← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

من آخر العرب دخولا في الإسلام، حاشا من هاجر؛ وكل هذا بعد نزول الوحي. ونحن - بحمد الله - لا ننكر فضل الحرمين؛ بل ننكر على من أنكره. ولكن نقول: الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس المرء عمله؛ فالمحل الفاضل قد يجتمع فيه المسلم والكافر، وأهل الحق وأهل الباطل، كما تقدم، فأهل الحق يزدادون بالعمل الصالح في المحل الفاضل، لكثرة ثوابه. وأهل الباطل لا يزيدهم إلا شرا، تعظم فيه سيئاتهم، كما قال تعالى في حرم مكة: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة الحج آية: ٢٥] . فإذا كان هذا الوعيد في الإرادة، فعمل السوء أعظم؛ فالمعول على الإيمان والعمل الصالح، ومحله قلب المؤمن، والناس مجزيون بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقوله: ولو قيل إن هذا الحديث ورد في ذم نجد وأهلها ... إلى آخره. فأقول: الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال، لا على المحل؛ والأحاديث التي وردت في ذم نجد، كقوله ﷺ " اللهم بارك لنا في يمننا، اللهم بارك لنا في شامنا " قالوا: وفي نجدنا، قال: " هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان "، قيل: إنه أراد نجد العراق؛ لأن في بعض ألفاظه

стр. 4867

ذكر المشرق، والعراق شرقي المدينة، والواقع يشهد له، لا نجد الحجاز، ذكره العلماء في شرح هذا الحديث. فقد جرى في العراق من الملاحم والفتن، ما لم يجر في نجد الحجاز، يعرف ذلك من له اطلاع على السير، والتاريخ، كخروج الخوارج بها، الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكمقتل الحسين، وفتنة ابن الأشعث، وفتنة المختار وقد ادعى النبوة، وقتال بني أمية لمصعب بن الزبير، وقتله، وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف، من القتل والسفك، وغير ذلك مما يطول عده. وعلى كل حال، فالذم يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن; لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل. وقد تقع المداولة فيها; فإن الله يداول بين خلقه حتى في البقاع، فمحل معصية في زمن، قد يكون محل طاعة في زمن آخر. وأما قول المعترض: منها قوله ﷺ : " لا يزالون في شر من كذابهم " فالجواب: أن هذا من جملة كذبه على رسول الله ﷺ وجهله بالعلم، لا يميز بين الحديث وغيره; وهذا الكلام ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ في نفر من بني حنيفة، سكنوا الكوفة في ولاية ابن مسعود عليها،

стр. 4868

وكانوا في مسجد من مساجدها، فسمع منهم كلمة تشعر بتصديق مسيلمة، فأخذهم عبد الله بن مسعود، وقتل كبيرهم ابن النواحة. وقال في الباقين: لا يزالون في بلية من كذابهم - يعني ذلك النفر - يذم نجدا بنفر أحدثوا حدثا في العراق. وقد أفنى الله كل من حضر مسيلمة في القرن الأول، ولم يبق بنجد من يصدق الكذاب; بل من كان في أواخر عهد الصحابة ﵃، ومن بعدهم بنجد، يكفرون مسيلمة ويكذبونه، فلم يبق بنجد من فتنة مسيلمة لا عين ولا أثر. فلو ذم نجد بمسليمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذم اليمن بخروج الأسود العنسي دعواه النبوة، وما ضر المدينة سكنى اليهود فيها، وقد صارت مهاجر رسول الله ﷺ وأصحابه، ومعقد الإسلام، وما ذمت مكة بتكذيب أهلها الرسول ﷺ وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه. فإذا كان الأمر كذلك، فأرض اليمامة لم تعص الله؛ وإنما ضرت المعصية ساكنيها، بتصديقهم كذابهم. وما طالت مدتهم على ذلك الكفر - بحمد الله - فطهر الله تلك البلاد منهم، ومن سلم منهم من القتل دخل في الإسلام؛ فصارت بلادهم بلاد إسلام، بنيت فيها المساجد، وأقيمت

стр. 4869

الشرائع، وعبد الله فيها في عهد الصحابة، ﵃، وبعدهم، ونفر كثير منهم مع خالد بن الوليد، لقتال العجم، فقاتلوا مع المسلمين. فنال تلك البلاد من الفضل، ما نال غيرها من بلاد أهل الإسلام، على أنها تفضل على كثير من البلاد بالحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: أن النبي ﷺ قال وهو بمكة لأصحابه: " أريت دار هجرتكم "١، فوصفها، ثم قال: " فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو يثرب " ورؤيا النبي ﷺ حق، وكفى بهذا فضلا لليمامة، وشرفا لها على غيرها. فإن ذهاب وهله ﷺ في رؤياه إليها، لا بد أن يكون له أثر في الخير يظهر، فظهر ذلك الفضل - بحمد الله - في القرن الثاني عشر، فقام الداعي يدعو الناس إلى ما دعت إليه الرسل، من إفراد الله بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، وإقامة الفرائض، والعمل بالواجبات، والنهي عن مواقعة المحرمات. وظهر فيها الإسلام أعظم من ظهوره في غيرها في هذه الأزمان، ولولا ذلك ما سب هؤلاء نجدا واليمامة بمسيلمة. إذا عرف ذلك، فليعلم أن مسيلمة وبني حنيفة إنما كفروا بجحودهم بعض آية من كتاب الله جهلا وعنادا; وهذا المعترض وأمثاله جحدوا حقيقة ما بعث الله به رسله

