الأمة، قال إن طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم شرك أصغر، ولا قال إن ذلك كالحلف بغير الله، اللهم إلا أن يكون بعض المنتسبين إلى العلم، من المتأخرين الضالين، الذين قرروا الشرك، وحسنوه للناس، نظما ونثرا، وصار لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء آية: ٥١] .
وأما قوله: وإن نظر فيه من جهة الاعتقاد، فهو كالطيرة; فهذا كلام باطل أيضا، يظهر بطلانه مما تقدم. فيقال: وأين الجامع بين شرك من جعل بينه وبين الله واسطة، يدعوه ويسأله قضاء حاجاته، وكشف كرباته، ويقول: هذا وسيلتي إلى الله، وباب حاجتي إليه، وبين من عبد الله وحده لا شريك له، ودعاه خوفا وطمعا، وأنزل به حاجاته كلها، وتبرأ من عبادة كل معبود سواه؟ ولكن وقع في قلبه شيء من الطيرة؟ فالأول: هو دين أبي جهل وأصحابه، وهو دين أعداء الرسل، من لدن نوح إلى يومنا هذا.
وأما الطيرة: فتقع على المؤمنين الموحدين، كما في حديث ابن مسعود المرفوع: "الطيرة شرك " ١ وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل، رواه أبو داود، ورواه الترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود; وفي مراسيل أبي داود: أن النبي ﷺ قال: "ليس عبد إلا سيدخل قلبه طيرة؛ فإذا أحس بذلك، فليقل: أنا عبد الله، ما شاء الله لا قوة إلا
стр. 4727
بالله، لا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يذهب بالسيئات إلا الله. أشهد أن الله على كل شيء قدير. ثم يمضي لوجهه "
وفي مسند الإمام أحمد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ :" من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، وكفارة ذلك أن يقول أحدهم: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك " ١. وفي صحيح ابن حبان عن أنس، عن النبي ﷺ قال: " لا طيرة، والطيرة على من تطير ".
ومعنى هذا: من تطير تطيرا منهيا عنه، بأن يعتمد على ما يسمعه، أو يراه من الأمور التي يتطير بها، حتى تمنعه مما يريد من حاجته، فإنه قد يصيبه ما يكرهه، وأما من توكل على الله، ولم ينظر إلى الأسباب المخوفة، وقال ما أمر به من هذه الكلمات، ومضى؛ فإنه لا يضره ذلك. فإذا كان هذا حال الطيرة، فأين الجامع بينها وبين الشرك الأكبر في الاعتقاد؟!
فإن أراد السائل: أن التطير إذا زجر الطير، أو تطير بما يراه من علم النجوم وغيره، أو يسمعه من الكلام، يعتقد في ذلك علم الغيب، وأن الطير تخبره عما هو صائر إليه في المستقبل، وأن الأفلاك تدبر أمر الخلائق، فليس هذا من الشرك الأصغر؛ بل هذا من الشرك الأكبر؛ نظير شرك عباد الكواكب.
فصل [في دعاء غير الله]
وأما قول القائل: الثالث أنه قد ورد في حديث الضرير، قوله: يا محمد. وفي الجامع الكبير، وعزاه للطبراني فيمن
стр. 4728
انفلتت عليه دابته، قال: " يا عباد الله احبسوا، " وهذا دعاء ونداء لغير الله.
فنقول - وبالله التوفيق -: اعلم أن الله بعث محمدا ﷺ بالدعوة إلى التوحيد، والنهي عن الإشراك؛ فحمى حمى التوحيد، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، حتى في الألفاظ، حتى " إن رجلا قال له: ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحد هـ"؛ فكيف يأمر بدعاء الميت أو الغائب؟
بل من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن دعاء الميت والغائب، لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا فعله أحد من أئمة المسلمين، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته; ولا قال أحد: إن الصحابة استغاثوا بالنبي ﷺ بعد موته، ولو كان هذا جائز أو مشروعا لفعلوه، ولو كان خيرا لسبقوا إليه.
وقد كان عندهم من قبور أصحاب محمد ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون؛ فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه ولا استغاث به، ولا استنصر به. ومعلوم: أن مثل هذا مما توفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه.
وحينئذ فلا يخلو: إما أن يكون دعاء الموتى والغائبين، أو الدعاء عند قبورهم والتوسل بأصحابها أفضل، أو لا
стр. 4729
يكون؟ فإن كان أفضل، فكيف خفي علما وعملا على الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة، جاهلة علما وعملا بهذا الفضل العظيم، يظفر به الخلوف علما وعملا.
وهذان الحديثان اللذان أوردهما السائل، إما أن يكون الصحابة الذين رووهما، وسمعوهما من النبي ﷺ جاهلين بمعناهما، وعلمه هؤلاء المتأخرون; وإما أن يكون الصحابة علموها علما، وزهدوا فيها عملا مع حرصهم على الخير، وطاعتهم لنبيهم ﷺ ؛ وكلاهما محال.
بل هم أعلم الناس بكلام رسول الله ﷺ وأطوع الناس لأوامره، وأحرص الناس على كل خير; وهم نقلوا إلينا سنة نبينا ﷺ ؛ فهل فهموا من هذه الأحاديث جواز دعاء الموتى والغائبين، والفضلاء؟ فضلا عن استحبابه والأمر به؟!
ومعلوم: أنهم عرضت لهم شدائد واضطرارات، وفتن وقحط وسنون مجدبات، أفلا جاؤوا إلى قبر النبي ﷺ شاكين، وله مخاطبين، وبكشفها عنهم وتفريج كرباتهم داعين؟
والمضطر يتشبث بكل سبب يعلم أن له فيه نفعا، لا سيما الدعاء; فلو كان ذلك وسيلة مشروعة، وعملا صالحا لفعلوه.
فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور حتى توفاه الله، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة
стр. 4730
والتابعين، هل يمكن أحد أن يأتي عنهم بنقل صحيح، أو حسن، أو ضعيف أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة، أو عرضت لهم شدة، قصدوا القبور، فدعوا عندها وتمسحوا بها، فضلا عن أن يسألوها حوائجهم؟ فمن كان عنده في هذا أثر، أو حرف واحد في ذلك، فليوقفنا عليه.
