← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

المجلد الحادي عشر: (القسم الأول من كتاب مختصرات الردود) كتاب مختصر الردود ... كتاب مختصر الردود قال الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين; وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا معين; وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وحجة على الكافرين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. أما بعد: فإنه لما كان منتصف جمادى الثانية، من سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف، ورد علينا رسالة من محمد بن أحمد الحفظي اليمني، يسأل فيها عن مسائل أوردها عليه بعض المجادلين، فطلب منا الجواب عليها. منها: أنه زعم أن إطلاق الكفر بدعاء غير الله، غير مسلم لوجوه: الوجه الأول: عدم النص الصريح على ذلك بخصوصه. الثاني: إن نظر فيه من حيثية القول، فهو كالحلف بغير الله، وقد ورد أنه شرك وكفر ثم أولوه بالأصغر وإن نظر فيه من حيثية الاعتقاد، فهو كالطيرة، وهي من الأصغر. الثالث: أنه قد ورد في حديث الضرير، قوله: " يا محمد إني أتوجه بك " ١ إلخ. وفي الجامع الكبير،

стр. 4692

وعزاه للطبراني فيمن انفلتت عليه دابته، قال: " يا عباد الله احبسوا " وهذا دعاء ونداء لغير الله. الجواب:- وبالله التوفيق والتأييد، ومنه أستمد العون والتسديد - اعلم: أن دعاء غير الله وسؤاله نوعان: أحدهما: سؤال الحي الحاضر ما يقدر عليه، مثل سؤاله أن يدعو له أو يعينه، أو ينصره مما يقدر عليه، فهذا جائز كما كان الصحابة ﵃ يستشفعون بالنبي ﷺ في حياته، فيشفع لهم، ويسألونه الدعاء فيدعو لهم. فالمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها، كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [سورة القصص آية: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [سورة الأنفال آية: ٧٢] وكما ورد في الصحيحين أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، ثم بنبينا محمد ﷺ . وفي سنن أبي داود، " أن رجلا قال للنبي: ﷺ إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله، فقال: شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه " فأقره على قوله نستشفع بك على الله; وأنكر قوله: نستشفع بالله عليك. فالصحابة ﵃ كانوا يطلبون منه الدعاء، ويستشفعون به في حياته ﷺ .

стр. 4693

النوع الثاني: سؤال الميت والغائب وغيرهما، مما لا يقدر عليه إلا الله; مثل: سؤال قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات; فهذا من المحرمات المنكرة، باتفاق أئمة المسلمين; لم يأمر الله به، ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين. وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه ليس من دين الإسلام؛ فإنه لم يكن أحد منهم إذا نزلت به شدة أو عرضت له حاجة، يقول لميت: يا سيدي فلان اقض حاجتي، أو اكشف شدتي، أو أنا في حسبك، أو أنا متشفع بك إلى ربي، كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء عند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها; فإن هذا من الشرك الأكبر، الذي كفّر الله به المشركين، الذين كفرهم النبي ﷺ واستباح دماءهم وأموالهم; لم يقولوا إن آلهتهم شاركت الله في خلق العالم، أو إنها تنْزل المطر وتنبت النبات; بل كانوا مقرين بذلك لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة لقمان آية: ٢٥] الآية وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤-٨٥] إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٩] .

стр. 4694

وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٦] قال طائفة من السلف، في تفسير هذه الآية: إذا سئلوا من خلق السماوات والأرض، قالوا: الله، وهم يعبدون غيره؛ ففسروا الإيمان في الآية، بإقرارهم بتوحيد الربوبية، وفسروا الإشراك بإشراكهم في توحيد الإلهية، الذي هو توحيد العبادة. والعبادة: اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، من ذلك: الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله; فمن طلبه من غيره، واستعان به فيه، فقد عبده به والدعاء من أفضل العبادات، وأجل الطاعات، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] . وفي الترمذي: عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: " الدعاء مخ العبادة " ١ وللترمذي والنسائي وابن ماجه، من حديث النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الدعاء هو العبادة "٢ ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] الآية، قال الترمذي حديث حسن صحيح. قال الشارح: معنى قوله ﷺ : " الدعاء هو العبادة " أي: معظمها، فهو كقوله: " الحج عرفة " ٣ أي: ركنه الأعظم. ومعنى قوله: "الدعاء العبادة" أي: خالصها،

стр. 4695

لأن الداعي إنما يدعو الله، عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص، انتهى. والدعاء في القرآن يتناول معنيين: أحدهما: دعاء العبادة، وهو: دعاء الله لامتثال أمره، في قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الثاني: دعاء المسألة; وهو دعاؤه سبحانه في جلب المنفعة، ودفع المضرة. وبقطع النظر عن الامتثال، فقد فسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] بالوجهين: أحدهما: ما هو عام في الدعاء وغيره، وهو العبادة، وامتثال الأمر له سبحانه؛ فيكون معنى قوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أثبكم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سورة الشورى آية: ٢٦] أي يثيبهم على أحد التفسيرين. الثاني: ما هو خاص، معناه: سلوني أعطكم، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "ينْزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه سؤاله؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " ١ فذكر أولا لفظ الدعاء، ثم السؤال، ثم الاستغفار، والمستغفر سائل، كما أن المسائل داع؛ فعطف السؤال والاستغفار على الدعاء؛ فهو من باب عطف الخاص على العام.

