فروى مسلم في صحيحه، عن أبى مرثد الغنوي: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها " ١؛ وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ . وهو باطل من عدة أوجه:
منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة كما يقوله المعللون بالنجاسة.
ومنها: أنه ﷺ لعن اليهود والنصارى، على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد; ومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة; لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريون.
ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها.
ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام; ولو كان ذلك لأجل النجاسة، لكان ذكر الحشوش، والمجازر، أولى من ذكر القبور.
ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد؛ ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المساجد، مع تطيينها بطين طاهر؛ وهذا باطل قطعا.
وبالجملة: فمن له معرفة بالشرك وأسبابه، وفهم عن الرسول ﷺ مقاصده، جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه
стр. 4797
المبالغة، واللعن، والنهي، ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل الشرك; فإن هذا وأمثاله منه ﷺ صيانة لحمى التوحيد؛ فأبى المشركون إلا معصية لأمره، وارتكابا لنهيه.
ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به، وما نهى عنه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له; فإنه نهى عن الصلاة إليها، وهؤلاء يصلون عندها؛ ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد، مضاهاة لبيوت الله؛ ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها.
ونهى أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا، ومناسك يجتمعون لها، كاجتماعهم للعيد أو أكثر؛ وأمر بتسويتها، وهؤلاء يرفعونها، ويبنون عليها القباب; ونهى عن الكتابة عليها، وهؤلاء يكتبون عليها القرآن وغيره; ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، وهؤلاء يزيدون سوى التراب الآجر، والأحجار والجص; فأهل الشرك مناقضون لما أمر به الرسول ﷺ في أهل القبور، وفيما نهى عنه، محادون له في ذلك.
فإذا نهى الموحدون عما نهى عنه رسول الله ﷺ من تعظيمها، والصلاة عندها، وإسراجها، والبناء عليها، والدعاء عندها، وما هو أعظم من ذلك، مثل: بناء المساجد
стр. 4798
عليها، ودعائها وسؤالها قضاء الحاجات، وإغاثة اللهفات، غضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر.
وسرى ذلك في نفوس الجهال الطغام، حتى عادَوْا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عن دين الإسلام، ووالوا أهل الشرك، وعظموهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٢-٣٣] .
فصل
وأما قوله: فلكل شيخ يوم معروف، في شهر معلوم، يؤتى إليه من النواحي؛ وقد يحضر بعض العلماء فلا ينكر.
فنقول: أما قوله فلكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم، فقد قدمنا الجواب عن ذلك، وبينا أن ذلك من اتخاذها أعيادا، وأنه مما نهى عنه رسول الله ﷺ فإن العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان، ومكان. فالزمان كقوله ﷺ " يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى، عيدنا أهل الإسلام " ١ رواه أبو داود وغيره.
وأما المكان، فكما روى أبو داود في سننه: " أن رجلا قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة; فقال: أبها
стр. 4799
وثن من أوثان المشركين؟ أو عيد من أعيادهم؟ قال: لا; قال: فأوف بنذرك " ١، وكقوله: " لا تجعلوا قبري عيدا " ٢. فالعيد مأخوذ من المعاودة والاعتياد.
فإذا كان اسما للمكان، فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، وإتيانه للعبادة ولغيرها، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة، وعرفة والمشاعر، جعلها الله عيدا للحنفاء، كما جعل أيام التعبد فيها عيدا؛ فإتيان القبور في يوم معلوم، من شهر معلوم، والاجتماع لذلك، بدعة لم يشرعها رسول الله ﷺ ولم يفعلها الصحابة، ولا التابعون لهم بإحسان، سواء كان ذلك في البلد أو خارجا عنه.
وأما قوله: يؤتى إليه من النواحي؛ فنقول: وهذا أيضا بدعة مذمومة، لم يفعلها الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان; وبيان ذلك: أن زيارة القبور نوعان: زيارة شرعية، وزيارة بدعية شركية; فالزيارة الشرعية مقصودها: ثلاثة أشياء:
أحدها: تذكير الآخرة، والاتعاظ والاعتبار.
والثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به، فيهجره ويتناساه. فإذا زاره وأهدى إليه هدية، من دعاء أو صدقة، سر الميت بذلك، كما يسر الحي من يزوره ويهدي له; ولهذا شرع النبي ﷺ للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة والرحمة، ولم يشرع أن يدعوهم، ولا يدعو بهم، ولا يصلى عندهم.
стр. 4800
الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه، باتباع السنة، والوقوف عندما شرعه النبي ﷺ ؛ فيحسن إلى نفسه، وإلى المزور.
وأما الزيارة البدعية الشركية: فأصلها مأخوذ من عبادة الأصنام; وهو: أن يقصد قبر صالح في الصلاة عنده، أو الدعاء عنده، أو الدعاء به، أو طلب الحوائج منه، والاستغاثة به، ونحو ذلك من البدعة التي لم يشرعها رسول الله ﷺ ، ولا فعلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، كما تقدم بيانه مبسوطا.
ثم اعلم: أن الزيارة الشرعية هي التي لا تشد لها الرحال؛ فإن كانت بشد رحل، فهي زيارة بدعية، لم يأمر بها رسول الله ﷺ ، ولا فعلها الصحابة; بل قد نهى عنها رسول الله ﷺ كما ثبت عنه في الصحيحين، أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا " ١. وهذا الحديث: اتفق الأئمة على صحته، والعمل به.
