ببلوغها إياهم، مع كونهم لم يفهموها. وإن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله ﷺ في الخوارج " أينما لقيتموهم فاقتلوهم " ١ مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر معهم الإنسان عمل الصحابة، ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين، هو التشديد والغلو والاجتهاد، وهم يظنون أنهم مطيعون لله، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها.
وكذلك: قتل علي ﵁ الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاحهم؛ وهم أيضا يظنون أنهم على حق، وكذلك إجماع السلف على تكفير أناس من غلاة القدرية، وغيرهم، مع كثرة علمهم، وشدة عبادتهم، وكونهم يظنون أنهم يحسنون صنعا; ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم; لأجل أنهم لم يفهموا، فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا، انتهى كلامه.
إذا تقرر هذا، فنقول: إن هؤلاء الذين ماتوا قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية، وظاهر حالهم الشرك، لا نتعرض لهم، ولا نحكم بكفرهم ولا بإسلامهم؛ بل نقول: من بلغته هذه الدعوة المحمدية، وانقاد لها، ووحد الله، وعبده وحده لا شريك له، والتزم شرائع الإسلام، وعمل بما أمره الله به، وتجنب ما نهاه عنه،
стр. 4762
فهذا من المسلمين الموعودين بالجنة، في كل زمان وفي كل مكان.
وأما من كانت اله حال أهل الجاهلية، لا يعرف التوحيد الذي بعث الله رسوله يدعو إليه، ولا الشرك الذي بعث الله رسوله ينهى عنه، ويقاتل عليه، فهذا لا يقال إنه مسلم لجهله؛ بل من كان ظاهر عمله الشرك بالله، فظاهره الكفر، فلا يستغفر له ولا يتصدق عنه، ونكل حاله إلى الله الذي يبلو السرائر، ويعلم ما تخفي الصدور.
ولا نقول: فلان مات كافرا، لأنا نفرق بين المعيّن وغيره، فلا نحكم على معين بكفر، لأنا لا نعلم حقيقة حاله وباطن أمره؛ بل نكل ذلك إلى الله. ولا نسب الأموات؛ بل نقول: أفضوا إلى ما قدموا. وليس هذا من الدين الذي أمرنا الله به؛ بل الذي أمرنا به أن نعبد الله وحده ولا نشرك به، ونقاتل من أبى عن ذلك، بعد ما ندعوه إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ؛ فإذا أصر وعاند كفّرناه وقاتلناه.
فينبغي للطالب أن يعهم الفرق بين المعين وغيره؛ فنكفر من دان بغير الإسلام جملة، ولا نحكم على معين بالنار، ونلعن الظالمين جملة، ولا نخص معينا بلعنة، كما قد ورد في الأحاديث من لعن السارق، وشارب الخمر؛ فنلعن من لعنه الله ورسول الله ﷺ جملة، ولا نخص شخصا
стр. 4763
بلعنة؛ يبين ذلك أن رسول الله ﷺ لعن شارب الخمر جملة. ولم اجلد رجلا قد شرب، قال رجل من القوم: اللهم اللعنه، ما أكثر ما يؤتى به النبي ﷺ ؛ فقال النبي ﷺ : " لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ?".
فصل
وأما قوله: ومنها: أن كثيرا من العلماء الكبار فعلوا هذه الأمور، وفُعلت بحضرتهم ولم تنكر. ومن ذلك تتابعهم على بناء القباب على القبور، واتخاذها أعيادا في الغالب؛ فلكل شيخ يوم معروف، في شهر معلوم، يؤتى إليه من النواحي؛ وقد يحضرهم بعض العلماء فلا ينكر.
فالجواب من وجوه: الوجه الأول: أن يقال: قد افترض الله على الخلق طاعة رسول الله ﷺ ، وأخبر أن من أطاعه فقد أطاع الله، فقال: ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ وقال: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ ، وقال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ .
وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
стр. 4764
وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ .
فإذا اختلف الناس في شيء من أمور الدين، هل هو واجب أو محرم أو جائز، وجب رد ما وقع فيه الاختلاف إلى الله والرسول، ويجب على المؤمن إذا دعي إلى ذلك، أن يقول: سمعا وطاعة; قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [سورة النور آية: ٥١] . فنحن نحاكم من نازعنا في هذه المسألة وغيرها من المسائل، إلى الله والرسول، لا إلى أقوال الرجال وآرائهم.
فنقول لمن أجاز بناء القباب على القبور بالجص والآجر وأسرجها، وفرشها بالرخام، وعلق عليها قناديل الفضة وبيض النعام، وكساها كما يكسى بيت الله الحرام: هل أمر رسول الله ﷺ بهذا وحث عليه؟ أم نهى عنه وأمر بإزالة ما وضع من ذلك عليه؟ فما أمرنا به ائتمرنا، وما نهانا عنه انتهينا; وسنته هي الحاكمة بيننا وبين خصومنا في محل النّزاع.
فنقول: قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته " ١ ; وفي صحيحه
стр. 4765
أيضا، عن ثمامة بن شفي الهمداني، قال: "كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها".
وفي صحيحه أيضا، عن جابر بن عبد الله، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه " ١. وفي سنن أبي داود، والترمذي، عن جابر ﵁ " أن رسول الله ﷺ نهى أن تجصص القبور، وأن يبنى عليها، ويكتب عليها " ٢، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن ابن عباس ﵄، قال: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج " ٣، رواه الإمام أحمد، وأهل السنن.
فنهى رسول الله ﷺ عن البناء عليها، وأمر بهدمه بعد ما يبنى، ونهى عن الكتابة عليها، ولعن من أسرجها؛ فنحن نأمر بما أمر به رسول الله ﷺ من تسويتها، وننهى عن البناء عليها، كما نهى عنه رسول الله ﷺ ؛ فهو الذي افترض الله علينا طاعته واتباعه.
وأما غيره فيؤخذ من قوله ويترك، كما قال الإمام مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ . وقال الإمام أحمد: لا تقلد في دينك أحدا، ما جاء
стр. 4766
عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه فخذه; ثم التابعين بعد، الرجل فيهم مخير. وقال أيضا: لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذوا من حيث أخذوا.
