ذلك، فقال أبو الحسن القدوري في شرح كتاب الكرخي، قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف، يقول: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام. قال أبو الحسن: أما المسألة بغير الله، فتكره في قولهم; لأنه لا حق لغير الله عليه؛ وإنما الحق لله على خلقه.
وقال ابن بلدجي في شرح المختار: ويكره أن يدعو الله إلا به، فلا يقول: أسالك بفلان، أو بملائكتك، أو بأنبيائك، ونحو ذلك; لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه: أكره كذا، هو عند محمد حرام; وعند أبى حنيفة وأبي يوسف: هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب.
فإذا قرر الشيطان عنده: أن الإقسام على الله به، والدعاء به، أبلغ في تعظيمه واحترامه، وأنجع لقضاء حاجته، نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله، ثم ينقله بعد درجة أخرى، إلى أن يتخذ قبره وثنا يعكف عليه، ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبنى عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، والطواف به وتقبيله واستلامه، والحج إليه، والذبح عنده؛ ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس لعبادته، واتخاذه عيدا ومنسكا، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم.
стр. 4832
قال شيخنا - قدس الله روحه -: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب: أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس; قال: وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب؛ يدعو أحدهم من يعظمه، ويتمثل لهم الشيطان أحيانا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة.
ثم ذكر المرتبة الثانية، وهي: أن يسأل الله به، وقال: هو بدعة باتفاق المسلمين. والثالثة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد؛ فهذا أيضا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعا بين أئمة الدين؛ وإن كان كثير من الناس يفعل ذلك، انتهى.
ففرض على كل أحد: أن يعلم ما أمر الله به ورسوله، من إخلاص العبادة لله وحده، فإنه الدين الذي بعثه به، وأن يترك ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ من الشرك فما دونه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] ، وأن لا يدين الله تعالى إلا بما دل الدليل على أنه من دين الله، ولا يكون إمعة يطير مع كل ريح.
فإن الناس من أمة محمد ﷺ والأمم قبلها، قد تنازعوا في ربهم وأسمائه وصفاته، وما يجب له على عباده، وقد قال
стр. 4833
تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . فيا سعادة من تجرد عن العصبية والهوى، والتجأ إلى حصن الكتاب والسنة؛ فإن العلم معرفة الهدى بدليله، وما ليس كذلك فجهل وضلال.
وأما قول المعترض: فانظر إلى الشفاء; تجده حكى كفر من قال مثل هذه الكلمة، أي: الكلمة التي ذكرها المجيب، في معنى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢١] الآيات، ذكر عبارات النسفي في معناها، وهي قوله: هو إظهار للعبودية، وبراءة مما يختص بالربوبية من علم الغيب; أي: أنا عبد ضعيف، لا أملك لنفسي اجتلاب نفع، ولا دفع ضر ... إلى آخر كلامه.
إذ من عادة هذا المعترض الجاهل: رد الحق، والمكابرة في دفعة، والغلو المتناهي، وإلا فمن المعلوم عند من له معرفة بدين الإسلام: أن المجيب إنما أتى في جوابه، بتحقيق التوحيد، ونفي الشرك بالله، وذلك تعظيم لجانب الرسالة؛ وكان النبي ﷺ ينهى أمته عن كل ما يؤول بهم إلى الغلو.
ولما قيل له ﷺ : أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا; قال: " يا أيها الناس، قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان. أنا عبد الله ورسوله؛ ما أحب أن ترفعوني فوق منْزلتي التي أنزلني الله تعالى " ١ والنبي هو أحق
стр. 4834
الخلق بالتواضع لله وحده سبحانه.
وفي الحديث: "فإنك إن تكلني إلى نفسي، تكلني إلى ضيعة وعورة، وذنب وخطيئة. وإني لا أثق إلا برحمتك" الحديث; والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، يخبر بذلك عن نفسه، ويعترف بذلك لربه، وهو الصادق المصدوق; فإذا قال المسلم مثل هذا في حقه ﷺ وأخبر بما أخبر به عن نفسه، لم يكن منتقصا له؛ بل هذا من تصديقه والإيمان به.
قال شيخ الإسلام ﵀: إذا كان الكلام في سياق توحيد الرب، ونفي خصائصه عما سواه، لم يجز أن يقال: هذا سوء عبارة في حق من دون الله، من الأنبياء، والملائكة؛ فإن المقام أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده.
والنبي ﷺ كان أعظم الناس تقريرا لما يقال على هذا الوجه، وإن كان نفسه المسلوب، كما الصحيحين في حديث الإفك، " لما نزلت براءة عائشة من السماء، وأخبرها النبي ﷺ بذلك، قالت لها أمها: قومي إلى رسول الله ﷺ . قالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمده، ولا إياكما؛ ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي "، فأقرها النبي ﷺ وأبوها على هذا الكلام، الذي نفت فيه أن تحمد رسول الله ﷺ . وفي رواية: بحمد الله لا بحمدك; ولم يقل أحد هذا سوء أدب عليه ﷺ .
стр. 4835
وأخرج البيهقي بسنده إلى محمد بن مسلم، سمعت حبان صاحب ابن المبارك، يقول: قلت لعبد الله بن المبارك: قول عائشة للنبي ﷺ : بحمد الله لا بحمدك، إني لأستعظم هذا، فقال عبد الله: ولت الحمد أهله; وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد، بسنده عن الأسود بن سريع: "أن النبي ﷺ أتي بأسير، فقال: اللهم أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد; فقال النبي ﷺ : عرف الحق لأهله " ١.
وهذا المعترض، وأمثاله: ادعوا تعظيم أمر رسول الله ﷺ بما قد نهى عنه، من الغلو والإطراء، وهضموا ربوبية الله، وتنقصوا إلهيته، وأتوا بزخارف شيطانية، وحاولوا أن يكون حق الله من العبادة - التي خلق لها عباده - نهبا بين الأحياء والأموات؛ هذا يصرفه لنبي، وهذا لملك، وهذا لصالح، أو غير هؤلاء ممن اتخذوهم أندادا لله، وعبدوا الشياطين بما أمروهم به من ذلك الشرك بالله.
فإن عبادتهم للملائكة والأنبياء والصالحين، إنما تقع في الحقيقة على من زينها لهم من الشياطين، وأمرهم بها، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة سبأ آية: ٤٠-٤١] . ونحو هذه الآية كثير في القرآن.
