← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

شَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] . وقال تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٩] الآية، وقال: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] الآية. فهذا ما أمر الله نبيه أن يبلغه الأمة ليؤمنوا به، ويعرفوا لربهم حقه من إخلاص العبادة له وحده؛ وتبرأ من شرك المشركين في هذه الآيات، ونحوها فأبى الظالمون إلا كفورا. ولما نزل عليه ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢١٤] ، "صعد الصفا، وقال: " يا معشر قريش "، أو كلمة نحوها، " اشتروا أنفسكم. لا أغني عنكم من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا "" ١. فأخبر ﷺ أنه لا ينجي المرء من عذاب الله، إلا الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ من توحيده، وطاعته، وترك ما نهاهم عنه من الشرك بالله، في الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة. والقرآن كله يدل على ذلك، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [سورة غافر آية: ١٢] الآية؛ فقصر الدعاء على نفسه، كسائر أنواع

стр. 4902

العبادة، بقوله: (وحده) ومن لم يقصره عليه فهو مشرك، كما في هذه الآية ونظائرها، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] الآية. والقرآن كله يقرر التوحيد، وينهى عن الغلو والشرك، وكذلك السنة؛ وقد أنكر الله على المشركين اتخاذ الشفعاء والوسائط، في طلب ما ينفع وما يدفع. إذا عرفت ذلك، فإن هذه المنظومة حصل فيها أبيات، كثيرها مما اختلقه المتأخرون، من الوقوع فيما نهى عنه رسول الله ﷺ من الغلو والشرك، لجهلهم بمعنى الله، ومعنى لا إله إلا الله، فلم يعرفوا الإله الذي نهوا عن عبادته، ولا عرفوا العبادة التي من قصد بها صار إلها. فالجهل بالتوحيد، أوقعهم فيما وقعوا فيه، من هذا الشرك العظيم، فلذلك قبلوه، واستحسنوه، نعوذ بالله من زيغ القلوب؛ فلم يعرفوا من التوحيد، إلا ما أقر به المشركون من قريش، وأهل الجاهلية وغيرهم، من أن الله رب كل شيء، ومليكه وخالقه. ولم يعرفوا أنه المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا عرفوا الشرك الذي هو تنْزيل المخلوق منْزله الخالق فيما يختص به، أو يجعله شريكا في خصائص الإلهية، التي

стр. 4903

هي أبين شيء في القرآن وأوضحه. فعمت البلوى بهذا الشرك، وأطلقوا عنان الغلو في الأموات والغائبين، وأنزلوهم منْزلة رب العالمين في الرغبات والرهبات والدعوات، التي لا يصلح منها شيء لغير الله. فمما وقع فيه هؤلاء من الغلو والشرك العظيم، ما ذكره صاحب هذه المنظومة، بقوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم فعظم النبي ﷺ بما يسخطه ويحزنه؛ فقد اشتد نكيره ﷺ عما هو دون ذلك، كما لا يخفى على من له بصيرة في دينه؛ فقصر هذا الشاعر لياذه على المخلوق دون الخالق، الذي لا يستحقه سواه؛ فإن اللياذ عبادة كالعياذ. وقد ذكر الله عن مؤمني الجن أنهم أنكروا استعاذة الإنس بهم، بقوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [سورة الجن آية: ٦] أي: طغيانا. واللياذ يكون لطلب الخير، والعياذ لدفع الشر؛ فهما سواء في الطلب والهرب، كما قال العلامة ابن القيم: وبك المعاذ ولا ملاذ سواك أنـ ت غياث كل ملدد لهفان وقد ذكر هذا المعنى ابن كثير في تفسيره، وابن جرير وغيرهما ; فهذا الشاعر أتى بما ينافي الآيات المحكمات،