والعجب ممن يسمع هذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ من النهي عن تعظيم القبور، وعقد القباب عليها بالجص والآجر، وإسراجها، ولعن من أسرجها; ثم يقول فعلت هذه الأمور، بحضرة العلماء الكبار ولم ينكروا، كأنه لم يسمع ما جاء عن رسول الله ﷺ في ذلك.
قال ابن عباس ﵄: "يوشك أن تنْزل عليكم حجارة من السماء. أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر". وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] : أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
فإذا كان هذا كلام ابن عباس، فيمن عارض السنة لقول أبي بكر وعمر، وكلام أحمد فيمن ذهب إلى رأي سفيان، فكيف بمن عارض السنة بقول فلان وفلان؟ وقد روى البيهقي عن ابن عمر ﵄، قال: قال
стр. 4767
رسول الله ﷺ : " إن أشد ما أتخوف على أمتي ثلاثا: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناق الرجال " ١. ومن المعلوم أن المخوف في زلة العالم تقليده فيها؛ إذ لولا ذلك لم يخف من زلة العالم على غيره؛ فإذا عرف أنها زلة، لم يجز له أن يتبعه فيها باتفاق العلماء; فإنه اتباع للخطأ على عمد.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ "يفسد الزمان ثلاثة: أئمة مضلون، وجدال المنافق بالقرآن والقرآن حق، وزلة العالم". فإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ، لم يجز لأحد أن يفتي ويدين الله بقول لا يعرف وجهه؛ فكيف إذا عارض بقوله أو فعله قول رسول الله ﷺ أو فعله؟
الوجه الثاني: أن يقال: إذا لم تقنع ولم يطمئن قلبك بما جاء عن رسول الله ﷺ وقلت: العلماء أعلم منا بالسنة، وأطوع لله ولرسوله، فنقول: أعلم الناس بما أمر به رسول الله ﷺ وما نهى عنه: أصحابه ﵃، فهم أعلم الناس بسنته، وأطوعهم لأمره; وهم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ورضي عمن اتبعهم بإحسان.
وفي حديث العرباض بن سارية ﵁ عن
стр. 4768
رسول الله ﷺ أنه قال: " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي؛ تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة " ١ وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " خير القرون قرني الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ٢.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁:"من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد ﷺ أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم". وقال حذيفة بن اليمان ﵁:"يا معشر القراء، استقيموا وخذوا طريق من قبلكم، فوالله لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا، لقد ضللتم ضلالا بعيدا".
فإن احتج أحد علينا بما عليه المتأخرون، قلنا: الحجة بما عليه الصحابة، والتابعون، الذين هم خير القرون، لا بما عليه الخلف، الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ هل نقل عنهم أنهم عقدوا القباب على القبور، وأسرجوها؟ وخلقوها وكسوها الحرير؟ أم هذا مما حدث بعدهم من المحدثات، التي
стр. 4769
هي بدع وضلالات؟
ومعلوم أن عندهم من قبور الصحابة، الذين ماتوا في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته ما لا يحصى، هل بنوا على قبورهم وعظموها، ودعوا عندها، وتمسحوا بها؟ فضلا عن أن يسألوها حوائجهم؟ أو يسألوا الله بأصحابها؟ فمن كان عنده في هذا أثر صحيح أو حسن، فليرشدنا إليه وليدلنا عليه، وأنى له بذلك؟ فهذه سنة رسول الله ﷺ في القبور وسنة خلفائه الراشدين.
وقد روى خالد بن سنان، عن أبي العالية قال: "لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر بن الخطاب فدعا له كعبا، فنسخه بالعربية؛ فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثلما أقرأ القرآن. قال خالد، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم، وأموركم، ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه، وساوينا القبور كلها مع الأرض، لنعميه عن الناس لا ينبشونه. فقلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم، أبرزوا السرير فيمطرون. فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له "دانيال". فقال: منذ كم
стр. 4770
وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة; قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا شعرات من قفاه; إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع".
ففي هذه القصة: ما فعله المهاجرون والأنصار، من تعمية قبره، لئلا يفتنن به الناس; ولم يبرزوه للدعاء عنده، والتبرك به; ولو ظفر به هؤلاء المشركون، وعلموا حقيقته لبنوا عليه وعظموه، وزخرفوا قبره، وأسرجوه، وجعلوه وثنا يعبد.
فإنهم قد اتخذوا من القبور أوثانا، ممن لا يداني هذا ولا يقاربه - بل لعله عدو لله - وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد، واعتقدوا أن الصلاة عندها، والدعاء حولها والتبرك بها، فضيلة مخصوصة ليست في المساجد ; ولو كان الأمر كما زعموا، بل لو كان مباحا، لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما، ولما أخفوه خشية الفتنة به؛ بل دعوا عنده وبينوه لمن بعدهم؛ ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه، من هؤلاء الخلوف، الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وصرفوا لغير الله جل العبادات. وما أحسن ما قال الإمام مالك، رحمه الله تعالى: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها; ولكن كلما نقص تمسكهم بسنة نبيهم ﷺ وهديه، وسنة خلفائه الراشدين، تعوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك.
стр. 4771
ومن له خبرة بما أمر به رسول الله ﷺ عند زيارة القبور، وما يفعل بها، وما يفعل عندها، وبما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم وازن بين هديه ﷺ وهدي أصحابه، وبين ما عليه المتأخرون اليوم، وما يفعلونه عند القبور، تبين له التباين والتضاد، وعلم أن بينهما من الفرق أبعد مما بين المشرق والمغرب، كما قيل:
سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب
الوجه الثالث: أن يقال: قوله: إن كثيرا من العلماء فعلوا هذه الأمور، وفعلت بحضرتهم فلم ينكروا، من ذلك تتابعهم على بناء القباب على القبور.
فيقال: بل قد نهوا عن ذلك، وصرحوا بكراهته والنهي عنه، وهذه كتبهم بأيدينا مصرحة بما ذكرنا، ونحن نسوق عباراتهم بألفاظها:
فأما كلام الحنابلة، فقال في الإقناع: ويستحب رفع القبر قدر شبر، ويكره فوقه، ويكره البناء عليه، سواء لاصق البناء القبر أو لا، ولو في ملكه من قبة أو غيرها، للنهي عن ذلك.
