← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

الجزاء. ولا يشك من له معرفة بمدارك الأحكام الشرعية، وأصول الشريعة المحمدية أن هذا القول من أفسد الأقوال، وأبعدها عن الصواب، وأنه من القول على الله في شرعه وأحكامه بغير علم. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ٢. وكيف يستجيز من له نصيب من العقل والدين، الجراءة على مثل هذا القول؟! ومن العجب: أن الرجل الذي اخترع هذا الكلام، حتى اغتر به بعض جهلة العوام، الذين هم أشبه شيء بالأنعام، ينسب هذا القول – أعني: زعمه أن صندوق الساعة من السحر - إلى ابن كثير ﵀، ويدعي أنه استدل بكلام ابن كثير، على ما اعتقده برأيه الفاسد؛ وهذا يدل العاقل على كثافة جهل هذا الرجل، وفساد تصوره لما ذكره ابن كثير؛ فإن ما ذكره ابن كثير، ونقله عن

стр. 4657

الرازي، أوضح شيء في بيان أن الساعة ليست من السحر في شيء، وإنما هي من الأعمال العجيبة، والحِرَف التي هي أسباب تخفى على من لا يعرفها. وقد اجتمعت بهذا الرجل، وبينت خطأه في ذلك، وفساد تصوره لما ذكره ابن كثير، وأنه ينادي بخلاف ما ادعاه، ويشهد بجهله وخطئه، فأصر على ما انتحله، وكابر وعاند; ولا يغتر بما تخيله هذا الرجل ورآه، واعتقده بجهله، وافتراه من التحريم، بغير حجة من الله ولا برهان، إلا من هو من الجهلة المخذولين; والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. [حكم ذبائح الصلب وكفار البوادي] وله أيضا: أسكنه الله الفردوس الأعلى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من سليمان بن سحمان إلى عبد الكريم بن السيد عباس، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: وصل إلي منك جملة خطوط، تذكر فيها التنصل من هذه الفتوى المنسوبة إليك، وتزعم أنها مكذوبة عليك، وتبرأ إلى الله منها وممن قالها؛ وهذا بخلاف ما حدثني به الشيخ عبد الله بن بليهد، لما قدم الهند،

стр. 4658

واجتمع بك، وعرض عليك الفتوى التي أفتيت بها، في حل ذبائح الصلب ١ وكفار البوادي، بمجرد النطق بالشهادتين، وانتسابهم إلى دين الإسلام، مع ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج، وارتكاب جميع المحارم، التي حرمها الله ورسوله، وذكر لي أنك ستكتب بالتوبة، والرجوع عما قلت فيها. ثم لما جاءتنا رسائلك، فإذا هي بخلاف ما ذكره الشيخ عنك; ولا يخفى عليك أن الرد الذي كتبناه، إنما كتبناه في الرد على هذه الشبهات، التي شبّه بها هذا المفتري على أهل الإسلام، وزعم أنها مما أمر الله به ورسوله; وليس المقصود الرد عليك نفسك، وإنما هو على هذه الورطات العظيمة، والشبهات المدلهمة الوخيمة. وليس المقصود الأعظم بالرد على من أباح ذبائح الصلب فقط، لأنه من المعلوم عند جميع المسلمين أنهم كفار، وأنها لا تباح ذبائحهم، وإنما المقصود بالرد على من أفتى بهذه الفتوى لأمور: أحدها: أن دعوى من أفتى بهذه الفتوى: أن من تلفظ بالشهادتين يكون مسلما تؤكل ذبيحته، وإن كان مع ذلك لا يصلي ولا يزكي، ولا يصوم ولا يحج، ويرتكب مع ذلك جميع الكبائر. وقد تبين لك: أنه لا بد من معرفة شهادة أن لا إله

стр. 4659

إلا الله، والعمل بمقتضاها من القيام بهذه الأركان الأربعة. وهؤلاء الصَّلب الذين أحل ذبائحهم، وشهد لهم بالإسلام، لا يعرفون معنى لا إله إلا الله، ولا عملوا بمقتضاها، وقد حكم لهم بغير ما أمر الله به ورسوله. الأمر الثاني: أنه زعم أن من انتسب إلى الإسلام، يكون مسلما بمجرد انتسابه إليه، فعلى زعمه: أن عباد القبور اليوم، ممن يدعون الأنبياء، والأولياء والصالحين، وسائر من كفر بالله، وأشرك به ممن يتلفظ بالشهادتين، أنهم مسلمون بمجرد انتسابهم إلى الإسلام، تحل نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم؛ وقد تبين لك ما أمر الله به فيهم ورسوله، من تكفيرهم وعدم إسلامهم. الأمر الثالث: أنه زعم أن الرجل يكون مسلما بنفسه، لا باعتقاده وإرادته، وقوله وعمله; وزعم: أن هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو نقل محرف متصرف فيه، كما بيناه في الرد، وأن هذا لا يقوله عالم؛ ولو أن هذا الرجل من أهل العلم والمعرفة، العالمين بمدارك الأحكام، لعلم أن آخر العبارة يناقض تحريفهم، وما تصرفوا فيه منها. فإن قوله ﵀: وكل حكم علق بأسماء الدين، من إسلام وإيمان، وكفر ونفاق، وردة وتهود وتنصر، إنما يثبت لمن اتصف بالصفات الموجبة لذلك، فهذا يناقض ما

