومجرد الإتيان بلفظ الشهادة، من غير علم بمعناها، ولا عمل بمقتضاها: لا يكون به المكلف
стр. 517
مسلما; بل هو حجة على ابن آدم، خلافا لمن زعم أن الإيمان مجرد الإقرار، كالكرامية، ومجرد التصديق كالجهمية. وقد أكذب الله المنافقين، فيما أتوا به وزعموه من الشهادة، وأسجل على كذبهم، مع أنهم أتوا بألفاظ مؤكدة بأنواع من التأكيدات، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة المنافقون آية: ١] ، فأكدوا بلفظ الشهادة، وإن المؤكدة، واللام، وبالجملة الاسمية; فأكذبهم، وأكد تكذيبهم، بمثل ما أكدوا به شهادتهم، سواء بسواء; وزاد التصريح باللقب الشنيع، والعلم البشع الفظيع.
وبهذا تعلم: أن مسمى الإيمان، لا بد فيه من التصديق والعمل; ومن شهد أن لا إله إلا الله، وعبد غيره، فلا شهادة له، وإن صلى، وزكى، وصام، وأتى بشيء من أعمال الإسلام; قال تعالى لمن آمن ببعض الكتاب ورد بعضا: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٥] الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ١٥٠] الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] .
والكفر نوعان: مطلق، ومقيد; فالمطلق هو: الكفر بجميع ما جاء به الرسول والمقيد: أن يكفر ببعض ما جاء
стр. 518
به الرسول; حتى إن بعض العلماء كفر من أنكر فرعا مجمعا عليه، كتوريث الجد، أو الأخت، وإن صلى وصام، فكيف بمن يدعو الصالحين، ويصرف لهم خالص العبادة ولبها؟ وهذا مذكور في المختصرات، من كتب المذاهب الأربعة; بل كفروا ببعض الألفاظ التي تجري على ألسن بعض الجهال، وإن صلى وصام من جرت على لسانه.
قال ﵀: والصحابة كفروا من منع الزكاة، وقاتلوهم، مع إقرارهم بالشهادتين، والإتيان بالصلاة، والصوم، والحج قال ﵀: وأجمعت الأمة على كفر بني عبيد القداح، مع أنهم يتكلمون بالشهادتين، ويصلون ويبنون المساجد، في قاهرة مصر، وغيرها; وذكر أن ابن الجوزي صنف كتابا في وجوب غزوهم وقتالهم، سماه: النصر على مصر; قال: وهذا يعرفه من له أدنى إلمام بشيء من العلم والدين. فتشبيه عباد القبور بأنهم يصلون، ويصومون، ويؤمنون بالبعث، مجرد تعمية على العوام وتلبيس، لينفق شركهم، ليقال بإسلامهم وإيمانهم، ويأبى الله ذلك، ورسوله والمؤمنون.
وأما مسائل: القدر، والجبر، والإرجاء، والإمامة، والتشيع، ونحو ذلك، من المقالات، والنحل، فهو أيضا فيها على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الهدى والدين; ويبرأ إلى الله مما قالته القدرية النفاة، والقدرية المجبرة. وما قالته المرجئة، والرافضة، وما عليه غلاة الشيعة
стр. 519
والناصبة; ويوالي جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، ويكف عما شجر بينهم; ويرى أنهم أحق الناس بالعفو عما يصدر منهم، وأقرب الخلق إلى مغفرة الله وإحسانه، لفضائلهم، وسوابقهم، وجهادهم، وما جرى على أيديهم، من فتح القلوب بالعلم النافع، وفتح البلاد، ومحو آثار الشرك، وعبادة الأوثان، والنيران، والأصنام، والكواكب، ونحو ذلك مما عبده جهال الأنام.
ويرى البراءة مما عليه الرافضة، وأنهم سفهاء، لئام; ويرى أن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي، ﵃ أجمعين، ويعتقد أن القرآن - الذي نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، وخاتم النبيين - كلام الله، غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. ويبرأ من رأي الجهمية القائلين بخلق القرآن، ويحكي تكفيرهم عن جمهور السلف، أهل العلم والإيمان.
ويبرأ من رأي الكلابية، أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، القائلين بأن كلام الله، هو المعنى القائم بنفس الباري، وأن ما نزل به جبريل ﵇ حكاية، أو عبارة عن المعنى النفسي; ويقول: هذا من قول الجهمية; وأول من قسم هذا التقسيم، هو: ابن كلاب، وأخذ عنه الأشعري، وغيره، كالقلانسي; ويخالف الجهمية في كل ما قالوه وابتدعوه في دين الله. ولا يرى ما ابتدعته الصوفية، من البدع، والطرائق، المخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 520
وسنته، في العبادات، والخلوات، والأذكار المخالفة للشرع.