وقال ابن القيم، رحمه الله تعالى، في "إغاثة اللهفان": ويجب هدم القباب التي على القبور ; لأنها أسست على معصية الرسول، انتهى.
وهو في المسبلة أشد كراهة; قال الشيخ: هو غاصب;
стр. 4772
وقال أبو حفص: تحرم الحجرة؛ بل تهدم وهو الصواب، انتهى كلامه في الإقناع; وهذا الذي ذكره، ذكره غير واحد من أئمة الحنابلة، فلا حاجة إلى الإطالة بنقل عباراتهم.
[تجصيص القبر والبناء والكتابة عليه]
وأما كلام الشافعية، فقال الأذرعي، رحمه الله تعالى: في "قوت المحتاج إلى شرح المنهاج" عند قول المؤلف، رحمه الله تعالى: ويكره تجصيص القبر، والبناء والكتابة عليه؛ ثبت في صحيح مسلم النهي عن التجصيص والبناء.
وفي الترمذي وغيره: النهي عن الكتابة، وعبارة الحلوانية ممنوعا منهما; وعبارة القاضي ابن كج: ولا يجوز أن تجصص القبور، ولا أن يبنى عليها قبابا، ولا غير قباب؛ والوصية بها باطلة.
وقال الحضرمي في شرح المهذب: وقد يقولون - يعني الأصحاب -: لا تبنى القبور، وكأنهم يريدون: لا تبنى القبور في نفسها بآجر، والبناء قبل، فالمفهوم من كلامهم: أن هذا كالتجصيص فيكره، ولا يحرم، إلا أن يريد في المقبرة المسبلة فيحرم.
قلت: وينبغي تحريمه في المسبلة مطلقا وإن لم يضيق; لأنه قد أبدى بالجص وإحكام البناء، فيمنع من الدفن هناك بعد البلاء، ولا يبعد الجزم بالتحريم في ملكه وغيره، على من علم النهي عنه؛ بل هو القياس الحق.
قوله: ولو بني في مقبرة مسبلة هدم، أي: البناء على القبر فيها; وعلى الفرق في التحريم بين ملكه وملك غيره جرى كثيرون، منهم القاضيان الحسين، والماوردي في موضع آخر، فقال: يكره البناء على
стр. 4773
القبور، كالقباب والبيوت؛ وإن كان في غير ملكه لم يجز للنهي عن ذلك والتضييق.
قال الشافعي ﵁: ورأيت الولاة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى منها، ولم أر الفقهاء يعيبون ذلك عليهم، انتهى.
وأما بطلان الوصية ببناء القباب، وغيرها من الأبنية العظيمة، وإنفاق الأموال الكثيرة عليها، فلا ريب في تحريمه; والعجب كل العجب ممن يلزم ذلك الورثة من حكام العصر، ويعمل بالوصية بذلك، مع قول الأصحاب: لا تنفذ الوصية بالتابوت، حيث لا حاجة إليه. ومن جوز البناء في الملك صرح بالكراهة، فكيف تنفذ الوصية على المكروه؟ انتهى كلام الأذرعي ﵀.
فصرح بأن البناء مكروه، وساق عبارات الأصحاب; وهل الكراهة كراهة تحريم أم لا؟ أم يفرق بين المسألة وغيرها؟ واختار التحريم مطلقا في ملكه وغيره، على من علم النهى; وقال: بل هو القياس الحق.
وأما كلام المالكية، فقال القرطبي ﵀: في شرح مسلم، لما ذكر قوله ﷺ : " ولا قبرا مشرفا إلا سويته" ١ ظاهره: منع تسنيم القبور، ورفعها، وأن تكون لاطئة
стр. 4774
بالأرض، وقد قال به بعض أهل العلم. وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته، ليس هو التسنيم، ولا ما يعرف به القبر، كي يحترم; إنما هو الارتفاع الكثير، الذي كانت الجاهلية تفعله; فإنها كانت تعلي عليها، وتبني فوقها، تفخيما لها وتعظيما.
وأما تسنيمها، فذلك صفة قبر رسول الله ﷺ وقبر أبي بكر وعمر، على ما ذكر في الموطأ. وقد جاء عن عمر: أنه هدمها، وقال: ينبغي أن تسوى تسوية تسنيم. وهذا معنى قول الشافعي: تسطح القبور، ولا تبنى ولا ترفع، وتكون على وجه الأرض; وتسنيمها: اختاره أكثر العلماء، وجملة أصحابنا، وأصحاب أبي حنيفة، والشافعي. قلت: والذي صار إليه عمر أولى، فإنه جمع بين التسوية والتسنيم.
وقوله: نهى أن يجصص القبر، ويبنى عليه; التجصيص، والتقصيص، هو: البناء بالجص; وبظاهر هذا الحديث، قال مالك: وكره البناء والجص على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه. ووجه النهي عن البناء، والتجصيص في القبور: أن ذلك مباهاة، واستعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبه بمن كان يعبد القبور، ويعظمها. وباعتبار هذه المعاني، وبظاهر هذا النص، ينبغي أن يقال: هو حرام، كما قال به: بعض أهل العلم، انتهى كلام القرطبي ﵀.
стр. 4775
وقال الشيخ سالم السنهوريفي كتابه "تيسير الملك الجليل، شرح مختصر خليل": قال بعض: لا شك أن "المعلاة" و "الشبيكة" من مقابر المسلمين المسبلة، المرصدة لدفن الموتى بمكة المشرفة، وأما البناء بهما لا يجوز، ويجب هدمه، يدل له قول الشافعي: رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني بها.
قال في المدخل: وقد "جعل عمر ﵁ "القرافة" بمصر لدفن موتى المسلمين"، واستمر الأمر على ذلك، وأن البناء بها ممنوع، وأن السلطان "الظاهر" أمر باستفتاء العلماء في زمانه في هدم ما بها من البناء، فاتفقوا على لسان واحد: يجب على ولي الأمر هدمه، وأن يكلف أصحابه رمي ترابها في "الكمارة"؛ ولم يختلف في ذلك أحد منهم; ثم إن الملك الظاهر سافر إلى الشام، فلم يرجع، انتهى.