стр. 4870

من التوحيد الذي دلت عليه الآيات المحكمات التي تفوت الحصر، وعصوا رسول الله ﷺ بارتكاب ما نهى عنه من الغلو والشرك. فجوزوا أن يدعى مع الله غيره، وقد نهى الله ورسوله عن ذلك، في أكثر سور القرآن، وجوزوا أن يستعان بغير الله؛ ورسوله نهى عن ذلك أشد النهي، وجعلوا لله شريكا في ملكه وربوبيته، كما جعلوا له شريكا في الإلهية. وجعلوا له شريكا في إحاطة العلم بالمعلومات، كلياتها وجزئياتها؛ وقد قال تعالى، مبينا لما اختص به من شمول علمه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍعَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [سورة الرعد آية: ٨-٩] إلى قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] الآية. وهذه الأصول كلها في الفاتحة؛ يبين تعالى أنه هو المختص بذلك دون كل من سواه; ففي قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٢] اختصاص الله بالحمد، لكماله في ربوبيته، وإلهيته وملكه، وشمول علمه وقدرته، وكماله في ذاته وصفاته، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هو ربهم وخالقهم ورازقهم، ومليكهم والمتصرف فيهم بحكمته، ومشيئته ليس ذلك إلا له.

стр. 4871

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] فيه تفرده بالملك، كقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٩] . وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] فيه قصر العبادة عليه تعالى بجميع أفرادها، وكذلك الاستعانة، وفي ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] أيضا توحيد الربوبية. وهذه الأصول أيضا، في: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ١] فهو ربهم ورازقهم، والمتصرف فيهم والمدبر لهم ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ٢] هو الذي له الملك كما في الحديث الوارد في الأذكار " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير " وقوله: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ٣] هو مألوههم ومعبودهم، لا معبود لهم سواه; فأهل الإيمان خصوه بالإلهية، وأهل الشرك جعلوا له شريكا، يألهونه بالعبادة، كالدعاء، والاستعانة والاستغاثة والالتجاء، والرغبة والتعلق عليه ونحو ذلك. وفي ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] براءة النبي ﷺ من الشرك والمشركين. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١-٢] إلى قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [سورة الكافرون آية: ٦] فهذا هو التوحيد العملي؛ وأساسه البراءة من الشرك والمشركين باطنا وظاهرا. وفي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية: ١] توحيد العلم والعمل؛ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ سورة الإخلاص آية: ١ [] يعني هو الله الواحد الأحد، الذي لا نظير

стр. 4872

له، ولا وزير ولا ند، بل ولا شبيه له ولا عديل; ولا يطلق هذا اللفظ في الإثبات، إلا على الله لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [سورة الإخلاص آية: ٢] ، قال عكرمة عن ابن عباس، ﵄: يعني الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم، ومسائلهم. قلت: وفيه توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية; وقال الأعمش عن شقيق، عن أبي وائل، الصمد: السيد، الذي قد انتهى سؤدده. وقال الحسن أيضا، الصمد: الحي القيوم، الذي لا زوال له. وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد، كأنه جعل ما بعده تفسيرا له. وقال سفيان عن منصور عن مجاهد، الصمد: المصمت لا جوف له. قال أبو القاسم الطبراني، في كتاب السنة: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا . وقال مجاهد: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية: ٤] يعني لا صاحبة له، وهذا كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٠١] أي: هو مالك كل شيء، وخالقه؛ فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه، أو قريب يدانيه؟ تعالى وتقدس وتنزه. قلت: فتدبر هذه السورة، وما فيها من توحيد

стр. 4873

الإلهية والربوبية، وتنْزيه الله عن الشريك والشبيه والنظير، وما فيها من مجامع صفات كماله، ونعوت جلاله; ومن له بعض تصور، يدري هذا بتوفيق الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور آية: ٤٠] . وأما قول المعترض على قول المجيب: ونوع الشرك جرى زمن شيخ الإسلام ابن تيمية; أقول: هذه البردة متقدمة على زمن شيخ الإسلام، ومع هذا لم ينقل عنه فيها كلمة واحدة. فالجواب: تقدم البردة على زمن شيخ الإسلام، إن كان كذلك فماذا يجدي عليه؟ وما الحجة منه على جواز الشرك؟ وأيضا: فشهادته هذه على شيخ الإسلام، غير محصورة، فلا تقبل; وهو لم يطلع إلا على النّزر اليسير من كلام شيخ الإسلام، ولم يفهم معنى ما اطلع عليه; وهو في شق، وشيخ الإسلام في شق. وليس في كلام شيخ الإسلام إلا ما هو حجة على هذا المعترض; لكنه يتعلق في باطله، بمثل خيط العنكبوت; فإن كان يقنعه كلام شيخ الإسلام ﵀، المؤيد بالبرهان، فقد تقدم من كلامه ما يكفي ويشفي، في تمييز الحق من الباطل؛ وكلامه ﵀ في أكثر كتبه، يبين هذا الشرك وينكره، ويرده، كما قد رد على ابن البكري، حين جوز الاستغاثة بغير الله.