стр. 4660

حرفوه بقولهم، هو حكم يتعلق بنفسه، لا باعتقاده، وإرادته، وقوله وعمله؛ فإن هذه الأوصاف: من الإيمان والإسلام، والكفر والنفاق، والردة وغيرها، هي الموجبة لكونه مسلما، أو يهوديا، أو نصرانيا. الأمر الرابع: أنه زعم أن من أشرك بالله وكفر به، مسلم بمجرد انتسابه إلى الإسلام، قياسا على اليهود والنصارى، لأن الله أحل ذبائحهم ونساءهم، بمجرد انتسابهم إلى الكتاب، وأن الله سماهم أهل كتاب، مع أنهم لم يعملوا بما في التوراة والإنجيل، مما أمر الله به؛ فكذلك تحل ذبيحة من ارتد عن الإسلام، وكفر بالله وأشرك به، من هذه الأمة على زعمه، وإن لم يعملوا بما أمر الله به، من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، بمجرد انتسابه إلى الإسلام. الأمر الخامس: أنه قاس هؤلاء الصَّلَب، وكفار البدو، الذين لم يعملوا بشيء من شرائع الإسلام، ولم يأتمروا بشيء من الأوامر، ولم ينتهوا عن شيء من المناهي، إلا بمجرد التلفظ بالشهادتين; وقد كان من المعلوم بالضرورة: أن الله قد أكمل لنا الدين، وأتم لنا شرائع الإسلام، وقد بلّغ رسول الله ﷺ البلاغ المبين، فقاسهم على الأعراب، الذين قالوا - أول ما دخلوا في الإسلام -:آمنا، فقال الله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا

стр. 4661

أَسْلَمْنَا﴾ ١. الأمر السادس: أنه ذكر في آخر جوابه، أن ذبيحة المرتد لا تؤكل عند جمهور العلماء، إلا ما ذكر عن إسحاق، وسفيان الثوري، وقد ذكر العلماء في باب حكم المرتد: أنه هو الذي يكفر بعد إسلامه، وقد كان من المعلوم أنهم ذكروا أشياء، مما يكون به الرجل مرتدا عن الإسلام، وإن كان مع ذلك يتلفظ بالشهادتين، وينتسب إلى الإسلام، كما هو مذكور في باب حكم المرتد وغيره، فناقض ما ذكره العلماء في هذا الباب، بأنه يكون مسلما بمجرد انتسابه إلى الإسلام، والتلفظ بالشهادتين. الأمر السابع: أنه استدل في جوابه على إسلام الصّلبة - الذين لا يصلون ولا يزكون، ولا يصومون ولا يحجون، لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وينتسبون إلى الإسلام - بما في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله "، وأن مجرد التلفظ بالشهادتين، يكتفى به في عصمة المال والدم، ويكون الرجل به مسلما، وإن لم يصل ويزك ويصم ويحج.

стр. 4662

وقد أشكل هذا على عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا خليفة رسول الله، كيف نقاتل الناس ... ؟ الحديث، فقال أبو بكر:? "ألم يقل إلا بحقها؟ فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم. على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق"، فوافق عمر أبا بكر، واتفق الصحابة كلهم على ذلك، وقاتلوا من منع الزكاة، وأدخلوهم في حكم أهل الردة، فكيف بمن أضاف إلى ذلك ترك الصلاة، والصيام، والحج؟ فهذا أولى بالكفر والردة عن الإسلام، ممن ترك الزكاة وحدها، فناقض ما أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ من تكفير هؤلاء، وجعلهم مسلمين بمجرد التلفظ بالشهادتين. الأمر الثامن: أنه استدل على حل ذبائح الكفار، من الصلبة وغيرهم، بقوله في الحديث، لما "سئل ﷺ : إن أناسا يأتوننا باللحم، ولا ندري أسموا الله عليها، أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ : سموا الله عليها، ثم كلوها "، وهذا إنما هو في حل ذبائح البادية، الذين أسلموا، وكانوا حديثي عهد بكفر، ولا يدرى أذكروا اسم الله عليها، أم لا؟ فأمرهم إذا شكوا في ذلك، أن يذكروا اسم الله ويأكلوا. فناقض هذا ما أمر الله به ورسوله ﷺ من الأمر بأكل ذبيحة المسلم، الذي لا يدرى أذكر اسم الله عليها أم لا،

стр. 4663

بحل ذبائح من كفر بالله، وأشرك به وارتد عن الإسلام؛ وليس الكلام مع هذا، في مجرد التسمية على الذبيحة، وإنما الكلام معه في تحريم ذبيحة المرتد، وقد ذكر أهل العلم أنها لا تباح بحال، سواء ذكر اسم الله عليها، أو لم يذكره. الأمر التاسع: أنه استدل على إسلام من كفر بالله، وأشرك به، وعلى حل ذبائحهم، بقوله ﷺ :" من كفر مسلما فقد كفر "، فمن كفر هؤلاء الصلب، التاركين للصلاة والزكاة، والصيام والحج، وحرم ذبائحهم، فقد كفر المسلمين، ومن كفر مسلما وحرم ذبيحته، فقد كفر عند هذا المفتي!! وأيضا: فلنا جواب ثان عن قولك: من كفر مسلما فقد كفر; فيقال لك: صحح نسبة هذا الحديث إلى قائل معروف يحتج بقوله، ويكفينا في قبوله إذا كان له وجود في دواوين الإسلام، التي صنفها الحفاظ أهل الحديث؛ فإن لم تجد أصلا لهذا اللفظ، فكيف تحكيه جازما به؟ وما كان كذلك فلا ينهض للاحتجاج به. نعم: قد ثبت في الصحيح، عن أبي ذر: " من دعا رجلا بالكفر، أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه " ١، فليتأمل قوله: (وليس كذلك) ومعنى قوله: "حار عليه" أي: رجع; وغاية ما في هذا الحديث: الوعيد