قال بعض: ولم أعلم أحدا من المالكية أباح البناء حول القبور في مقابر المسلمين، سواء كان الميت صالحا أو عالما أو شريفا أو سلطانا أو غير ذلك.
وفي جواب ابن رشد - عن سؤال القاضي له عن ذلك -: أما ما بني في مقبرة المسلمين ووقف، فإن وقفه باطل، وأنقاضه باقية على ملك ربها إن كان حيا أو كان له ورثة؛ ويؤمر هو ووارثه بنقلها عن مقابر المسلمين. وإن لم يكن له وارث استأجر
стр. 4776
القاضي على نقلها منها وصرف الباقي في مصاريف بيت المال.
ولا يؤخذ جواز البناء على القبور، من قول الحاكم في مستدركه - عقب تصحيحه الأحاديث -: النهي عن البناء على القبر، والكتب عليه: ليس العمل عليها؛ فإن أئمة المسلمين شرقا وغربا مكتوب على قبورهم، وأخذه الخلف عن السلف، فيكون إجماعا، مستندا إلى حديث آخر كخبر: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
ولا من قول ابن قداح في مسائله: لا يجوز البناء على القبر; وهل يكتب عليه أو لا؟ لم يرد في ذلك عن السلف الصالح شيء، ولكن إن وقع وعمل على قبر رجل من أهل الخير فخفيف; لأن كلام الحاكم وابن قداح: خاص بالكتابة، لا يتعداها إلى البناء. وقال ابن رشد: كره مالك البناء على القبر، وجعل البلاطة المكتوبة، وهي من بدع أهل الطول، وأحدثوه إرادة الفخر والمباهاة والسمعة؛ وهو مما لا اختلاف فيه، انتهى كلام السنهوري ﵀.
وأما كلام الحنفية فقال الزيلعي - في شرحه على الكنْز - عند قول الماتن: ويسنم القبر ولا يربع ولا يجصص، لما روى البخاري عن سفيان التمار: أنه رأى قبر رسول الله ﷺ مسنما.
стр. 4777
وقال إبراهيم النخعي: أخبرني بعض من رأى قبر رسول الله ﷺ وقبر أبي بكر وعمر مسنمة، وسنم محمد بن الحنفية قبر ابن عباس. ويسنم قدر شبر; وقيل: قدر أربع أصابع; ولا بأس برش الماء عليه، حفظا لترابه عن الاندراس. وعن أبي يوسف أنه كرهه; لأنه يجري مجرى التطيين.
ويكره أن يبنى على القبر. وفي الخلاصة: ولا يجصص القبر ولا يطين، ولا يرفع عليه بناء. وذكر أيضا قاضي خان، في فتاويه: أنه لا يجصص القبر ولا يبنى عليه، لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن التجصيص والتقصيص، وعن البناء فوق القبر; قالوا: أراد بالبناء السفط الذي يجعل في ديارنا.
وقال ابن الهمام في "فتح القدير"، قال أبو حنيفة: حدثنا شيخ لنا، يرفعه إلى النبي ﷺ أنه نهى عن تربيع القبور وتجصيصها. وروى محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم قال: أخبري من رأى قبر رسول الله ﷺ وقبر أبي بكر وعمر، ناشزة من الأرض، وعليها فلق أبيض من مدر.
فتأمل كلام الحنفية في ذكر كراهة البناء على القبور؛ والمراد بالكراهة: كراهة التحريم، التي هي في مقابلة ترك الواجب; وقد ذكروا من قواعدهم: أن الكراهة حيث أطلقت، فالمراد منها التحريم; وممن نبه على ذلك: ابن نجيم
стр. 4778
في "البحر" وغيره، حيث قال: وأفاد صحة إطلاق الحرمة على المكروه تحريما.
وتأمل كلام الزيلعي، وما ذكره من الخلاف بين الأصحاب، هل يسنم قدر شبر؟ أو قدر أربع أصابع؟ وذكر عن أبي يوسف أنه كره رش القبر بالماء; لأنه يجري مجرى التطيين; وهل هذا منهم ﵏، إلا اتباع ما عليه السلف الصالح من ترك تعظيم القبور، التي هي من أعظم الوسائل إلى الشرك.
فتأمل رحمك الله: كلام العلماء من أهل المذاهب الذين نقلنا عنهم، والموجود في كلام غيرهم، يوافق ذلك ولا يخالفه، وكلامهم صريح في النهي عن البناء على القبور; لكن هل هو تحريم أو تنْزيه؟ اختلفوا في ذلك; فبعضهم قال: هو حرام مطلقا، اتباعا للنص; ولم يفرق بين ملكه وغيره. وبعضهم صرح بالنهي مطلقا، اتباعا للنص، وجعل التحريم في البناء في المقبرة المسبلة; والقول بتحريمه في المسبلة، هو قول الأئمة الأربعة.
وهذا صريح في إبطال ما ذكره القائل: أن العلماء لم ينكروا ذلك; فإذا كانوا مصرحين بالنهي عن ذلك، في كتب أصحاب الأئمة الأربعة; فكيف يقال: لم ينهوا عن ذلك بل أقروهم؛ وقد صرحوا بتحريمه، ووجوب هدمه إذا بني في مقابر المسلمين؟! ومع هذا فقد ضيقت المقابر بالقباب، في كل
стр. 4779
مصر من الأمصار، مع وجود النهي والإنكار.
فظهر لك بهذا وتبين أنه ليس بناء هذه القباب وتعظيمها وإسراجها بأمر من العلماء، ولا رضى منهم بذلك; بل هو بأمر الذين أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وشربوا الخمور والمسكرات، وأعرضوا عن سماع الآيات، وأقبلوا على سماع الأبيات; فهل يقول أحد: إن هؤلاء الذين تركوا المأمور، وارتكبوا كل محظور، قد أقرهم العلماء على ذلك، ورضوا به، ولم ينكروه؟!
وهذا القائل الذي زعم: أن بناء القباب جائز; لأن العلماء لم ينكروه، يقال له: هل وجد في زمانهم من ترك الصلاة، ولا يؤدي الزكاة، ويشرب الخمور ويجاهر بالفجور؟ فإن قال: لم يوجد، فهذا مكابرة، كمن ينكر الشمس بالهاجرة.