ولما ذكر العلامة ابن القيم، ﵀، ما وقع في
стр. 4836
زمانه من الشرك بالله، قال: وهذا هضم للربوبية، وتنقص للإلهية، وسوء ظن برب العالمين؛ وذكر أنهم ساووهم بالله في العبادة، كما قال تعالى عنهم وهم في النار ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٩٧-٩٨] .
وأما ما ذكره عن خالد الأزهري، فخالد وما خالد؟ أغرك منه كونه شرح التوضيح، والآجرومية في النحو؟ وهذا لا يمنع كونه جاهلا بالتوحيد، الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، كما جهله من هو أعلم وأقدم منه، ممن لهم تصانيف في المعقول، كالفخر الرازي، وأبي معشر البلخي، ونحوهما ممن غلط في التوحيد.
وقد كان خالد هذا يشاهد أهل مصر يعبدون البدوي وغيره، فما أنكر ذلك في شيء من كتبه، ولا نقل عنه أحد إنكاره. فلو صح ما ذكره خالد من حال الناظم، لم يكن جسرا تذاد عنه النصوص، من الآيات المحكمات القواطع، والأحاديث الواضحات البينات، كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة النساء آية: ٣٦] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] ، وقول النبي ﷺ : " من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار " ١.
стр. 4837
وقد استدرج الله أهل الشرك بأمور تقع لهم، يظنونها كرامات، عقوبة لهم; وكثير منها أحوال شيطانية، أعانوا بها أولياءهم من الإنس، كما قد يقع كثيرا لعباد الأصنام; وما أحسن ما قال بعضهم شعرا:
تخالف الناس فيما قد رأوا ورووا ... وكلهم يدعون الفوز بالظفر
فخذ بقول يكون النص ينصره ... إما عن الله أو عن سيد البشر
وقد حاول هذا الجاهل المعترض صرف أبيات البردة عما هو صريح فيها، ونص فيما دلت عليه من الشرك في الربوبية والإلهية، ومشاركة الله في علمه وملكه؛ وهي لا تحتمل أن تصرف عما هي فيه من ذلك الشرك والغلو، فما ظفر هذا المعترض من ذلك بطائل؛ غير أنه وسم نفسه بالجهل والضلال، والزور والمحال؛ ولو سكت لسلم من الانتصار لهذا الشرك العظيم، الذي وقع فيه.
وأما قول المعترض: ورد في الحديث: لولا حبيبي محمد، ما خلقت سمائي ولا أرضي، ولا جنتي ولا ناري، فهذا من الموضوعات، لا أصل له؛ ومن ادعى خلاف ذلك، فليذكر من رواه من أهل الكتب المعتمدة في الحديث، وأنى له ذلك؟ بل هو من أكاذيب الغلاة الوضاعين.
وقد بين الله تعالى حكمته في خلق السماوات والأرض، في كثير من سور القرآن، كما قال في الآية التي
стр. 4838
تأتي بعد، وهي قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [سورة الطلاق آية: ١٢] ، ولها نظائر تبين حكمة الرب في خلق السماوات والأرض.
وقوله: وكيف ينكر تصرفه في إعطاء أحد بإذن الله، من الدنيا في حياته، أو في الآخرة بعد وفاته؟
أقول: هذا كلام من اجترى، وافترى، وأساء الأدب مع الله، وكذب على رسوله ﷺ ، ولم يعرف حقيقة الشفاعة، ولا عرف تفرد الله بالملك يوم القيامة؛ وهل قال رسول الله ﷺ أو أحد من أصحابه، أو من بعدهم من أئمة الإسلام: إن أحدا يتصرف يوم القيامة في ملكه؟ ولو أطلقت هذه العبارة في حق رسول الله ﷺ لادعاه كل لمعبوده، من نبي وملك أو صالح، أنه يشفع له إذا دعاه. ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة الفرقان آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة هود آية: ١٠٥] ، وقال: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ [سورة النبأ آية: ٣٨] .
وهذا القول الذي قاله الجاهل، قد شافهنا به جاهل مثله بمصر، يقول: الذي يتصرف في الكون سبعة: البدوي، والإمام الشافعي، والشيخ الدسوقي، حتى
стр. 4839
أكمل السبعة من الأموات; هذا يقول: هذا ولي له شفاعة، وهذا صالح كذلك، وقد قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة غافر آية: ١٥-١٦] إلى قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [سورة غافر آية: ١٨] . أي ظلم أعظم من الشرك بالله؟ ودعوى الشريك في الملك والتصرف؟ وهذا غاية الظلم.
قال شيخ الإسلام، ﵀ في معنى قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍوَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢-٢٣] : نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون؛ فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة؛ فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب; فالشفاعة التي يظنها المشركون منتفية، كما نفاها القرآن.
وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل تسمع، واسأل تعطه، واشفع تشفع; وقال له أبو هريرة ﵁: " من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه " ١؛ فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص
стр. 4840
بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص؛ فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود; فالشفاعة التي نفاها القرآن: ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص، انتهى كلامه.
وقال العلامة ابن القيم في "مدارج السالكين": وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعا، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢-٢٣] .
فالمشرك إنما يتخذ معبوده، لما يحصل له به من النفع؛ والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع، إما مالك لما يريده عابده منه؛ فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك؛ فإن لم يكن شريكا له كان معينا له وظهيرا؛ فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا، كان شفيعا عنده; فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مرتبا، منتقلا من الأعلى إلى الأدنى؛ فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه.
стр. 4841
فكفى بهذه الآية برهانا، ونجاة، وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك ومواده، لمن عقلها. والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل، ولم يعقبوا وارثا؛ فهذا هو الذي يحول بين القلب، وفهم القرآن; ولعمر الله إن كان أولئك، إلى أن قال:
ومن أنواعه - أي الشرك -: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم؛ وهذا أصل شرك العالم; فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عن أن يملك لمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها. وهذا من جهله بالشافع، والمشفوع له عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه: كمال التوحيد.
فجاء هذا المشرك، بسبب يمنع هذا الإذن، وهو بمنْزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها؛ وهذه حالة كل مشرك. فجمعوا بن الشرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات.
وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين له، بذمهم، وعيبهم، ومعاداتهم; وتنقصوا من أشركوا
стр. 4842
به غاية التنقص؛ إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم يوالونهم عليه. وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم!