стр. 4664

الشديد، إذا لم يكن خصمه كذلك. الأمر العاشر: أن الكفار الذين كانوا على عهد النبي ﷺ كانوا يعرفون معنى لا إله إلا الله، وأنها تنفي جميع ما يعبد من دون الله، وتثبت العبادة لله وحده لا شريك له، ولهذا لما قال لهم رسول الله ﷺ : قولوا: لا إله إلا الله. قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١، فأبوا عن التلفظ بهذا. وأما عباد القبور اليوم، فإنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ومع ذلك يدعون الأنبياء، والأولياء، والصالحين، ويستشفعون بهم في المهمات والملمات، ويلجؤون إليهم في جميع الطلبات والرغبات، ويطلبون منهم قضاء الحاجات، وكشف الكربات، وإغاثة اللهفات، ويزعم هذا وأضرابه من الجهال أنهم مسلمون بمجرد التلفظ بالشهادتين، والانتساب إلى الإسلام. سبحانك هذا بهتان عظيم!! الحادي عشر: أنه زعم فيما نقله عن الإمام، العماد بن كثير من تفسيره، حيث قال: هم الذين أسلموا حقا وصدقا، لا نفاقا ولا خوفا، ولكنهم لم يعملوا بأمر من الأوامر، ولم يجتنبوا الكبائر والمناهي؛ وهذا هو قول جمهور الصحابة والتابعين، وهو الراجح، انتهى.

стр. 4665

وهذا كذب وافتراء على ابن كثير ﵀، فإنه لم يذكر هذا بلفظه، بل حرفه وتصرف فيه، كما هو مذكور في الرد؛ وهذا يناقض ما ذكره شيخ الإسلام، في كتاب الإيمان، قال ﵀ بعد كلام له -: وأما ما ذكره أحمد فاتبع فيه الزهري، حيث قال: فكانوا يرون الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل، في حديث سعد بن أبي وقاص; وهذا على وجهين. فإنه قد يراد به: الكلمة بتوابعها، من الأعمال الظاهرة، وهذا هو الإسلام الذي بينه رسول الله ﷺ حيث قال: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت " ١. وقد تراد: الكلمة فقط، من غير فعل الواجبات الظاهرة، وليس هذا هو الذي جعله النبي ﷺ الإسلام، لكن قد يقال: إسلام الأعراب كان من هذا; فيقال: الأعراب وغيرهم، كانوا إذا أسلموا على عهد النبي ﷺ ألزموا بالأعمال الظاهرة: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ولم يكن أحد يترك بمجرد الكلمة; بل كان من أظهر المعصية يعاقب عليها، انتهى. فناقض هذا ما ذكره أهل العلم، مع الكذب عليهم بقوله: ولكنهم لم يعملوا بأمر من الأوامر، ولم يجتنبوا

стр. 4666

الكبائر، والمناهي; ثم لم يكتف بذلك، حتى زعم أن هذا هو قول جمهور الصحابة، والتابعين، وهو الراجح. الأمر الثاني عشر: أنه زعم أن شيخ الإسلام ابن تيمية، صرح في الاختيارات، أنه قال: واذا أنكروا شيئا من أركان الإسلام، والإيمان، غير الشهادتين جهلا، لا يقال بردتهم; وهذا كذب على شيخ الإسلام، لم يقله في الاختيارات بهذا اللفظ الذي نسبه إليه. والذي في الاختيارات: ومن شك في صفة من صفات الله تعالى ومثله لا يجهلها فمرتد، وإن كان مثله يجهلها، فليس بمرتد؛ ولهذا لم يكفر النبي ﷺ الرجل الشاك في قدرة الله وإعادته، لأنه لا يكون كافرا إلا بعد الرسالة. فهذا وأضعاف أضعافه، هو الذي حملنا على الرد على هذه الشبهات، وتغيير هذه المنكرات، التي هي من أعظم السيئات الموبقات، ولا يسعنا مع القدرة على إنكارها، والرد على من قالها السكوت عليها، لأن الله أوجب علينا نصر الدين، وفرضه علينا، كما قال ابن القيم ﵀: هذا ونصر الدين فرض لازم ... لا للكفاية بل على الأعيان بيد وإما باللسان فإن عجز ... ت فبالتوجه والدعا بجنان

стр. 4667

وأما قولك: وإني أشهد الله على محبتك، ومحبة المشايخ، ما دمتم متمسكين بالكتاب والسنة، وهذا القول ليس من محاباة، ولا تقية، لأني ما زلت سابقا ولاحقا، مشددا النكير على المبتدعة، ويشهد لي بذلك الوقائع، التي وقعت بالكويت، وبغداد مع المبتدعة. فأقول: أما ما وقع لك من الإنكار، على الجهمية وغيرهم من المبتدعة، وانتسابك إلى أهل هذه الدعوة المحمدية، ومحبة المشايخ، فلولا هذا لكان جوابك عندنا غير ما ترى. وأما ما ذكرت من جهة الرسالة، المسماة: بحقيقة المذهب الوهابي، فهي عندنا موجودة، منسوبة إلى ابن دخيل، صاحب القصيم، مع ما فيها من الإجمال والقصور، والتقصير، والكذب في بعضها، كقوله: إن علماء أهل نجد، يحرمون التنباك على العامة، ويكرهونه للخاصة، وقوله: وأعهد منهم الآن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وكان شاعرا بليغا، وذكر من شعره كيت وكيت؛ وهذا كله كذب لا أصل له.