стр. 4696

وهذا المعنى الثاني، أعني: الخاص هو الأظهر، لوجهين: أحدهما: ما في حديث النعمان بن بشير، أن رسول الله ﷺ قال: " إن الدعاء هو العبادة " ١ ثم قرأ الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] فاستدلاله ﵊، بالآية على الدعاء، دليل على أن المراد منها: سلوني. وخطاب الله عباده المكلفين بصيغة الأمر، منصرف إلى الوجوب، ما لم يقم دليل يصرفه إلى الاستحباب؛ فيفيد قصر فعله على الله، فلا يجعل لغيره، لأنه عبادة; ولهذا أمر الله الخلق بسؤاله، فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٣٢] . وفي الترمذي: عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : " سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يُسأل " ٢ وله عن أبي هريرة، مرفوعا: " من لم يسأل الله يغضب عليه " ٣ وله أيضا: " إن الله يحب الملحين في الدعاء " فتبين بهذا: أن الدعاء من أفضل العبادات، وأجل الطاعات. الوجه الثاني: أنه سبحانه قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٦] والسائل راغب راهب، وكل سائل راغب راهب، فهو عابد للمسؤول. وكل عابد فهو أيضا راغب راهب، يرجو رحمته ويخاف عذابه؛ فكل عابد سائل، وكل سائل لله فهو عابد.

стр. 4697

قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [سورة الأنبياء آية: ٩٠] لا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة، أو دعاء مسألة، من الرغب والرهب، والخوف والطمع له; فدعاء العبادة، ودعاء المسألة، كلاهما عبادة لله، لا يجوز صرفها إلى غيره; فلا يجوز أن يطلب من مخلوق ميت أو غائب، قضاء حاجة، أو تفريج كربة، ما لا يقدر عليه إلا الله، لا يجوز أن يطلب إلا من الله. فمن دعا ميتا أو غائبا فقال: يا سيدي فلان أغثني، أو انصرني، أو ارحمني، أو اكشف عني شدتي، ونحو ذلك، فهو كافر مشرك، يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء، فإن هذا هو شرك المشركين، الذين قاتلهم النبي ﷺ فإنهم لم يكونوا يقولون تخلق وترزق، وتدبر أمر من دعاها؛ بل كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده، كما حكاه عنهم في غير موضع من كتابه. وإنما كانوا يفعلون عندها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم، من دعائها، والاستغاثة بها، والذبح لها، والنذر لها؛ يزعمون أنها وسائط بينهم وبين الله، تقربهم إليه، وتشفع لهم لديه، كما حكاه عنهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا

стр. 4698

يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] فقاتلهم رسول الله ﷺ ليكون الدعاء كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع العبادات كلها لله. والله سبحانه قد بين في غير موضع من كتابه أن الدعاء عبادة، فقال تعالى: حاكيا عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة مريم آية: ٤٨-٤٩] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] فأخبر سبحانه أنه لا أضل من هذا الداعي، وأن المدعو لا يستجيب له، وأن ذلك عبادة يكفر بها المعبود يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [سورة مريم آية: ٨١-٨٢] . وقد سمى الله سبحانه الدعاء دينا في غير موضع من كتابه، وأمرنا أن نخلصه له، وأخبر أن المشركين يخلصون له في الشدائد، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٢] وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ

стр. 4699

عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة يونس آية: ٢٢] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥] فأخبر سبحانه أنهم عند الاضطرار يدعونه وحده لا شريك له، مخلصين له في تلك الحالات، لا يستغيثون بغيره، فلما نجاهم من تلك الشدة، إذا هم يشركون في دعائهم; ولهذا قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٧] أي: أنه سبحانه لما نجاكم إلى البر أعرضتم، أي: نسيتم ما عرفتم من توحيده، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له. وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة غافر آية: ١٤] وقال تعالى: ﴿الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٥] فالدعاء من أفضل العبادات، وأجل الطاعات، ولهذا أخبر أنه الدين، فذكره معرفا بالألف واللام، وأخبر أن المشركين يخلصون له في الشدائد، وأنهم في الرخاء يشركون معه غيره، فيدعون من لا ينفعهم ولا يضرهم ولا يسمع دعاءهم؛ فصاروا بذلك كافرين. ومن تأمل أدلة الكتاب والسنة، علم أن شرك المشركين الذين كفرهم النبي ﷺ إنما هو في الدعاء والذبح والنذر، والتوكل والالتجاء ونحو ذلك.

стр. 4700

فإن جادل مجادل، وزعم أنه ليس هذا، قيل له: فأخبرنا عما كانوا يفعلون عند آلهتهم؟ وما الذي يريدون؟ وما هذا الشرك الذي حكاه الله عنهم؟ فإن قال: شركهم عبادة غير الله، قيل له: وما معنى عبادتهم لغير الله؟ أتظن أنهم يعترفون أن تلك الأخشاب والأحجار، تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن; لأن الله أخبر عنهم: أنهم مقرون بذلك لله وحده. فإن قال: إنهم يريدون منهم النفع والضر من دون الله، فهذا يكذبه القرآن أيضا; لأن الله أخبر عنهم: أنهم لم يريدوا إلا التقرب بهم إلى الله، وشفاعتهم عنده، كما قال تعالى حاكيا عنهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] الآية وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] الآية. وأخبر تعالى عن شركهم في غير آية من كتابه، كقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] الآيتين أي: لا يرفعونه بالكلية، ولا يحولونه من حال إلى حال، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٧] . قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة، فبين الله لهم أن هؤلاء عبادي كما أنتم عبادي، يرجون رحمتي، كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما

стр. 4701

تخافون عذابي; وأخبر أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين، ولا تحويله؛ وهذا هو الإغاثة. والمشركون يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم بالسؤال لله، والطلب منه، فيقضي الله لهم تلك الحاجات؛ فأبطل الله هذه الشفاعة التي يظنها المشركون، وبين أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فقال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ "آية: ٢٣] الآية وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] . فمن جعل الأنبياء والملائكة وسائط بين الله وبين خلقه، كالحُجّاب الذين يكونون بين الملك ورعيته، بحيث يزعم أنهم يرفعون الحوائج إلى الله، وأن الله يرزق عباده، وينصرهم بتوسطهم، أي بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله; فمن اعتقد هذا فهو كافر مشرك. إذا تقرر هذا، فنقول: قول القائل: إن إطلاق الكفر بدعاء غير الله، غير مسلم لوجوه: الوجه الأول: عدم النص الصريح على ذلك بخصوصه، كلام باطل; بل النصوص الصريحة في كفر من دعا غير الله وجعل لله ندا من خلقه يدعوه كما يدعو الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويتوكل عليه في أموره. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 4702

أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٧] . فمن أحب مخلوقا كما يحب الله، أو رجاه كما يرجو الله، فقد جعله ندا لله؛ وصار من الخالدين في النار. وفي صحيح البخاري، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار " ١. وفي الصحيحين: "أنه ﷺ سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ٢. والند: المثل، قال الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢] وقال تعالى عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٩٧-٩٨] ومعلوم: أنهم ما سووهم به في الخلق والرزق، والإحياء والإماتة، وإنما سووهم به في الدعاء والخوف والرجاء، والمحبة والتعظيم والإجلال. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [سورة الزمر آية: ٨] فصرح بكفره. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] ، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً

стр. 4703

لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٩] إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] ، فبين: أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] وقال فيما حكاه عن المسيح: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ?إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] فدلت الآية الكريمة: على أن أعظم شركهم إنما هو دعاء غير الله؛ فإنه أخبر أنهم لا يملكون من قطمير، وهو القشر الذي يكون على ظهر النواة، أي: ليس لهم من الأمر شيء، وإن قل. ثم أخبر: أنهم لا يسمعون دعاءهم، وأنهم لو سمعوا ما استجابوا لهم؛ وهذا صريح في دعاء المسألة. ثم أخبر: أن هذا شرك يكفرون به يوم القيامة، فقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [سورة فاطر آية: ١٤] كقوله: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [سورة مريم آية: ٨٢] وكقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٦] .

стр. 4704

والله سبحانه قد أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليعبد وحده، ويكون الدين كله له، ونهى أن يُشرك به أحد من خلقه. وأخبر أن الرسالة عمت كل أمة، وأن دين الرسل واحد، وهو: الأمر بعبادته وحده لا شريك له، وأن لا يشرك به أحد سواه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] . وأخبر أنه لا يغفر أن يشرك به، وأن من أشرك به فقد حبط عمله، وصار من الخالدين في النار، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٧] . فيقال لمن أنكر: أن يكون دعاء الموتى، والاستغاثة بهم في الشدائد شركا أكبر: أخبرنا عن هذا الشرك الذي عظمه الله وأخبر أنه لا يغفره؟ أتظن أن الله يحرمه هذا التحريم، ولا يبينه لنا؟ ومعلوم أن الله سبحانه أنزل كتابه تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. وقد أخبر في كتابه أنه أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا، فكيف يجوز أن يترك بيان الشرك، الذي هو أعظم ذنب عصي الله به سبحانه؟! فإذا

стр. 4705

أصغى الإنسان إلى كتاب الله وتدبره، وجد فيه الهدى والشفاء. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [سورة الرعد آية: ٣٣] ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور آية: ٤٠] . ويقال أيضا: قد أمرنا الله سبحانه بدعائه وسؤاله، وأخبر أنه يجيب دعوة الداع إذا دعاه، وأمرنا أن ندعوه خوفا وطمعا؛ فإذا سمع الإنسان قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٥] ، وأطاع الله ودعاه، وأنزل به حاجته، وسأله تضرعا وخفية، فمعلوم أن هذا عبادة. فيقال: فإن دعا في تلك الحاجة نبيا، أو ملكا، أو عبدا صالحا، هل أشرك في هذه العبادة؟ فلا بد أن يقر بذلك إلا أن يكابر ويعاند. ويقال أيضا: إذا قال الله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] ، وأطعت الله، ونحرت له، هل هذا عبادة؟ فلابد أن يقول: نعم; فيقال له: فإذا ذبحت لمخلوق، نبي أو ملك أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم، إلا أن يكابر ويعاند. وكذلك السجود عبادة، فلو سجد لغير الله لكان شركا. ومعلوم: أن الله ، ذكر في كتابه النهي عن دعاء غيره، وتكاثرت نصوص القرآن على النهي عن ذلك، أعظم مما ورد في النهي عن السجود لغير الله، والذبح لغير الله.