وإن قال بل وجدت في سائر الأقطار، وكثر في جميع الأعصار والأمصار، فيقال: هل أجازه العلماء ورضوا به؟ فإن كان وجود القباب يدل على رضاهم بها، فهذا مثله، وكيف يقال: إن العلماء بذلك راضون، وله فاعلون؟ وهذه كتبهم مشحونة بالنهي عن ذلك وتحريمه، ويوجبون هدمه في المقابر المسبلة.
وهذه المقابر المسبلة مشحونة بالقباب في الحرمين، ومصر والشام واليمن، والعراق وبلاد العجم، وكتبهم تنهى
стр. 4780
عن ذلك وتحرمه، وتوجب هدمه; ولا يقول: إن العلماء لم ينكروه إلا من قصر في العلم باعه، وقل نظره واطلاعه; هذا مع أنا نقول كما قال ﷺ : " خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة " ١.
فلو قدر: أن المتأخرين فعلوا ذلك، وحضروه وأقروه، ولم ينكروه، لم يكن قولهم حجة ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ وكل يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ ؛ فما وافق هديه فهو مقبول، وما خالفه فهو مردود، كما ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ٢، وكل قول يخالف سنته، فهو مردود على قائله.
وما أحسن ما قال الشافعي، ﵀: إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ فاضربوا بقولي الحائط; وقال أيضا: أجمع الناس أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد; وصح عنه، أنه قال: إذا رويت عن رسول الله ﷺ حديثا، ولم آخذ به، فاعلموا أن عقلي قد ذهب. وصح عنه أنه قال: لا قول لأحد مع سنة رسول الله ﷺ وهذا وإن كان لسان الشافعي، فهو لسان الجماعة كلهم.
وأبلغ من هذا كله، قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾
стр. 4781
[سورة النساء آية: ٥٩] .
فهذا دليل على أنه يجب رد موارد النّزاع، في كل ما تنازع فيه الناس من الدين كله، أصوله وفروعه، إلى الله ورسوله، لا إلى غير الله ورسوله.
فمن أحال في الرد على غيرهما، لقول فلان أو نص كتابه، أو عمل فلان وطريقة أصحابه، فقد ضاد الله في أمره; فلا يدخل العبد في الإيمان حتى يرد كل ما تنازع فيه المتنازعون، إلى الله ورسوله; ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، وهذا شرط ينتفي المشروط بانتفائه؛ فدل: على أن من حكّم غير الله ورسوله في موارد النّزاع، كان خارجا عن مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر.
وقد اتفق السلف والخلف، على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته بعد وفاته؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] أي: هذا الرد الذي أمرتكم به من طاعتي، وطاعة رسولي، وأولي الأمر؛ ورد ما تنازعتم فيه إلى الله والرسول، خير لكم في معاشكم ومعادكم، وهو سعادتكم في الدارين، فهو خير لكم وأحسن عاقبة; فدل على: أن طاعة الله ورسوله، وتحكيم الله ورسوله، هو سبب السعادة عاجلا وآجلا.
وهذه قاعدة عظيمة مهمة، يحتاج إليها كل أحد، وطالب العلم إليها أحوج، فإنه في غالب الأحوال يرى نصوص أهل مذهبه قد خالفت نصوص غيرهم من أهل
стр. 4782
المذاهب، فلا ينبغي له أن يهجم على كتب المذاهب، ويأخذ بعزائمها ورخصها; بل الواجب عليه أن يطلب ما جاء في تلك المسائل، عن الله ورسوله، ويعرض نصوص مذهبه ونصوص غيرهم من أهل المذاهب، على ما جاء عن الله ورسوله؛ فما وافقها قبله، وما خالفها رده على قائله، كائنا من كان; فيجعل ما جاء عن الله ورسوله، هو المعيار، ويدور معه حيث دار.
وكثير من الناس أو أكثرهم نكس هذا الحكم على رأسه، وجعلوا الحكم للكتب التي صنفها المتأخرون ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٥٣] . بل صرح بعضهم في مصنفاته بأنه يجب على العامي، أن يتمذهب بمذهب، يأخذ بعزائمه ورخصه، وإن خالف نص الكتاب أو السنة؛ وهذا من أعظم حيل الشيطان، وحبائله التي صاد بها كثيرا ممن ينتسب إلى العلم والدين؛ فنبذوا كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وأقبلوا على الكتب التي صنفها متأخروهم; وقالوا: هم أعلم منا.
ثم لم يكتفوا بها، ولم يعملوا بما فيها؛ بل إن وافق ما فيها أهواءهم قبلوه، وعملوا به، وقالوا: نص عليه في الكتاب الفلاني; وإن خالف ما فيها أهواءهم، لم يعبؤوا بها، ولم يحتجوا بها؛ بل ربما جعلوا حجتهم ما فعله إخوان
стр. 4783
الشياطين، من الرعايا والسلاطين، الذين بنوا القباب على القبور، وارتكبوا كل محظور؛ فزخرفوا القبور بالبناء، وكسوها كما يكسى البيت الحرام، وفعلوا عندها ما يفعله عباد الأصنام؛ حتى آل الأمر إلى أن صار فعلهم هذا حجة، تعارض بها النصوص.
فيقول قائلهم: هذا موجود في كل عصر ومصر من غير نكير، فيكون إجماعا؛ هذا مع علمه بما نص عليه الفقهاء من النهي عن ذلك وتحريمه، خصوصا البناء في المقابر المسبلة، فإنهم اتفقوا على تحريم البناء فيها.
ثم لا يخفى ما في الحرمين الشريفين، من القباب المبنية في المعلاة، والبقيع، ومقابر مصر، كالقرافة وغيرها، ومقابر الشام وغيرها، فهلا أنكر المتأخرون ما نهى عنه علماؤهم، وحرموه؟ بل أعرضوا عن ذلك، كأنهم لم يسمعوه.