стр. 4668

[كلمات في بيان الطاغوت ووجوب اجتنابه] وقال أيضا رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه كلمات في بيان الطاغوت، ووجوب اجتنابه، قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١، فبين تعالى أن المستمسك بالعروة الوثقى، هو الذي يكفر بالطاغوت؛ وقدم الكفر به على الإيمان بالله، لأنه قد يدعي المدعي أنه يؤمن بالله، وهو لا يجتنب الطاغوت، وتكون دعواه كاذبة. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢، فأخبر أن جميع المرسلين قد بعثوا باجتناب الطاغوت، فمن لم يجتنبه فهو مخالف لجميع المرسلين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ ٣. ففي هذه الآيات من الحجج على وجوب اجتنابه وجوه كثيرة؛ والمراد من اجتنابه هو بغضه، وعداوته بالقلب، وسبه وتقبيحه باللسان، وإزالته باليد عند القدرة،

стр. 4669

ومفارقته، فمن ادعى اجتناب الطاغوت ولم يفعل ذلك فما صدق. وأما حقيقته والمراد به، فقد تعددت عبارات السلف عنه، وأحسن ما قيل فيه، كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، حيث قال: الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه، غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه في غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله؛ فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها، وتأملت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم ممن أعرض عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله، إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، انتهى. وحاصله: أن الطاغوت ثلاثة أنواع: طاغوت حكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت طاعة ومتابعة؛ والمقصود في هذه الورقة هو طاغوت الحكم، فإن كثيرا من الطوائف المنتسبين إلى الإسلام، قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم، ويسمون ذلك الحق بشرع الرفاقة، كقولهم شرع عجمان، وشرع قحطان، وغير ذلك، وهذا هو الطاغوت بعينه، الذي أمر الله باجتنابه. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاجه، وابن كثير

стр. 4670

في تفسيره: أن من فعل ذلك فهو كافر بالله، زاد ابن كثير: يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله. قال شيخ الإسلام: ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر; ومن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر؛ فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل؛ وقد يكون العدل في دينها، ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام، يحكمون بعاداتهم التي لم ينْزلها الله، كسوالف البوادي، وكأوامر المطاعين في عشائرهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به، دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر. فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية، التي يأمر بها المطاعون في عشائرهم؛ فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله، فهم كفار، انتهى. وفيه بيان كفر الحاكم نفسه، والمتحاكمين على الوجه الذي ذكره، وكذا من لم يعتقد وجوب ما أنزل الله، وإن لم يكن حاكما ولا متحاكما، فتأمله; ذكره عند قوله تعالى:

стр. 4671

﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١. وقال ابن كثير، ﵀، في قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٢؛ ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى، المشتمل على كل خير وعدل، الناهي عن كل شر، إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال، بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات، وكما يحكم به التتار من السياسات، المأخوذة من جنكسخان الذي وضع لهم كتابا مجموعا من أحكام، اقتبسها من شرائع شتى، من الملة الإسلامية، وفيه كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره، فصار في بنيه يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة؛ ومن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في كثير ولا قليل، انتهى. وما ذكرناه من عادات البوادي، التي تسمى "شرع الرفاقة" هو من هذا الجنس، من فعله فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير.

стр. 4672

وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ١ الآيات إلى قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ٢. قال الشعبي: "كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد ﷺ ، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، ولا يميل في الحكم. وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، ويميلون في الحكم. ثم اتفقا على أنهما يأتيان كاهنا في جهينة، فيتحاكمان إليه، فنَزلت ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية"؛ وقيل نزلت في "رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى محمد ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف; ثم بعد ذلك ترافعا إلى عمر بن الخطاب، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله، فنزلت الآية". وهكذا ينبغي أن يفعل بالمتحاكمين إلى الطواغيت؛ فإذا كان هذا الخليفة الراشد، قد قتل هذا الرجل، بمجرد طلبه التحاكم إلى الطاغوت، فمن هذا عادته التي هو

стр. 4673

عليها، ولا يرضى لنفسه وأمثاله سواها، أحق وأولى أن يقتل، لردته عن الإسلام، وعموم فساده في الأرض. فإنه لا صلاح للخليقة، إلا بأن يكون الله معبودها، والإسلام دينها، ومحمد نبيها الذي تتبعه، وتتحاكم إلى شريعته، ومتى عدم ذلك عظم فسادها، وظهر خرابها. فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ١ الآية، بيان بأن من زعم الإيمان بالله وبرسوله، وهو يحكم غير شريعة الإسلام، فهو كاذب منافق، ضال عن الصراط المستقيم، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢، فأقسم بنفسه: أن الخلق لا يؤمنون، حتى يحكموا الرسول ﷺ في جميع موارد النِّزاع؛ فإذا حكم انتفى الحرج باطنا، وحصل التسليم الكامل ظاهرا؛ فمن لم يحصل منه ذلك فالإيمان منتف عنه. وقد تظاهرت الأدلة الشرعية، بالدلالة على ذلك، فذم الله في كتابه من أعرض عن حكم رسوله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ

стр. 4674

وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١. واعلم: أنه ما دعا داع إلى حق، إلا كان للشيطان شبهة عنده، يصد بها الناس عنه، ومن ذلك أنه إذا قيل لأهل الطاغوت: ارجعوا إلى حكم الله ورسوله، واتركوا أحكام الطواغيت، قالوا: إنا لا نفعل ذلك إلا خوفا من أن يقتل بعضنا بعضا، فإني إذا لم أوافق صاحبي، على التحاكم إلى "شرع الرفاقة" قتلني أو قتلته. فالجواب أن نقول: يظهر فساد هذه الشبهة الشيطانية، بتقرير ثلاثة مقامات: المقام الأول: أن الفساد الواقع في الأرض، من قتل النفوس، ونهب الأموال، إنما هو بسبب إضاعة أوامر الله، وارتكاب نواهيه، كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ ٢، المفسرون من السلف (البر) أهل العمود من البوادي، (والبحر) أهل القرى. أخبر تعالى: أن ظهور الفساد في البادية والحاضرة، سببه أعمالهم؛ فلو أنهم عبدوا ربهم، وحكموا نبيهم، لصلحت أحوالهم، ونمت أموالهم وأنفسهم، كما

стр. 4675

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ١. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٢. فأخبر: أن الرحمة في هذا القرآن، فمن اكتفى به عن أحكام الباطل، فهو المرحوم، ومن أعرض عنه إلى غيره، فهو الخاسر؛ فإذا أعرض الناس عن كتاب ربهم، وحكموا غير نبيهم، عاقبهم الله بأن يعادي بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ٣. ولكن لما عاد الإسلام غريبا كما بدأ، صار الجاهلون به، يعتقدون ما هو سبب الرحمة، سبب العذاب، وما هو سبب الألفة والجماعة، سبب الفرقة والاختلاف، وما يحقن الدماء سببا لسفكها، كالذين قال الله فيهم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ

стр. 4676

أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. وكذلك الذين قالوا لأتباع الرسل: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ٢؛ فمن اعتقد أن تحكيم شريعة الإسلام، يفضي إلى القتال والمخالفة، وأنه لا يحصل الاجتماع والألفة، إلا على حكم الطاغوت، فهو كافر عدو لله ولجميع الرسل؛ فإن هذا حقيقة ما عليه كفار قريش، الذين يعتقدون أن الصواب ما عليه آباؤهم، دون ما بعث الله به رسوله ﷺ . المقام الثاني: أن يقال: إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر، فقد ذكر الله في كتابه أن الكفر أكبر من القتل، قال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ٣، وقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ٤، والفتنة: هي الكفر; فلو اقتتلت البادية والحاضرة، حتى يذهبوا، لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض طاغوتا، يحكم بخلاف شريعة الإسلام، التي بعث الله بها رسوله ﷺ . المقام الثالث: أن نقول: إذا كان هذا التحاكم كفرا، والنّزاع إنما يكون لأجل الدنيا، فكيف يجوز لك أن تكفر لأجل ذلك؟ فإنه لا يؤمن الإنسان، حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحتى يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.

стр. 4677

فلو ذهبت دنياك كلها، لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها، ولو اضطرك مضطر وخيرك، بين أن تحاكم إلى الطاغوت، أو تبذل دنياك، لوجب عليك البذل، ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت; والله أعلم، وصلى الله على محمد، وآله وسلم تسليما كثيرا. [الرد على من أنكر على أهل الدعوة الوهابية إنكارهم الشرك] وقال أيضا، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، اعلم: أيها الطالب للحق، الراغب في معرفة الإخلاص والصدق، أنه ورد علينا أوراق صدرت من رجل سوء، تتضمن التحذير من التكفير، من غير تحقيق ولا تحرير. يقول فيها: قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في الرد على أهل الرفض، من الخوارج والاعتزال: أقول: هذه عبارة من لا علم عنده، ولسنا بصدد بيان ما فيها من الجهل والخطل؛ والبصير يدرك ما فيها من الزلل. ثم إنه قال: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهؤلاء الذين ابتدعوا أصولا، زعموا أنه لا يمكن تصديق الرسول إلا بها، وأن معرفتها شرط في الإيمان، واجبة على الأعيان، أهل بدعة عند السلف والأئمة، وجمهور العلماء

стр. 4678

الحذاق، من الأئمة ومن تبعهم بإحسان; إنها باطلة في العقل، مبتدعة في الشرع ... إلى أن قال: ومن شأن أهل البدع: أنهم يبتدعون أقوالا، يجعلونها واجبة في الدين، بل يجعلونها من الإيمان الذي لا بد منه، ويكفرون من خالفه بها، ويستحلون دمه، كفعل الخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم ... مقطعا أخذ منه ما قصد به اللبس والتضليل، وترك منه ما فيه البيان والتفصيل. وما وجدنا لنقل هذا الرجل لكلام شيخ الإسلام وغيره، محملا حسنا يحمل عليه، ولا حاجة لذلك دعته إليه، إذ ليس في جزيرة العرب وما حولها، من يرى رأيا ويكفر الصحابة وغيرهم، من أهل الإيمان بالذنوب، التي لا يكفر صاحبها، ولا من يقول بالمنْزلة بين المنْزلتين، وينكر القدر، كالمعتزلة، ولا من يجحد صفات الرب تعالى كالجهمية، ولا من يغلو في أهل بيت النبي ﷺ ويدعي فيهم الإلهية، كالرافضة. فإذا كان ذلك كذلك، علم: أنه إنما أراد بهذه النقول، أهل هذه الدعوة الإسلامية، التي ظهرت بنجدنا، فانتفع بها الخلق الكثير، والجم الغفير من هذه الأمة، وتمسكوا فيها بالأصول، من الكتاب والسنة، وتأيدوا بإجماع سلف الأمة، وما قرره أتباع السلف من الأئمة، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة: محمد بن قيم