стр. 4706

فإذا كان من سجد لقبر نبي، أو ملك، أو عبد صالح، لا يشك أحد في كفره. وكذلك لو ذبح له القربان، لم يشك أحد في كفره; لأنه أشرك في عبادة الله غيره؛ فيقال: السجود عبادة، وذبح القربان عبادة، والدعاء عبادة؛ فما الفارق بين السجود والذبح، وبين الدعاء إذ الكل عبادة، والدعاء عبادة؟ وما الدليل على أن السجود لغير الله، والذبح لغير الله شرك أكبر، والدعاء بما لا يقدر عليه إلا الله شرك أصغر؟ ويقال أيضا: قد ذكر أهل العلم من أهل كل مذهب، باب حكم المرتد، وذكروا فيه أنواعا كثيرة، كل نوع منها يكفر به الرجل، ويحل دمه وماله، ولم يرد في واحد منها ما ورد في الدعاء؛ بل لا نعلم نوعا من أنواع الكفر والردة، ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله، بالنهي عنه والتحذير من فعله، والوعيد عليه. ولا يشتبه هذا إلا على من لم يعرف حقيقة ما بعث الله به محمدا ﷺ من التوحيد، ولم يعرف حقيقة شرك المشركين، الذين كفرهم النبي ﷺ وأحل دماءهم وأموالهم، وأمره الله أن يقاتلهم ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٣] أي: لا يكون شرك، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] . فمن أصغى إلى كتاب الله، علم علما ضروريا أن دعاء الأموات من أعظم الشرك، الذي كفر الله به المشركين؛ فكيف يسوغ لمن عرف التوحيد الذي بعث الله به محمدا ﷺ أن يجعل

стр. 4707

ذلك من الشرك الأصغر، ويقول: قد عدم النص الصريح على كفر فاعله؟ فإن الأدلة القرآنية والنصوص النبوية، قد دلت على ذلك دلالة ظاهرة ليست خفية؛ ومن أعمى الله بصيرته فلا حيله فيه ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٦] . وأيضا: فإن كثيرا من المسائل التي ذكرها العلماء في مسائل الكفر والردة، وانعقد عليها الإجماع، لم يرد فيها نصوص صريحة بتسميتها كفرا، وإنما يستنبطها العلماء من عموم النصوص، كما إذا ذبح المسلم نسكا متقربا به إلى غير الله، فإن هذا كفر بالإجماع، كما نص على ذلك النووي وغيره، وكذلك لو سجد لغير الله. فإذا قيل: هذا شرك، لأن الذبح عبادة والسجود عبادة، فلا يجوز لغير الله، كما دل على ذلك قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٢-١٦٣] ؛ فهذا صريح في الأمر بهما، وأنه لا يجوز صرفهما لغير الله. فينبغي أن يقال: فأين الدليل المصرح بأن هذا كفر بعينه؟. ولازم هذه المجادلة الإنكار على العلماء في كل مسألة من مسائل الكفر والردة التي لم يرد فيها نص بعينها، مع أن هذه المسألة المسؤول عنها، قد وجدت فيها النصوص الصريحة

стр. 4708

من كلام الله وكلام رسوله، وأوردنا من ذلك ما فيه الهدى لمن هداه الله. وأما كلام العلماء، فنشير إلى قليل من كثير، ونذكر كلام من حكى الإجماع على ذلك: قال في الإقناع وشرحه: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم، كفر إجماعا، لأن هذا كفعل عابدي الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . انتهى. [هل لابد من واسطة تبلغنا أمر الله] وقال الشيخ تقي الدين ﵀، وقد سئل عن رجلين تناظرا؛ فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله، فإنا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك. فأجاب بقوله: إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله، فهذا حق. فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده؛ وهذا مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى؛ فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج آية: ٧٥] ؛ ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل. وإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله، في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون

стр. 4709

واسطة في رزق العباد، ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك، ويرجعون إليه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين؛ حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار، لكون الشفاعة لم يأذن الله له فيها. قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] ، وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٠] ، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍوَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢-٢٣] . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] إلى قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٧] . قال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار يدعون عيسى والعزير، والملائكة والأنبياء; فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا، وأنهم يتقربون إليه، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه. قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ

стр. 4710

أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] ، فبين الله أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين. وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٦-٢٧-٢٨] إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٩] ، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [سورة النساء آية: ١٧٢] الآية، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٦] . وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٧] الآية، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة فاطر آية: ٢] . فمن أثبت الوسائط بين الله وبين خلقه كالحُجّاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج

стр. 4711

خلقه، وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم، وينصرهم بتوسطهم، بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون الملوك حوائج الناس بقربهم منهم، والناس يسألونهم، أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك؛ يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وهؤلاء مشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا. وفي القرآن من الرد على هؤلاء، ما لا تتسع له هذه الفتوى. فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله تعالى؛ وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى، حيث قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٦] أي: فليستجيبوا لي إذا دعوتهم بالأمر والنهي، ويؤمنوا بي أني أجيب دعاءهم لي بالمسألة، والتضرع، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح آية: ٧-٨] .

стр. 4712

وقد بين الله هذا التوحيد في كتابه، وحسم مواد الإشراك به، حيث لا يخاف أحد غير الله، ولا يرجوه سواه، ولا يتوكل إلا عليه، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] ، وقال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٧٥] وقال: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٨] ، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [سورة النور آية: ٥٢] ؛ فبين أن الطاعة لله والرسول، وأما الخشية والتقوى فلله وحده. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٥٩] فبين أن الإيتاء لله والرسول، وأما الحسب فهو لله وحده؛ كما قالوا حسبنا الله، ولم يقولوا حسبنا الله ورسوله، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٧٣] . وقد كان النبي ﷺ يحقق هذا التوحيد لأمته، ويحسم عنهم مواد الشرك؛ وهذا تحقيق قولنا: لا إله إلا الله; فإن الإله هو الذي تألهه القلوب، بالمحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف، حتى قال لهم: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء محمد " ١. " وقال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله

стр. 4713

ندا؟ بل ما شاء الله وحده " ١ وقال لابن عباس: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله "، وقال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله " ٢ وقال: " لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني " ٣. وقال في مرضه: " لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا " ٤ قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجدا، وهذا باب واسع. انتهى ما لخصته من كلام الشيخ في مسألة الوسائط. وقال رحمه الله تعالى، في موضع آخر: والله لم يجعل أحدا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والإلهية مثل ما ينفرد به، من الخلق والرزق وإجابة الدعاء، والنصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات؛ بل غاية ما يكون العبد سببا مثل أن يدعو ويشفع. والله تعالى قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] .