قال: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر، إلا من جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده؛ فجرد حبه لله، وخوفه لله، ورجاءه لله، وذله لله، وتوكله على الله، واستعانته بالله، والتجاءه إلى الله، وأخلص قصده لله متبعا لأمره، متطلبا لمرضاته؛ إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله؛ فهو بالله ومع الله، انتهى.
فرحم الله هذا الإمام وشيخه، فلقد بينا للناس حقيقة الشرك وطرقه وما يبطله; وما حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال له: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " ١، ولم يقل فاسألني واستعن بي، فقصر السؤال والاستعانة على الله الذي لا يستحقه سواه، كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، فمن صرف ذلك لغير الله، فقد عصى الله ورسوله، وأشرك بالله.
وللمعترض كلام ركيك، لا حاجة لنا إلى ذكر ما فيه، وإنما نتتبع من كلامه، ما يحتاج إلى رده وإبطاله جنس ما تقدم.
стр. 4843
واعلم أنه قال: لما ذكر قول المجيب - إنه لا يجتمع الإيمان بالآيات المحكمات وتلك الأبيات، لما بينهما من التنافي والتضاد، قال المعترض: أقول: يحتمعان، بأن يفرد الله بالعبادة، ولا يقدح فيه تشفعه بأحباب حبه إليه. وكيف يحكم عليه بالضلال، بمجرد طلبه الشفاعة ممن هو أهل لها؟ كما في الحديث "أنا لها، أنا لها" ومعلوم: أن الضلال ضد الحق.
فالجواب: لا يخفى ما في كلامه من التخليط والتلبيس، والعصبية المشوبة بالجهل المركب؛ لا يدري ولا يدري أنه لا يدري. وقد بينا فيما تقدم أن دعوة غير الله ضلال، وأن اتخاذ الشفعاء الذين أنكر الله تعالى، إنما هو بدعائهم والالتجاء إليهم، والرغبة إليهم فيما أراده الراغب منهم، من الشفاعة التي لا يقدر عليها إلا الله؛ وذلك ينافي الإسلام والإيمان بلا ريب.
فإن طلبها من الأموات والغائبين، طلب لما لا يقدر عليه إلا الله، وهو خلاف لما أمر الله تعالى به، وارتكاب لما نهى عنه، كما تقدم بيانه في معنى قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] الآية، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] الآية، وقوله:
﴿مَا
стр. 4844
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] .
فطلب الشفاعة من النبي ﷺ وغيره بعد وفاته، وبعده عن الداعي، لا يحبه الله تعالى، ولا يرضاه، ولا رسوله ﷺ ؛ وهو التوسل الذي ذكره العلامة ابن القيم، وشيخه، وصرحا بأنه شرك.
وللعلامة "ابن القيم" أبيات في المعنى، وهي قوله:
والشرك فهو توسل مقصوده الـ ... زلفى من الرب العظيم الشان
بعبادة المخلوق من حجر ومن ... بشر ومن قبر ومن أوثان
والناس في هذا ثلاث طوائف ... ما رابع أبدا بذي إمكان
إحدى الطوائف مشرك بإلهه ... فإذا دعاه دعا إلها ثان
هذا وثاني هذه الأقسام ذ ... لك جاحد يدعو سوى الرحمن
هو جاحد للرب يدعو غيره ... شركا وتعطيلا له قدمان
هذا وثالث هذه الأقسام خيـ ... ر الخلق ذاك خلاصة الإنسان
يدعو إله الحق لا يدعو ولا ... أحدا سواه قط في الأكوان
يدعوه في الرغبات والرهبات والـ ... حالات من سر ومن إعلان
وقد أنكر الله ذلك الدعاء، على من زعم في الرسل والملائكة، وذلك كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] .
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح، وأمه، وعزيرا، والملائكة; فأنكر الله ذلك، وقال:
стр. 4845
هؤلاء عبيدي يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي؛ وهؤلاء الذين نزلت هذه الآية في إنكار دعوتهم، من أوليائه وأحبابه; وقد تقدم أن الدعاء وجميع أنواع العبادة، حق الله المحض، كما تقدم في الآيات.
والحاصل: أن الله تعالى لم يأذن لأحد أن يتخذ شفيعا من دونه يسأله، ويرغب إليه، ويلتجئ إليه؛ وهذا هو العبادة، ومن صرف من ذلك شيئا لغير الله، فقد أشرك مع الله غيره، كما دلت عليه الآيات المحكمات؛ وهذا ضد إفراد الله بالعبادة. وكيف يتصور إفراد الله بالعبادة، وقد جعل العبد ملاذا ومفزعا سواه؟ فإن هذا ينافي الإفراد; فأين ذهب عقل هذا وفهمه؟
قال شيخ الإسلام ﵀: العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة، انتهى.
وقد تبين أن الدعاء مخ العبادة، وهو مما يحبه الله ويأمر به عباده أن يخلصوه له; وقد تقدم من الآيات: ما يدل عل ضلال من فعل ضد ذلك وكفره; وبهذا يحصل الجواب عن قول المعترض: إن الشفاعة المنفية إنما هي في حق الكفار ; فنقول: فمن اتخذ معبودا سوى الله، يرجوه أو يخافه، فقد كفر.
стр. 4846
وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة النحل آية: ٢٠-٢١-٢٢] ؛ فبين تعالى أن المخلوق لا يصلح أن يدعى من دون الله، وأن من دعاه فقد أشرك مع الله غيره في الإلهية.
والقرآن من أوله إلى آخره، يدل على ذلك، وكذلك سنة رسول الله ﷺ ؛ ولكن الملحدون محجوبون عن فهم القرآن، كما حجبوا عن الإيمان، بجهلهم وضلالهم، وإعراضهم عما أنزل الله في كتابه، من بيان دينه الذي رضيه لنفسه، ورضيه لعباده. قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: وحقيقة التوحيد: أن يعبد الله وحده، لا يدعى إلا هو، ولا يخشى، ولا يتقى إلا هو، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يكون الدين إلا له، وأن لا يتخذ الملائكة والنبيون أربابا، فكيف بالأئمة والشيوخ؟
فإذا جعل الإمام والشيخ، كأنه إله يدعى، مع غيبته وموته، ويستغاث به، ويطلب منه الحوائج، كأنه مشبها بالله، فيخرجون عن حقيقة التوحيد، الذي أصله شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، انتهى.
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال لابن عباس: " إذا سألت
стр. 4847
فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " ١؛ فلو جاز أن يسأل رسول الله ﷺ لما قصر سؤاله واستعانته على الله وحده؛ وابن عباس أحق الناس، بأن يعلمه رسول الله ﷺ ما فيه له منفعة.