فلو نذر رجل أن يصلي في المسجد، أو يعتكف فيه، أو يسافر إليه، لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة؛ حتى نص بعض العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة; لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الصحيح: " من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء، لا يريد إلا الصلاة فيه، كان كعمرة ".
стр. 4801
[السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين]
قالوا: ولأن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة، لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول الله ﷺ ، ولا استحسنها أحد من أئمة المسلمين; فمن اعتقد ذلك عبادة، وفعلها، فهو مخالف للسنة.
وإنما اختلف العلماء أتباع الأئمة في الجواز، بعد اتفاقهم أنه ليس مشروعا، ولا مستحبا؛ فالمتقدمون منهم قالوا: لا يجوز السفر إليها، ولا تقصر الصلاة في هذا السفر، لأنه معصية; وهذا قول: أبي عبد الله بن بطة، وأبي الوفاء بن عقيل، وطوائف كثيرة.
وذهب طائفة من المتأخرين: أصحاب أحمد، والشافعي، إلى جواز السفر إليها، كأبي حامد الغزالي، وابن عبدوس، وأبي محمد المقدسي; وأجابوا عن حديث "لا تشد الرحال" بأنه لنفي الاستحباب والفضيلة; ورد عليهم الجمهور من وجهين:
أحدهما: أن هذا تسليم منهم، أن هذا السفر ليس بعمل صالح، ولا قربة ولا طاعة؛ ومن اعتقد أن السفر لزيارة القبور قربة وطاعة، فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أنه طاعة، فإن ذلك محرم بإجماع المسلمين؛ فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة; ومعلوم: أن أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك، وأما إذا قصد بشد الرحل غرضا من الأغراض المباحة، فهذا جائز.
стр. 4802
الوجه الثاني: أن النفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم؛ والأحاديث التي تذكر في زيارة قبر النبي ﷺ ضعيفة، باتفاق أهل العلم بالحديث; بل هي موضوعة; فليس في زيارة قبر النبي ﷺ حديث صحيح، ولا حسن، ولا روى أهل السنن المعروفة - كسنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجة، والترمذي - في ذلك شيئا. بل ولا أهل المسانيد المعروفة، كمسند أحمد، وأبي داود الطيالسي، وعبد بن حميد وغيرهم، ولا أهل المصنفات المعروفة، كموطأ مالك وغيره. بل لما سئل الإمام أحمد وغيره - وهو أعلم الناس في زمانه بالسنة - عن هذه المسألة، لم يكن عنده ما يعتمد عليه، إلا حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل يسلم علي، إلا رد الله علي روحي، حتى أرد ﵇ ١، وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه. وكذلك مالك في الموطأ، روى عن (عبد الله بن عمر ﵄، أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليكم يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت; ثم ينصرف
واتفقت الأمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل قبره. وتنازعوا عند السلام عليه؛ فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه; وهو الذي ذكره أصحاب
стр. 4803
الشافعي، وأظنه منصوصا عنه.
وقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة ويسلم عليه، هكذا في كتب أصحابه. وقال مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ويدعو; ولكن يسلم ويمضي. ومن رخص منهم في الدعاء عند قبره ﷺ فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه ثم أراد الدعاء، أن يدعو مستقبل القبلة، إما مستدبر القبر، وإما منحرفا عنه; وهو أن يستقبل القبلة ويدعو، ولا يدعو مستقبل القبر.
وهكذا المنقول عن سائر الأئمة; ليس فيهم من استحب للمرء أن يستقبل القبر - أعني قبر النبي ﷺ ويدعو عنده؛ فإذا كان هذا حالهم وفعلهم، عند قبر النبي ﷺ فكيف بغيره؟
ولم يكن على عهد النبي ﷺ ولا في عصر الصحابة والتابعين، مشهد يقصد بالزيارة، لا في الحجاز، ولا في الشام، ولا اليمن، ولا العراق، ولا خراسان، ولا مصر، بعد ما فتح الله هذه البلاد، وصارت بلاد إسلام.
وإنما حدث فيها بعد انقراض عصر السلف، فصار يوجد في كلام بعض الناس: فلان ترجى الإجابة عند قبره، وفلان يدعى عند قبره. وبعضهم يقول: قبر فلان الترياق المجرب، ونحو ذلك مما لم يكن معروفا في عهد الصحابة والتابعين.
стр. 4804
وقائل هذا، أحسن أحواله: أن يكون مجتهدا في هذه المسألة، أو مقلدا، فيعفو الله عنه؛ أما أن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك، فلا; بل يقال: هذه زلة، فلا يجوز تقليده فيها، إذا عرف أنها زلة; لأنه اتباع للخطأ على عمد; ومن لم يعرف أنها زلة، فهو أعذر من العارف، وكلاهما مفرط فيما أمر به.
وقال الشعبي: قال عمر ﵁: "يفسد الزمان ثلاثة: أئمة مضلون; وجدال المنافق بالقرآن والقرآن حق، وزلة العالم". وقال معاذ ﵁: "احذروا زيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق"، وقال: "اجتنبوا من كلام الحكيم المشتبهات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله يراجع; وتلقّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا".
واعلم رحمك الله: أن الرجل الجليل، الذي له في الإسلام قدم صالح، وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة، وهو فيها معذور، بل مأجور لاجتهاده; فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن يهدر مكانه وإمامته، ومنْزلته من قلوب المسلمين.
قال مجاهد، والحكم، ومالك، وغيرهم: ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي ﷺ . وقال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله.