стр. 4714

فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، ولهذا كانوا في الشفاعة على ثلاثة أقسام: فالمشركون: أثبتوا الشفاعة التي هي شرك، كشفاعة المخلوق عند المخلوق، كما يشفع عند الملوك خواصهم، لحاجة الملوك إلى ذلك؛ فيسألونهم بغير إذنهم، ويجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم؛ فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله مشركون كفار; لأن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل من رحمته وإحسانه إجابة دعاء الشافعين. ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] ، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣-٤٤] ، وقال عن صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [سورة يس آية: ٢٣] . وأما الخوارج والمعتزلة: فإنهم أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر من أمته، وهؤلاء مبتدعة ضلال، مخالفون للسنة المستفيضة عن النبي ﷺ ، ولإجماع خير القرون. [الشفاعة وما يثبت وما ينتفي منها] القسم الثالث: أهل السنة والجماعة، وسلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان: أثبتوا ما أثبته الله في كتابه وسنة رسوله، ونفوا ما نفاه؛ فالشفاعة التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث.

стр. 4715

وأما الشفاعة التي نفاها القرآن، كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة، فينفيها أهل العلم والإيمان؛ مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين، الغائبين والميتين قضاء حوائجهم، ويقولون: إنهم إذا أرادوا ذلك قضوها; ويقولون: إنهم عند الله كخواص الملوك عند الملوك، يشفعون بغير إذن الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم؛ فيجعلونهم لله بمنْزلة شركاء الملك؛ والله سبحانه قد نزه نفسه عن ذلك، انتهى. [أنواع الشرك] وقال ابن القيم رحمة الله تعالى: وأما الشرك فنوعان: أصغر وأكبر; فالأكبر: الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي يتضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين. ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ?إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٩٧-٩٨] مع إقرارهم بأن الله هو الخالق وحده، خالق كل شيء ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق، ولا تحيي ولا تميت؛ وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة، كما هو حال أكثر مشركي العالم يحبون معبوداتهم، ويعظمونها ويوالونها من دون الله. وكثير منهم بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله

стр. 4716

وحده، ويغضبون إذا انتقص أحد معبوداتهم وآلهتهم من المشائخ، أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين; وإذا انتقصت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوديهم، غضبوا غضب الليث إذا حرب، وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها. بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا رضوا عنه، ولم تنكره قلوبهم، وقد شاهدنا هذا منهم نحن وغيرنا، ونرى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله، على لسانه إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن مرض؛ فذكر إلهه ومعبوده من دون الله، هو الغالب على لسانه وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده، ووسيلته إليه؛ وهكذا كان عباد الأصنام سواء. وهذا القدر، هو الذي قام بقلوبهم، يتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذوها من البشر، قال تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ثم شهد عليهم بالكذب والكفر وأخبر أنه لا يهديهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] فهذا حال من اتخذ من دون الله وليا، يزعم أنه يقربه إلى الله، وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره! والذي قام في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن

стр. 4717

آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك؛ وقد أنكره الله عليهم في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن رضي قوله وعمله، وهم أهل التوحيد، الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء، ثم ساق كلاما طويلا وقرره أحسن تقرير. فتأمل كلامه هذا، حيث قرر أن الذي يفعله مشركو زمانه، هو عين الشرك الذي فعله المشركون الأولون، ثم قال: وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره! ففي هذا شاهد لصحة الحديث الوارد عن رسول الله ﷺ أنه قال: " بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ " ١ وقوله: فيما صح عنه ﷺ " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتمو. قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ٢ أخرجاه في الصحيحين. [قول ابن تيمية لما تكلم عن حديث الخوارج] وقال الشيخ أبو العباس ابن تيمية ﵀، في رسالته "السنية" لما تكلم عن حديث الخوارج: فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه، ممن انتسب إلى الإسلام، من قد مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذا الزمان، قد يمرق أيضا، وذلك بأمور; منها: الغلو الذي ذمه الله كالغلو في المشائخ، كالشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح.

стр. 4718

فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل: أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، وأنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. فإن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده، ولا يجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الملائكة والمسيح، وعزير والصالحين، أو قبورهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق; وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، انتهى. وقال أبو الوفاء ابن عقيل ﵀: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم; إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل: تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع، من إيقاد السرج، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع، فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى. والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، ولم يتمسح