стр. 4874

ولا يشك من له أدنى مسكة من عقل وفهم أن كلام صاحب البردة، داخل تحت كلام شيخ الإسلام، في الرد عليه والإنكار. وأنا أورد هنا جوابا لشيخ الإسلام، عن سؤال من سأله عن نوع هذا الشرك، وبعض أفراده، فأتى بجواب عام شامل كاف واف. [سؤال وجه لشيخ الإسلام فيمن يستنجد بأهل القبور، والجواب عنه] قال السائل: ما قول علماء المسلمين فيمن يستنجد بأهل القبور ويطلب منهم إزالة الألم، ويقول: يا سيدي أنا في حسبك؟ وفيمن يستلم القبر، ويمرغ وجهه عليه، ويقول: قضيت حاجتي ببركه الله، وبركة الشيخ ونحو ذلك؟ الجواب: الحمد لله رب العالمين. الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، هو عبادة الله وحده لا شريك له، واستعانته والتوكل عليه، ودعاؤه لجلب المنافع ودفع المضار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢] الآيات. وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة غافر آية: ١٤] ، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] الآيتين قال طائفة من السلف: كان أقوام

стр. 4875

يدعون المسيح، وعزيرا، والملائكة، قال الله تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم عبادي، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي. فإذا كان هذا حال من يدعو الأنبياء والملائكة، فكيف بمن دونهم؟ قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٢] الآية وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢-٢٣] . فبين سبحانه أن من دعي من دون الله، من جميع المخلوات، الملائكة، والبشر، وغيرهم، أنهم لا يملكون مثقال ذرة في ملكه؛ وأنه ليس له شريك في ملكه، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير; وأنه ليس له عون، كما يكون للملك أعوان وظهراء؛ وأن الشفعاء لا يشفعون عنده إلا لمن ارتضى؛ فنفى بذلك وجوه الشرك. وذلك أن من دعي من دونه، إما يكون مالكا، وإما أن لا يكون مالكا، وإذ لم يكن مالكا، فإما أن يكون شريكا، وإما أن لا يكون شريكا; وإذا لم يكن شريكا، فإما أن يكون معاونا، وإما أن يكون سائلا طالبا; فأما الرابع فلا يكون إلا من بعد إذنه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا

стр. 4876

الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، وكما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٦] . وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣-٤٤] ، وقال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] وقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] ، وقال: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٩] إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] . فبين سبحانه أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا كان كافرا؛ فكيف بمن اتخذ من دونهم من المشائخ وغيرهم أربابا؟ فلا يجوز أن يقول لملك، ولا لنبي، ولا لشيخ، سواء كان حيا أو ميتا: اغفر ذنبي، أو انصرني على عدوي، أو اشف مريضي، أو ما أشبه ذلك. ومن سأل ذلك مخلوقا كائنا من كان، فهو مشرك بربه، من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنيياء، والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء

стр. 4877

النصارى للمسيح وأمه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٦] الآية، وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] . وإن قال: أنا أسأله، لأنه أقرب إلى الله مني ليشفع لي; لأني أتوسل إلى الله به، كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه، فهذا من أفعال المشركين والنصارى؛ فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء، يستشفعون بهم في مطالبهم. ولذلك أخبر الله عن المشركين، أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، وقد قال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣] إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ ، وقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] ، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] . فبين الفرق بينه وبين خلقه؛ فإن من عادة الناس أن يستشفع إلى الكبير بمن يكرم عليه، فيسأله ذلك الشافع فيقضي حاجته، إما رغبة وإما رهبة، وإما حياء وإما غير

стр. 4878

ذلك؛ فالله لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع؛ فلا يفعل إلا ما يشاء، وشفاعة الشافع عن إذنه والأمر كله له. فالرغبة يجب أن تكون إليه، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح آية: ٧-٨] ، والرهبة تكون منه، قال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة البقرة آية: ٤٠] ، وقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] وقد أمرنا أن نصلي على النبي ﷺ في الدعاء، وجعل ذلك من أسباب إجابة دعائنا. وقول كثير من الضلال: هذا أقرب إلى الله مني وأنا بعيد منه؛ لا يمكن أن ندعوه إلا بهذه الواسطة، ونحو ذلك، هو من قول المشركين؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٦] . وقد روي أن الصحابة ﵃، قالوا: يا رسول الله، ربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنَزلت الآية; وقد أمر الله العباد كلهم بالصلاة له، ومناجاته، وأمر كلا منهم أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] . ثم يقال لهذا المشرك: أنت إذا دعوت هذا، فإن كنت تظن أنه أعلم بحالك، أو يقدر على سؤالك، وأرحم

стр. 4879

بك من ربك، فهذا جهل وضلال، وكفر; وإن كنت تعلم أن الله تعالى أعلم وأقدر وأرحم، فلماذا عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره؟ وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك، وأعلى منْزلة عند الله منك، فهذا حق أريد به باطل؛ فإنه إذا كان أقرب منك، وأعلى درجة، فإن معناه أن يثيبه، ويعطيه؛ ليس معناه: أنك إذا دعوته، كان الله يقضي حاجتك، أعظم مما يقضيها إذا دعوته أنت; فإنك إن كنت مستحقا للعقاب، ورد الدعاء، فالنبي والصالح لا يعين على ما يكرهه الله، ولا يسعى فيما يبغضك إليه، وإن لم يكن كذلك، فالله أولى بالرحمة والقبول منه. فإن قلت: هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه، أعظم مما يجيب إذا دعوته أنا، فهذا هو القسم الثاني، وهو: أن يطلب منه الفعل ولا يدعوه، ولكن يطلب أن يدعو له، كما يقال للحي: ادع لي، وكما كان الصحابة يطلبون من النبي ﷺ الدعاء، فهذا مشروع في الحي. وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم، فلم يشرع لنا أن نقول: ادع لنا، ولا: اسأل لنا ربك، ونحو ذلك; ولم يفعل هذا أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد بذلك حديث؛ بل الذي ثبت في الصحيح، أنهم لما أجدبوا زمن عمر، استسقى بالعباس

стр. 4880

رضي الله عنهما، فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيُسقون. فلم يجيئوا إلى قبر النبي ﷺ قائلين: يا رسول الله ادع الله، أو استسق لنا، ونحن نشكو إليك ما أصابنا، ونحو هذا; ولم يقله أحد من الصحابة قط; بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان; بل كانوا إذا جاؤوا عند قبر النبي ﷺ يسلمون عليه، ثم إذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر، بل ينحرفون، فيستقبلون القبلة، ويدعون الله وحده لا شريك له، كما كانوا يدعونه في سائر البقاع. وفي الموطأ وغيره: أن النبي ﷺ قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١. وفي السنن أيضا، أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيث ما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني" ٢. وفي الصحيح: أنه قال في مرضه الذي لم يقم منه: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٣، يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، لكن خشي أن يتخذ مسجدا; وفي سنن أبي داود عنه، أنه قال: " لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج " ٤.