نعم، يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، بكثير من المختلقات، والحكايات المكذوبات؛ حتى لقد صنف في ذلك عدة مصنفات، ليس فيها حديث صحيح عن رسول الله ﷺ ؛ وإنما فيها التمويهات، والحكايات والمخترعات، والأحاديث المكذوبات.
كقولهم: إذا أعيتكم الأمور، فعليكم بأصحاب القبور; وحديث: لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه; ومنها حكايات لهم عن تلك القبور: إن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلانا دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت، وفلانا نزل به ضر، فأتى صاحب ذلك القبر، فكشف ضره، ونحو ذلك مما هو مضاد، لما بعث الله به محمدا ﷺ من الدين.
ومن له معرفة بما بعث الله به محمدا ﷺ ، يعلم أنه حمى جانب التوحيد، وسد الذرائع الموصلة إلى الشرك؛ فكيف يستدل بكلامه على نقيض ما أمر به؟ فيستدل في حديث الأعمى
стр. 4731
بقوله: يا محمد، على أنه أمر بدعائه في حال غيبته، فيدل على جواز الاستغاثة بالغائب، وكذلك قوله: "يا عباد الله احبسوا" يدل على ذلك أيضا، هذا من أعظم المحال وأبطل الباطل.
بل كلامه ﷺ يوافق الوحي المنزل عليه، يصدقه ولا يكذبه، فإنهما من مشكاة واحدة ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم آية: ٣-٤] ونحن نجيب عن هذين الحديثين، بعون الله وتأييده، من وجوه.
الوجه الأول: أن القرآن فيه ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] ؛ فيردّ المتشابه إلى المحكم، ولا يضرب كتاب الله بعضه ببعض. وكذلك السنة: فيها محكم ومتشابه؛ فيردّ متشابهها إلى المحكم، ولا يضرب بعضها ببعض; فكلام النبي ﷺ لا يتناقض، بل يصدق بعضه بعضا؛ والسنة توافق القرآن ولا تناقضه. وهذا أصل عظيم يجب مراعاته; ومن أهمله فقد وقع في أمر عظيم وهو لا يدري.
ومن المعلوم: أن أدلة القرآن الدالة على النهي عن دعاء غير الله، متظاهرة مع وضوحها وبيانها، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] .
وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] ، وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا
стр. 4732
يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] ، إلى غير ذلك من الآيات الواضحات البينات.
فمن أعرض عن هذا كله، وتعامى عنه، وأعرض عن الأحاديث الصحيحة الدالة على تحقيق التوحيد، وإبطال الشرك وسد ذرائعه، وتعلق بحديث ضعيف، بل ذكر بعض العلماء أنه حديث منكر، وهو قوله: "إذا انفلتت دابة أحدكم، فليناد يا عباد الله احبسوا" ومثل حديث الأعمى، الذي فيه: يا محمد، وزعم أن رسول الله ﷺ أمره أن يسأله في حال غيبته، لم يكن هذا إلا من زيغ في قلبه؛ قد تناوله قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] ، وقوله ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيح، من حديث عائشة ﵂: " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " ١.
الوجه الثاني: أن يقال لمن استدل بالحديثين على دعاء غير الله: أتظن أن الرسول ﷺ يأمر أمته بالشرك، وقد نهى عنه وقد جرد التوحيد لله، ونهى عن دعوة غير الله؟ وقال فيما ثبت عنه في صحيح البخاري: " من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار " ٢، وقال لابن عباس: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " ٣. فكيف يجتمع في قلبك أن الله بعثه يأمر بالتوحيد، ويحذر من الإشراك، ثم يأمر أمته بعين ما
стр. 4733
حذرهم عنه؟!
فمن زعم أن قوله "يا عباد الله احبسوا" يدل على جواز دعاء الغائب بالنص، وعلى دعاء الميت بالقياس على الغائب، وكذلك حديث الأعمى، فمن زعم هذا فقد حادّ الله ورسوله; حيث زعم أن الرسول ﷺ أمر أمته بالإشراك الذي بعثه الله ينهى عنه.
الوجه الثالث: أن يقال: وعلى تقدير أن هذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله شرك أصغر، فيظن من في قلبه رائحة الإيمان أن الرسول ﷺ يأمر أمته بالشرك الأصغر، الذي قد حرمه الله ورسوله; بل إذا علم الإنسان أن هذا شرك أصغر، ثم زعم أن الرسول ﷺ أمر أمته به كان كافرا.
وقد قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٩] إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] فحاشا جنابه ﷺ أن يأمر أمته بالشرك، ولو كان أصغر.
ومن استدل بهذين الحديثين على دعاء الموتى والغائبين، فهو بين أمرين لا محيد له عنهما: إما أن يقول: هذا يدل على أن دعاءهم مستحب أو جائز؛ ومن قال ذلك فقد خالف إجماع المسلمين، ومرق من الدين; فإنه لم يقل أحد من المسلمين: إن دعاء الموتى جائز أو مستحب.
стр. 4734
وإما أن يقول: إن ذلك يدل على أن دعاء الموتى شرك أصغر لا أكبر؛ ومن قال ذلك فقد تناقض في استدلاله، حيث استدل بكلام النبي ﷺ الذي أمر به على ما نهى عنه؛ وكيف يسوغ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يستدل بأمره على نهيه؟
ثم يقال: لهذا المستدل بقوله: فليقل: "يا عباد الله احبسوا" أخبرنا عن هذا الأمر، هل هو للوجوب، أو الاستحباب أو الإباحة؟ وهي أقل أحواله، وأما ما كان مكروها أو محرما، فلا يكون فيما أمر به النبي ﷺ فما وجه الاستدلال؟
الوجه الرابع: أن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ فإنه من رواية معروف بن حسان، وهو منكر الحديث؛ قاله ابن عدي.
الوجه الخامس: أن يقال: إن صح الحديث فلا دليل فيه على دعاء الميت والغائب؛ فإن الحديث ورد في أذكار السفر; ومعناه: أن الإنسان إذا انفلتت دابته وعجز عنها، فقد جعل الله عبادا من عباده الصالحين، أي صالحي الجن أو الملائكة، أو ممن لا يعلمه من جنده سواه ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة المدثر آية: ٣١] .