стр. 4904

وبالغ في الغلو، وارتكب ما اشتد نهي النبي ﷺ عنه في أحاديث كثيرة؛ لكن لما اشتدت غربة الإسلام، وقع من الغلو أضعاف ما نهى عنه رسول الله ﷺ . وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في رده على ابن البكري: أنه لما قدم مصر، وجد بها ممن غلا في رسول الله ﷺ وارتكب ما نهى عنه أمته من الغلو، ومن جملة من ذكر منهم: صاحب البردة، ذكر له أبياتا: وهذا كلام شيخ الإسلام في تعظيم ما قاله من الغلو، فقال: ومن هؤلاء من يقول أسقط الربوبية، وقل في الرسول ما شئت، ويقول: دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم لو ناسبت قدره آياته عظما ... أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله، فيجعلون الرسول معبودا، ومنهم من يأتي إلى قبر الميت، الرجل أو المرأة الذي يحسن به الظن، فيقول اغفر لي وارحمني، ولا توقفني على زلة، ونحو هذا الكلام. وأمثال هذه الأمور التي يتخذ منها المخلوق إلها، وهذا وأمثاله وقع ونحن بمصر، انتهى. فهذا ما ذكره شيخ الإسلام، عن صاحب هذه

стр. 4905

المنظومة وغيره، من الغلو العظيم. ومن المعلوم: أن أنواع الغلو كثيرة، والشرك بحر لا ساحل له، ولا ينحصر في قول النصارى، لأن الأمم أشركوا قبلهم بعبادة الأوثان، وأهل الجاهلية كذلك. وليس فيهم من قال في إلهه ما قالت النصارى في المسيح غالبا: إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة؛ بل كلهم معترفون أن آلهتهم ملك لله، لكن عبدوها معه، لاعتقاد أنها تشفع لهم أو تنفعهم. فيحتج الجهلة المفتونون بهذه الأبيات، هو أن قوله - في منظومته- دع ما ادعته النصارى في نبيهم، مخلص من الغلو بهذا البيت؛ وهو قد فتح ببيته هذا باب الغلو والشرك، لاعتقاده بجهله أن الغلو مقصور على هذه الأقوال الثلاثة، وأن من لم يقل في النبي واحدا منها، فإنه قد وفاه حقه بكل قول يقوله بلا حد. وقد عرفت أن أنواع الغلو الذي فعله المشركون مع معبوديهم لا تنحصر؛ فإذا أنزل المخلوق منْزلة الخالق في شيء من خصائص الإلهية، فقد غلا فيه وأشرك. وكان أهل الجاهلية يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما هلك. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله ذكر هذه العبارة عنه، لبيان أنه أفرط في الغلو غاية الإفراط، وهو كذلك،

стр. 4906

وبلغ فيه حدا لا نهاية له، تشنيعا منه ﵀ على جنس المشركين في زمانه؛ وقيل يبين ذلك الأبيات بعد هذا البيت. فتأمل ما فيها من المجازفة العظيمة التي لا يحبها الله ولا رسوله؛ بل أنكر على من مدحه بما هو أقل من هذا بمراتب، ولما قال له رجل: أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، قال: " قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، ما أحب أن ترفعوني فوق منْزلتي التي أنزلني الله " صلاة الله وسلامه عليه، فقد جرد خصائص الربوبية لربه تعالى، التي لا يستحقها سواه. والقرآن من أوله إلى آخره، يبين أن الشرك تشبيه المخلوق بالخالق في العبادة، على أي وجه كان، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٩٧-٩٨] ، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة النحل آية: ٥١] ؛ فقصر الرهبة عليه، كما قصر الرغبة في قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [سورة الأنبياء آية: ٩٠] ، وقوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح آية: ٨] ؛ وكل ما أدى إلى صرف العبادة لغير الله، فهو غلو كما جرى من قوم نوح، وغيرهم.

стр. 4907

[من أعظم الغلو ما قاله صاحب البردة: إن لم تكن في معادي آخذا بيدي] ومن أعظم الغلو: ما ذكره صاحب البردة، بقوله: إن لم تكن في معادي آخذا بيدي فضلا وإلا فقل يا زلة القدم فلم يقصد في طلب النجاة إلا المخلوق، دون خالقه الذي له ملك السماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [سورة النساء آية: ١٣٤] ، وقال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة غافر آية: ١٥] إلى قوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة يوسف آية: ٣٩] ؛ فلم يطلب صاحب الأبيات النجاة من الذي له الملك كله، يأذن بالشفاعة لأهل التوحيد خاصة، ويمنعها ممن طلبها من غيره؛ وهذا ينافي ما بعث الله به رسوله ﷺ من توحيد الله تعالى بالعبادة، الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء والمرسلين، كما قال تعالى عن المسيح ابن مريم: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] ، وقال تعالى لنبيه: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح آية: ٨] فأمر نبيه ﷺ أن يرغب إليه وحده، وهذا رغب إلى النبي ﷺ ؛ ومن المعلوم أن الرغبة إلى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، من ميت، أو غائب، وغيرهما، شرك عظيم. ومن ذلك قوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم

стр. 4908

وهذا ينافي قول الله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [سورة طه آية: ٦] . فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود المخلوق، فما أبقى هذا الشاعر للخالق ما يجود به؛ بل جعلها كلها لعبده، وهي لله وحده، وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢] إلى قوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] ؛ فأخبر أنه ﷺ لم يبق لمخلوق في ملك السماوات والأرض مثقال ذرة، ولا له شركة أصلا في هذا المقدار. وهذا الشاعر: جعل ملك السماوات والأرض لغير الله، دون الله تعالى؛ فما أبعد هذا الضلال، وما أعظم هذا المحال! ناقض الآيات المحكمات، وأتى بعكس المطلوب منها والمراد، فلم يترك لله شيئا من ملكه الذي اختص به، من أمر الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] الآية. وقوله: ومن علومك علم اللوح والقلم. فصح عن النبي ﷺ أنه قال: " أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن

стр. 4909

إلى يوم القيامة " قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، يكتب آثارهم، وأعمالهم، وأرزاقهم، وآجالهم وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٠] ، ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [سورة هود آية: ٣١] رد لقوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها، وقوله: ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٠] رد لقوله: ومن علومك علم اللوح والقلم. وقال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل آية: ٦٥] ، وقال: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] ، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٩] إلى قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٩] . ومما تشهد به العقول والفطر، والآيات والأحاديث والآثار أن ذلك لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود آية: ١٢٣] فهذه الآية تبطل جميع هذا الغلو المذكور في هذه الأبيات. وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً

стр. 4910

إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [سورة الجن آية: ٢٦-٢٧] ؛ قال ابن عباس في الآية: فأعلم الله الرسل من الغيب الوحي، أظهرهم عليه، بما أوحى إليهم من غيبه، وبما يحكم الله ؛ فإنه لا يعلم ذلك غيره. وروى معمر عن قتادة ﴿إلا من ارتضى من رسول﴾ فإنه يظهره من الغيب على ما يشاء، فارتضاه. وقال تعالى ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة يونس آية: ٦١] الآية؛ وهذا كله لله، وهو المختص به. وأخبر أنه أطلع أنبياءه ورسله على ما شاء، فيما أوحاه إليهم من الغيب، كما قال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] . والقرار كله من غيبه، كما قال ابن زيد: وقد أطلع الله نبيه على كثير مما يحدث في أمته، وعلى ما يقع يوم القيامة، ليجب الإيمان به ﷺ وعلى أمته، ويقرر البعث، والنشور على الأعمال والجنة والنار لوجوب العلم بذلك، وهو في القرآن أيضا. وأما الإحاطة بالغيب كله، وعلم ما كان وما يكون في الدنيا والآخرة، فلا يعلم ذلك كله إلا الله، كما دلت عليه هذه الآيات؛ وأمثالها في القرآن كثير.

стр. 4911

قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، في معنى هذه الآية: يبين أنهم لا يعلمون من علمه إلا ما علمهم إياه، كما قالت الملائكة: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [سورة البقرة آية: ٣٢] ؛ فكان في هذا النفي إثبات أنه عالم، وأن عباده لا يعلمون إلا ما علمهم إياه، فأثبت أنه الذي يعلم، لا ينالون العلم إلا منه؛ فإنه الذي خلق الإنسان من علق، وعلم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، انتهى. وما ذكرنا يبين أن صاحب البردة أفرط في الغلو غاية الإفراط، وخرج عما يحبه الله ورسوله، إلى ما حرمه الله ورسوله، ويدل على شدة إعراض هؤلاء الغلاة عن القرآن والإيمان به، ومخالفة الآيات التي دلت على أن العبادة لا يصلح منها شيء لملك مقرب، ولا نبي مرسل، وأن الله هو الذي يتصرف في خلقه، بمشيئته، وإرادته، وحكمته وعلمه. وقد قال تعالى لنبيه ﷺ في حق عمه أبي طالب، لما مات على دين أبيه عبد المطلب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة القصص آية: ٥٦] ، وقال النبي ﷺ : " لن يدخل أحد الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته "١.