فلو جاز صرف ذلك لغير الله، لقال: واسألني واستعن بي، بل أتى ﷺ بمقام الإرشاد، والإبلاغ، والنصح لابن عمه بتجريد إخلاص السؤال لله، والاستعانة بالله تعالى. فأين ذهبت عقول هؤلاء الضلال، عن هذه النصوص؟! والله المستعان.
[القول بأن لناظم البردة جانباً عظيماً من الزهد والورع والرد عليه]
وقال الشيخ ﵀: واعلم أن لفظ الدعاء والدعوة في القرآن، يتناول معنيين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة; وكل عابد سائل، وكل سائل عابد، وأحد الاسمين يتناول الآخر، عند تجرده عنه.
وإذا جمع بينهما، فإنه يراد بالسائل: الذي يطلب لجلب المنفعة ودفع المضرة، بصيغ السؤال والطلب. ويراد بالعابد: من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن هناك صيغة سؤال. ولا يتصور أن يخلو داع لله، دعاء عبادة، أو دعاء مسألة، من الرغب والرهب، والخوف والطمع، انتهى.
فتبين أن أبيات البردة التي قدمنا الكلام عليها، تنافي الحق وتناقضه، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
وقول المعترض: لا سيما وللناظم جانب عظيم من
стр. 4848
الزهد، والورع والصلاح، بل وله يد في العلوم، كما حكى ذلك مترجموه؛ وهذا كله صار هباء منثورا، حيث لم يرضوا عنه.
أقول: هذه دعوى تحتمل الصدق والكذب، والظاهر: أنه لا حقيقة لذلك، فإنه لا يعرف إلا بهذه المنظومة؛ فلو قدر أن لذلك أصلا، فلا ينفعه ذلك من تلك الأبيات، لأن الشرك يحبط الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٨] ، وقد صار العمل مع الشرك هباء منثورا.
قال سفيان بن عيينة: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل؛ فإن فتنتهم فتنة لكل مفتون. فإن كان للرجل عبادة، فقد فتن بأبياته كثيرا من الجهال؛ وعبادته إن كانت فلا تمنع كونه ضالا، كما يرشد إلى ذلك آخر الفاتحة.
قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا، ففيه شبه من النصارى. فالواجب علينا: أن نبين ما في كلامه، مما يسخط الله ورسوله، من الشرك، والغلو; وأما الشخص وأمثاله ممن قد مات، فيسعنا السكوت عنه، لأنا لا ندري ما آل أمره إليه، وما مات عليه.
وقد عرف أن كلام خالد الأزهري لا حجة فيه؛ وأهل الغلو والشرك، ليس عندهم إلا المنامات، والأحوال
стр. 4849
الشيطانية، التي يحكيها بعضهم عن بعض، كما قال لي بعض علماء مصر: إن شيخا مشى بأصحابه على البحر، فقال: لا تذكروا غيري، وفيهم رجل ذكر الله فسقط في البحر، فأخذ بيده الشيخ، فقال: ألم أقل لكم لا تذكروا غيري؟
فقلت: هذه الحكاية تحتمل أحد أمرين لا ثالث لهما: أحدهما: أن تكون مكذوبة مثل أكاذيب سدنة الأوثان، أو أنها حال شيطانية; وأسألك أيها الحاكي لذلك: أيكون فيها حجة على جواز دعوة غير الله؟ فأقر، وقال: لا حجة فيها على ذلك.
والمقصود بيان أنه ليس عند الغلاة من الحجة على ما زخرفوه، أو كذبوه; وما قال الله، وقال رسوله، فهذا - بحمد الله - كله عليهم لا لهم، وما حرفوه من ذلك، رد إلى صحيح معناه، الذي دل عليه لفظه مطابقة، وتضمنا والتزاما. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٢] .
[الادعاء بأن غير واحد من العلماء رأوا النبي والمنظومة تنشد بين يديه]
وذكر المعترض حكاية يقول - عن غير واحد من العلماء العظام - إنهم رأوا النبي ﷺ والمنظومة تنشد بين يديه، إلى قوله: لكن الخصم مانع ذلك كله، بقوله: إنهم كفار.
стр. 4850
فالجواب: أن يقال: ليس هذا وجه المنع، وإنما وجهه: أنها حكاية مجهولة عن مجهول; وهذا جنس إسناد الأكاذيب; فلو قيل: من هؤلاء العظام؟ وما أسماؤهم؟ وما زمنهم؟ وما طبقتهم؟ لم يدر عنهم; وأخبار المجهولين لا تقبل شهادة، ولا رواية يقظة، فكيف إذا كانت أحلاما؟! والمعترض كثيرا ما يحكي عن هيان بن بيان.
ثم قال المعترض على قول المجيب: وطلب الشفاعة من النبي ﷺ ممتنع شرعا وعقلا، قال المعترض: من أين هذا الامتناع؟ وما دليله من العقل والسمع؟
فالجواب: أن يقال: معلوم أن دليله من الجهتين، لا تعرفه أنت ومن مثلك، وإنما معرفتك في اللجاج، الذي هو كالعجاج، الذي يحوم في الفجاج; أما دليله من السمع، فقد تقدم في آيات الزمر، ويونس وغيرها، وقد بسطنا القول في ذلك، بما يغني عن إعادته؛ فليرجع إليه.
وأما دليله من العقل، فالعقل الصحيح يقضي ويحكم بما يوافق النقل بأن النجاة والسعادة والفلاح، وأسباب ذلك كله، لا تحصل إلا بالتوجه إلى الله تعالى وحده، وإخلاص الدعاء له، والالتجاء إليه; لأن الخير كله بيده، وهو القادر عليه; وأما المخلوق فليس في يده من هذا شيء، كما قال تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣] .
стр. 4851
فتسوية المخلوق بالخالق، خلاف العقل، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١٧] . فالذي له الخلق والأمر، والنعم كلها منه، وكل مخلوق فقير إليه، لا يستغنى عنه طرفة عين، هو الذي يستحق أن يدعى ويرجى، ويرغب إليه، ويرهب منه، ويتخذ معاذا وملاذا، ويتوكل عليه، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر آية: ١٥] .
وقال المفسرون المحققون، السلفيون المتبعون، في قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢] أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده لا شريك له ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة الرعد آية: ٤١] ؛ ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل جماع الإيمان، ذكره العلماء في تفسيره.