بل أعرضوا عن كتاب ربهم، وسنة نبيهم ﷺ وغلبت عليهم العادة التي نشؤوا عليها، ووجدوا أهلهم عليها، واحتجوا بالحجة القرشية ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٢] ، والحجة الفرعونية ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [سورة طه آية: ٥١] ، وقبلهم إبراهيم، لما قال لهم ﵇: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٧٢-٧٣-٧٤] .
стр. 4784
والمشركون في هذا الزمان يسلكون سبيلهم حذو القذة بالقذة، لما أنكرنا عليهم الشرك بالله، وتعظيم القبور والبناء عليها، وإسراجها ودعاءها، والدعاء عندها، ولم يكن لهم حجة يحتجون بها إلا هذه الحجج، التي حكى الله عن المشركين، من قريش ومن قبلهم.
فيقولون: هذا قد وجد من ستمائة سنة فلم ينكر، هذا عمل الناس في القديم والحديث، هذا فلان قد نص على هذا في منسكه، هذا صاحب البردة قد ذكره في بردته، هذا فلان حضره فلم ينكره; وهذه الشبهة هي التي ملأت قلوبهم، وأخذت أسماعهم وأبصارهم، فلم يلتفتوا إلى غيرها; فإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيتهم يصدون وهم مستكبرون.
وغاية ما يحتج به أحدهم، إذا قيل له: انزل، وألجئ إلى المحاجة والمناظرة، أن يقول: القرآن لا يفسره إلا الصحابة، كان ابن عباس لا يفسره إلا في الصحراء، مخافة أن ينْزل عليه العذاب.
فإذا قيل له: بيننا وبينكم تفاسير السلف، كابن عباس، قال: لسنا أهلا لذلك، بل فرضنا التقليد؛ ومشائخنا أعلم منا بكتاب الله، فلو كان هذا شركا لما ذكروه في مناسكهم وأشعارهم. ثم ينشد من الأشعار ما تقشعر منه الجلود، لما فيها من الشرك بالواحد المعبود; ويقول: هذا
стр. 4785
كلام العالم الفلاني في قصيدته، وشرحها فلان وفلان، وتداولها العلماء فلم ينكروا ذلك.
وهذه الشبهة هي التي قامت بقلوبهم، وتوارثوها عن آبائهم؛ فهم لا يصغون إلا إليها، ولا يعولون إلا عليها؛ كأنهم لم يسمعوا بكتاب منزل، ولا نبي مرسل. فلما فضحهم الله، وهتك أستارهم، بما أقيم عليهم من أدلة الكتاب والسنة على إبطال الشرك، وكفر من فعله وإباحة دمه وماله، وأقيم عليهم من الأدلة ما لا يقدرون على دفعه، لم يكن لهم حيلة إلا الجحود والإنكار; وقالوا: نعم هذا الشرك بالله، ونشهد أنه باطل، ولكن هذه القباب التي على القبور، لا يقصدها إلا العوام، والجهلة الطغام.
فإذا قيل: أفلا تنهون العوام عما يفعلونه، من الإشراك؟ وتهدمون هذه البنايات التي على القبور؟ قالوا: هذا أمره إلى الملوك; فبسبب هذه الأمور: غلب الشرك على أكثر النفوس، لغلبة الجهل، وقلة العلم؛ حتى صار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة؛ ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى، في كتاب "الهدى" كلاما حسنا، يناسب ذكره في هذا الموضع; قال ﵀ لما ذكر غزوة الطائف، وذكر فوائد القصة، قال: ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت، بعد القدرة على هدمها
стр. 4786
وإبطالها يوما واحدا؛ فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي من أعظم المنكرات; فلا يجوز الإقرار عليها بعد القدرة البتة.
وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله تعالى، والأحجار التي تقصد بالتعظيم والتبرك، والنذر والتقبيل; فلا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالتها; وكثير منها بمنْزلة اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، وأعظم شركا عندها وبها، والله المستعان.
فلم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت، يعتقد أنها تخلق، وترزق وتميت، وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها، ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم. فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع. وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل وخفاء العلم؛ فصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة. ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير. وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام. وقل العلماء وغلبت السفهاء. وتفاقم الأمر واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية، بالحق قائمين ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، انتهى كلامه.
стр. 4787
[فصل في العبادات مبناها على الأمر والاتباع]
فصل
وأما قول القائل: واتخاذها أعيادا في الغالب، فلكل شيخ يوم معروف، في شهر معلوم، يؤتى إليه من النواحي؛ وقد يحضر بعض العلماء ولا ينكر.
فنقول: هذه المسألة يظهر جوابها مما تقدم; فإن الله قد أتم نعمته على خلقه برسالة محمد ﷺ وأنزل عليه الكتاب، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وافترض على الخلق طاعته، وأخبر أن من أطاعه فقد أطاع الله، فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ٨٠] ، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر آية: ٧] .
وهو ﷺ أنصح الخلق للأمة، كما أخبر الله عنه في قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ١٢٨] ؛ فدل أمته على كل خير يعلمه لهم، وحذر أمته عن شر ما يعلمه لهم؛ فكل عمل لم يشرعه فليس من الدين.
والعبادات مبناها على الأمر والاتباع، لا على الهوى والابتداع، وكل عمل ليس عليه أمره فهو رد، كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ١.
وقال ﷺ :" كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى.
стр. 4788
قالوا: يا رسول الله، وما يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى " ١.
فيقال لمن أجاز اتخاذ القبور أعيادا: هل هذا مما شرعه رسول الله ﷺ ورغب فيه؟ أم هو مما نهى عنه وحذر من الوقوع فيه؟ وهل فعل ذلك خلفاؤه الراشدون؟ والذين أمرنا النبي ﷺ بلزوم سنتهم؟ كما في حديث العرباض: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة " ٢.
ومعلوم أن قبره ﷺ أشرف قبر على وجه الأرض، فلو كان فضيلة لما أهملوه. ومن له معرفة بالسنن والآثار، يعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك وحذر أمته، وأن الصحابة لم يفعلوه، وكذلك أتباعهم الذين اتبعوهم بإحسان لم يفعلوه؛ بل نهوا عن ذلك، وأنكروا على من فعله.