أما خبر النبي ﷺ إن لله عبادا قد وكلهم لهذا الأمر، فإذا انفلتت الدابة، ونادى صاحبها بما أمره به النبي ﷺ في الحديث حبسوا عليه دابته؛ فإن هؤلاء عباد لله أحياء، قد
стр. 4735
جعل الله لهم قدرة على ذلك، كما جعل الله للإنس. فهو ينادي من يسمع ويعين بنفسه ويرى بعينه، كما ينادي أصحابه الذين معه من الإنس. فأين هذا من الاستغاثة بأهل القبور؟! بل هذا من جنس ما يجوز طلبه من الأحياء، فإن الإنسان يجوز له أن يسأل المخلوق من الأحياء ما يقدر عليه، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [سورة القصص آية: ١٥] ، وكما قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [سورة الأنفال آية: ٧٢] ، وكما يستغيث الناس يوم القيامة بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، حتى يأتوا نبينا محمدا ﷺ ؛ بل هذا من جنس استغاثته برفقته من الإنس.
فإذا انفلتت دابته، ونادى أحد رفقته: يا فلان ردوا الدابة، لم يكن في هذا بأس; فهذا الذي ورد في الحديث من جنس هذا بل قد تكون قربة إذا قصد به امتثال أمر النبي ﷺ ؛ فأين هذا من استغاثة العبادة؟ بأن ينادي ميتا، أو غائبا في قطر شاسع، سواء كان نبيا أو عبدا صالحا؟!
الوجه السادس: أن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] ؛ فبعد أن أكمله بفضله ورحمته، فلا يحل له أن يخترع فيه ما ليس منه، ونقيس عليه ما لا يقاس عليه; بل الواجب اتباع ما ورد عن النبي ﷺ فنقول كما أمر به،
стр. 4736
فإذا نادى شخصا معينا باسمه، فقد كذب على رسول الله ﷺ ونادى من لم يؤمر بندائه؛ وليس ذلك في كل حركة وسكون وقيام وقعود، وإنما ذلك في أمر مخصوص.
وأما حديث الأعمى، فالجواب عنه من وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث إذا شذ عن قواعد الشرع لا يعمل به؛ فإنهم قالوا: إن حد الحديث الصحيح، إذا رواه العدل الضابط عن مثله، من غير شذوذ ولا علة. فهذا الحديث: لا يجوز الاحتجاج به في هذا الباب، لمخالفته لقواعد الشرع وأصوله؛ بل من احتج به على دعاء الميت والغائب، فقد خالف نصوص الكتاب والسنة، مع أنه - بحمد الله - يوافق ذلك ولا يخالفه; فليس فيه دليل على ما ذكره السائل، كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى، وكيف يستدل بما ليس فيه دلالة مطابقة ولا تضمن ولا التزام؟!
الوجه الثاني: أن يقال: هذا الحديث قد رواه النسائي، في اليوم والليلة، والبيهقي وابن شاهين في دلائلهما، كلهم عن عثمان بن حنيف، ولم يذكروا فيه هذه اللفظة - أعني قوله: يا محمد - ولفظ الحديث عندهم: عن عثمان بن حنيف، " أن رجلا أعمى أتى النبي ﷺ فقال له: يا نبي الله: قد أصبت في بصري، فادع الله لي، فقال له النبي ﷺ : توضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أتوجه إليك بنبيي
стр. 4737
محمد، نبي الرحمة، أي: أتشفع به إليك، في رد بصري، اللهم شفع نبيي في. ففعل ذلك فرد الله عليه بصره، وقال له: إذا كانت لك حاجة فبمثل ذلك فافعل " انتهى.
فهذا الحديث بهذا اللفظ، لا حجة للمبطل فيه; لأن غايته: أنه توسل بالنبي ﷺ وساقه الترمذي بسياق قريب من هذا، فقال: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة عن أبي جعفر، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف: "أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك. قال: فادعه فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في " ١ هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي جعفر، وهو غير الخطاء، انتهى. هذا لفظه بحروفه، وفي نسخة أخرى: "إني توجهت إلى ربي"; وليست هذه اللفظة في سياق هؤلاء الأئمة، أعني قوله: يا محمد; التي هي غاية ما يتعلق به المبطلون.
الوجه الثالث: أن يقال: على تقدير صحة هذه اللفظة، فليس فيها ما يدل على دعاء النبي ﷺ بعد موته; ولو كان فيها ما يدل على ذلك، لفعله الصحابة ﵃.
стр. 4738
فلما ثبت أن الصحابة لم يفعلوه، بل ولا أجازوه، علمنا أنه ليس في ذلك دلالة، فبقي أن يقال: ما معناه؟
فنقول: ذكر العلماء في معناه قولين: أحدهما: أنه توسل بالنبي ﷺ ؛ فيدل: على جواز التوسل به ﷺ في حياته، وبعد وفاته، إلا أن التوسل ليس فيه دعاء له، ولا استغاثة به، وإنما سأل الله بجاهه، وهذا ذكره الفقيه أبو محمد بن عبد السلام; فإنه أفتى: بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ قال: وأما التوسل به ﷺ فيجوز إن صح الحديث فيه، يعني: حديث الأعمى.
[التوسل إلى الله بغير نبينا]
قال الشيخ: تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى: أما التوسل إلى الله بغير نبينا ﷺ فلم نعلم أحدا من السلف فعله، ولا روى فيه أثرا، ولا نعلم فيه إلا ما أفتى ابن عبد السلام من المنع. وأما التوسل بالنبي ﷺ ففيه حديث في السنن، وهو حديث الأعمى الذي أصيب بصره، فلأجل هذا الحديث، استثنى الشيخ التوسل به.
وللناس في معنى هذا الحديث قولان:
أحدهما: أن هذا التوسل هو الذي ذكره عمر ﵁ لما استسقى بالعباس؛ فذكر: أنهم يتوسلون بالنبي ﷺ في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم به هو استسقاؤهم به، بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى.
стр. 4739
وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته، ولا في مغيبه، والنبي ﷺ كان في مثل هذا شافعا لهم داعيا، ولهذا قال في حديث الأعمى: "اللهم فشفعه في"; فعلم أن النبي ﷺ شفع له، فسأل الله أن يشفعه فيه.
والثاني: أن التوسل بالنبي ﷺ يكون في حياته وبعد وفاته، انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى; فتبين بهذا: أن معناه التوسل إلى الله بدعائه وشفاعته في حضوره، أو التوسل بذاته أن يسأل الله بجاهه. والتوسل غير الاستغاثة، فإنه لم يقل أحد إن من قال: اللهم إني أسألك بحق فلان، أنه استغاث به؛ بل إنما استغاث بمن دعاه.
بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور، كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان، أو بحرمته، أو نحو ذلك مما يقولونه في أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور؛ فإن المستغيث بالشيء طالب منه سائل له، والمتوسل به لا يدعى، ولا يسأل ولا يطلب منه; وإنما يطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به.
والاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون، فكل أحد يفرق بين المسؤول والمسؤول به. فالحديث على هذا المعنى، الذي ذهب إليه ابن عبد السلام، لا حجة فيه لمن جوز الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد
стр. 4740
وفاته; فإن هذا لم يفهمه أحد من العلماء من الحديث، ولم يذكروا في معناه إلا هذين القولي، اللذين ذكرناهما، أحدهما: ما ذهب إليه ابن عبد السلام.
والثاني: ما ذهب إليه الأكثرون، أن معناه: التوسل إلى الله بدعائه، وشفاعته بحضوره، كما في صحيح البخاري: "أن عمر رضي الله تعالى عنه استسقى بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيُسقون"، فبين عمر ﵁ أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون.
وتوسلهم به، هو أنهم يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو ويدعون معه؛ فيتوسلون بدعائه، كما في الصحيحين عن أنس ﵁ " أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة، من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائما يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا; فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: اللهم أغثنا " ١ الحديث بطوله.
ففي هذا أنه قال: ادع الله أن يغيثنا; فلما كثر الغيث، قال: ادع الله أن يمسكه عنا ;٢ فهذا هو التوسل الذي كانوا يفعلونه; فلما مات صلوات الله وسلامه عليه، لم يتوسلوا به، ولم يستسقوا به; فلو كان ذلك مشروعا لم يعدلوا إلى العباس، وكيف يتركون التوسل بنبيهم ﷺ ويعدلون إلى
стр. 4741
العباس؟ وكذلك "معاوية ﵁ استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي، وقال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا; يا يزيد: ارفع يدك إلى الله؛ فرفع يديه ودعا ودعوا فسقوا".
وقال الشيخ الإمام أبو العباس، تقي الدين بن تيمية في رده على ابن البكري، لما تكلم على حديث الأعمى; قال: والأعمى كان قد طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، كما كان الصحابة يطلبون منه في الاستسقاء; وقوله: أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، أي: بدعائه وشفاعته ; ولهذا قال في تمام الحديث: اللهم فشفعه في; فالذي في الحديث: متفق على جوازه، وليس هو مما نحن فيه، انتهى.
وقال رحمه الله تعالى، في موضع آخر: لفظ التوجه والتوسل، يراد به: أن يتوجه به ويتوسل إلى الله بدعائهم وشفاعتهم، فهذا هو الذي جاء في ألفاظ السلف، من الصحابة ﵃; كقول عمر: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا، نتوسل إليك بنبينا فتسقينا; وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، فيسقون". فهذا إخبار من عمر ﵁ عما كانوا يفعلونه، وتوسلوا بالعباس كما كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ . وكذلك "معاوية ﵁ لما استسقى بأهل الشام، توسل بيزيد"
ومن هذا الباب ما في البخاري: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: "ربما ذكرت قول الشاعر، وأنا أنظر إلى
стр. 4742
وجه النبي ﷺ يستسقي، فما ينْزل حتى يجيش الميزاب.
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ومن هذا الباب: حديث الأعمى؛ فإنه أتى النبي ﷺ فقال: "ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوته، وإن شئت صبرت فهو خير لك. قال: ادع الله; فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في " ١. فأمره أن يطلب من الله أن يشفع فيه النبي ﷺ وإنما يكون طالبا لتشفيعه فيه إذا شفع فيه، فدعا الله.
وكذلك في أول الحديث: أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، فدل الحديث على: أن النبي ﷺ شفع له ودعا له، وأن النبي ﷺ أمره هو: أن يدعو الله، وأن يسأله قبول شفاعة النبي ﷺ . فهذا نظير توسلهم به في الاستسقاء، حيث طلبوا منه أن يدعو الله لهم، ودعوا هم الله تعالى أيضا.
وقوله: " يا محمد إني توجهت بك إلى ربي " ٢ خطاب لحاضر قلبه، كما نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وكما يستحضر الإنسان من يحبه، أو يبغضه ويخاطبه، وهذا كثير; فهذا كله يبين أن معنى
стр. 4743
التوسل والتوجه به، وبالعباس وغيرهما في كلامهم هو التوسل، والتوجه بدعائه وبدعاء العباس، ودعاء من توسلوا به، وهذا مشروع بالاتفاق لا ريب فيه، انتهى كلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وفيما ذكرنا كفاية لمن نور الله قلبه، ومن أعمى الله قلبه لم تزده كثرة النقول إلا حيرة وضلالا ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور آية: ٤٠] .
فصل [توسل آدم بالنبي]
وأما قول القائل: وأما التوسل، فقد أخرج الحاكم في مستدركه وصححه، أن آدم توسل بالنبي ﷺ ، وورد: اللهم بحق نبيك والأنبياء قبلي، ولا أدري من خرجه ; فأما التوسل بالنبي ﷺ خاصة، فقد رأيت لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قدس الله سره، ونور رمسه، نقلا في جواز ذلك عن ابن عبد السلام، فبقي الكلام في النداء وفي غيره من الأنبياء، وفي معاني الأحاديث الأخر، وما حكمها؟ وما الحجة القابلة لما يقولون، المخصصة لما يعممون؟
وأما التوسل بغير الأنبياء، فيوردون: "أن عمر توسل بالعباس في الاستسقاء فسقوا، وطفق الناس يتمسحون به،" ويقولون: هذا الوسيلة إلى الله، فأما أول القصة فهي في البخاري، وهي لدينا بحمد الله.
стр. 4744
وقولهم فطفق ... إلخ، لا أدري من قالها، فما تقولون في معناها; وقد رأيت لبعض المحققين: أن التوسل بالأولياء غير التوسل إليهم، فالأول: جائز; والثاني: شرك، وفي عدة الحصن الحصين للجزري، والتوسل إلى الله بأنبيائه ورسله والصالحين ... إلى آخره.