стр. 4881

ولهذا قال العلماء: لا يجوز بناء المساجد على القبور; وقالوا: إنه لا يجوز أن ينذر لقبر، ولا للمجاورين عند القبر شيئا، لا من دراهم، ولا زيت، ولا شمع، ولا حيوان، ولا غير ذلك؛ كله نذر معصية. ولم يقل أحد من أئمة المسلمين: إن الصلاة عند القبور في المشاهد مستحبة، ولا أن الدعاء هناك أفضل؛ بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد، وفي البيوت، أفضل من الصلاة عند قبر، لا قبر نبي ولا صالح، سواء سميت مشاهد أم لا؛ وقد شرع الله ذلك في المساجد دون المشاهد. وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [سورة البقرة آية: ١١٤] ، ولم يقل في المشاهد، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٩] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة التوبة آية: ١٨] الآية. وذكر البخاري في صحيحه، والطبرى وغيره في تفاسيرهم، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] الآية، قالوا: هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم؛ ثم طال عليهم الأمد، فاتخذوا تماثيلهم أصناما.

стр. 4882

فالعكوف على القبور، والتمسح بها وتقبيلها، والدعاء عندها، هو أصل الشرك وعبادة الأوثان; ولهذا اتفق العلماء على أن من زار قبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين، فإنه لا يتمسح به ولا يقبله. وليس في الدنيا ما شرع تقبيله إلا الحجر الأسود؛ وقد ثبت في الصحيحين: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "والله إني لأعلم إنك حجر، لا تضر ولا تنفع؛ ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" ولهذا: لا يسن أن يقبل الرجل ويستلم ركني البيت اللذين يليان الحجر، ولا جدران البيت، ولا مقام إبراهيم، ولا صخرة بيت المقدس، ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين، انتهى. وقال ﵀ في "الرد على ابن البكري" بعد كلام له سبق: لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببا في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ ومن الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر، سواء كان نبيا أو غير نبي، كان ذلك سببا في حصول الرزق والنصر والهدى، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن الذي شرع ذلك وأمر به؟ ومن الذي يفعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين: إحداهما: أن هذه أسباب لحصول

стр. 4883

المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله; والثانية: أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها; فإنه ليس كل ما كان سببا كونيا يجوز تعاطيه، إلى أن قال: وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين، خلقا وأمرا؛ فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية، على أن الله شرع لخلقه أن يسألوا ميتا أو غائبا، وأن يستغيثوا به، سواء كان ذلك عند قبره، أو لم يكن عند قبره. بل نقول: سؤال الميت والغائب، نبيا كان أو غير نبي، من المحرمات المنكرة، باتفاق أئمة المسلمين؛ لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين؛ وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين. فإن أحدا منهم ما كان يقول إذا نزلت به شدة، أو عرضت له حاجة لميت: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقض حاجتي، كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، لا عند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها; بل ولا أقسم بمخلوق على الله أصلا، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا قبور غير الأنبياء، ولا الصلاة عندها. وقد كره العلماء - كمالك وغيره - أن يقوم الرجل

стр. 4884

عند قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه; وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف. وأما ما يروى عن بعضهم، أنه قال: قبر "معروف" الترياق المجرب; وقول بعضهم: فلان يدعى عند قبره; وقول بعض الشيوخ: إذا كانت لك حاجة فاستغث بي; أو قال: استغث عند قبري، ونحو ذلك، فإن هذا قد وقع فيه كثير من المتأخرين وأتباعهم؛ ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الإسلام، بعد القرون المفضلة. وكذلك المساجد المبنية على القبور، التي تسمى "المشاهد" محدثة في الإسلام، والسفر إليها محدث في الإسلام؛ لم يكن شيء من ذلك في القرون الثلاثة المفضلة؛ بل ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١ يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وثبت في الصحيح عنه، أنه قال قبل أن يموت بخمس: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك " ٢. وقد تقدم أن عمر لما أجدبوا: استسقى بالعباس، فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا، نتوسل إليك بنبينا

стр. 4885

فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا؛ فاسقنا؛ فيسقون"، فلم يذهبوا إلى القبر، ولا توسلوا بميت ولا غائب، بل توسلوا بالعباس؛ وكان توسلهم به توسلا بدعائه، كالإمام مع المأموم؛ وهذا تعذر بموته. فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسألك بفلان، أو بجاه فلان، أو بحرمة فلان، فهذا لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة ولا التابعين; وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز، فكيف بقول القائل للميت: أنا أستغيث بك، أو أستجير بك، أو أنا في حسبك، أو سل الله لي، ونحو ذلك. فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة، لو قدر أن له تأثيرا؛ فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح؟ وذلك: أن من الناس الذين يستغيثون بغائب أو ميت، من تتمثل له الشياطين، وربما كانت على صورة ذلك الغائب، وربما كلمته، وربما قضت له أحيانا بعض حوائجه، كما تفعل شياطين الأصنام. فإن أحدا من الأنبياء والصالحين لم يعبد في حياته إذ هو ينهى عن ذلك؛ وأما بعد الموت فهو لا يقدر أن ينهى، فيفضي ذلك إلى اتخاذ قبره وثنا يعبد؛ ولهذا قال النبي ﷺ " لا تتخذوا قبري عيدا " ١، وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ٢.