стр. 4805
وقد روى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إني لأخاف على أمتي من بعدي، من أعمال ثلاثة; قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: أخاف عليهم من زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن والقرآن حق، وعلى الحق منار كأعلام الطريق ".
ويكفي اللبيب في هذا ما قصه الله في كتابه عن بني إسرائيل، مع صلاحهم وعلمهم: أنهم بعد ما فلق الله لهم البحر، وأنجاهم من عدوهم، أتوا نبيهم ﷺ قائلين: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.
وكذلك ما رواه الترمذي وغيره: أن أناسا من الصحابة، في غزوة حنين أتوا النبي ﷺ حين مروا بسدرة للمشركين يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها "ذات أنواط"، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط; فقال: "الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١. لتركبن سنن من كان قبلكم ".
فإذا كان هذا قد خفي عليهم، مع صلاحهم، ووضوحه، وبيانه، وقبلهم قوم موسى، مع صلاحهم وعلمهم، وقد اختارهم الله على عالمي زمانهم، وخفي عليهم
стр. 4806
هذا، وقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة; فهذا يفيد أن المسلم، بل العالم، قد يقع في أشياء من الشرك، وهو لا يدري; فيفيد الحرص وبذل الجهد، في البحث عما جاء عن الله ورسوله، ولا يقلد دينه الرجال؛ فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا، وأبى الله أن يصح إلا كتابه، وأن يعصم إلا رسوله ﷺ .
وإذا اشتبه عليه الحق في هذا الباب أو غيره فليدع بما رواه مسلم في صحيحه، عن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا قام من الليل: " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " ١ وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
стр. 4807
[أبيات من البردة فيها من الغلو والشرك العظيم]
وقال شيخ الإسلام، علم الهداة الأعلام، الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله لهم الثواب، وأدخلهم الجنة بغير حساب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٢-٣] . وأشهد أن محمد عبده ورسوله، الذي قال الله خطابا له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٤٥-٤٦] . اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد وأصحابه، ومن أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا.
أما بعد: فإني وقفت، على جواب للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، وقد سئل عن أبيات من البردة، وما فيها من الغلو، والشرك العظيم، المضاهي لشرك النصارى ونحوهم، ممن صرف خصائص الربوبية والإلهية، لغير
стр. 4808
الله، كما هو صريح الأبيات المذكورة; ولا يخفى على من عرف دين الإسلام أنه الشرك الأكبر، الذي لا يغفره الله لمن لم يتب منه، وأن الجنة عليه حرام.
وذكر الشيخ في جوابه أن الأبيات المذكورة تضمنت الشرك، وصرف خصائص الربوبية والإلهية لغير الله، فاعترض عليه جاهل ضال، فقال مبرئا لصاحب الأبيات من ذلك الشرك بقوله: حماه الله من ذلك، ويكفيه في نفي هذه الشناعة، قوله أول المنظومة:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... ...............البيت،
المطابق لقول النبي ﷺ : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم "١.
الجواب: أن هذه التبرئة إنما نشأت عن الجهل وفساد التصور، فلو عرف الناظم، وهذا المعترض، ومن سلك سبيلهم، حق الله على عباده، وما اختص به من ربوبيته، وألوهيته، وعرفوا معنى كلام الله، وكلام رسوله ﷺ لما قالوا ما قالوا، هم وأمثالهم، ممن جهل التوحيد، كما قال تعالى في حق من هذا وصفه: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٩] .
فالجهل بما بعث الله به رسله قد عم كثيرا من هذه الأمة، فظهر فيها ما أخبر به النبي ﷺ بقوله: " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟
стр. 4809
قال: فمن؟ " ١ ونحو هذا من الأحاديث.
وقوله: ويكفيك في نفي هذه الشناعة، قوله أول المنظومة:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... البيت.
الجواب: أن هذا يزيده شناعة ومقتا، لأن هذا تناقض بيّن، وبرهان على أنه لا يعلم ما يقول؛ فلقد وقع فيما وقعت فيه النصارى، من الغلو العظيم، الذي نهى الله عنه ورسوله، ولعن النبي ﷺ من فعله، أو فعل ما يوصل إليه، بقوله: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢، يحذر ما صنعوا.
وقال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله " ٣، وقوله، لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت; قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده "، وقال: " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ".
فلقد حذر أمته، وأنذرهم عن الشرك ووسائله، وما دق منه وجل، ودعا الناس إلى التوحيد، ونهاهم عن الشرك، وجاهدهم على ذلك؛ حتى أزال الله به الشرك والأوثان، من جميع الجزيرة، وما حولها من نواحي الشام واليمن، وغير ذلك.
وقد بعث السرايا في هدم الأوثان وإزالتها، كما هو مذكور في كتب الحديث، والتفسير والسير، كما في حديث أبي الهياج الأسدي، الذي في الصحيح، قال: قال علي بن أبى
стр. 4810
طالب ﵁: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته "؛ وقد بعثه النبي ﷺ يوم الفتح لهدم مناة.
وبعث خالد بن الوليد يومئذ لهدم العزى، وقطع السمرات التي كانت تعبدها قريش وهذيل، وبعث المغيرة بن شعبة لهدم اللات فهدمها، وأزال من جزيرة العرب وما حولها، جميع الأصنام والأوثان التي كانت تعبد من دون الله. والصحابة ﵃ تعاهدوا هذا الأمر، واعتنوا بإزالته أعظم الاعتناء، بعد وفاة رسول الله ﷺ .