فالجواب أن يقال: العبادات مبناها على الأمر والاتباع، لا على الهوى والابتداع; والتوسل الذي جاءت به السنة، وتواتر في الأحاديث، هو: التوسل والتوجه إلى الله بالأسماء والصفات، وبالأعمال الصالحة كالأدعية الواردة في السنة، كقوله: " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم " ١
وفي الحديث الآخر: " اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد " ٢، وكقوله في الحديث الآخر: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " ٣.
وكما حكى الله سبحانه عن عباده المؤمنين: أنهم توسلوا إليه بصالح أعمالهم، فقال حاكيا عنهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [سورة آل
стр. 4745
عمران آية: ١٩٣] .
وكما ثبت في الصحيحين، من قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم.
وكالتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين، وشفاعتهم في حياتهم، كما ذكرنا من توسل الصحابة بالنبي ﷺ في الاستسقاء، وتوسلهم بالعباس، وبيزيد بن الأسود، وتوسل الأعمى بدعاء النبي ﷺ وشفاعته له; فهذا مما لا نزاع فيه; بل هو من الأمور المشروعة، وهو من الوسيلة التي أمر الله بها، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [سورة المائدة آية: ٣٥] .
[سؤال الله بذوات المخلوقين]
وأما التوسل بالذات فيقال: ما الدليل على جواز سؤال الله بذوات المخلوقين؟ ومن قال هذا من الصحابة والتابعين؟ فالذي فعله الصحابة ﵃: هو التوسل إلى الله بالأسماء والصفات، والتوحيد، والتوسل بما أمر الله به من الإيمان بالرسول، ومحبته وطاعته، ونحو ذلك، وكذلك توسلوا بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته، وتوسلوا بدعاء العباس، وبيزيد.
وأما التوسل بالذات بعد الممات، فلا دليل عليه، ولا قاله أحد من السلف; بل المنقول عنهم يناقض ذلك، وقد نص غير واحد من العلماء، على أن هذا لا يجوز; ونقل عن بعضهم جوازه.
стр. 4746
وهذه المسألة وغيرها من المسائل، إذا وقع فيها النّزاع بين العلماء، فالواجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٠] ومعلوم: أن هذا لم يكن منقولا عن النبي ﷺ ولا مشهورا بين السلف، وأكثر النهي عنه.
ولا ريب أن الأنبياء والصالحين، لهم الجاه عند الله، لكن الذين لهم عند الله من الجاه، والمنازل والدرجات، أمر يعود نفعه إليهم; ونحن ننتفع من ذلك باتباعنا لهم، ومحبتنا؛ فإذا توسلنا إلى الله بإيماننا بنبيه ﷺ ومحبته وطاعته، واتباع سنته، كان هذا من أعظم الوسائل.
وأما التوسل بنفس ذاته، مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته، فلا يكون وسيلة; فالمتوسل بالمخلوق، إذا لم يتوسل بما أمر من التوسل به، من الدعاء للمتوسل، وبمحبته واتباعه، فبأي شيء يتوسل به؟
والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة، فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك، مثل أن يقول لأبي الرجل، أو صديقه، أو من يكرم عليه: اشفع لنا عند
стр. 4747
فلان، وهذا جائز; وإما أن يقسم عليه، ولا يجوز الإقسام بمخلوق; كما أنه لا يجوز أن يقسم على الله بالمخلوقين; فالتوسل إلى الله بذات خلقه، بدعة مكروهة، لم يفعلها السلف من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان.
[أنواع الأمور المبتدعة عند القبور]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: في كتابه "إغاثة اللهفان في مكائد الشيطان": وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع:
أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، كما يفعله كثير من هؤلاء من جنس عباد الأصنام ; ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت، كما يتمثل لعباد الأصنام، وكذلك السجود للقبر، وتقبيله والتمسح به.
النوع الثاني: أن يسأل الله به; وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة إجماعا.
النوع الثالث: أن يظن أن الدعاء عنده مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد؛ فيقصد القبر لذلك; فهذا أيضا من المنكرات إجماعا، وما علمت فيه نزاعا بين أئمة الدين، وإن كان كثير من المتأخرين يفعله.
وبالجملة: فأهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام، ولم يتخلص منه إلا الحنفاء، أتباع ملة إبراهيم. وعبادتها في الأرض من قبل نوح. وهياكلها، ووقوفها وسدنتها وحجابها، والكتب المصنفة في عبادتها طبق الأرض. قال إمام الحنفاء، ﵊: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ
стр. 4748
نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة إيراهيم آية: ٣٥-٣٦] . وكفى في معرفة أنهم أكثر أهل الأرض: ما صح عن النبي ﷺ : "أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" وقد قال تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٨٩] ، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] .
ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة، لما أقدم عبادهم على بذل نفوسهم، وأموالهم وأبنائهم دونها، وهم يشاهدون مصارع إخوانهم، وما حل بهم، ولا يزيدهم ذلك إلا حبا لهم وتعظيما، ويوصي بعضهم بعضا بالصبر عليها، انتهى كلامه، رحمة الله عليه. والمقصود: أنه حكى الإجماع، على أن التوسل إلى الله بصاحب القبر، بدعة إجماعا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه - في رده على ابن البكري -: وما زلت أبحث وأكشف ما أمكنني من كلام السلف، والأئمة والعلماء، هل جوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء؟ أو فعل ذلك أحد منهم؟ فما وجدته.
ثم وقعت على فتيا للفقيه: أبي محمد بن عبد السلام، أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ ، وأما بالنبي صلى الله عليه وسلم
стр. 4749
فجوز التوسل به، إن صح الحديث في ذلك. وذكر القدوري في شرح الكرخي، عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه لا يجوز أن يسأل الله بالأنبياء، انتهى كلامه.
وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى، عن أبي الحسين القدوري نحو ذلك، فقال رحمه الله تعالى: قال القدوري، قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعقد العز من عرشك; أو يقول: بحق خلقك. وقال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشك، هو الله، فلا أكره ذلك، وأكره بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام. قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق لمخلوق على الخالق؛ فلا تجوز، يعني وفاقا.
وقال البلدجي في "شرح المختارة": ويكره أن يدعو الله إلا به، فلا يقول: أسألك بفلان، أو بملائكتك، أو أنبيائك، أو نحو ذلك، لأنه لا حق لمخلوق على الخالق، انتهى.