стр. 4886

وقال غير واحد من السلف، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] الآية: إن هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم; ولهذا المعنى لعن النبي ﷺ الذين اتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد، انتهى ملخصا. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن الزبير: أنه رأى قوما يمسحون المقام; فقال: لم تؤمروا بهذا، إنما أمرتم بالصلاة عنده. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة، في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٥] قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه؛ ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلهم. فإن كان المعترض يستدل بكلام شيخ الإسلام، فهذا صريح كلامه، المؤيد بالأدلة والبراهين. وكلام العلماء كمثل كلام الشيخ في هذا كثير جدا؛ لو ذكرناه لطال الجواب. [ادعاء مدح الصرصري والرد عليه] وأما قول المعترض: بل مدح الصرصري وأثنى عليه، بقوله: قال الفقيه الصالح، يحيى بن يوسف الصرصري، في نظمه المشهور، فالجواب: أن هذا من جملة أكاذيب المعترض على شيخ

стр. 4887

الإسلام وغيره، وقد كذب على "الإقناع" و"الشفاء"، وليس في الكتابين إلا ما يبطل قوله، وفي الحديث: " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت "؛ وإلا فكلام الشيخ في رد ما يقوله الصرصري وإنكاره، موجود بحمد الله. قال ﵀ في رده على ابن البكري، بعد وجهين ذكرهما، الثالث: أنه أدرج سؤاله أيضا في الاستغاثة به، وهذا جائز في حياته، لكنه أخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، ولكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري، ففي شعره قطعة، وكمحمد بن النعمان. وهؤلاء لهم دين وصلاح، لكنهم ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، وليس معهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي؛ بل عادة جروا عليها، كما جرت عادة كثير من الناس بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه؛ وأكثر منه من يأتي إلى قبر الشيخ يدعوه، ويدعو به ويدعو عنده. وهؤلاء ليس لهم مستند شرعي من كتاب أو سنة، أو قول عن الصحابة والأئمة، وليس عندهم إلا قول طائفة أخرى: قبر معروف، ترياق مجرب، والدعاء عند قبر الشيخ مجاب، ونحو ذلك، ومعهم: أن طائفة استغاثوا بحي أو

стр. 4888

ميت، فرأوه قد أتى في الهواء، وقضى بعض تلك الحوائج؛ وهذا كثير واقع في المشركين، الذين يدعون الملائكة، والأنبياء، والصالحين، أو الكواكب والأوثان. فإن الشياطين كثيرا ما تتمثل لهم فيرونها، وقد تخاطب أحدهم ولا يراها؛ ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا لطال المقال؛ وكلما كان القوم أعظم جهلا وضلالا، كانت هذه الأحوال الشيطانية عندهم أكثر. وقد يأتي الشيطان أحدهم بمال أو طعام، أو لباس أو غير ذلك، وهو لا يرى أحدا أتاه به، فيحسب ذلك كرامة، وإنما هو من الشيطان؛ وسببه شركه بالله، وخروجه عن طاعة الله ورسوله، إلى طاعة الشيطان؛ فأضلتهم الشياطين بذلك، كما كانت تضل عباد الأصنام، انتهى ما ذكره شيخ الإسلام ﵀، من إنكاره ما في شعر الصرصري وغيره، من هذه الأمور الشركية، وبيان أسبابها. وأما قول المعترض: وفيه توسل عظيم، إن لم يؤد على قول صاحب البردة لم ينقص عنه، فالجواب: أن هذا من عدم بصيرته، وكبير جهله، فإن من له أدنى معرفة وفهم، يعلم أن بين قول صاحب البردة، وقول الصرصري في أبياته، تفاوتا بعيدا؛ فقد نبهنا على ما يقتضيه كلام صاحب البردة، من قصر الإلهية والربوبية

стр. 4889

والملك، وشمول العلم، على عبد شرفه الله بعبوديته ورسالته، ودعوة الخلق إلى عبادته وحده، وجهاد الناس على ذلك، وبلغ الأمة ما أنزل الله تعالى عليه، في الآيات المحكمات، من تجريد التوحيد، والنهي عن الشرك ووسائله، كما قدمنا الإشارة إليه. وأما الصرصري، ففي كلامه: التوسل بالنبي ﷺ والاستغاثة به، بلا قصر ولا حصر للاستعانة والاستغاثة في جانب المخلوق؛ وقد أنكره شيخ الإسلام ﵀، وذكر أنه لا دليل من كتاب ولا سنة عليه، ولا قال به أحد من الصحابة والتابعين والأئمة. وقد بين ﵀ أن استغاثة الحي بالحي، إنما هي بدعائه وشفاعته، وأما الميت والغائب، فلا يجوز أن يستغاث به، وكذلك الحي فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأن أهل الإشراك ليس معهم إلا الجهل والهوى، وعوائد نشؤوا عليها بلا برهان. وقد عرفت أن هذا المعترض لم يأت إلا بشبهات واهية، وحكايات سوفسطائية، أو منامات تضليلية، كما قال كعب بن زهير: فلا يغرنك ما منت وما وعدت إن الأماني والأحلام تضليل وليس مع هؤلاء المشركين إلا دعوى مجردة محشوة بالأكاذيب، وليس معهم- بحمد الله- دليل من كتاب أو