وقد أخبر النبي ﷺ بما يقع في أمته من الاختلاف، كما في حديث العرباض بن سارية، قال: " فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا " ١ الحديث; فوقع ما أخبره به ﷺ ، وعظم الاختلاف في أصل الدين بعد القرون المفضلة، كما هو معلوم عند العلماء؛ ولو أخذنا نذكر ذلك أو بعضه، لخرج بنا عن المقصود من الاختصار.
فانظر إلى ما وقع اليوم، من البناء على القبور والمشاهد، وعبادتها؛ فلقد عمت هذه البلية في كثير من البلاد، ووقع ما وقع من الشرك وسوء الاعتقاد في أناس ينتسبون إلى العلم. قال سليمان التيمي: لو أخذت بزلة كل عالم، لاجتمع فيك الشر كله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقوله: المطابق لقول النبي ﵌:
стр. 4811
" لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم " ١.
أقول: لا ريب أن المطابقة وقعت منه ولا بد، لكنها في المنهي عنه، لا النهي، فالذي نهى عنه النبي ﷺ من الإطراء، طابقته الأبيات من قوله:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك ... إلى آخرها.
فقد تضمنت غاية الإطراء والغلو الذي وقعت فيه النصارى وأمثالهم; فإنه قصر خصائص الإلهية والربوبية التي قصرها الله على نفسه، وقصرها عليه رسول الله ﷺ ، فصرفها لغير الله; فإن الدعاء مخ العبادة، واللياذ من أنواع العبادة.
وقد جمع في أبياته الاستعانة والاستغاثة بغير الله، والالتجاء والرغبة إلى غير الله؛ فإن غاية ما يقع من المستغيث والمستعين والراغب، إنما هو الدعاء، واللياذ بالقلب واللسان؛ وهذه هي أنواع العبادة التي ذكرها الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه، وشكرها لمن قصرها على الله، ووعده على ذلك الإجابة والإثابة، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٥] ، وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدا﴾ [سورة الجن آية: ١٩-٢٠-٢١-٢٢] الآية.
стр. 4812
فهذا هو الدين الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ وأمره أن يقول لهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٠] ؛ فقصر الدعاء على ربه، الذي هو توحيد الإلهية، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢١] إلى آخر الآيات، وهذا هو توحيد الربوبية; فوحد الله في إلهيته وربوبيته، وبين للأمة ذلك كما أمره الله تعالى.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح آية: ٧-٨] ؛ أمره بقصر الرغبة على ربه تعالى، وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٩٠] .
ونهى عن الاستعاذة بغيره، بقوله تعالى عن مؤمن الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [سورة الجن آية: ٦] .
واحتج الإمام أحمد ﵀ وغيره، على القائلين بخلق القرآن، بحديث خولة بنت حكيم، مرفوعا: " من نزل منْزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " ١ الحديث، على أن القرآن غير مخلوق; إذ لو كان مخلوقا، لما جاز أن يستعاذ بمخلوق لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وأمثال ذلك في القرآن والحديث كثير، يظهر بالتدبر.
وأما قول المعترض: إن النصارى يقولون: إن المسيح ابن الله، نعم قاله طائفة، وطائفة قالوا: هو الله; والطائفة
стр. 4813
الثالثة قالوا: هو ثالث ثلاثة; وبهذه الطرق الثلاث عبدوا المسيح ﵇، فأنكر الله عليهم تلك الأقوال في المسيح.
وأنكر عليهم ما فعلوه من الشرك، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ؛ فأنكر عليهم عبادتهم للمسيح، والأحبار والرهبان.
أما المسيح فعبادتهم له بالتأله، وصرف خصائص الإلهية له من دون الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٦] فأخبر أن الإلهية - وهي العبادة - حق الله لا يشركه فيها أولو العزم ولا غيرهم؛ يبين ذلك قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] .
وأما عبادتهم للأحبار والرهبان، فإنهم أطاعوهم فيما حللوه لهم من الحرام، وتحريم ما حرموه عليهم من الحلال. ولما قدم عدي بن حاتم ﵁ على النبي ﷺ بعد فراره - من الشام، وكان قبل مقدمه على النبي ﷺ نصرانيا، فلما قدم على النبي ﷺ مسلما، تلا عليه هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
стр. 4814
[سورة التوبة آية: ٣١] .
قال يا رسول الله: لسنا نعبدهم. فقال النبي ﷺ "أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه؟ ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم " ففيه بيان أن من أشرك مع الله غيره في عبادته، وأطاع غير الله في معصيته، فقد اتخذه ربا معبودا، وهذا بين بحمد الله.
فلو تأمل هذا الجاهل المعترض قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٩١] ، لعلم أن الله تعالى قد أنكر على النصارى، قولهم وفعلهم، وعلى كل من عبد معه غيره، بأي نوع من أنواع العبادة. لكن هذا وأمثاله كرهوا التوحيد، وألفوا الشرك وأحبوه، وأحبوا أهله؛ فترامى بهم هذا الداء العضال، إلى ما ترى من التخليط والضلال، والاستغناء بالجهل ووساوس الشيطان " فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه " ١.
ولا شفاء لهذا الداء العظيم، إلا بالتجرد عن الهوى والعصبية، والإقبال على تدبر الآيات المحكمات في بيان التوحيد الذي بعث الله به المرسلين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس آية: ٥٧] ، ومثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ
стр. 4815
سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ؛ أمره تعالى أن يدعو أهل الكتاب، إلى أن يخلصوا العبادة لله وحده، ولا يشركوا فيها أحدا من خلقه؛ فإنهم كانوا يعبدون أنبياءهم، كالمسيح بن مريم، ويعبدون أحبارهم ورهبانهم.