ولا يرى ترك السنن والأخبار النبوية لرأي فقيه، ومذهب عالم، خالف ذلك باجتهاده، بل السنة أجل في صدره وأعظم عنده، من أن تترك لقول أحد، كائنا من كان; قال عمر بن عبد العزيز: لا رأي لأحد مع سنة رسول الله ﷺ ؛ نعم عند الضرورة، وعدم الأهلية والمعرفة بالسنن والأخبار، وقواعد الاستنباط والاستظهار، يصار إلى التقليد، لا مطلقا، بل فيما يعسر ويخفى. ولا يرى إيجاب ما قاله المجتهد، إلا بدليل تقوم به الحجة، من الكتاب والسنة، خلافا لغلاة المقلدين. ويوالي الأئمة الأربعة، ويرى فضلهم وإمامتهم، وأنهم في الفضل والفضائل، في غاية رتبة يقصر عنها المتطاول; وميله إلى أقوال الإمام أحمد أكثر.
ويوالي كافة أهل الإسلام، وعلمائهم، من أهل الحديث، والفقه، والتفسير، وأهل الزهد والعبادة; ويرى المنع من الانفراد عن أئمة الدين، من السلف الماضين، برأي مبتدع، أو قول مخترع; فلا يحدث في الدين ما ليس له أصل يتبع، وما ليس من أقوال أهل العلم والأثر; ويؤمن بما نطق به الكتاب، وصحت به الأخبار، وجاء الوعيد عليه، من تحريم دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم; ولا يبيح من ذلك إلا ما أباحه الشرع، وأهدره الرسول ﷺ . ومن نسب إليه خلاف ذلك، فقد كذب وافترى، وقال ما ليس له به علم، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين.
стр. 521
وأبدى ﵀، من التقارير المفيدة، والأبحاث الفريدة، على كلمة الإخلاص والتوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، ما دل عليه الكتاب المصدق، والإجماع المستنير المحقق، من نفي استحقاق العبادة والإلهية عما سوى الله، وإثبات ذلك لله سبحانه على وجه الكمال، المنافي لكليات الشرك وجزئياته، وأن هذا: هو معناها، وضعا ومطابقة، خلافا لمن زعم غير ذلك من المتكلمين، كمن يفسر ذلك بالقدرة على الاختراع، أو أنه سبحانه غني عما سواه، مفتقر إليه من عداه، فإن هذا لازم المعنى، إذ الإله الحق لا يكون إلا قادرا، غنيا عما سواه; وأما كون هذا، هو المعنى المقصود بالوضع، فليس كذلك.
والمتكلمون خفي عليهم هذا، وظنوا أن تحقيق توحيد الربوبية والقدرة هو الغاية المقصودة، والفناء فيه هو تحقيق التوحيد; وليس الأمر كذلك، بل هذا لا يكفي في أصل الإسلام، إلا إذا أضيف إليه، واقترن به توحيد الإلهية: إفراد الله تعالى بالعبادة، والحب، والخضوع، والتعظيم، والإنابة، والتوكل، والخوف، والرجاء، وطاعة الله، وطاعة رسوله: هذا أصل الإسلام، وقاعدته; والتوحيد الأول، الذي عبروا به عنها، هو: توحيد الربوبية، والقدرة والخلق، والإيجاد، وهو الذي يبنى عليه توحيد العمل، والإرادة، وهو دليله الأكبر، وأصله الأعظم.
وكثيرا ما يحتج به سبحانه، على من صرف العمل
стр. 522
لغيره، قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٣] الآيات، وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [سورة النمل آية: ٦٢] إلى آخر الآيات، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] الآية. ومن نظر في تفاسير السلف، علم هذا.
وقد قرر ﵀، على شهادة أن محمدا رسول الله - في بيان ما تستلزمه هذه الشهادة، وتستدعيه، وتقتضيه، من تجريد المتابعة، والقيام بالحقوق النبوية: من الحب، والتوقير، والنصرة، والمتابعة، والطاعة، وتقديم سنته ﷺ على كل سنة وقول, والوقوف معها حيث وقفت، والانتهاء حيث انتهت، في أصول الدين، وفروعه، باطنه، وظاهره، خفيه، وجليه، كليه، وجزئيه - ما ظهر به فضله، وتأكد علمه ونبله، وأن من نقل عنه ضد ذلك من دعاة الضلال، فقد فسد قصده وعقله.