стр. 4890

سنة، أو قول أحد من سلف الأمة وأئمتها؛ وقد جئناهم بأدلة الكتاب والسنة، وما عليه الصحابة والأئمة، ولو استقصينا ذكر الأدلة، وبسطنا القول، لاحتمل مجلدا ضخما. وسبب الفتنة بقصائد هؤلاء المتأخرين، كقصائد البوصيري، والبرعي واختيارها على قصائد شعراء الصحابة كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير، وغيرهم من شعراء الصحابة ﵃، وفيها من شواهد اللغة والبلاغة، ما لم يدرك هؤلاء المتأخرون منه عشر المعشار، وما ذلك إلا لأن قصائد هؤلاء المتأخرين، تجاوزوا فيها الحد إلى ما يكرهه الله ورسوله، فزينها الشيطان في نفوس الجهال، والضلال، فمالت إليها نفوسهم عن قصائد الصحابة التي ليس فيها إلا الحق والصدق، وما قصروا فيها جهدهم عما يصلح أن يمدح به رسول الله ﷺ وتحروا ما يرضيه، وتجنبوا ما يسخطه ﷺ وما نهى عنه من الغلو. فما أشبه هؤلاء بقول أبي الوفاء بن عقيل- وهو في القرن الخامس-: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع ... إلى آخره.

стр. 4891

ومما يتعين أن نحسم به هذا الجواب: "فصل" ذكره العلامة ابن القيم ﵀، ونفعنا بعلومه، قال بعد أن ذكر زيارة الموحدين للقبور، وأن مقصودها ثلاثة أشياء: أحدها: تذكير الآخرة، والاعتبار والاتعاظ. الثاني: الإحسان إلى الميت وأن لا يطول عهده به فيتناساه؛ فإذا زاره وأهدى إليه هدية، من دعاء أو صدقة، ازداد بذلك سروره وفرحه. ولهذا شرع النبي ﷺ للزائر أن يدعو لأهل القبور، بالمغفرة والرحمة، وسؤال العافية فقط، ولم يشرع أن يدعوهم، ولا يدعو بهم، ولا يصلي عندهم. الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول ﷺ . وأما الزيارة الشركية، فأصلها مأخوذ من عباد الأصنام، قالوا: الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله، لا يزال تأتيه الألطاف من الله، وتفيض على روحه الخيرات؛ فإذا علق الزائر روحه به وأدناها منه، فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية، والماء على الجسم المقابل له. قالوا: فتمام الزيارة، أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه

стр. 4892

إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره؛ وكلما كان جمع القلب والهمة عليه أعظم، كان أقرب إلى الانتفاع به. وقد ذكر هذه الزيارة ابن سينا والفارابي وغيرهما، وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها؛ وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا، وتعليق الستور عليها وإيقاد السرج، وبناء المساجد عليها. وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه؛ فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده؛ وكان رسول الله ﷺ في شق، وهؤلاء في شق. وهذا الذي ذكره هؤلاء في زيارة القبور، والشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها، وتشفع لهم عند الله، قالوا: فإن العبد إذا تعلق روحه بروح الوجيه المقرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه عليه، صار بينه وبينه اتصال يفيض عليه نصيب مما يحصل له من الله. وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحضرة، وقرب من السلطان، وهو شديد التعلق به؛ فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال، ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به؛ فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذي

стр. 4893

بعث الله رسله، وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه ولعنهم، وأباح دماءهم وأموالهم، وسبى ذراريهم، وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره: مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم، قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣-٤٤] ، فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السماوات والأرض، وهو الله وحده، وهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده، فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه؛ فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه وأمره، بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده. وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم؛ وهي التي أبطلها الله ، بقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٣] ، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٤] ، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ

стр. 4894

أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] . وأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه؛ بل إذا أراد سبحانه رحمة بعبده أذن هو لمن يشفع فيه، كما قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِه﴾ [سورة يونس آية: ٣] ، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] . فالشفاعة بإذنه، ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع شفيع من دونه، بل يشفع بإذنه; والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك، والعبد المأمور. فالشفاعة التي أبطلها: شفاعة الشريك؛ فإنه لا شريك له، والتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذي يشفع، ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له، ويقول: اشفع في فلان؛ ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة: أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد، وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه؛ وهم الذين ارتضى الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [سورة طه آية: ١٠٩] ، فأخبر: أنه لا تحصل يومئذ شفاعة تنفع، إلا بعد رضى قول المشفوع

стр. 4895

له، وإذنه للشافع؛ فأما المشرك فإنه لا يرضاه، ولا يرضى قوله؛ فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه؛ فإنه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع؛ فمتى لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة. وسر ذلك: أن الأمر كله لله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شيء; وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده، هم الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض، لا يسبقونه بالقول ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئا إلا من بعد إذنه لهم، ولا سيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه. فإذا أشركهم به المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه، ظنا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه، وما يجب له وما يمتنع عليه؛ فإن هذا محال ممتنع، يشبه قياس الرب سبحانه على الملوك والكبراء؛ حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم، من يشفع له عندهم في الحوائج. وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي؛ والفرق بينهما هو الفرق بين الخالق والمخلوق، والرب والمربوب، والسيد والعبد، والمالك والمملوك، والغني والفقير، والذي لا