وتأمل قوله: ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ؛ وهذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ إلى جميع من أرسل إليه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [سورة الرعد آية: ٣٦] ، وقوله: ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ تعم كل شرك دق أو جل كثر أو قل. قال العماد بن كثير، في تفسيره: هذا الخطاب مع أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، ومن جرى مجراهم، وقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] لا وثنا ولا صنما، ولا صليبا ولا طاغوتا، ولا نارا، ولا شيئا، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له؛ قلت: وهذا هو معنى لا إله إلا الله.
ثم قال: وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ
стр. 4816
رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . انتهى المقصود.
وقال ﵀، في تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٩] الآية: قال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي، حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما عبدت النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران - يقال له الرئيس -: أو ذاك منا يا محمد، وإليه تدعونا؟ أو كما قال; فقال رسول الله ﷺ : "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غير الله، وما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني" أو كما قال ﷺ .
فأنزل الله في ذلك: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٩] إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٩] أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس: اعبدوني من دون الله، أي مع الله.
стр. 4817
وإذا كان هذا لا يصح لنبي ولا لمرسل، فلأن لا يصح لأحد من الناس بطريق الأولى والأحرى؛ ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا للمؤمن أن يأمر الناس بعبادته؛ وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا، يعني أهل الكتاب.
وقوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾ بعبادة أحد غير الله، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل ﴿أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [سورة آل عمران آية: ٨٠] أي: لا يفعل ذلك; لأن من دعا إلى عبادة غير الله، فقد دعا إلى الكفر; والأنبياء: إنما يأمرونكم بالإيمان، وعبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٤٥] وقال في حق الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٩] انتهى.
وهو في غاية الوضوح، وبيان التوحيد، وخصائص الربوبية، والإلهية؛ ونظائر هذه الآيات كثيرة في القرآن، وفي السنة من الأحاديث كذلك. فإذا كان من المستحيل عقلا وشرعا على رسول الله ﷺ هو وجميع الأنبياء والمرسلين، أن يأمروا أحدا بعبادتهم، فكيف جاز في عقول هؤلاء الجهلة، أن يقبلوا قول صاحب البردة؟
стр. 4818
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
وقد أخلص الدعاء الذي هو مخ العبادة، واللياذ الذي هو من أنواع العبادة، وتضمن إخلاص الرغبة والاستكانة والاستعانة، والالتجاء إلى غير الله؛ وهذه هي معظم العبادة، كما أشير إلى ذلك، كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] الآية، وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] إلى قوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٣] . وعن أنس ﵁ مرفوعا: " الدعاء مخ العبادة " ١ رواه الترمذي.
وقوله:
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
المنافي لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٧-١٨-١٩] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢١] الآية، وقوله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] .
стр. 4819
وفي الحديث الصحيح، قال لابنته فاطمة، وأحب الناس إليه: "يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا "١.
فتأمل ما بين هذا، وبين قول الناظم، من التضاد والتباين، ثم المصادمة منه لما ذكره الله تعالى، وذكره رسول الله ﷺ كقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٢٨] .
وتأمل ما ذكره العلماء، في سبب نزول هذه الآية، وأمثال هذه الآية كثير، لم ينسخ حكمها ولم يغير؛ ومن ادعى ذلك فقد افترى على الله كذبا، وأضل الناس بغير علم، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود آية: ١٢٣] . وبهذا يعلم أن الناظم قد زلت قدمه، اللهم إلا أن يكون قد تاب وأناب قبل الوفاة، والله أعلم.
وأما قوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ...............
فمن المعلوم: أن الجواد لا يجود إلا بما يملكه، فمقتضى ذلك أن الدنيا والآخرة ليست لله، بل لغيره، وأن أهل الجنة من الأولين والآخرين، لم يدخلهم الجنة الرب الذي خلقهم وخلقها لهم؛ بل أدخلهموها غيره
стр. 4820
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ١٨٠] .
وفي الحديث الصحيح: " لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته ".
وقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [سورة النساء آية: ١٣٤] ، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الملك آية: ١] ، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٢] ، وقوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [سورة الليل آية: ١٣] .
فلا شريك لله في ملكه، كما لا شريك له في إلهيته وربوبيته؛ والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
وقوله:
............... ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا أيضا كالذي قبله، لا يجوز أن يقال إلا في حق الله تعالى، الذي أحاط علمه بكل شيء، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٣] ، وقال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة يونس آية: ٦١] ، وقوله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٠] .
стр. 4821
وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٩] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل آية: ٦٥] .
والآيات في هذا المعنى كثيرة تفوت الحصر؛ وكل هذه الأمور من خصائص الربوبية والألوهية، التي بعث الله رسله، وأنزل كتبه، لبيانها واختصاصها لله سبحانه، دون كل من سواه.
وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [سورة الجن آية: ٢٦-٢٧] ، كقوله في آية الكرسي: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ؛ فقد أطلع من شاء من أنبيائه ورسله، على ما شاء من الغيب، بوحيه إليهم.
فمن ذلك ما جرى من الأمم السالفة، وما جرى عليهم، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [سورة هود آية: ٤٩] ، وكذلك ما تضمنه الكتاب والسنة، من أخبار المعاد والجنة والنار ونحو ذلك، أطلع الله عليه رسوله، والمؤمنون عرفوه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وآمنوا به.
стр. 4822
وأما إحاطة العلم بالمعلومات كلياتها وجزئياتها، وما كان منها وما لم يكن، فذاك إلى الله وحده، لا يضاف إلى غيره من خلقه.