والواقف على مصنفاته وتقريراته، يعرف: أنه سباق غايات، وصاحب آيات; لا يشق غباره، ولا تدرك في البحث والإفادة آثاره، وأن أعداءه، ومنازعيه وخصومه، في الفضل، وشانئيه، يصدق عليهم المثل السائر، بين أهل المحابر والدفاتر، شعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
стр. 523
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا إنه لدميم
وقال ﵀، على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٥٢] : فالرسول ﷺ جعله الله إماما للناس، وكما أنزل عليه القرآن، أنزل عليه السنة، موافقة له، مبينة له، فكل ما وافق ما جاء به، فهو صراط مستقيم، وما خالفه فهو بدعة وضلال وخيم; وقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ أي الدال على الله، وفيه تشريفه، وتشريف شرعه، بإضافته إلى الله، فما أجهل من ابتدع قولا مخالفا لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] .
وله ﵀ ترجمة في كتاب التوحيد، الذي صنف، بين فيها طاعة الرسول ﷺ قال: باب من أطاع العلماء والأمراء، في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله، واستدل بحديث عدي; وله بحوث في تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، بين بعضها الشيخ حسين بن غنام، في تاريخه.
وله ﵀، من المناقب والمآثر، ما لا يخفى على أهل الفضائل والبصائر; ومما اختصه الله به من الكرامة تسلط أعداء الدين، وخصوم عباد الله المؤمنين، على مسبته والتعرض لبهته وغيبته، قال الشافعي ﵀: ما أرى الناس ابتلوا بشتم أصحاب رسول الله ﷺ إلا
стр. 524
ليزيدهم الله بذلك ثوابا، عند انقطاع أعمالهم; وأفضل الأمة بعد نبيها: أبو بكر، وعمر; وقد ابتليا، من طعن أهل الجهالة، وسفهائهم بما لا يخفى.
وما حكينا عن الشيخ، حكاه أهل المقالات، عن أهل السنة والجماعة مجملا ومفصلا; قال أبو الحسن، الأشعري: جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة، الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاؤوا به من عند الله، وما رواه الثقات، عن رسول الله ﷺ ، لا يردون من ذلك شيئا.
وأن الله تعالى: إله واحد، أحد، فرد، صمد، لم يتخذ صاحبة، ولا ولدا، وأن محمدا، عبده، ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار، حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص آية: ٧٥] ، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٤] ، وأن له عينين بلا كيف، وأن له وجها، جل ذكره، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن آية: ٢٧] ، وأن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج.
وأقروا: أن لله علما، كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾
стр. 525
[سورة النساء آية: ١٦٦] ، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [سورة فاطر آية: ١١] وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك، كما نفته المعتزلة; وأثبتوا لله القوة، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [سورة فصلت آية: ١٥] ، وقالوا: إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله تعالى، كما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الإنسان آية: ٣٠] ، وكما قال المسلمون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وقالوا: إن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا، قبل أن يفعله الله، أو يكون أحد يقدر على أن يخرج عن علم الله، وأن يفعل شيئا علم الله أنه لا يفعله.
وأقروا: أنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد يخلقها الله، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا، وأن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته، وخذل الكافرين بمعصيته، ولطف بالمؤمنين، وأصلحهم، وهداهم، ولم يلطف بالكافرين، ولا أصلحهم، ولا هداهم; ولو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين، وأن الله تعالى يقدر، أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم، حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين، كما علم، وخذلهم، وأضلهم، وطبع على قلوبهم، وأن الخير والشر، بقضاء الله وقدره.
ويؤمنون بقضاء الله وقدره، خيره وشره، حلوه ومره، ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، إلا ما
стр. 526
شاء الله، كما قال; ويلجئون أمرهم إلى الله، ويثبتون الحاجة إلى الله، في كل وقت، والفقر إلى الله في كل حال. ويقولون: إن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف، واللفظ؛ من قال باللفظ أو بالوقف، فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال غير مخلوق; ويقولون: إن الله تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة، كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين آية: ١٥] ، وإن موسى سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا، وإن الله تجلى للجيل، فجعله دكا، فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا، بل يراه في الآخرة.
ولم يكفروا أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كنحو الزنى، والسرقة، وما أشبه ذلك من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر; والإيمان عندهم، هو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وما أصابهم لم يكن ليخطئهم; والإسلام، هو: أن يشهد أن لا إله إلا الله، على ما جاء به الحديث; والإسلام عندهم، غير الإيمان; ويقرون بأن الله مقلب القلوب.