стр. 4896

حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره. فالشفعاء عند المخلوقين هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم وأنصارهم، الذين قيام الملوك والكبراء بهم، ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم، وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع، لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم فتنقص طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم، فلا يجدون بدا من قبول شفاعتهم على الكره والرضى. فأما الذي غناه من لوازم ذاته، وكل ما سواه فقير إليه لذاته، وكل من في السماوات والأرض عبيد له، مقهورون لقهره، مصروفون بمشيئته؛ لو أهلكهم جميعا لم ينقص من عزه، وسلطانه وملكه، وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة، قال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة المائدة آية: ١٧] وقال في سيدة آي القرآن، آية الكرسي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٤] ؛ فأخبر أن ملكه السماوات والأرض يوجب أن تكون

стр. 4897

الشفاعة كلها له وحده، وأن أحدا لا يشفع عنده إلا بإذنه؛ فإنه ليس بشريك بل مملوك محض، بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض. فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن، هي هذه الشفاعة الشركية، التي يفعلها بعضهم مع بعض؛ ولهذا يطلق نفيها تارة، بناء على أنها هي المعروفة عند الناس، ويقيدها تارة، بأنها لا تنفع إلا بإذنه. وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه؛ فإنه هو الذي قبل والذي أذن، والذي رضي عن المشفوع، والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة. وقوله: فمتخذ الشفيع لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده، ومحبوبه ومرجوه، ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده، ويطلب رضاه ويتباعد من سخطه، هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع ليشفع له. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ؛ فبين سبحانه أن متخذي الشفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم.

стр. 4898

وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسواه للمشفوع عنده، لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده، لا خلقا ولا أمرا ولا إذنا؛ بل هو سبب محرك له من خارج، كسائر الأسباب. وهذا السبب المحرك، قد يكون عند المحرك لأجله ما يوافقه، كمن يشفع عنده أمر يحبه ويرضاه، وقد يكون عنده ما يخالفه، كمن يشفع إليه في أمر يكرهه. ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض، فيقبل شفاعة الشافع، وقد يكون المعارض الذي عنده أقوى من شفاعة الشافع فيردها، وقد يتعارض عنده الأمران، فيبقى مترددا بين ذلك المعارض الذي يوجب الرد، وبين الشفاعة التي تقتضي القبول، فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بمرجح. وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب سبحانه؛ فإنه ما لم يخلق شفاعة الشافع، ويأذن له فيها ويحبها منه، ويرضى عن الشافع، لم يمكن أن توجد. والشافع لا يشفع عنده بمجرد امتثال أمره وطاعته له، فهو مأمور بالشفاعة مطيع بامتثال الأمر؛ فإن أحدا من الأنبياء والملائكة، وجميع المخلوقات، لا يتحرك بشفاعة، ولا غيرها إلا بمشيئة الله وخلقه.

стр. 4899

فالرب تعالى هو الذي يحرك الشفيع حتى يشفع، والشفيع عند المخلوق هو الذي يحرك المشفوع إليه حتى يقبل. والشافع عند المخلوق مستغن عنه في أكثر أموره، وهو في الحقيقة شريكه، ولو كان مملوكه وعبده؛ فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله من النفع والضر، والمعاونة، وغير ذلك، كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله من رزق أو نصر أو غيره؛ فكل منهما محتاج إلى الآخر. ومن وفقه الله لفهم هذا الموضوع، تبين له حقيقة التوحيد والشرك، والفرق بين ما أثبت الله من الشفاعة، وما نفاه وأبطله، ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾ ، ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم، علم أن بين السلف وبين هؤلاء الخلوف من البعد، أبعد مما بين المشرق والمغرب، وأنهم على شيء والسلف على شيء، كما قيل: سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب والأمر- والله- أعظم مما ذكرنا. انتهى، وبه كمل الجواب، والحمد لله الذي هدانا لدينه، الذي رضيه لعباده، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله وسلم على محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 4900

[ما قاله الشيخ عبد الرحمن بن حسن في بردة البوصيري] وقال أيضا الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. اعلم: أن البردة التي تنسب للبوصيري، قد ضمنها أبياتا شركية، تنافي ما بعث الله به رسوله ﷺ من توحيده. وقد افتتن بها كثير من الناس، وجعلوها أفضل من الأوراد النبوية التي شرعها رسول الله ﷺ وبعضهم اشتغل بها عن القرآن. ومن المعلوم عند أهل السنة والجماعة: أن أبيات حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير وأمثالهم، أفضل منها لوجوه: منها: أنه على الوجه العربي. ومنها: أن اللغة سليقتهم. ومنها: أنه ليس فيها من الإطراء- الذي نهى عنه رسول الله ﷺ شيء. ومنها: أن النبي ﷺ سمعها واستحسنها، وهم صحابته. وهؤلاء عدلوا عنها إلى شعر المولدين، الذين جمعوا فيه الغث والسمين، وتصرفوا في الدين بآرائهم التي لم ينزل الله بها سلطانا. وقد قال تعالى لنبيه ﷺ ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ [سورة الجن آية: ٢١-٢٢] ، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا

стр. 4901

شَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] . وقال تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٩] الآية، وقال: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] الآية. فهذا ما أمر الله نبيه أن يبلغه الأمة ليؤمنوا به، ويعرفوا لربهم حقه من إخلاص العبادة له وحده؛ وتبرأ من شرك المشركين في هذه الآيات، ونحوها فأبى الظالمون إلا كفورا. ولما نزل عليه ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢١٤] ، "صعد الصفا، وقال: " يا معشر قريش "، أو كلمة نحوها، " اشتروا أنفسكم. لا أغني عنكم من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا "" ١. فأخبر ﷺ أنه لا ينجي المرء من عذاب الله، إلا الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ من توحيده، وطاعته، وترك ما نهاهم عنه من الشرك بالله، في الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة. والقرآن كله يدل على ذلك، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [سورة غافر آية: ١٢] الآية؛ فقصر الدعاء على نفسه، كسائر أنواع