وليتأمل ما ذكره الله عن صاحب ياسين، من قوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة يس آية: ٢٣-٢٤] ، فهذا دليل فطري عقلي سمعي.
وأما قول المعترض: إن قول الناظم:
стр. 4852
ومن علومك علم اللوح والقلم، أن "من" بيانية،
فالجواب: أنه ليس كما قال; بل هي تبعيضية. ثم لو كانت بيانية، فما ينفعه والمحذور بحاله، وهو أنه يعلم ما في اللوح المحفوظ؟
وقد صرح المعترض بذلك، فقال: ولا شك أنه أوتي علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما يكون.
فالجواب: هذه مصادمة لما هو صريح في كتاب الله، وسنة رسوله بأن الإحاطة بما في اللوح المحفوظ علما، ليس إلا لله وحده؛ كذلك علم الأولين والآخرين، ليس إلا لله وحده، إلا ما أطلع الله عليه نبيه في كتابه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] .
فالرجل في عمى عن قول الله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] . وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [سورة الطلاق آية: ١٢] ، وقد تقدم لهذه الآيات نظائر؛ فإحاطة العلم بالموجودات، والمعدومات التي وجدت، أو ستوجد، لله وحده؛ لم يجعل ذلك لأحد سواه.
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾
стр. 4853
[سورة الأعراف آية: ١٨٧] ؛
فأسند علم وقت الساعة إلى ربه بأمره، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَارضي الله عنهفِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [سورة النازعات آية: ٤٢-٤٣-٤٤] . وأمثال هذه الآيات، مما يدل على أن الله تعالى اختص بعلم الغيب كله، إلا ما استثناه بقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، ومن تبعيضية هاهنا بلا نزاع.
وقد قال الخضر لموسى ﵉: " ما نقص علمي وعلمك في علم الله، إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر " ١، فتأمل هذا وتدبر.
وأما قول المعترض، وتأويله، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل آية: ٦٥] ؛ فتأويل فاسد، ما قاله غيره، ولا يقوله مسلم، من: أنه يعلم الغيب بتعليم الله له; والنفي في الآية أن يعلمه بنفسه بدون أن يعلمه الله ذلك; فما أجرأ هذا الجاهل على هذا التأويل! وما أجهله بالله وبكتابه!
فيقال في الجواب: لا ينفعك هذا التأويل الفاسد، إذ لو كان أحد يعلم جميع الغيب بتعليم الله، لصدق عليه أن يقال: هذا يعلم الغيب كله، الذي يعلمه الله; فما بقي على هذا القصر علم الغيب على الله في هذه الآية معنى، وحصل الاشتراك. نعوذ بالله من الافتراء على الله وعلى كتابة، وخرق ما لم ينزل الله به سلطانا.
стр. 4854
وأما قوله في قول الناظم: إن لم تكن في معادي آخذا بيدي، أن الأخذ باليد: بالشفاعة.
فالجواب: أن حقيقة هذا القول، وصريحه: طلب ذلك من غير الله; فلو صح هذا الحمل، فالمحذور بحاله، لما قد عرفت من أن الاستغاثة بالأموات والغائبين، والاستشفاع بهم، في أمر هو في يد الله، ممتنع حصوله لكونه تألها وعبادة; وقد أبطله القرآن; فهذا المعترض الجاهل، يدور على منازعة الله في حقه، وملكه، وشمول علمه، والله يجزيه بعمله.
وأما قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٩] فقيل: المراد بها الخمس المذكورة في سورة لقمان، وهذا قبل أن يطلع نبيه عليها، وإلا فقد ذكر عامة أهل العلم أنه لم يتوفاه الله تعالى حتى علّمه كل شيء حتى الخمس.
فالجواب: انظر إلى هذا المفتري الجاهل البليد، كيف اقتفى أثر صاحب الأبيات بجميع ما اختلقه، وافتراه! وأكثر من الأكاذيب على أهل العلم!
فإن قوله: ذكر عامة أهل العلم أنه لم يتوفاه الله حتى علمه كل شيء حتى الخمس; فحاشا أهل العلم الذين يعرفون بأنهم من أهل العلم، من هذه المقالة; وعامة أهل العلم، بل كلهم على خلاف ما ادعاه، سلفا وخلفا.
стр. 4855
قال أبو جعفر محمد بن جرير ﵀، في تفسيره الكبير، الذي فاق على التفاسير: ابتدأ تعالى ذكر الخبر عن علمه بمجيء الساعة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] التي تقوم فيها القيامة، لا يعلم ذلك أحد غيره، ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ من السماء، لا يقدر على ذلك أحد غيره، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] أرحام الإناث، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] ، يقول: وما تعلم نفس حي ماذا تعمل في غد، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] يقول: وما تعلم نفس حي بأي أرض يكون موتها. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] يقول: إن الذي يعلم ذلك كله هو الله، دون كل أحد سواه.
وذكر سنده عن مجاهد: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] ، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: امرأتي حبلى، فأخبرني ماذا تلد؟ وبلادنا جدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت، فمتى أموت؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] إلى آخر السورة; قال: فكان مجاهد يقول: هن مفاتح الغيب التي قال الله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٩] . وأخرج بسنده عن قتادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] الآية: خمس من الغيب استأثر الله بهن، فلم يطلع عليهن ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا. وبسنده عن عائشة ﵂: من قال: إن أحدا يعلم الغيب إلا الله، فقد كذب، وأعظم
стр. 4856
الفرية على الله؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل آية: ٦٥] .
وبالسند عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: " مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] الآية. ثم قال: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم أحد متى ينزل الغيث إلا الله، ولا يعلم أحد متى قيام الساعة إلا الله، ولا يعلم أحد ما في الأرحام إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ". وبسنده عن مسروق عن عائشة، قالت: من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] الآية". انتهى ما ذكره ابن جرير.
وذكر البغوي في تفسيره: حديث ابن عمر وعائشة المتقدم، ثم قال: وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب: خزائن الأرض; وقال عطاء: ما غاب عنكم من الثواب، وقيل: انقضاء الأجل، وقيل: أحوال العباد من السعادة والشقاوة، وخواتيم أعمالهم، وقيل: ما لم يكن بعد، أنه يكون أو لا يكون، وما لا يكون كيف يكون; انتهى.