[التوسل بالشخص والتوجه به]
وقال أبو العباس، تقي الدين أحمد بن تيمية، قدس الله نفسه، ونور رمسه، في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم": لفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والتوسل به، فيه إجمال واشتراك، غلط بسببه من لم يفهم مقصود
стр. 4750
الصحابة; يراد به التسبب به، لكونه داعيا وشافعا مثلا; أو يكون الداعي مجيبا له، مطيعا لأمره، مقتديا به.
فيكون التسبب: إما بمحبة السائل واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته. ويراد به: الإقسام والتوسل بذاته؛ فهذا هو الذي كرهوه ونهوا عنه. وكذلك لفظ السؤال بشيء، قد يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به، لكونه سببا في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام. ومن الأول حديث الثلاثة الذين أووا إلى غار، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم، فقالوا: ليدْعُ كل رجل منكم بأفضل عمله، فدعوا الله بصالح أعمالهم لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله، ويتوجه به إليه ويسأل به؛ وهؤلاء دعوه بعبادته، وفعل ما أمر به من العمل الصالح، وسؤاله والتضرع إليه.
ومن هذا ما يذكر عن "فضيل بن عياض، أنه أصابه عسر البول، فقال: بحبي إياك إلا فرجت عني، ففرج عنه"، وكذلك دعاء "المرأة المهاجرة، التي أحيا الله ابنها، قالت: اللهم إني آمنت بك وبرسولك، وهاجرت في سبيلك، وسألت الله أن يحيي ولدها"، وأمثال ذلك، وهذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [سورة آل
стр. 4751
عمران آية: ١٩٣] الآيات.
فسؤال الله والتوسل إليه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
وأما قوله في حديث أبي سعيد: " أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا " ١ فهذا الحديث رواه عطية العوفي، وفيه ضعف؛ لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو التوسل به، والتوجه به، والتسبب به.
ولو قدر أنه قسم، لكان قسما بما هو من صفاته؛ فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله في الحديث الصحيح: " أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك " ٢؛ والاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة.
فاستعاذ ﷺ بعفوه ومعافته من عقوبته، مع أنه لا يستعاذ بمخلوق، كسؤال الله بإجابته وإثابته، وإن كان لا يسأل بمخلوق. ومن قال من العلماء لا يسأل إلا به، لا ينافي السؤال بصفاته، كما أن الحلف لا يشرع إلا بالله، ومن حلف بغير الله فقد أشرك، ومع هذا فالحلف بعزة الله، ولعمر الله، ونحو ذلك مما ثبت عن النبي ﷺ الحلف
стр. 4752
به، لم يدخل في الحلف بغير الله.
وأما قول بعض الناس: أسألك بالله وبالرحم، وقراءة من قرأ ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [سورة النساء آية: ١] ، فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته؛ فسؤال السائل بالرحم لغيره، يتوسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس هو من باب الإقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب، كالتوسل بدعاء الأنبياء، وبطاعتهم.
ومن هذا الباب: ما يروى، أن "عبد الله بن جعفر قال: كنت إذا سألت عليا شيئا فلم يعطنيه، قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه، فيعطيه"، أو كما قال; فإن بعض الناس ظن: أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر، أو من قولهم: أسألك بحق أنبيائك ونحو ذلك، وليس كذلك.
بل جعفر هو أخو علي، وعبد الله ابنه، وله عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر، كما في الحديث: " إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد ما يولي " ١.
ولو كان من هذا الباب الذي ظنوه، لكان سؤاله لعلي بحق النبي ﷺ وإبراهيم ونحوهما، أولى من سؤاله بحق
стр. 4753
جعفر، ولكان علي إلى تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته وإجابته السائل، أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره; انتهى ملخصا.
وأما قول القائل: فقد أخرج الحاكم في المستدرك وصححه، "أن آدم توسل بالنبي ﷺ "، فهو من رواية: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال أحمد بن حنبل: ضعيف; وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء; وضعفه ابن المديني جدا، وقال أبو داود: أولاد زيد بن أسلم كلهم ضعيف، وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: ذكر رجل لمالك حديثا، فقال: من حدثك؟ فذكر إسنادا له منقطعا; فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد، يحدثك عن أبيه، عن نوح ﵇، وقال أبو زرعة ضعيف; وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث، كان في نفسه صالحا، وفي الحديث واهيا.
وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك في روايته، من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف، فاستحق الترك; وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ضعيفا جدا; وقال ابن خزيمة: ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه; وقال الحاكم، وأبو نعيم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة; وقال ابن الجوزي: أجمعوا على
стр. 4754
ضعفه; فهذا الحديث الذي استدل به، تفرد به عبد الرحمن بن زيد، وهو كما تسمع.
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية، قدس الله روحه ونور ضريحه في رده على ابن البكري: وأما قول القائل: قد توسل به الأنبياء، آدم، وإدريس، ونوح، وأيوب، كما هو مذكور في كتب التفسير وغيرها، فيقال: مثل هذه القصص لا يجوز الاحتجاج بها، بإجماع المسلمين. فإن الناس لهم في شرع من قبلنا قولان:
أحدهما: أنه ليس بحجة.
الثاني: أنه حجة ما لم يأت شرعنا بخلافه، بشرط أن يثبت ذلك بنقل معلوم، كإخبار النبي ﷺ . فأما الاعتماد على نقل أهل الكتاب، أو نقل من نقل عنهم، فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين، لأن في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم " ١.
وهذه القصص التي فيها ذكر توسل الأنبياء بذاته، ليست في شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا لها إسناد معروف عن أحد من الصحابة; وإنما تذكر مرسلة، كما تذكر الإسرائيليات التي تروى عمن لا يعرف. وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع، على ما نقل في ذلك عن النبي ﷺ وتكلمنا عليه وبينا بطلانه.
ولو نقل ذلك عن كعب، ووهب، ومالك بن
стр. 4755
دينار، ونحوه ممن ينقل عن أهل الكتاب، لم يجز أن يحتج به; لأن الواحد من هؤلاء، وإن كان ثقة، فغاية ما عنده أن ينقل من كتاب من كتب أهل الكتاب، أو يسمعه من بعضهم، فإنه بينه وبين الأنبياء دهر طويل; والمرسل عن المجهول من أهل الكتاب، الذي لا يعرف علمه وصدقه، لا يقبل باتفاق المسلمين.