стр. 4719

بالآجر يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته أبو بكر الصديق، أو محمد أو علي، أو لم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه، ولم يرق ماء الورد على القبر، انتهى كلامه. فتأمل رحمك الله ما ذكره هذا الإمام، وما كشف من الأمور التي يفعلها الخواص من الأنام، فضلا عن النساء، والغوغاء والعوام، مع كونه في سادس القرون، والناس لما ذكره يفعلون، وجهابذة العلماء والنقدة لذلك مشاهدون، وحظهم من النهي مرتبته الثانية، فهم بها قائمون، يتضح لك فساد ما زخرفه المبطلون، وموه به المتعصبون والملحدون. فصل وأما قوله الثاني: إن نظر فيه من حيثية القول، فهو كالحلف بغير الله، وقد ورد أنه شرك وكفر، ثم أولوه بالأصغر; وإن نظر فيه من حيثية الاعتقاد، فهو كالطيرة وهي من الأصغر. فنقول: هذا كلام باطل، وليس يخفى ما بينهما من الفرق؛ فأي مشابهة بين من وحد الله وعبده، ولم يشرك معه أحدا من خلقه وأنزل حاجاته كلها بالله، واستغاث به في تفريج كرباته، وإغاثة لهفاته; لكنه حلف بغير الله يمينا مجردة لم يقصد بها تعظيمه على ربه، ولم يسأله ولم يستغث به، وبين من استغاث بغير الله، وسأله جلب الفوائد وكشف الشدائد؟!

стр. 4720

فإن هذا صرف مخ العبادة الذي هو لبها وخالصها لغير الله، وأشرك مع الله غيره في أجل العبادات، وأفضل القربات التي أمرنا الله بها، في غير موضع من كتابه، وأخبر النبي ﷺ أنه هو العبادة، كما تقدم في حديث النعمان بن بشير، أن الدعاء هو العبادة، وفي حديث أنس: " الدعاء مخ العبادة " ١، وأخبر النبي ﷺ أن الله يحب الملحين فيه، وأن من لم يسأل الله يغضب عليه. ففي الترمذي عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ : " سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل " ٢، وفيه أيضا: " إن الله يحب الملحين في الدعاء " وفيه أيضا: " من لم يسأل الله يغضب عليه " ٣، وفي الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء " ٤. وأما الحلف: فلم يأمرنا الله به; بل أمرنا بحفظه، فقال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٨٩] قيل المعنى: لا تحلفوا، وقيل: لا تحنثوا، ولا يرد على هذا ما روي عن النبي ﷺ أنه حلف في مواضع؛ فاليمين تستحب إذا كان فيها مصلحة راجحة، وعلى هذا حمل العلماء، ما روي في ذلك عن النبي ﷺ فهو يحلف لمصالح مطلوبة للأمة، كزيادة إيمانهم، وطمأنينة قلوبهم، كما أمره الله بذلك في ثلاثة مواضع من كتابه، وأما الحلف لغير مصلحة فليس مشروعا، بل يباح إذا كان صادقا.

стр. 4721

وأما الدعاء: فهو محبوب مشروع لله، بل سماه الله في كتابه الدين، وأمر بإخلاصه له; وسماه رسوله ﷺ العبادة، ومخ العبادة، فكيف يقال: هو الحلف؟ فمن صرف الدعاء لغير الله، فقد أشرك في الدين، الذي أمر الله بإخلاصه، وفي العبادة التي أمر الله بها. وأيضا: فإن الداعي راغب راهب، فالعبد يدعو ربه رغبا ورهبا، ويتوكل عليه في حصول مطلوبه، ودفع مرهوبه; فإذا طلب فوائده، وكشف شدائده من غير الله، فقد أشرك مع الله في الرغبة والرهبة، والرجاء والتوكل، فإن هذا من لوازم الدعاء، وهو من العبادة التي أمر الله بها، كقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح آية: ٨] ، وقوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة النحل آية: ٥١] ، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٢٣] . فمن استغاث بغير الله، فهو راغب في حصول مطلوبه، راج له متوكل عليه، وذلك هو حقيقة العبادة التي لا تصلح إلا لله، وهو معنى لا إله إلا الله; فإن الإله هو الذي تألهه القلوب، محبة ورجاء وخوفا وتوكلا. ويقال أيضا: الذي يدعو غير الله في مهماته، وكشف كرباته، قد رد على الله وكذب بآياته؛ فإن الله أخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأن الشفاعة كلها لله، وهذا زعم: أن الميت يشفع له. وأخبر الله أن الأولياء والصالحين لا يملكون

стр. 4722

كشف الضر ولا تحويله، وأنهم لا ينفعون ولا يضرون، ولا يسمعون الدعاء ولا يستجيبون; وهذا زعم: أنهم باب حوائجه إلى الله، وأنهم ينفعون ويشفعون، وللدعاء يسمعون، وله يستجيبون; فكذب على الله وكذب بآياته. فكيف يقال: إن هذا كالحلف بغير الله الذي قصاراه أن يكون شركا أصغر، يعاقب عليه كما يعاقب الزاني، وقاتل النفس وآكل الربا; لأنه ارتكب محرما غير مستحل له، نظير ما يفعله الزاني وقاتل النفس، فأما إن فعله مستحلا له، أو يكون المخلوق في قلبه أعظم من الخالق، كان ذلك كفرا؟ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والتواضع للخلق، والحلف بغير الله، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا; وقد يكون هذا شركا أكبر، بحسب حال قائله ومقصده، انتهى. ويقال أيضا: من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، أن الله تعالى بعث محمدا ﷺ يدعو إلى التوحيد، وينهى عن الإشراك؛ فكان أول آية أرسله الله بها ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [سورة المدثر آية: ١-٢-٣-٤-٥] ؛ فأنذر عن الشرك، وهجر الأوثان وكبر الله، وعظمه بالتوحيد. فاستجاب له من استجاب من المسلمين، وصبروا على