فمن ادعى ذلك لغير الله فقد أعظم الفرية على الله، وعلى رسوله ﷺ . فما أجرأ هذا القائل على الله في سلب حقه! وما أعداه لرسول الله ﷺ ولمن تولاه من المؤمنين والموحدين؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وذكر قول عمر بن الخطاب، ﵁:"إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" فمن لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره، أو شر منه أو دونه؛ فتنتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة؛ ويكفر الرجل بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي، يرى دلك عيانا، والله المستعان، انتهى.
стр. 4823
قلت: وقد رأينا ذلك والله عيانا من هؤلاء الجهلة، الذين ابتلينا بهم في هذه الأزمنة، أشربت قلوبهم الشرك والبدع، واستحسنوا ذلك، وأنكروا التوحيد والسنة، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فضلوا وأضلوا.
وأما قول الناظم:
فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدا ... .............. البيت
فهذا من جهله، إذ من المعلوم عند من له أدنى مسكة من عقل، أن الاتفاق في الاسم لا ينفع إلا بالموافقة في الدين، واتباع السنة؛ فأولياء الرسول ﷺ أتباعه على دينه، والعمل بسنته، كما دل على ذلك الكتاب والسنة.
كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٦-١٥٧] إلى قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧] .
وتأمل قصة أبي طالب عم النبي ﷺ وقد كان يحوطه ويحميه وينصره، ويجمع القبائل على نصرته ﷺ وحمايته من أعدائه، وقد قال في حق النبي ﷺ :
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
стр. 4824
حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل
ولما لم يتبرأ من دين أبيه عبد المطلب، ومات على ذلك، وقال النبي ﷺ :" لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك " ١، أنزل الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [سورة التوبة آية: ١١٣] .
فلا وسيلة للعبد إلى نيل شفاعة النبي ﷺ إلا بالإيمان به وبما جاء به من توحيد الله، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، ومحبته واتباعه، وتعظيم أمره ونهيه، والدعوة إلى ما بعث به من دين الله، والنهي عما نهى عنه من الشرك والبدع، وما لا فلا.
فعكس الملحدون الأمر - فطلبوا الشفاعة - الذي بعث الله رسوله ﷺ بالنهي عنه وإنكاره، وقتال أهله، وإحلال دمائهم وأموالهم، وأضافوا إلى ذلك إنكار التوحيد، وعداوة من قام به، واقتفى أثر النبي ﷺ كما تقدم في كلام شيخ الإسلام ﵀، من قوله: ويكفر الرجل بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، إلى آخر كلامه.
وأما قول الناظم:
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... ............. البيت
فهذا هو الذي ذكر الله عن المشركين، من اتخاذ الشفعاء
стр. 4825
ليشفعوا لهم، ويقربوهم إلى الله زلفى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢] . فهذا هو دين الله الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه. ثم ذكر بعد ذلك دين المشركين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ؛ فتأمل كون الله تعالى كفرهم بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] .
وقال في آخر هذه السورة: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣-٤٤] ؛ قلت: وقد وقع من هؤلاء من اتخاذهم شفعاء، بدعائهم وطلبهم، ورغبتهم، والالتجاء إليهم، وهم أموات غافلون عنهم، لا يقدرون ولا يسمعون لما طلبوا منهم وأرادوه.
وقد أخبر تعالى: أن الشفاعة ملكه، لا ينالها من أشرك به غيره، وهو الذي له ملك السماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥-٦] ؛ فعاملهم الله بنقيض قصدهم من جميع الوجوه، وأسجل عليهم بالضلال.
стр. 4826
ولهذه الآية نظائر كثيرة، كقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] .
فبين أن دعوتهم غير الله شرك بالله، وأن المدعو غيره لا يملك شيئا، وأنه لا يسمع دعاء الداعي، ولا يستجيب له، وأن المدعو ينكر ذلك الشرك ويتبرأ منه، ومن صاحبه، يوم القيامة؛ فمن تأمل هذه الآيات، انزاحت عنه بتوفيق الله وفتحه جميع الشبهات. ومما يشبه هذه الآية، في حرمان من أنزل حوائجه بغير الله، واتخذه شفيعا من دون الله، بتوجيه قلبه وقالبه إليه، واعتماده في حصول الشفاعة عليه، كما قد تضمنه بيت الناظم، قول الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
فانظر كيف حرمهم الشفاعة، لما طلبوها من غير الله، وأخبر أن حصولها مستحيل في حقهم، بطلبها في دار العمل من غيره؛ وهذه هي الشفاعة التي نفاها القرآن كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ
стр. 4827
فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٤] ، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] ؛ فهذه الشفاعة المنفية هي التي فيها الشرك.
وأما الشفاعة التي أثبتها القرآن فإنما ثبتت بقيدين عظيمين: إذن الرب تعالى للشفيع، ورضاه عن المشفوع له؛ وهو لا يرضى من الأديان الستة المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [سورة الحج آية: ١٧] الآية إلا الإيمان الذي أصله وأساسه التوحيد والإخلاص، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] ، وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٦] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] إلى قوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [سورة يونس آية: ٣] .
وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ لما ذكر شفاعته، قال: " وهي نائلة إن شاء الله، من مات لا يشرك بالله شيئا" ١. وقال أبو هريرة: " من أحق الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه " ٢. قال شيخ الإسلام في
стр. 4828
هذا الحديث: فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وقد كشفنا - بحمد الله - بهذه الآيات المحكمات تلبيس هذا المعترض الملبس ولجاجه، وافتراءه على الله ورسوله; فإن دعوة غير الله ضلال وشرك ينافي التوحيد، وإن اتخاذ الشفعاء إنما هو بدعائهم، والالتجاء إليهم، وسؤالهم أن يشفعوا للداعي.