ومراسيل أهل زماننا عن نبينا ﷺ لا تقبل عند العلماء، مع كون ديننا محفوظا محروسا، فكيف بما يرسل عن آدم وإدريس، ونوح وأيوب ﵈؟ والقرآن قد أخبرنا بأدعية الأنبياء وتوباتهم واستغفارهم، وليس فيها شيء من هذا; وقد نقل أبو نعيم في الحلية: أن داود ﵇ قال: يا رب أسألك بحق آبائي عليك، إبراهيم وإسحاق ويعقوب; فقال: يا داود: وأي حق لآبائك علي؟
فإن كانت الإسرائيليات حجة، فهذا يدل على أنه لا يسأل بحق الأنبياء، وإن لم تكن حجة لم يجز الاحتجاج بتلك الإسرائيليات، انتهى كلامه; فبين رحمه الله تعالى: أنه لم يصح في هذا شيء عن النبي ﷺ وأن جميع ما روي في ذلك باطل لا أصل له.
[التوسل بالنبي ﷺ خاصة]
وأما قوله: وأما التوسل بالنبي ﷺ خاصة فقد رأيت لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب نقلا في جواز
стр. 4756
ذلك عن ابن عبد السلام.
فنقول: قد تقدم أن التوسل المشروع، هو التوسل إلى الله بالأسماء والصفات، والتوحيد، وكذلك التوسل بمحبة النبي ﷺ والإيمان به وطاعته، وكذلك التوسل بدعائه وشفاعته؛ وكل هذا مشروع بلا ريب، وأما التوسل بنفس الذات، فقد قدمنا أن كثيرا من العلماء نهوا عن ذلك، وجعلوه من البدع المكروهة المحدثة.
وبعضهم رخص في ذلك، وهو قول ضعيف مردود; وعز الدين بن عبد السلام: أنكر التوسل إلى الله بغير النبي ﷺ ، وأما التوسل بالنبي ﷺ فعلق القول بجوازه على صحة حديث الأعمى; لأنه فهم من الحديث: أن الأعمى توسل بذات النبي ﷺ .
وأما الجمهور: فحملوا حديث الأعمى على أنه توسل بدعاء النبي ﷺ كما كان الصحابة يتوسلون به في الاستسقاء، كما في حديث أنس الذي رواه البخاري في صحيحه، وقد تقدم; وشيخنا ﵀: نقل كلام العز بن عبد السلام ليبين أن مسألة التوسل بغير النبي ﷺ بدعة مكروهة; وأما التوسل بالنبي ﷺ فأجازه بعض العلماء، كالعز بن عبد السلام.
والسائل فهم من نقل الشيخ أنه اختاره، وليس الأمر كذلك; بل الذي اختاره رحمه الله تعالى، هو الذي ذهب
стр. 4757
إليه الجمهور: أن ذلك بدعة محدثة، لم يفعلها الصحابة، ولا التابعون، فإنه لم ينقل عن أحد منهم: أنه توسل بالنبي ﷺ بعد موته، كما قدمناه. وأما قوله:
وأما التوسل بغير الأنبياء، فيوردون: "أن عمر توسل بالعباس في الاستسقاء"، وقد نقلنا بيانه بما فيه كفاية، وبينا أن التوسل بدعاء الصالحين في الاستسقاء وغيره مشروع، كما فعله الصحابة لما توسلوا بالعباس ويزيد بن الأسود، وليس كلامنا في هذا، وإنما الكلام في التوسل بنفس الذات.
وأما قولهم في حديث العباس "فطفق الناس يتمسحون به"، فلم نقف لها على أصل، ولا رأيناها في شيء من الكتب، وعلى تقدير ثبوتها فليس فيها حجة على التوسل بالأموات.
فصل
وأما قوله: إن سلمنا هذا القول، وظهر دليله، فالجاهل معذور; لأنه لم يدر ما الشرك والكفر، ومن مات قبل البيان فليس بكافر، وحكمه حكم المسلمين في الدنيا والآخرة; لأن قصة ذات أنواط، وبني إسرائيل، حين جاوزوا البحر، تدل على ذلك.. إلى آخره.
فالجواب أن يقال: إن الله تعالى أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل،
стр. 4758
فكل من بلغه القرآن ودعوة الرسول ﷺ فقد قامت عليه الحجة قال الله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٩] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٥] .
وقد أجمع العلماء على أن من بلغته دعوة الرسول ﷺ أن حجة الله قائمة عليه. ومعلوم بالاضطرار من الدين: أن الله بعث محمدا ﷺ وأنزل عليه الكتاب ليعبد وحده ولا يشرك معه غيره، فلا يدعى إلا هو، ولا يذبح إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يخاف خوف السر إلا منه.
والقرآن مملوء من هذا، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] ، وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] ، وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] ، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٢٣] ، وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [سورة هود آية: ١٢٣] ، وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة البقرة آية: ٤٠] ، وقال: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٧٥] ، وقال: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٨] ، والآيات الواردة في هذا المعنى كثيرة.
стр. 4759
والله تعالى: لا يعذب خلقه إلا بعد الإعذار إليهم، فأرسل رسله وأنزل كتبه، لئلا يقولوا: ﴿لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة القصص آية: ٤٧] ، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [سورة طه آية: ١٣٤] .
وكل من بلغه القرآن فليس بمعذور؛ فإن الأصول الكبار، التي هي أصل دين الإسلام، قد بينها الله تعالى في كتابه، وأوضحها وأقام بها حجته على عباده. وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهما جليا، كما يفهمها من هداه الله ووفقه، وانقاد لأمره; فإن الكفار قد قامت عليهم الحجة من الله تعالى، مع إخباره بأنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوا كلامه، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ [سورة الأنعام آية: ٢٥] .
وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [سورة فصلت آية: ٤٤] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٠] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاًالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٣-١٠٤] .
стр. 4760
والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ يخبر سبحانه أنهم لم يفهموا القرآن ولم يفقهوه، وأنه عاقبهم بالأكنة على قلوبهم، والوقر في آذانهم، وأنه ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم؛ فلم يعذرهم مع هذا كله؛ بل حكم بكفرهم وأمر بقتالهم، وقاتلهم رسول الله ﷺ وحكم بكفرهم ; فهذا يبين لك أن بلوغ الحجة نوع، وفهمها نوع آخر.