стр. 4723

الأذى من قومهم، وقاسوا الشدائد العظيمة، فهاجروا وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في الله وتميز الكافر من المسلم، ومات من المسلمين من استوجب الجنة، ومات من الكفار من استوجب النار، هذا كله قبل النهي عن الحلف بغير الله. فالاستغاثة بأهل القبور، واستنجادهم واستنصارهم، لم يبح في شرائع الرسل كلهم؛ بل بعث الله جميع رسله بالنهي عن ذلك، والأمر بعبادته وحده لا شريك له. وأما الحلف: فكان الصحابة يحلفون بآبائهم، ويحلفون بالكعبة وغير ذلك، ولم ينهوا عن ذلك إلا بعد مدة طويلة، فقال لهم النبي ﷺ " إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم " ١، وقال: " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " ٢، ومن لا يميز بين دعاء الميت والحلف به، لا يعرف الشرك الذي بعث الله به محمدا ﷺ ينهى عنه، ويقاتل أهله. [الجامع بين الحلف والاستغاثة] وأي جامع بين الحلف والاستغاثة؟ فالمستغيث طالب سائل، والحالف لم يطلب ولم يسأل. فإن كان الجامع بينهما عند القائل باتحادهما: أن كلا منهما قول باللسان فيقال له: والإنكار والدعوات، وقول الزور وقذف المحصنات، كل ذلك قول باللسان; ولو قال أحد: إنها ألفاظ متقاربة لعد من المجانين. وإن أراد هذا القائل اتحادهما في المعنى، فهذا باطل كما تقدم بيانه; وأي مشابهة بين من جعل لله ندا من خلقه، يدعوه

стр. 4724

ويرجوه، ويستنصره ويستغيث به، وبين من لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، وأخلص له في عبادته؟ فالأول أشرك مع الله في قوله وفعله، واعتقاده بخلاف الحالف؛ بل لو اعتقد الحالف تعظيم المخلوق على الخالق، لصار مشركا شركا أكبر كما تقدم. ومما يبين ذلك أيضا: أن الرسول ﷺ لما نهاهم عن الحلف بغير الله، وحلف بعض الصحابة حدثاء العهد، فقال في حلفه: واللات، قال النبي ﷺ " من حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله " ١، ولما " قال له بعض الصحابة حدثاء العهد بالكفر: اجعل لنا ذات أنواط، قال: الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، لتركبن سنن من كان قبلكم " ٢. فانظر كيف نهى الحالف، وأرشده إلى الكفارة، بأن يقول: لا إله إلا الله، من غير تغليظ; والذين قالوا: اجعل لنا ذات أنواط، غلظ عليهم التغليظ الشديد، وحلف لهم أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، وأن قولهم: اجعل لنا ذات أنواط، كقول بني إسرائيل: اجعل لنا إلها، سواء؛ فهما متفقان معنى، وإن اختلفا لفظا; وهذا مما يبين لك شيئا من معنى لا إله إلا الله. فإذا كان اتخاذ الشجرة للعكوف حولها، وتعليق

стр. 4725

الأسلحة بها للتبرك، اتخاذ إله مع الله، مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر، ودعائه في إنزال الفوائد، والاستغاثة به في كشف الشدائد، وأخذ تربته تبركا، وإسراج القبر وتخليقه؟! وأي شبهة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون. قال بعض أهل العلم، من أصحاب مالك: فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة، أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها، انتهى. ومما يبين الفرق بين دعاء الأموات والاستغاثة بهم وبين الحلف بهم، أن العلماء قسموا الشرك إلى أكبر وأصغر، جعلوا دعاء الأموات، والاستغاثة بهم فيما لا يقدر عليه إلا رب السماوات والأرض، هو عين شرك المشركين الذين كفرهم الله في كتابه، وجعلوا الحلف بغير الله شركا أصغر. فيذكرون الأول في باب حكم المرتد، وأن من أشرك بالله فقد كفر، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، ويفسرون هذا الشرك بما ذكرناه، ويذكرون الثاني في كتاب الأيمان؛ فيفرقون بين هذا وهذا. ولم نعلم أن أحدا من العلماء الذين لهم لسان صدق في

стр. 4726

الأمة، قال إن طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم شرك أصغر، ولا قال إن ذلك كالحلف بغير الله، اللهم إلا أن يكون بعض المنتسبين إلى العلم، من المتأخرين الضالين، الذين قرروا الشرك، وحسنوه للناس، نظما ونثرا، وصار لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء آية: ٥١] . وأما قوله: وإن نظر فيه من جهة الاعتقاد، فهو كالطيرة; فهذا كلام باطل أيضا، يظهر بطلانه مما تقدم. فيقال: وأين الجامع بين شرك من جعل بينه وبين الله واسطة، يدعوه ويسأله قضاء حاجاته، وكشف كرباته، ويقول: هذا وسيلتي إلى الله، وباب حاجتي إليه، وبين من عبد الله وحده لا شريك له، ودعاه خوفا وطمعا، وأنزل به حاجاته كلها، وتبرأ من عبادة كل معبود سواه؟ ولكن وقع في قلبه شيء من الطيرة؟ فالأول: هو دين أبي جهل وأصحابه، وهو دين أعداء الرسل، من لدن نوح إلى يومنا هذا. وأما الطيرة: فتقع على المؤمنين الموحدين، كما في حديث ابن مسعود المرفوع: "الطيرة شرك " ١ وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل، رواه أبو داود، ورواه الترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود; وفي مراسيل أبي داود: أن النبي ﷺ قال: "ليس عبد إلا سيدخل قلبه طيرة؛ فإذا أحس بذلك، فليقل: أنا عبد الله، ما شاء الله لا قوة إلا