ويقرون بشفاعة رسول الله ﷺ ، وأنها لأهل الكبائر من أمته، وبعذاب القبر، وأن الحوض حق، والمحاسبة من الله
стр. 527
للعباد حق، والوقوف بين يدي الله حق، ويقرون: بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق ولا غير مخلوق، ويقولون: أسماء الله تعالى هي الله، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين، حتى يكون الله هو نزلهم حيث شاء، ويقولون: أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم. ويؤمنون بأن الله يخرج قوما من الموحدين من النار، على ما جاءت الروايات عن رسول الله ﷺ .
وينكرون الجدل، والمراء في الدين، والخصومة في القدر، والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، بالتسليم للروايات الصحيحة، ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقات، عدلا عن عدل، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ . ولا يقولون: كيف؟ ولا: لم؟ لأن ذلك، بدعة; ويقولون: إن الله تعالى لم يأمر بالشر بل نهى عنه، وأمر بالخير ولم يرض بالشر، وإن كان مريدا له.
ويعرفون حق السلف، الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، ويأخذون بفضائلهم، ويمسكون عما شجر بينهم، صغيرهم وكبيرهم; ويقدمون: أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليا ﵃. ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون، وأنهم أفضل الناس كلهم بعد نبيهم; ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ : " أن
стр. 528
الله ينْزل إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر ... " ١؟ كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ .
ويأخذون بالكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين، وأن لا يبتدع في الدين ما لم يأذن به الله. ويقرون أن الله تعالى يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [سورة الفجر آية: ٢٢] ، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق آية: ١٦] ؛ ويرون، العيد، والجمعة، والجماعة، خلف كل إمام، بر، أو فاجر؛ ويثبتون المسح على الخفين سنة، ويرونه في الحضر والسفر.
ويثبتون فرض الجهاد للمشركين، منذ بعث الله نبيه ﷺ إلى آخر عصابة تقاتل الدجال; وبعد ذلك يرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، ولا يخرج عليهم بالسيف، ولا يقاتلون في الفتنة; ويصدقون بخروج الدجال، وأن عيسى بن مريم يقتله; ويؤمنون بمنكر، ونكير، والمعراج، والرؤيا في المنام، وأن الدعاء للموتى من المسلمين، والصدقة عنهم بعد موتهم، تصل إليهم; ويصدقون بأن في الدنيا سحرة، وأن الساحر كافر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٢] ، وأن السحر كائن موجود في الدنيا.
стр. 529
ويرون الصلاة على كل من مات من أهل القبلة، مؤمنهم، وفاجرهم، ويقرون: أن الجنة والنار، مخلوقتان، وأن من مات مات بأجله، وكذلك من قتل قتل بأجله، وأن الأرزاق من قبل الله، يرزقها عباده، حلالا كانت أو حراما، وأن الشيطان يوسوس للإنسان، ويشككه، ويخطيه، وأن الصالحين قد يجوز أن يخصهم الله بآيات تظهر عليهم، وأن السنة لا تنسخ الآيات، وأن الأطفال أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء فعل بهم ما أراد، وأن الله تعالى عالم ما العباد عاملون، وكتب أن ذلك يكون، وأن الأمور بيد الله.
ويرون الصبر على حكم الله، والأخذ بأمر الله، والانتهاء عما نهى الله عنه، وإخلاص العمل، والنصيحة للمسلمين، ويدينون بعبادة الله تعالى في العابدين، والنصيحة لأئمة المسلمين، واجتناب الكبائر، والزنى، وقول الزور، والمعصية، والفخر، والكبر، والإزراء على الناس، والعجب؛ ويرون: مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع التواضع والاستكانة، وحسن المأكل والمشرب، وجملة ما يأمرون به، ويستعملونه، ويرونه. وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب. انتهى.
وبعض هذا البحث، ذكره شيخنا عبد اللطيف، في: التأسيس، وأحببت إبرازه من مظانه، لينكشف للناس حقيقة
стр. 530
ما عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويزول عنهم الوهم والإشكال; وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على أشرف المرسلين محمد، وآله وصحبه أجمعين.
(رسالة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن إلى عبد الله بن أحمد يحثه فيها على طاعة الله)
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من إسحاق بن عبد الرحمن، إلى المحب المكرم عبد الله بن أحمد; وفقه الله للطريق الأحمد. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وغير ذلك.
الموجب لهذه المكاتبة: النصيحة، وحسن الظن بك; وأتيقن أن الحق ضالتك; فالذي أوصيك به: أن تطيع الله ورسوله، وتقدم ذلك فيما أشكل عليك; قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . قال المفسرون: الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرد إلى سنته. وقد نهى الله عن طاعة غيره في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّض يَخْرُصُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] . فإذا كان الله يحذر نبيه من اتباع أكثر الناس، فما الظن بهذا الزمن، وأهله؟ وقد قال الصادق المصدوق: " بدأ الإسلام غريبا،