ونحن نذكر بعض ما ورد في ذلك عن النبي ﷺ من النهي عن اتخاذ قبره عيدا، وهو سيد القبور؛ فقبر غيره من باب الأولى والأحرى: قال أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح، قال: قرأت على عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :" لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم " ٣، وهذا إسناد جيد، رواته كلهم ثقات مشاهير.
стр. 4789
وقال أبو يعلى الموصلي، في مسنده: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين، حدثنا علي بن الحسن: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة، كان عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو؛ فنهاه، فقال: ألا أحدثكم بحديث سمعته من أبي عن جدي، عن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم " ١ رواه أبو عبد الله عمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته التي اختارها من الأحاديث الجياد، الزائدة على الصحيحين.
وقال سعيد بن منصور، في السنن: حدثنا حبان بن علي، حدثني محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المهري، قال: قال رسول الله ﷺ " لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني " ٢.
وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده; فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر؛ لعن الله اليهود
стр. 4790
والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء " ١.
فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين، يدلان على ثبوت الحديث؛ لاسيما وقد احتج به من أرسله؛ وذلك يقتضي ثبوته عنده؛ هذا لو لم يكن روي مسندا من وجوه غير هذا، فكيف وقد تقدم مسندا؟
ووجه الدلالة منه: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا؛ فقبر غيره أولى بالنهي، كائنا من كان. ثم إنه قرن ذلك بقوله: " ولا تتخذوا بيوتكم قبورا" ٢ أي: لا تعطلوها، من الصلاة فيها، والدعاء، والقرآن، فتكون بمنْزلة القبور.
فأمر بتحري النافلة في البيوت، ونهى عن تحري العبادة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون; ثم إنه عقب النهي عن اتخاذه عيدا، بقوله: " وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم" ٣ يشير بذلك إلى ما ينالني منكم من الصلاة والسلام، يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم؛ فلا حاجة إلى اتخاذه عيدا.
وقد حرف هذه الأحاديث، بعض من أخذ شبها من النصارى بالشرك، وشبها من اليهود بالتحريف، فقال: هذا أمر بملازمة قبره، والعكوف عنده، واعتياد قصده،
стр. 4791
وانتيابه; ونهى أن يجعل كالعيد الذي إنما يكون من الحول إلى الحول؛ بل اقصدوه كل ساعة، وكل وقت; وهذا مراغمة ومحادة، ومناقضة لما قصده الرسول ﷺ وقلب للحقائق، ونسبة الرسول ﷺ إلى التدليس والتلبيس والتناقض. فقاتل الله أهل الباطل أنى يؤفكون! ولا ريب أن ارتكاب كل كبيرة بعد الشرك، أسهل إثما وأخف عقوبة، من تعاطي مثل ذلك في دينه وسنته; وهكذا غيرت أديان الرسل، ولولا أن الله أقام لدينه أنصارا وأعوانا يذبون عنه، لجرى عليه ما جرى على الأديان قبله.
ولو أراد رسول الله ﷺ ما قاله هؤلاء الضلال، لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، ويلعن فاعل ذلك; فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها، فكيف يأمر بملازمتها، والعكوف عندها؟! وأن يعتاد قصدها وانتيابها؟! ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول؟!
وكيف يسأل ربه ألا يجعل قبره وثنا يعبد؟ وكيف يقول أعلم الخلق بذلك: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدا؟ وكيف يقول: " لا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي حيث ما كنتم " ١؟ وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك، ما فهمه هؤلاء الضلال الذين جمعوا بين الشرك والتحريف؟!
وهذا أفضل التابعين من أهل بيته: علي بن الحسين، رضي الله تعالى عنه، نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند
стр. 4792
قبره ﷺ ، واستدل عليه بالحديث، وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين، عن جده علي، وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال. وكذلك عن الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر، إذا لم يكن يريد المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا. فانظر إلى هذه السنة، كيف مخرجها من أهل المدينة، وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب نسبي، وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، وكانوا له أضبط.
والعيد إذا جعل اسما للمكان، فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، وانتيابه للعبادة عنده أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام، ومزدلفة، وعرفة، جعلها الله عيدا، مثابة للناس يجتمعون فيها، وينتابونها للدعاء والذكر والنسك؛ وكان المشركون لهم أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها، فلما جاء الإسلام محا الله ذلك كله.
فصل
[فصل في اتخاذ القبورأعيادا]
واعلم: أن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله، ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله، وغيرة على التوحيد.
فمن ذلك: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها،
стр. 4793
واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، والاستغاثة بأصحابها، وسؤالهم الرزق، والنصر والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأصنام يسألونها أوثانهم؛ وهذا هو عين الشرك الأكبر، الذي بعث الله رسوله ﷺ ينهى عنه، ويقاتل أهله، ومن مات عليه كان من أهل النار، عياذا بالله من ذلك.
وكان مبدأ هذا الداء العظيم في قوم نوح لما غلوا في الصالحين، كما أخبر الله عنهم كتابه، حيث قال: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] .
قال ابن جرير: وكان من خبر هؤلاء ما حدثناه ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان، عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا، كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا، قال أصحابهم الذين يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم؛ فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر؛ فعبدوهم.
وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا
стр. 4794
تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل؛ وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما النبي ﷺ لما ذكرت له أم سلمة كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: " أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند الله " ١.
وهذا كان سبب عبادة اللات، فروى ابن جرير بإسناده، عن منصور عن مجاهد ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [سورة النجم آية: ١٩] قال: كان يلت السويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره. وكذلك قال أبو الجوزاء، عن "ابن عباس: كان يلت السويق للحاج، فقد رأيت أن سبب عبادة يغوث، ويعوق ونسر، واللات، إنما كان سببه تعظيم قبورهم؛ ثم اتخذوا لها تماثيل، ثم عبدوها"
قال أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه، ونور ضريحه: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور؛ وهي التي أوقعت كثيرا من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك; فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه، أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر.
ولهذا نجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها ويخشعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله،
стр. 4795
ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها، والدعاء ما لا يرجون في المساجد، فلأجل هذه المفسدة: حسم النبي ﷺ مادتها، حتى نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس، وإن لم يقصد ما قصده المشركون سدا للذريعة.