стр. 4727

بالله، لا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يذهب بالسيئات إلا الله. أشهد أن الله على كل شيء قدير. ثم يمضي لوجهه " وفي مسند الإمام أحمد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ :" من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، وكفارة ذلك أن يقول أحدهم: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك " ١. وفي صحيح ابن حبان عن أنس، عن النبي ﷺ قال: " لا طيرة، والطيرة على من تطير ". ومعنى هذا: من تطير تطيرا منهيا عنه، بأن يعتمد على ما يسمعه، أو يراه من الأمور التي يتطير بها، حتى تمنعه مما يريد من حاجته، فإنه قد يصيبه ما يكرهه، وأما من توكل على الله، ولم ينظر إلى الأسباب المخوفة، وقال ما أمر به من هذه الكلمات، ومضى؛ فإنه لا يضره ذلك. فإذا كان هذا حال الطيرة، فأين الجامع بينها وبين الشرك الأكبر في الاعتقاد؟! فإن أراد السائل: أن التطير إذا زجر الطير، أو تطير بما يراه من علم النجوم وغيره، أو يسمعه من الكلام، يعتقد في ذلك علم الغيب، وأن الطير تخبره عما هو صائر إليه في المستقبل، وأن الأفلاك تدبر أمر الخلائق، فليس هذا من الشرك الأصغر؛ بل هذا من الشرك الأكبر؛ نظير شرك عباد الكواكب. فصل [في دعاء غير الله] وأما قول القائل: الثالث أنه قد ورد في حديث الضرير، قوله: يا محمد. وفي الجامع الكبير، وعزاه للطبراني فيمن

стр. 4728

انفلتت عليه دابته، قال: " يا عباد الله احبسوا، " وهذا دعاء ونداء لغير الله. فنقول - وبالله التوفيق -: اعلم أن الله بعث محمدا ﷺ بالدعوة إلى التوحيد، والنهي عن الإشراك؛ فحمى حمى التوحيد، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، حتى في الألفاظ، حتى " إن رجلا قال له: ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحد هـ"؛ فكيف يأمر بدعاء الميت أو الغائب؟ بل من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن دعاء الميت والغائب، لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا فعله أحد من أئمة المسلمين، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته; ولا قال أحد: إن الصحابة استغاثوا بالنبي ﷺ بعد موته، ولو كان هذا جائز أو مشروعا لفعلوه، ولو كان خيرا لسبقوا إليه. وقد كان عندهم من قبور أصحاب محمد ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون؛ فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه ولا استغاث به، ولا استنصر به. ومعلوم: أن مثل هذا مما توفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه. وحينئذ فلا يخلو: إما أن يكون دعاء الموتى والغائبين، أو الدعاء عند قبورهم والتوسل بأصحابها أفضل، أو لا

стр. 4729

يكون؟ فإن كان أفضل، فكيف خفي علما وعملا على الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة، جاهلة علما وعملا بهذا الفضل العظيم، يظفر به الخلوف علما وعملا. وهذان الحديثان اللذان أوردهما السائل، إما أن يكون الصحابة الذين رووهما، وسمعوهما من النبي ﷺ جاهلين بمعناهما، وعلمه هؤلاء المتأخرون; وإما أن يكون الصحابة علموها علما، وزهدوا فيها عملا مع حرصهم على الخير، وطاعتهم لنبيهم ﷺ ؛ وكلاهما محال. بل هم أعلم الناس بكلام رسول الله ﷺ وأطوع الناس لأوامره، وأحرص الناس على كل خير; وهم نقلوا إلينا سنة نبينا ﷺ ؛ فهل فهموا من هذه الأحاديث جواز دعاء الموتى والغائبين، والفضلاء؟ فضلا عن استحبابه والأمر به؟! ومعلوم: أنهم عرضت لهم شدائد واضطرارات، وفتن وقحط وسنون مجدبات، أفلا جاؤوا إلى قبر النبي ﷺ شاكين، وله مخاطبين، وبكشفها عنهم وتفريج كرباتهم داعين؟ والمضطر يتشبث بكل سبب يعلم أن له فيه نفعا، لا سيما الدعاء; فلو كان ذلك وسيلة مشروعة، وعملا صالحا لفعلوه. فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور حتى توفاه الله، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة

стр. 4730

والتابعين، هل يمكن أحد أن يأتي عنهم بنقل صحيح، أو حسن، أو ضعيف أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة، أو عرضت لهم شدة، قصدوا القبور، فدعوا عندها وتمسحوا بها، فضلا عن أن يسألوها حوائجهم؟ فمن كان عنده في هذا أثر، أو حرف واحد في ذلك، فليوقفنا عليه. نعم، يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، بكثير من المختلقات، والحكايات المكذوبات؛ حتى لقد صنف في ذلك عدة مصنفات، ليس فيها حديث صحيح عن رسول الله ﷺ ؛ وإنما فيها التمويهات، والحكايات والمخترعات، والأحاديث المكذوبات. كقولهم: إذا أعيتكم الأمور، فعليكم بأصحاب القبور; وحديث: لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه; ومنها حكايات لهم عن تلك القبور: إن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلانا دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت، وفلانا نزل به ضر، فأتى صاحب ذلك القبر، فكشف ضره، ونحو ذلك مما هو مضاد، لما بعث الله به محمدا ﷺ من الدين. ومن له معرفة بما بعث الله به محمدا ﷺ ، يعلم أنه حمى جانب التوحيد، وسد الذرائع الموصلة إلى الشرك؛ فكيف يستدل بكلامه على نقيض ما أمر به؟ فيستدل في حديث الأعمى
следующие страницы →