стр. 4902

العبادة، بقوله: (وحده) ومن لم يقصره عليه فهو مشرك، كما في هذه الآية ونظائرها، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] الآية. والقرآن كله يقرر التوحيد، وينهى عن الغلو والشرك، وكذلك السنة؛ وقد أنكر الله على المشركين اتخاذ الشفعاء والوسائط، في طلب ما ينفع وما يدفع. إذا عرفت ذلك، فإن هذه المنظومة حصل فيها أبيات، كثيرها مما اختلقه المتأخرون، من الوقوع فيما نهى عنه رسول الله ﷺ من الغلو والشرك، لجهلهم بمعنى الله، ومعنى لا إله إلا الله، فلم يعرفوا الإله الذي نهوا عن عبادته، ولا عرفوا العبادة التي من قصد بها صار إلها. فالجهل بالتوحيد، أوقعهم فيما وقعوا فيه، من هذا الشرك العظيم، فلذلك قبلوه، واستحسنوه، نعوذ بالله من زيغ القلوب؛ فلم يعرفوا من التوحيد، إلا ما أقر به المشركون من قريش، وأهل الجاهلية وغيرهم، من أن الله رب كل شيء، ومليكه وخالقه. ولم يعرفوا أنه المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا عرفوا الشرك الذي هو تنْزيل المخلوق منْزله الخالق فيما يختص به، أو يجعله شريكا في خصائص الإلهية، التي

стр. 4903

هي أبين شيء في القرآن وأوضحه. فعمت البلوى بهذا الشرك، وأطلقوا عنان الغلو في الأموات والغائبين، وأنزلوهم منْزلة رب العالمين في الرغبات والرهبات والدعوات، التي لا يصلح منها شيء لغير الله. فمما وقع فيه هؤلاء من الغلو والشرك العظيم، ما ذكره صاحب هذه المنظومة، بقوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم فعظم النبي ﷺ بما يسخطه ويحزنه؛ فقد اشتد نكيره ﷺ عما هو دون ذلك، كما لا يخفى على من له بصيرة في دينه؛ فقصر هذا الشاعر لياذه على المخلوق دون الخالق، الذي لا يستحقه سواه؛ فإن اللياذ عبادة كالعياذ. وقد ذكر الله عن مؤمني الجن أنهم أنكروا استعاذة الإنس بهم، بقوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [سورة الجن آية: ٦] أي: طغيانا. واللياذ يكون لطلب الخير، والعياذ لدفع الشر؛ فهما سواء في الطلب والهرب، كما قال العلامة ابن القيم: وبك المعاذ ولا ملاذ سواك أنـ ت غياث كل ملدد لهفان وقد ذكر هذا المعنى ابن كثير في تفسيره، وابن جرير وغيرهما ; فهذا الشاعر أتى بما ينافي الآيات المحكمات،

стр. 4904

وبالغ في الغلو، وارتكب ما اشتد نهي النبي ﷺ عنه في أحاديث كثيرة؛ لكن لما اشتدت غربة الإسلام، وقع من الغلو أضعاف ما نهى عنه رسول الله ﷺ . وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في رده على ابن البكري: أنه لما قدم مصر، وجد بها ممن غلا في رسول الله ﷺ وارتكب ما نهى عنه أمته من الغلو، ومن جملة من ذكر منهم: صاحب البردة، ذكر له أبياتا: وهذا كلام شيخ الإسلام في تعظيم ما قاله من الغلو، فقال: ومن هؤلاء من يقول أسقط الربوبية، وقل في الرسول ما شئت، ويقول: دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم لو ناسبت قدره آياته عظما ... أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله، فيجعلون الرسول معبودا، ومنهم من يأتي إلى قبر الميت، الرجل أو المرأة الذي يحسن به الظن، فيقول اغفر لي وارحمني، ولا توقفني على زلة، ونحو هذا الكلام. وأمثال هذه الأمور التي يتخذ منها المخلوق إلها، وهذا وأمثاله وقع ونحن بمصر، انتهى. فهذا ما ذكره شيخ الإسلام، عن صاحب هذه

стр. 4905

المنظومة وغيره، من الغلو العظيم. ومن المعلوم: أن أنواع الغلو كثيرة، والشرك بحر لا ساحل له، ولا ينحصر في قول النصارى، لأن الأمم أشركوا قبلهم بعبادة الأوثان، وأهل الجاهلية كذلك. وليس فيهم من قال في إلهه ما قالت النصارى في المسيح غالبا: إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة؛ بل كلهم معترفون أن آلهتهم ملك لله، لكن عبدوها معه، لاعتقاد أنها تشفع لهم أو تنفعهم. فيحتج الجهلة المفتونون بهذه الأبيات، هو أن قوله - في منظومته- دع ما ادعته النصارى في نبيهم، مخلص من الغلو بهذا البيت؛ وهو قد فتح ببيته هذا باب الغلو والشرك، لاعتقاده بجهله أن الغلو مقصور على هذه الأقوال الثلاثة، وأن من لم يقل في النبي واحدا منها، فإنه قد وفاه حقه بكل قول يقوله بلا حد. وقد عرفت أن أنواع الغلو الذي فعله المشركون مع معبوديهم لا تنحصر؛ فإذا أنزل المخلوق منْزلة الخالق في شيء من خصائص الإلهية، فقد غلا فيه وأشرك. وكان أهل الجاهلية يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما هلك. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله ذكر هذه العبارة عنه، لبيان أنه أفرط في الغلو غاية الإفراط، وهو كذلك،
следующие страницы →