قال: وأما إن قصد الرجل بالصلاة عند القبر تبركا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله; فإن المسلمين قد أجمعوا على أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها; فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه؛ بل نهى عن ذلك في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق، من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك.
قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا; متفق عليه، وقولها: خشي; هو بضم الخاء المعجمة، تعليلا لمنع إبراز قبره; وأبلغ من هذا: أنه نهى عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القبلة.
стр. 4796
فروى مسلم في صحيحه، عن أبى مرثد الغنوي: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها " ١؛ وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ . وهو باطل من عدة أوجه:
منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة كما يقوله المعللون بالنجاسة.
ومنها: أنه ﷺ لعن اليهود والنصارى، على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد; ومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة; لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريون.
ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها.
ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام; ولو كان ذلك لأجل النجاسة، لكان ذكر الحشوش، والمجازر، أولى من ذكر القبور.
ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد؛ ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المساجد، مع تطيينها بطين طاهر؛ وهذا باطل قطعا.
وبالجملة: فمن له معرفة بالشرك وأسبابه، وفهم عن الرسول ﷺ مقاصده، جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه
стр. 4797
المبالغة، واللعن، والنهي، ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل الشرك; فإن هذا وأمثاله منه ﷺ صيانة لحمى التوحيد؛ فأبى المشركون إلا معصية لأمره، وارتكابا لنهيه.
ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به، وما نهى عنه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له; فإنه نهى عن الصلاة إليها، وهؤلاء يصلون عندها؛ ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد، مضاهاة لبيوت الله؛ ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها.
ونهى أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا، ومناسك يجتمعون لها، كاجتماعهم للعيد أو أكثر؛ وأمر بتسويتها، وهؤلاء يرفعونها، ويبنون عليها القباب; ونهى عن الكتابة عليها، وهؤلاء يكتبون عليها القرآن وغيره; ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، وهؤلاء يزيدون سوى التراب الآجر، والأحجار والجص; فأهل الشرك مناقضون لما أمر به الرسول ﷺ في أهل القبور، وفيما نهى عنه، محادون له في ذلك.
فإذا نهى الموحدون عما نهى عنه رسول الله ﷺ من تعظيمها، والصلاة عندها، وإسراجها، والبناء عليها، والدعاء عندها، وما هو أعظم من ذلك، مثل: بناء المساجد
стр. 4798
عليها، ودعائها وسؤالها قضاء الحاجات، وإغاثة اللهفات، غضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر.
وسرى ذلك في نفوس الجهال الطغام، حتى عادَوْا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عن دين الإسلام، ووالوا أهل الشرك، وعظموهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٢-٣٣] .
فصل
وأما قوله: فلكل شيخ يوم معروف، في شهر معلوم، يؤتى إليه من النواحي؛ وقد يحضر بعض العلماء فلا ينكر.
فنقول: أما قوله فلكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم، فقد قدمنا الجواب عن ذلك، وبينا أن ذلك من اتخاذها أعيادا، وأنه مما نهى عنه رسول الله ﷺ فإن العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان، ومكان. فالزمان كقوله ﷺ " يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى، عيدنا أهل الإسلام " ١ رواه أبو داود وغيره.
وأما المكان، فكما روى أبو داود في سننه: " أن رجلا قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة; فقال: أبها
стр. 4799
وثن من أوثان المشركين؟ أو عيد من أعيادهم؟ قال: لا; قال: فأوف بنذرك " ١، وكقوله: " لا تجعلوا قبري عيدا " ٢. فالعيد مأخوذ من المعاودة والاعتياد.
فإذا كان اسما للمكان، فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، وإتيانه للعبادة ولغيرها، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة، وعرفة والمشاعر، جعلها الله عيدا للحنفاء، كما جعل أيام التعبد فيها عيدا؛ فإتيان القبور في يوم معلوم، من شهر معلوم، والاجتماع لذلك، بدعة لم يشرعها رسول الله ﷺ ولم يفعلها الصحابة، ولا التابعون لهم بإحسان، سواء كان ذلك في البلد أو خارجا عنه.
وأما قوله: يؤتى إليه من النواحي؛ فنقول: وهذا أيضا بدعة مذمومة، لم يفعلها الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان; وبيان ذلك: أن زيارة القبور نوعان: زيارة شرعية، وزيارة بدعية شركية; فالزيارة الشرعية مقصودها: ثلاثة أشياء:
أحدها: تذكير الآخرة، والاتعاظ والاعتبار.
والثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به، فيهجره ويتناساه. فإذا زاره وأهدى إليه هدية، من دعاء أو صدقة، سر الميت بذلك، كما يسر الحي من يزوره ويهدي له; ولهذا شرع النبي ﷺ للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة والرحمة، ولم يشرع أن يدعوهم، ولا يدعو بهم، ولا يصلى عندهم.
стр. 4800
الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه، باتباع السنة، والوقوف عندما شرعه النبي ﷺ ؛ فيحسن إلى نفسه، وإلى المزور.
وأما الزيارة البدعية الشركية: فأصلها مأخوذ من عبادة الأصنام; وهو: أن يقصد قبر صالح في الصلاة عنده، أو الدعاء عنده، أو الدعاء به، أو طلب الحوائج منه، والاستغاثة به، ونحو ذلك من البدعة التي لم يشرعها رسول الله ﷺ ، ولا فعلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، كما تقدم بيانه مبسوطا.
ثم اعلم: أن الزيارة الشرعية هي التي لا تشد لها الرحال؛ فإن كانت بشد رحل، فهي زيارة بدعية، لم يأمر بها رسول الله ﷺ ، ولا فعلها الصحابة; بل قد نهى عنها رسول الله ﷺ كما ثبت عنه في الصحيحين، أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا " ١. وهذا الحديث: اتفق الأئمة على صحته، والعمل به.
فلو نذر رجل أن يصلي في المسجد، أو يعتكف فيه، أو يسافر إليه، لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة؛ حتى نص بعض العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة; لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الصحيح: " من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء، لا يريد إلا الصلاة فيه، كان كعمرة ".