قلت: ولا يعرف عن أحد من أهل العلم خلاف ما
стр. 4857
دلت عليه هذه الآيات المحكمات. ونعوذ بالله من مخالفة ما أنزل الله في كتابه، وما أخبر به عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ ، وأجمع عليه العلماء؛ فإن الله أستأثر بعلمه عن خلقه، ووصف نفسه بأنه علام الغيوب، ونعوذ بالله من حال أهل الافتراء، والتكذيب.
وأما قوله: ولو أن عبارات أهل العلم، مثل البيضاوي، وأبي السعود، والقسطلاني، وأمثالهم، تجدي إليكم شيئا، لذكرناها؛ لكنها تمحى بلفظة واحدة، وهي: أنهم كلهم كفار، فلا نقبل منهم أحدا؛ ومن هذه حاله فلا حيلة به.
فالجواب: أنه ليس للبيضاوي ومن ذكر، عبارات تخالف ما قاله السلف والعلماء في معنى الآيات، ومعاذ الله أن يقول المجيب: إن هؤلاء كفار; ولا يوجد عن أحد من علماء المسلمين أنه كفر أحدا قد مات من هذه الأمة؛ فمن ظاهره الإسلام، فلو وجد في كلامه زلة من شرك، أو بدعة، فالواجب التنبيه على ذلك، والسكوت عن الشخص; لما تقدم من أنا لا ندري ما خاتمته.
وأما هؤلاء الذين ذكرهم من المفسرين، فإنهم من المتأخرين الذين نشؤوا في اغتراب من الدين. والمتأخرون يغلب عليهم الاعتماد على عبارات أهل الكلام، مخالفة لما عليه السلف، وأئمة الإسلام، من الإرجاء، ونفي حكمة الله،
стр. 4858
وتأويل صفات الله، وسلب معانيها، ما يقارب ما في كشاف الزمخشري; والإرجاء والجبر يقابل ما فيه من نفي القدر; وكلاهما في طرفي نقيض، وكل واحد خالف ما عليه أهل السنة والجماعة في ذلك.
ومعلوم أن صاحب الكشاف أقدم من هؤلاء الثلاثة، وأرسخ قدما منهم في فنون من العلم، ومع هذا، فقال شيخ الإسلام البلقيني: استخرجت ما في الكشاف من دسائس الاعتزال بالمناقيش; وقال أبو حيان وقد مدح الكشاف، وما فيه من لطيف المعنى، ثم قال:
ولكنه فيه مجال لناقد ... وزلات سوء قد أخذن المخانقا
يثبت موضوع الأحاديث جاهلا ... ويعزو إلى المعصوم ما ليس لائقا
وينسب إبداء المعاني لنفسه ... ليوهم أغمارا وإن كان سارقا
ويسهب في المعنى الوجيز دلالة ... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا
يقول فيها الله ما ليس قائلا ... وكان محبا في المخاطب وامقا
ويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولا سيما إن أولجوه المضائقا
لئن لم تداركه من الله رحمة ... لسوف يُرى للكافرين مرافقا
فإذا كان هذا في تفسير مشهور، وصاحبه معروف بالذكاء والفهم، فما دونه من المتأخرين، أولى بأن لا يتلقى من كلامهم بالقبول، إلا ما وافق تفسير السلف، وقام عليه الدليل.
وهذا المعترض، من جهله يحسب كل بيضاء
стр. 4859
شحمة، يعظم المفضول من الأشخاص والتصانيف، ولا يعرف ما هو الأفضل؛ ولو كان له أدنى مسكة من فهم، ومعرفة بالعلماء ومصنفاتهم، لعلم أن أفضل ما في أيدي الناس من التفاسير، هذه الثلاثة التي نقلنا منها: تفسير أبي جعفر، محمد بن جرير الطبري، وتفسير الحسين بن مسعود البغوي، وتفسير العماد إسماعيل بن كثير؛ فهذه أجل التفاسير.
ومصنفوها أئمة مشهورون، أهل سنة، ليسوا بجهمية، ولا معتزلة، ولا قدرية، ولا جبرية، ولا مرجئة - بحمد الله -؛ وأكثر ما في هذه التفاسير: الأحاديث الصحيحة، وآثار الصحابة، وأقوال التابعين وأتباعهم؛ فلا يرغب عنها إلا الجاهلون، الناقصون المنقوصون; والله المستعان. والمصنفون في التفسير وغيره، غير ما ذكر المعترض، كثيرون، وأحسن من البيضاوي، وأبي السعود: "البحر" لأبي حيان، لأنه كثيرا ما ينقل في تفسيره عن السلف والأئمة، وكذلك تفسير الخازن.
وبالجملة: فمن كان من المصنفين أبعد عن تقليد المتكلمين، وذكر عباراتهم، ويعتمد أقوال السلف، فهو الذي ينبغي النظر إليه، والرغبة فيه; وعلى كل حال، فليس في تفسير البيضاوي، وأبي السعود، وشرح
стр. 4860
القسطلاني، ومواهبه، ما ينفع هذا الجاهل المفتري، وكل يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ .
وقول المعترض على قول المجيب: علماؤهم شر من تحت أديم السماء، فيقال: هل ورد هذا الحديث في أهل العراق؟ فهم على عهد النبي ﵌ كفار مجوس، أو فيما يأتي؟ فهذه شناعة على غالب علماء الأمة؛ ومنهم الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وأمثالهم.
فالجواب: أن هذا كلام من لا يعقل، ولا يفهم شيئا، ولا يفرق بين أهل السنة والجماعة، وأهل البدعة والضلالة؛ ففي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يعبد فئام من أمتي الأوثان، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " ١ رواه البرقاني في صحيحه. وقد أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق، كما افترقت اليهود والنصارى؛ فاليهود افترقت على إحدى وسبعين، والنصارى على اثنتين وسبعين، وهذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقه، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة.
وأول من فارق الجماعة، في عهد الصحابة ﵃: الخوارج، قاتلهم علي ﵁ بالنهروان،
стр. 4861
والقدرية في أيام ابن عمر، وابن عباس، وأكثر الصحابة موجودون; ومن دعاتهم: معبد الجهني، وغيلان القدري الذي قتله هشام بن عبد الملك; وكذلك الغلاة في علي، الذين خد لهم علي الأخاديد، وحرقهم بالنار; ومنهم المختار بن أبي عبيد، الذي قتله مصعب بن الزبير، ادعى النبوة وتبعه خلق.