وقد نهى الله عن ذلك، وبين أن الشفاعة له؛ فإذا كانت له وحده، فلا تطلب إلا ممن هي ملكه، فيقول: اللهم شفع نبيك في; لأنه تعالى هو الذي أذن للشفيع أن يشفع فيمن يرضى دينه وهو الإخلاص، كما تقدم بيانه.
وأما قول المعترض: إن المعتزلة احتجوا بالآيات التي فيها نفي الشفاعة، على أنها لا تقع لأهل الكبائر من الموحدين.
فأقول: لا ريب أن قولهم هذا بدعة وضلالة، وأنت أيها المجادل في آيات الله بغير سلطان، مع المعتزلة في طرفي نقيض، تقول: إن الشفاعة تثبت لمن طلبها، وسألها من الشفيع؛ فجعلت طلبها موجبا لحصولها، والقرآن قد نفى ذلك وأبطله، في مواضع كثيرة بحمد الله.
والحق: أنها لا تقع إلا لمن طلبها من الله وحده، ورغب إليه فيها، وأخلص له العبادة بجميع أنواعها؛ فهذا هو الذي
стр. 4829
تقع له الشفاعة، قبل دخول النار، أو بعده إن دخلها بذنوبه؛ فهذا هو الذي يأذن الله للشفعاء أن يشفعوا له، بما معه من الإخلاص، كما صرحت بذلك الأحاديث، والله أعلم.
وقد قدمنا: ما دل عليه الكتاب والسنة: أن ما في القرآن من ذكر الشفاعة نفيا وإثباتا، فحق لا اختلاف فيه بين أهل الحق; فالشفاعة المنفية إنما هي في حق المشرك، الذي اتخذ له شفيعا يطلب الشفاعة منه، فيرغب إليه في حصولها، كما في البيت المتقدم؛ وهو كفر، كما صرح به القرآن.
وأما الشفاعة التي أثبتها الكتاب والسنة، فقد ثبتت للمذنبين الموحدين المخلصين؛ وهذا هو الذي تظاهرت عليه النصوص، واعتقده أهل السنة والجماعة، ودانوا به.
والحديث الذي أشار إليه المعترض، من قوله: " أنا لها، أنا لها " لا ينافي ما تقرر، وذلك: أن الناس في موقف القيامة، إذا فزعوا إلى الرسل ليشفعوا لهم إلى الله، في إراحتهم من كرب ذلك المقام بالحساب، وكل نبي ذكر عذره.
قال النبي ﷺ في الحديث: " فيأتوني فأخرّ بين يدي الله ساجدا " ١ أو كما قال: " فأحمده بمحامد يفتحها علي، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واسأل تعطه، واشفع تشفع، قال: فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة " ٢ فتأمل كون هذه الشفاعة لم تقع إلا بعد السجود لله، ودعاه وحمده، والثناء عليه بما هو أهله، وقوله: " فيحد لي
стр. 4830
حدا "، فيه: بيان أن الله هو الذي يحد له، وهذا الذي يقع من الناس يوم القيامة مع الرسل، هو من باب سؤال الحي الحاضر، والتوسل إلى الله بدعائه، كما كان الصحابة ﵃، يسألون رسول الله ﷺ في حياته أن يدعو لهم إذا نابهم شيء، كما في حديث الاستسقاء وغيره.
ولما توفي رسول الله ﷺ لم يكونوا يفعلون عند قبره شيئا من ذلك البتة؛ ففرق أصحاب رسول الله ﷺ وهم أعلم الأمة وأفضلها - بين حالتي الحياة والممات. وكانوا يصلون على النبي ﷺ عند دخول المسجد والخروج منه، وفي الصلوات والخطب، وعند ذكره، امتثالا لقوله: " لا تجعلوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا؛ وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني أينما كنتم " ١.
ولما أراد عمر ﵁ أن يستسقي بالناس، أخرج معه العباس بن عبد المطلب ﵁ فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيدعو". فلو جاز أن يتوسل عمر والصحابة بذات النبي ﷺ بعد وفاته، لما صلح منهم أن يعدلوا عن النبي ﷺ إلى العباس؛ فلما عدلوا عنه إلى العباس، علم أن التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته لا يجوز في دينهم، وصار هذا إجماعا منهم.
قال العلامة ابن القيم ﵀: وقد أنكر أئمة الإسلام
стр. 4831
ذلك، فقال أبو الحسن القدوري في شرح كتاب الكرخي، قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف، يقول: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام. قال أبو الحسن: أما المسألة بغير الله، فتكره في قولهم; لأنه لا حق لغير الله عليه؛ وإنما الحق لله على خلقه.
وقال ابن بلدجي في شرح المختار: ويكره أن يدعو الله إلا به، فلا يقول: أسالك بفلان، أو بملائكتك، أو بأنبيائك، ونحو ذلك; لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه: أكره كذا، هو عند محمد حرام; وعند أبى حنيفة وأبي يوسف: هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب.
فإذا قرر الشيطان عنده: أن الإقسام على الله به، والدعاء به، أبلغ في تعظيمه واحترامه، وأنجع لقضاء حاجته، نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله، ثم ينقله بعد درجة أخرى، إلى أن يتخذ قبره وثنا يعكف عليه، ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبنى عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، والطواف به وتقبيله واستلامه، والحج إليه، والذبح عنده؛ ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس لعبادته، واتخاذه عيدا ومنسكا، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم.