وقد سئل شيخنا رحمه الله تعالى، عن هذه المسألة، فأجاب السائل بقوله: من العجب العجاب، كيف تشكون في هذا، وقد وضحته لكم مرارا؟! فإن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يُكَفَّر حتى يُعرَّف; وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله هي القرآن؛ فمن بلغه فقد بلغته الحجة. ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وفهم الحجة; فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان آية: ٤٤] . وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر; وكفّرهم الله
стр. 4761
ببلوغها إياهم، مع كونهم لم يفهموها. وإن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله ﷺ في الخوارج " أينما لقيتموهم فاقتلوهم " ١ مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر معهم الإنسان عمل الصحابة، ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين، هو التشديد والغلو والاجتهاد، وهم يظنون أنهم مطيعون لله، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها.
وكذلك: قتل علي ﵁ الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاحهم؛ وهم أيضا يظنون أنهم على حق، وكذلك إجماع السلف على تكفير أناس من غلاة القدرية، وغيرهم، مع كثرة علمهم، وشدة عبادتهم، وكونهم يظنون أنهم يحسنون صنعا; ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم; لأجل أنهم لم يفهموا، فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا، انتهى كلامه.
إذا تقرر هذا، فنقول: إن هؤلاء الذين ماتوا قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية، وظاهر حالهم الشرك، لا نتعرض لهم، ولا نحكم بكفرهم ولا بإسلامهم؛ بل نقول: من بلغته هذه الدعوة المحمدية، وانقاد لها، ووحد الله، وعبده وحده لا شريك له، والتزم شرائع الإسلام، وعمل بما أمره الله به، وتجنب ما نهاه عنه،
стр. 4762
فهذا من المسلمين الموعودين بالجنة، في كل زمان وفي كل مكان.
وأما من كانت اله حال أهل الجاهلية، لا يعرف التوحيد الذي بعث الله رسوله يدعو إليه، ولا الشرك الذي بعث الله رسوله ينهى عنه، ويقاتل عليه، فهذا لا يقال إنه مسلم لجهله؛ بل من كان ظاهر عمله الشرك بالله، فظاهره الكفر، فلا يستغفر له ولا يتصدق عنه، ونكل حاله إلى الله الذي يبلو السرائر، ويعلم ما تخفي الصدور.
ولا نقول: فلان مات كافرا، لأنا نفرق بين المعيّن وغيره، فلا نحكم على معين بكفر، لأنا لا نعلم حقيقة حاله وباطن أمره؛ بل نكل ذلك إلى الله. ولا نسب الأموات؛ بل نقول: أفضوا إلى ما قدموا. وليس هذا من الدين الذي أمرنا الله به؛ بل الذي أمرنا به أن نعبد الله وحده ولا نشرك به، ونقاتل من أبى عن ذلك، بعد ما ندعوه إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ؛ فإذا أصر وعاند كفّرناه وقاتلناه.
فينبغي للطالب أن يعهم الفرق بين المعين وغيره؛ فنكفر من دان بغير الإسلام جملة، ولا نحكم على معين بالنار، ونلعن الظالمين جملة، ولا نخص معينا بلعنة، كما قد ورد في الأحاديث من لعن السارق، وشارب الخمر؛ فنلعن من لعنه الله ورسول الله ﷺ جملة، ولا نخص شخصا
стр. 4763
بلعنة؛ يبين ذلك أن رسول الله ﷺ لعن شارب الخمر جملة. ولم اجلد رجلا قد شرب، قال رجل من القوم: اللهم اللعنه، ما أكثر ما يؤتى به النبي ﷺ ؛ فقال النبي ﷺ : " لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ?".
فصل
وأما قوله: ومنها: أن كثيرا من العلماء الكبار فعلوا هذه الأمور، وفُعلت بحضرتهم ولم تنكر. ومن ذلك تتابعهم على بناء القباب على القبور، واتخاذها أعيادا في الغالب؛ فلكل شيخ يوم معروف، في شهر معلوم، يؤتى إليه من النواحي؛ وقد يحضرهم بعض العلماء فلا ينكر.
فالجواب من وجوه: الوجه الأول: أن يقال: قد افترض الله على الخلق طاعة رسول الله ﷺ ، وأخبر أن من أطاعه فقد أطاع الله، فقال: ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ وقال: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ ، وقال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ .
وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
стр. 4764
وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ .
فإذا اختلف الناس في شيء من أمور الدين، هل هو واجب أو محرم أو جائز، وجب رد ما وقع فيه الاختلاف إلى الله والرسول، ويجب على المؤمن إذا دعي إلى ذلك، أن يقول: سمعا وطاعة; قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [سورة النور آية: ٥١] . فنحن نحاكم من نازعنا في هذه المسألة وغيرها من المسائل، إلى الله والرسول، لا إلى أقوال الرجال وآرائهم.
فنقول لمن أجاز بناء القباب على القبور بالجص والآجر وأسرجها، وفرشها بالرخام، وعلق عليها قناديل الفضة وبيض النعام، وكساها كما يكسى بيت الله الحرام: هل أمر رسول الله ﷺ بهذا وحث عليه؟ أم نهى عنه وأمر بإزالة ما وضع من ذلك عليه؟ فما أمرنا به ائتمرنا، وما نهانا عنه انتهينا; وسنته هي الحاكمة بيننا وبين خصومنا في محل النّزاع.
فنقول: قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته " ١ ; وفي صحيحه
стр. 4765
أيضا، عن ثمامة بن شفي الهمداني، قال: "كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها".
وفي صحيحه أيضا، عن جابر بن عبد الله، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه " ١. وفي سنن أبي داود، والترمذي، عن جابر ﵁ " أن رسول الله ﷺ نهى أن تجصص القبور، وأن يبنى عليها، ويكتب عليها " ٢، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن ابن عباس ﵄، قال: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج " ٣، رواه الإمام أحمد، وأهل السنن.
فنهى رسول الله ﷺ عن البناء عليها، وأمر بهدمه بعد ما يبنى، ونهى عن الكتابة عليها، ولعن من أسرجها؛ فنحن نأمر بما أمر به رسول الله ﷺ من تسويتها، وننهى عن البناء عليها، كما نهى عنه رسول الله ﷺ ؛ فهو الذي افترض الله علينا طاعته واتباعه.
وأما غيره فيؤخذ من قوله ويترك، كما قال الإمام مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ . وقال الإمام أحمد: لا تقلد في دينك أحدا، ما جاء