ثم ظهرت فتنة الجهمية، وأول من أظهرها الجعد بن درهم، قتله خالد بن عبد الله القسري; والصحابة ﵃ والتابعون والأئمة، متوافرون وقت ظهور مبادئ هذه البدع، لم يلحقهم من ضلال هذه الفرق شناعة، ولا غضاضة; لأنهم متمسكون بالكتاب والسنة منكرون لما خالف الحق.
وصح من حديث أنس: أن رسول الله ﷺ قال: " لا يأتي على الناس زمان، إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم " سمعته من نبيكم.
وظهرت بدعة جهم بن صفوان، في زمن أبي حنيفة، وأنكرها وناظرهم، وانتشرت في زمن الإمام أحمد ﵀، والفقهاء، وأهل الحديث; وامتحن الإمام أحمد، فتمسك بالحق وصبر.
وصنف العلماء ﵏ المصنفات الكبار، في الرد على الجهمية القائلين بخلق القرآن، المعطلين لصفات
стр. 4862
الملك الديان، كالإمام أحمد في رده المعروف، وابنه عبد الله، وعبد العزيز الكناني في كتاب "الحيدة"، وأبي بكر الأثرم، والخلال، وعثمان بن سعيد الدارمي، وإمام الأئمة محمد بن خزيمة واللالكائي، وأبي عثمان الصابوني، وقبلهم وبعدهم ممن لا يحصى؛ وهذا كله إنما هو في القرون الثلاثة المفضلة.
ثم بعدها ظهرت كل بدعة، بدعة الفلاسفة، وبدعة الرافضة، وبدعة المعتزلة، وبدعة المجبرة، وبدعة أهل الحلول، وبدعة أهل الاتحاد، وبدعة الباطنية الإسماعيلية، وبدعة النصيرية، والقرامطة ونحوهم.
وأما أهل السنة والجماعة فيردون بدعة كل طائفة من هؤلاء الطوائف بحمد الله; فالأئمة متمسكون بالحق، في كل زمان ومكان; والبلد الواحد من هذه الأمصار، يجتمع فيها أهل السنة وأهل البدعة، وهؤلاء يناظرون هؤلاء، ويناضلونهم بالحجج والبراهين.
وظهر معنى قول النبي ﷺ : " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " ١، وقال: " بدأ الإسلام غريبا،
стр. 4863
وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون إذا فسد الناس " ١، وفي رواية: " يصلحون ما أفسد الناس " ٢.
وقد صنف العلماء ﵏ مصنفات، وبينوا ما تنتحله كل فرقه من بدعتها المخالفة لما عليه أهل الفرقة الناجية. وليس على الفرقة الناجية شناعة، ولا نقص في مخالفة هذه الفرق كلها وإنما ظهر فضل هذه الفرقة بتمسكها بالحق، وصبرها على مخالفة هذه الفرق الكثيرة، والاحتجاج بالحق ونصرته. وما ظهر فضل الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد، ومن قبلهما من الأئمة، ومن بعدهما، إلا بتمسكهم بالحق، ونصرته وردهم الباطل.
وما ضر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وأصحابه، حين أجلب عليهم أهل البدع، وآذوهم; بل أظهر الله بهم السنة، وجعل لهم لسان صدق في الأمة، وكذلك من قبلهم، ومن بعدهم، كشيخنا، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، لما دعا إلى التوحيد وبين أدلته، وبين الشرك وما يبطله.
وفيه قال الإمام العلامة الأديب، أبو بكر ابن غنام، رحمه الله تعالى:
وعاد به نهج الغواية طامسا ... وقد كان مسلوكا به الناس تربع
وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع
стр. 4864
فآثاره فيها سوام سوافر ... وأنواره فيها تضيء وتسطع
فهذا المعترض لو تصور وعقل، لتبين له أن ما احتج به ينقلب حجة عليه.
وقول المعترض: وإن كان قد ورد في حق أهل الحرمين، فهذا ظاهر البطلان، إذ هي مهبط الوحي، ومنبع الإيمان; ولو قيل: إن هذا الحديث وأمثاله، ورد في ذم نجد وأهلها، فقد ورد في ذمهم أحاديث كثيرة شهيرة، منها قوله ﷺ : " لا يزالون في شر من كذابهم إلى يوم القيامة ".
فالجواب: أن نقول: الأحاديث التي وردت في غربة الدين، وحدوث البدع وظهورها، لا تختص بمكة والمدينة، ولا غيرهما من البلاد; والغالب: أن كل بلد لا تخلو من بقايا متمسكين بالسنة; فلا معنى لقوله: وإن كان قد ورد في حق أهل الحرمين، في أواخر عهد الصحابة ﵃، بل في وقت الخلفاء الراشدين، ما هو معروف عند أهل العلم، مشهور في السير والتآريخ.
وأول ذلك: مقتل أمير المؤمنين، عثمان بن عفان ﵁، ثم وقعة الحرة المشهورة، ومقتل ابن الزبير في مكة، وما جرى في خلال ذلك من الفتن؛ وصار الغلبة في الحرمين وغيرها، لأهل الأهواء؛ فإذا كان هذا وقع في خير القرون، فما ظنك فيما بعد، حين اشتدت غربة
стр. 4865
الإسلام، وعاد المنكر معروفا والمعروف منكرا، فنشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير؟
وأما قوله: إذ هي مهبط الوحي، ومنبع الإيمان.
فالجواب، أن نقول: مهبط الوحي في الحقيقة قلب رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ١٩٣-١٩٤] ، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٤٩] ؛ فهذا محل الوحي ومستقره; وقوله: ومنبع الإيمان; الإيمان: ينزل به الوحي من السماء، لا ينبع من الأرض، ومحله قلوب المؤمنين. وهذه السور المكية التي في القرآن معلومة، نزلت على النبي ﵌، وأكثر من في مكة المشركون، وفيها ذمهم والرد عليهم، كقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [سورة الأنعام آية: ٦٦] ، وقال: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ٢٦] ، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣٣] ، ونحو هذه الآيات كما في "فصلت" و "المدثر" وغيرهما.
ثم هاجر النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وأهل الشرك لم يزالوا بها، ومنعوا رسول الله وأصحابه من دخولها - بالوحي - وقاتلوهم ببدر، وأحد، والخندق، وهم كانوا
стр. 4866
من آخر العرب دخولا في الإسلام، حاشا من هاجر؛ وكل هذا بعد نزول الوحي.