стр. 4832
قال شيخنا - قدس الله روحه -: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب: أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس; قال: وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب؛ يدعو أحدهم من يعظمه، ويتمثل لهم الشيطان أحيانا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة.
ثم ذكر المرتبة الثانية، وهي: أن يسأل الله به، وقال: هو بدعة باتفاق المسلمين. والثالثة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد؛ فهذا أيضا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعا بين أئمة الدين؛ وإن كان كثير من الناس يفعل ذلك، انتهى.
ففرض على كل أحد: أن يعلم ما أمر الله به ورسوله، من إخلاص العبادة لله وحده، فإنه الدين الذي بعثه به، وأن يترك ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ من الشرك فما دونه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] ، وأن لا يدين الله تعالى إلا بما دل الدليل على أنه من دين الله، ولا يكون إمعة يطير مع كل ريح.
فإن الناس من أمة محمد ﷺ والأمم قبلها، قد تنازعوا في ربهم وأسمائه وصفاته، وما يجب له على عباده، وقد قال
стр. 4833
تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . فيا سعادة من تجرد عن العصبية والهوى، والتجأ إلى حصن الكتاب والسنة؛ فإن العلم معرفة الهدى بدليله، وما ليس كذلك فجهل وضلال.
وأما قول المعترض: فانظر إلى الشفاء; تجده حكى كفر من قال مثل هذه الكلمة، أي: الكلمة التي ذكرها المجيب، في معنى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢١] الآيات، ذكر عبارات النسفي في معناها، وهي قوله: هو إظهار للعبودية، وبراءة مما يختص بالربوبية من علم الغيب; أي: أنا عبد ضعيف، لا أملك لنفسي اجتلاب نفع، ولا دفع ضر ... إلى آخر كلامه.
إذ من عادة هذا المعترض الجاهل: رد الحق، والمكابرة في دفعة، والغلو المتناهي، وإلا فمن المعلوم عند من له معرفة بدين الإسلام: أن المجيب إنما أتى في جوابه، بتحقيق التوحيد، ونفي الشرك بالله، وذلك تعظيم لجانب الرسالة؛ وكان النبي ﷺ ينهى أمته عن كل ما يؤول بهم إلى الغلو.
ولما قيل له ﷺ : أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا; قال: " يا أيها الناس، قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان. أنا عبد الله ورسوله؛ ما أحب أن ترفعوني فوق منْزلتي التي أنزلني الله تعالى " ١ والنبي هو أحق
стр. 4834
الخلق بالتواضع لله وحده سبحانه.
وفي الحديث: "فإنك إن تكلني إلى نفسي، تكلني إلى ضيعة وعورة، وذنب وخطيئة. وإني لا أثق إلا برحمتك" الحديث; والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، يخبر بذلك عن نفسه، ويعترف بذلك لربه، وهو الصادق المصدوق; فإذا قال المسلم مثل هذا في حقه ﷺ وأخبر بما أخبر به عن نفسه، لم يكن منتقصا له؛ بل هذا من تصديقه والإيمان به.
قال شيخ الإسلام ﵀: إذا كان الكلام في سياق توحيد الرب، ونفي خصائصه عما سواه، لم يجز أن يقال: هذا سوء عبارة في حق من دون الله، من الأنبياء، والملائكة؛ فإن المقام أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده.
والنبي ﷺ كان أعظم الناس تقريرا لما يقال على هذا الوجه، وإن كان نفسه المسلوب، كما الصحيحين في حديث الإفك، " لما نزلت براءة عائشة من السماء، وأخبرها النبي ﷺ بذلك، قالت لها أمها: قومي إلى رسول الله ﷺ . قالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمده، ولا إياكما؛ ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي "، فأقرها النبي ﷺ وأبوها على هذا الكلام، الذي نفت فيه أن تحمد رسول الله ﷺ . وفي رواية: بحمد الله لا بحمدك; ولم يقل أحد هذا سوء أدب عليه ﷺ .
стр. 4835
وأخرج البيهقي بسنده إلى محمد بن مسلم، سمعت حبان صاحب ابن المبارك، يقول: قلت لعبد الله بن المبارك: قول عائشة للنبي ﷺ : بحمد الله لا بحمدك، إني لأستعظم هذا، فقال عبد الله: ولت الحمد أهله; وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد، بسنده عن الأسود بن سريع: "أن النبي ﷺ أتي بأسير، فقال: اللهم أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد; فقال النبي ﷺ : عرف الحق لأهله " ١.
وهذا المعترض، وأمثاله: ادعوا تعظيم أمر رسول الله ﷺ بما قد نهى عنه، من الغلو والإطراء، وهضموا ربوبية الله، وتنقصوا إلهيته، وأتوا بزخارف شيطانية، وحاولوا أن يكون حق الله من العبادة - التي خلق لها عباده - نهبا بين الأحياء والأموات؛ هذا يصرفه لنبي، وهذا لملك، وهذا لصالح، أو غير هؤلاء ممن اتخذوهم أندادا لله، وعبدوا الشياطين بما أمروهم به من ذلك الشرك بالله.
فإن عبادتهم للملائكة والأنبياء والصالحين، إنما تقع في الحقيقة على من زينها لهم من الشياطين، وأمرهم بها، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة سبأ آية: ٤٠-٤١] . ونحو هذه الآية كثير في القرآن.
ولما ذكر العلامة ابن القيم، ﵀، ما وقع في