стр. 4679

الجوزية، وسلفهم من أهل السنة والجماعة. وهذا الرجل إنما أُتي من جهة فساد الاعتقاد، فلا يرى الشرك الجلي ذنبا كبيرا يكفر فاعله، فوجه إنكاره وطعنه على من أنكر الشرك وفارق أهله، وكفرهم بالكتاب والسنة والإجماع; ولا يخفى أن من أشد الناس إنكارا للشرك: شيخ الإسلام ابن تيمية، وأمثاله من علماء السنة، لما حدث في زمانهم، وعمت به البلوى، فأنكروه، وبينوا أن هذا هو الشرك الجلي، الذي عليه المشركون الأولون، كما سيأتي في كلامه ﵀. فصار من هؤلاء المشركين، من يكفر أهل التوحيد، بمحض الإخلاص والتجريد، وإنكارهم على أهل الشرك والتنديد; فلهذا قالوا: أنتم خوارج، أنتم مبتدعة، كما أشار العلامة ابن القيم، إلى مثل هذه الحال، بقوله: من لي بشبه خوارج قد كفروا ... بالذنب تأويلا بلا إحسان ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأُتوا من التقصير في العرفان وخصومنا قد كفرونا بالذي ... هو غاية التوحيد والإيمان وهذا الرجل: قد أخذ بطريقة من يكفر بتجريد التوحيد، فإذا قلنا: لا يُعبد إلا الله، ولا يدعى إلا هو، ولا يرجى سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ونحو ذلك من أنواع العبادة، التي لا تصلح إلا لله، وأن من توجه بها لغير الله

стр. 4680

فهو كافر مشرك، قال: ابتدعتم، وكفرتم أمة محمد، أنتم خوارج، أنتم مبتدعة؛ وأخذ من كلام شيخ الإسلام في أهل البدع، ما كتبه يعرض بأهل التوحيد. ولا يخفى ما قاله شيخ الإسلام فيمن أشرك بالله، قال: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، ويسألهم، ويتوكل عليهم، كفر إجماعا; وغاية ما موَّه به على الجهال، من أن شيخ الإسلام ﵀، ذكر في أهل المقالات الخفية: أنها وإن كانت كفرا، فلا ينبغي أن يكفر صاحبها حتى تقوم علية الحجة. وهذا كلامه، قال: نفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة كفر، وإنكار أن يكون الله على العرش كفر، وما في معنى ذلك; فتكفير المعين من هؤلاء، بحيث يحكم عليه بأنه مع الكفار، لا يجوز الإقدام عليه، إلا أن تقوم الحجة التي يتبين بها أنهم مخطئون. فتأمل قوله: من هؤلاء; وتأمل قوله: بحيث يحكم عليه بأنه مع الكفار‘ وقوله: حتى تقوم عليه الحجة‘ فأراد بالكفار هنا المشركين، كما سيأتي تقريره في كلام هذا الشيخ وغيره. ونحن بحمد الله قد خلت ديارنا من المبتدعة، أهل هذه المقالات، وقد صار الخلاف بيننا وبين كثير من

стр. 4681

الناس، في عبادة الأوثان، التي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بالنهي عنها، وعداوة أهلها، فندعو إلى ما دعت إليه الرسل، من التوحيد والإخلاص، وننهى عما نهت عنه من الشرك بالله، في ربوبيته، وإلهيته، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ١. والقرآن من أوله إلى آخره، في بيان هذا الشرك والنهي عنه، وتقرير التوحيد، كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ٢ الآيات. وهذا التوحيد هو من أصولنا بحمد الله، وكاتب الأوراق، يقول: هذا بدعة; نعم هو بدعة عند نحو القائلين: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ ٣. فانظر كلام شيخ الإسلام ﵀، الذي لا يقبل اللبس، فإنه لما ذكر من تقدمت الإشارة إليهم، من أرباب المقالات، قال: وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة، لكن ذلك يقع في طوائف منهم، في الأمور الظاهرة، التي يعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين الإسلام.

стр. 4682

بل اليهود، والنصارى، والمشركون، يعلمون أن محمدا ﷺ بعث بها، وكفر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه، من الملائكة والنبيين، والشمس والقمر، والكواكب، والأصنام وغير ذلك، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلاة، وإيجابه لها، وتعظيم شأنها، ومثل معاداة اليهود والنصارى، والمشركين والصابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش، والربا والميسر، ونحو ذلك; ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع، فكانوا مرتدين، انتهى كلامه ﵀. فتأمل قوله: ومثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين ... إلى آخره; والذين قال فيهم شيخ الإسلام: إنهم يكونون - بمخالفتهم لبعض الشرائع - مرتدين، هو الذي نقول به، وعليه أئمة الإسلام قاطبة؛ وهو الذي ينقم منا هذا الرجل، وأمثاله من المنحرفين عن التوحيد. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: ومن اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة، ولا يدخل النار، فهو مخالف الكتاب والسنة، والإجماع; انتهى. وذكر شيخ الإسلام أن الفخر الرازي صنف "السر

стр. 4683

المكتوم" في عبادة النجوم، فصار مرتدا، إلا أن يكون قد تاب بعد ذلك؛ فقد كفر الرازي بعينه لما زين الشرك. وقال: بعد أن ذكر العلة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، والنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، قال: فسد الذريعة أن لا يصلى في هذه الساعة، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله، لئلا يفضي إلى دعائها والصلاة لها. وهذا من أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين، حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وصنف كتبا على مذهب المشركين، مثل أبي معشر البلخي، وثابت بن قرة، وأمثالهما ممن دخل في الشرك، وآمن بالجبت والطاغوت، وهم ينتسبون إلى الكتاب، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ١. انتهى. فانظر إلى هذا الإمام، الذي نسب عنه - من أزاغ الله قلبه - عدم تكفير المعين، كيف ذكر عن الفخر الرازي، وأبي معشر وغيرهما، من المصنفين المشهورين أنهم كفروا، وارتدوا عن الإسلام. وتأمل قوله: حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، لتعلم ما وقع في آخر هذه الأمة من الشرك بالله،