ونحن - بحمد الله - لا ننكر فضل الحرمين؛ بل ننكر على من أنكره. ولكن نقول: الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس المرء عمله؛ فالمحل الفاضل قد يجتمع فيه المسلم والكافر، وأهل الحق وأهل الباطل، كما تقدم، فأهل الحق يزدادون بالعمل الصالح في المحل الفاضل، لكثرة ثوابه. وأهل الباطل لا يزيدهم إلا شرا، تعظم فيه سيئاتهم، كما قال تعالى في حرم مكة: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة الحج آية: ٢٥] . فإذا كان هذا الوعيد في الإرادة، فعمل السوء أعظم؛ فالمعول على الإيمان والعمل الصالح، ومحله قلب المؤمن، والناس مجزيون بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
وقوله: ولو قيل إن هذا الحديث ورد في ذم نجد وأهلها ... إلى آخره.
فأقول: الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال، لا على المحل؛ والأحاديث التي وردت في ذم نجد، كقوله ﷺ " اللهم بارك لنا في يمننا، اللهم بارك لنا في شامنا " قالوا: وفي نجدنا، قال: " هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان "، قيل: إنه أراد نجد العراق؛ لأن في بعض ألفاظه
стр. 4867
ذكر المشرق، والعراق شرقي المدينة، والواقع يشهد له، لا نجد الحجاز، ذكره العلماء في شرح هذا الحديث.
فقد جرى في العراق من الملاحم والفتن، ما لم يجر في نجد الحجاز، يعرف ذلك من له اطلاع على السير، والتاريخ، كخروج الخوارج بها، الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكمقتل الحسين، وفتنة ابن الأشعث، وفتنة المختار وقد ادعى النبوة، وقتال بني أمية لمصعب بن الزبير، وقتله، وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف، من القتل والسفك، وغير ذلك مما يطول عده.
وعلى كل حال، فالذم يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن; لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل. وقد تقع المداولة فيها; فإن الله يداول بين خلقه حتى في البقاع، فمحل معصية في زمن، قد يكون محل طاعة في زمن آخر.
وأما قول المعترض: منها قوله ﷺ : " لا يزالون في شر من كذابهم "
فالجواب: أن هذا من جملة كذبه على رسول الله ﷺ وجهله بالعلم، لا يميز بين الحديث وغيره; وهذا الكلام ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ في نفر من بني حنيفة، سكنوا الكوفة في ولاية ابن مسعود عليها،
стр. 4868
وكانوا في مسجد من مساجدها، فسمع منهم كلمة تشعر بتصديق مسيلمة، فأخذهم عبد الله بن مسعود، وقتل كبيرهم ابن النواحة. وقال في الباقين: لا يزالون في بلية من كذابهم - يعني ذلك النفر - يذم نجدا بنفر أحدثوا حدثا في العراق. وقد أفنى الله كل من حضر مسيلمة في القرن الأول، ولم يبق بنجد من يصدق الكذاب; بل من كان في أواخر عهد الصحابة ﵃، ومن بعدهم بنجد، يكفرون مسيلمة ويكذبونه، فلم يبق بنجد من فتنة مسيلمة لا عين ولا أثر.
فلو ذم نجد بمسليمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذم اليمن بخروج الأسود العنسي دعواه النبوة، وما ضر المدينة سكنى اليهود فيها، وقد صارت مهاجر رسول الله ﷺ وأصحابه، ومعقد الإسلام، وما ذمت مكة بتكذيب أهلها الرسول ﷺ وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه.
فإذا كان الأمر كذلك، فأرض اليمامة لم تعص الله؛ وإنما ضرت المعصية ساكنيها، بتصديقهم كذابهم. وما طالت مدتهم على ذلك الكفر - بحمد الله - فطهر الله تلك البلاد منهم، ومن سلم منهم من القتل دخل في الإسلام؛ فصارت بلادهم بلاد إسلام، بنيت فيها المساجد، وأقيمت
стр. 4869
الشرائع، وعبد الله فيها في عهد الصحابة، ﵃، وبعدهم، ونفر كثير منهم مع خالد بن الوليد، لقتال العجم، فقاتلوا مع المسلمين.
فنال تلك البلاد من الفضل، ما نال غيرها من بلاد أهل الإسلام، على أنها تفضل على كثير من البلاد بالحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: أن النبي ﷺ قال وهو بمكة لأصحابه: " أريت دار هجرتكم "١، فوصفها، ثم قال: " فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو يثرب " ورؤيا النبي ﷺ حق، وكفى بهذا فضلا لليمامة، وشرفا لها على غيرها.
فإن ذهاب وهله ﷺ في رؤياه إليها، لا بد أن يكون له أثر في الخير يظهر، فظهر ذلك الفضل - بحمد الله - في القرن الثاني عشر، فقام الداعي يدعو الناس إلى ما دعت إليه الرسل، من إفراد الله بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، وإقامة الفرائض، والعمل بالواجبات، والنهي عن مواقعة المحرمات. وظهر فيها الإسلام أعظم من ظهوره في غيرها في هذه الأزمان، ولولا ذلك ما سب هؤلاء نجدا واليمامة بمسيلمة.
إذا عرف ذلك، فليعلم أن مسيلمة وبني حنيفة إنما كفروا بجحودهم بعض آية من كتاب الله جهلا وعنادا; وهذا المعترض وأمثاله جحدوا حقيقة ما بعث الله به رسله
стр. 4870
من التوحيد الذي دلت عليه الآيات المحكمات التي تفوت الحصر، وعصوا رسول الله ﷺ بارتكاب ما نهى عنه من الغلو والشرك.
فجوزوا أن يدعى مع الله غيره، وقد نهى الله ورسوله عن ذلك، في أكثر سور القرآن، وجوزوا أن يستعان بغير الله؛ ورسوله نهى عن ذلك أشد النهي، وجعلوا لله شريكا في ملكه وربوبيته، كما جعلوا له شريكا في الإلهية.
وجعلوا له شريكا في إحاطة العلم بالمعلومات، كلياتها وجزئياتها؛ وقد قال تعالى، مبينا لما اختص به من شمول علمه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍعَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [سورة الرعد آية: ٨-٩] إلى قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] الآية.
وهذه الأصول كلها في الفاتحة؛ يبين تعالى أنه هو المختص بذلك دون كل من سواه; ففي قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٢] اختصاص الله بالحمد، لكماله في ربوبيته، وإلهيته وملكه، وشمول علمه وقدرته، وكماله في ذاته وصفاته، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هو ربهم وخالقهم ورازقهم، ومليكهم والمتصرف فيهم بحكمته، ومشيئته ليس ذلك إلا له.