стр. 4684

وقد ذكر الفخر الرازي في رده على المتكلمين، وذكر تصنيفه "السر المكتوم" وقال: هذه ردة صريحة باتفاق المسلمين. وقال في "الرسالة السنية": وكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده، ولا يجعل معه إله آخر؛ والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل المسيح والملائكة والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، وتنْزل المطر وتنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم أو صورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢. فبعث الله رسوله ﷺ ينهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء استعانة، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٣ الآية؛ قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح، وعزيرا، والملائكة.

стр. 4685

ثم ذكر ﵀ آيات، ثم قال: وعبادة الله وحده لا شريك له، هي أصل الدين، وهي أصل التوحيد، الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. وكان ﷺ يحقق التوحيد ويعلمه أمته، حتى " قال له رجل: ما شاء الله وشئت; قال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده " ٣، ونهى عن الحلف بغير الله، وقال: " من حلف بغير الله فقد أشرك "، وقال في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٤ يحذر ما فعلوا; وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ٥، وقال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني " ٦. ولهذا اتفق أئمة الإسلام، على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان: كان تعظيم القبور; ولهذا اتفق العلماء: على أنه من سلم على النبي ﷺ عند قبره، أنه لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها، لأنه إنما يكون لأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق.

стр. 4686

كل هذا لتحقيق التوحيد، الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ ١؛ ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، انتهى. قلت: فلم يبق بحمد الله لمرتاب حجة في كلام العلماء، بعد هذا التفصيل والإيضاح والبيان، وما أحسن ما قال العلامة ابن القيم ﵀ شعرا: والعلم يدخل قلب كل موفق ... من غير بواب ولا استئذان ويرده المحروم من خذلانه ... لا تشقنا اللهم بالخذلان وله ﵀: تفصيل حسن في "مدارج السالكين" في ذكر أجناس ما يتاب منه، وهي اثنا عشر جنسا، مذكورة في كتاب الله عزوجل: الأول الكفر، والثاني الشرك. فأنواع الكفر خمسة: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق - وبيّن هذه الأنواع - ثم قال: وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر؛ فأما الأكبر: فلا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندا، يحبه كما يحب الله؛ وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب

стр. 4687

العالمين. ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، مع إقرارهم بأن الله وحده هو خالق كل شيء، وربه ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق، ولا تميت ولا تحيي؛ وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة، كما هو حال مشركي العالم، بل كلهم يحبون معبوداتهم، ويعظمونها ويوالونها من دون الله. وكثير منهم بل أكثرهم، يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده، ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ، أعظم مما يغضبون إذا استنقص أحد رب العالمين، وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوديهم، غضبوا غضب الليث إذا حَرِدَ; وإذا انتهكت حرمات الله، لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا، أعرضوا عنه ولم تستنكر له قلوبهم. وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله، على لسانه دَيْدَنًا له، إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن استوحش; فذكر إلهه ومعبوده من دون الله، هو الغالب على قلبه ولسانه، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم: أنه باب حاجته إلى الله،

стр. 4688

وشفيعه عنده ووسيلته إليه، وهكذا كان عباد الأصنام سواء. وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون، بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذوها من البشر، قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١. ثم شهد عليهم بالكذب والكفر، وأخبر أنه لا يهديهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٢ فهذا حال من اتخذ من دون الله وليا، يزعم أنه يقربه إلى الله; وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره! والذي قام في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم: أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك. وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه، وأبطله وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله أن يشفع فيه، ورضي قوله وعمله، وهم أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء؛ فإنه يأذن سبحانه لمن يشاء في الشفاعة لهم، حيث لم يتخذوهم شفعاء من دونه، فيكون أسعد الناس بشفاعته من يأذن له، وهو صاحب التوحيد، الذي لم يتخذ شفيعا من دون الله.

стр. 4689

والشفاعة التي أثبتها الله ورسوله، هي الشفاعة الصادرة عن إذنه لمن وحده، والشفاعة التي نفاها، هي الشفاعة الشركية في قلوب المشركين، المتخذين من دون الله شفعاء، فيعاملون بنقيض قصدهم من شفاعتهم، ويفوز بها الموحدون. فتأمل قول النبي ﷺ لأبي هريرة، وقد سأله: " من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: أسعد الناس بشفاعتي، من قال: لا إله إلا الله"، كيف جعل أعظم الأسباب، التي تنال بها شفاعته، تجريد التوحيد؟ عكس ما عند المشركين، أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء، وعبادتهم، وموالاتهم من دون الله؛ فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع. ومِنْ جَهْلِ المشرك: اعتقاده أن من اتخذ وليا أو شفيعا، أنه يشفع له وينفعه عند الله، كما تكون خواص الملوك والولاة تنفع من والاهم، ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله، كما قال تعالى في الفصل الأول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ١، وفي الفصل الثاني ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٢.

стр. 4690

وبقي فصل ثالث، وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد، واتباع الرسول ﷺ ؛ وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولون والآخرون، كما قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون، ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين١؟. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. آخر الجزء العاشر من الدرر السنية، ويليه الجزء الحادي عشر أول مختصرات الردود.

стр. 4691

المجلد الحادي عشر: (القسم الأول من كتاب مختصرات الردود) كتاب مختصر الردود ... كتاب مختصر الردود قال الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين; وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا معين; وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وحجة على الكافرين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. أما بعد: فإنه لما كان منتصف جمادى الثانية، من سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف، ورد علينا رسالة من محمد بن أحمد الحفظي اليمني، يسأل فيها عن مسائل أوردها عليه بعض المجادلين، فطلب منا الجواب عليها. منها: أنه زعم أن إطلاق الكفر بدعاء غير الله، غير مسلم لوجوه: الوجه الأول: عدم النص الصريح على ذلك بخصوصه. الثاني: إن نظر فيه من حيثية القول، فهو كالحلف بغير الله، وقد ورد أنه شرك وكفر ثم أولوه بالأصغر وإن نظر فيه من حيثية الاعتقاد، فهو كالطيرة، وهي من الأصغر. الثالث: أنه قد ورد في حديث الضرير، قوله: " يا محمد إني أتوجه بك " ١ إلخ. وفي الجامع الكبير،

стр. 4692

وعزاه للطبراني فيمن انفلتت عليه دابته، قال: " يا عباد الله احبسوا " وهذا دعاء ونداء لغير الله. الجواب:- وبالله التوفيق والتأييد، ومنه أستمد العون والتسديد - اعلم: أن دعاء غير الله وسؤاله نوعان: أحدهما: سؤال الحي الحاضر ما يقدر عليه، مثل سؤاله أن يدعو له أو يعينه، أو ينصره مما يقدر عليه، فهذا جائز كما كان الصحابة ﵃ يستشفعون بالنبي ﷺ في حياته، فيشفع لهم، ويسألونه الدعاء فيدعو لهم. فالمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها، كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [سورة القصص آية: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [سورة الأنفال آية: ٧٢] وكما ورد في الصحيحين أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، ثم بنبينا محمد ﷺ . وفي سنن أبي داود، " أن رجلا قال للنبي: ﷺ إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله، فقال: شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه " فأقره على قوله نستشفع بك على الله; وأنكر قوله: نستشفع بالله عليك. فالصحابة ﵃ كانوا يطلبون منه الدعاء، ويستشفعون به في حياته ﷺ .

стр. 4693

النوع الثاني: سؤال الميت والغائب وغيرهما، مما لا يقدر عليه إلا الله; مثل: سؤال قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات; فهذا من المحرمات المنكرة، باتفاق أئمة المسلمين; لم يأمر الله به، ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين. وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه ليس من دين الإسلام؛ فإنه لم يكن أحد منهم إذا نزلت به شدة أو عرضت له حاجة، يقول لميت: يا سيدي فلان اقض حاجتي، أو اكشف شدتي، أو أنا في حسبك، أو أنا متشفع بك إلى ربي، كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء عند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها; فإن هذا من الشرك الأكبر، الذي كفّر الله به المشركين، الذين كفرهم النبي ﷺ واستباح دماءهم وأموالهم; لم يقولوا إن آلهتهم شاركت الله في خلق العالم، أو إنها تنْزل المطر وتنبت النبات; بل كانوا مقرين بذلك لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة لقمان آية: ٢٥] الآية وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤-٨٥] إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٩] .

стр. 4694

وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٦] قال طائفة من السلف، في تفسير هذه الآية: إذا سئلوا من خلق السماوات والأرض، قالوا: الله، وهم يعبدون غيره؛ ففسروا الإيمان في الآية، بإقرارهم بتوحيد الربوبية، وفسروا الإشراك بإشراكهم في توحيد الإلهية، الذي هو توحيد العبادة. والعبادة: اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، من ذلك: الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله; فمن طلبه من غيره، واستعان به فيه، فقد عبده به والدعاء من أفضل العبادات، وأجل الطاعات، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] . وفي الترمذي: عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: " الدعاء مخ العبادة " ١ وللترمذي والنسائي وابن ماجه، من حديث النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الدعاء هو العبادة "٢ ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] الآية، قال الترمذي حديث حسن صحيح. قال الشارح: معنى قوله ﷺ : " الدعاء هو العبادة " أي: معظمها، فهو كقوله: " الحج عرفة " ٣ أي: ركنه الأعظم. ومعنى قوله: "الدعاء العبادة" أي: خالصها،

стр. 4695

لأن الداعي إنما يدعو الله، عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص، انتهى. والدعاء في القرآن يتناول معنيين: أحدهما: دعاء العبادة، وهو: دعاء الله لامتثال أمره، في قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الثاني: دعاء المسألة; وهو دعاؤه سبحانه في جلب المنفعة، ودفع المضرة. وبقطع النظر عن الامتثال، فقد فسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] بالوجهين: أحدهما: ما هو عام في الدعاء وغيره، وهو العبادة، وامتثال الأمر له سبحانه؛ فيكون معنى قوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أثبكم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سورة الشورى آية: ٢٦] أي يثيبهم على أحد التفسيرين. الثاني: ما هو خاص، معناه: سلوني أعطكم، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "ينْزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه سؤاله؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " ١ فذكر أولا لفظ الدعاء، ثم السؤال، ثم الاستغفار، والمستغفر سائل، كما أن المسائل داع؛ فعطف السؤال والاستغفار على الدعاء؛ فهو من باب عطف الخاص على العام.
следующие страницы →