стр. 4912

ولما دعا ﷺ على كفار قريش، لشدة عداوتهم له ولأصحابه، أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٢٨] . وأهل الجاهلية أقروا له بالربوبية، وأنه المدبر لجميع الأمور، الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وأما مشركو هذه الأمة، فجعلوا له شريكا في ربوبيته؛ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وممن غلا في الدين في وقت شيخ الإسلام: القاضي السبكي، لكنه لم يبلغ ما ذكر شيخ الإسلام عن الغلاة الذين وجدهم بمصر وقد رد عليه الحافظ محمد بن عبد الهادي، في مجلد كبير، سماه "الصارم المنكي في الرد على السبكي"؛ فمن قوله المردود: أن المبالغة في تعظيمه، أي: الرسول ﷺ واجبة. فأجابه الحافظ محمد بن عبد الهادي، بقوله: إن أريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما، حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل الجنة من يشاء، فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك،

стр. 4913

وانسلاخ من جملة الدين. قلت: ومن المعلوم أن الأخذ بعموم كلام السبكي، من الغلو الذي لا يحبه الله ولا يرضاه. وأما ما أعطى الله نبيه ﷺ من الخصائص إكراما له، وزيادة في فضله، فهي كثيرة، كما قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [سورة الإسراء آية: ٧٩] ، وهو مقام الشفاعة، كما عليه أكثر المفسرين. وأحاديث الشفاعة معروفة لا مطمع فيها لأهل الغلو، ولا أهل الإشراك ; بل هي مختصة بأهل الإخلاص من أمته ﷺ ، وهم في القرون المفضلة لا يحصيهم إلا الله، ومن كان على التوحيد والسنة ممن بعدهم. جعلنا الله وإخواننا المسلمين، ممن تناله شفاعة نبينا محمد ﷺ ووفقنا للإخلاص لله، وإنكار الشرك والغلو الذي نهى عنه نبينا محمد ﷺ ؛ فهو الذي عرفنا بالله، ودعانا إلى توحيده، وأن لا نتخذ معبودا سواه، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة غافر آية: ١٤] ، وقال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٥] . وفي الصحيح عنه ﷺ أنه كان إذا انفتل من صلاة الفريضة، يقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك

стр. 4914

له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ". فالإخلاص هو حق الله، الذي بعث به رسله، ودعا أمته إليه، وهو في الآيات المحكمات، أكثر من أن يحصر، طلبا وخبرا، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم

стр. 4915

وله أيضا رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرحمن بن حسن، وابنه عبد اللطيف، إلى عبد الخالق الحفظي، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد بلغنا من نحو سنتين، اشتغالكم ببردة البوصيري، وفيها من الشرك الأكبر ما لا يخفى، من ذلك قوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إلى آخر الأبيات التي فيها طلب ثواب الدار الآخرة من النبي ﷺ وحده. فأما دعاء الميت والغائب فقد ذكر الله في كتابه العزيز- الذي أنزله على رسوله ﷺ النهي عن دعوة الأموات، والغائبين بقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] الآية؛ فلم يستثن الله من هذا أحدا، والنبي ﷺ هو المبلغ عن الله. وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [سورة القصص آية: ٨٨] الآية؛ فانظر إلى هذا الوعيد الشديد، المترتب على دعوة غير الله، وخاطب به نبيه ﷺ ليكون أبلغ للتحذير؛ فكيف يظن بالنبي ﷺ أن الله ينهاه عن ذلك

стр. 4916

مع غيره، صلوات الله وسلامه عليه. ولما قال له رجل: " ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده ". ودعوة غير الله تنافي الإخلاص، الذي هو دينه الذي لا يقبل الله دينا سواه. وذكر تعالى اختصاصه بالدعاء، بقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] الآية، وأخبر أن دعوة الحق مختصة به؛ وما ليس بحق فهو باطل، ولا يحصل به نفع لمن فعله؛ بل هو ضرر في العاجل والآجل، لأنه ظلم في حق الله تعالى. يقرر هذا تهديده لمن دعا الأنبياء والصالحين والملائكة بقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] الآية، نزلت في عيسى وأمه والعزير والملائكة، باتفاق أكثر المفسرين من الصحابة والتابعين والأئمة؛ فكيف يظن من له عقل أنه يرضى منه في حقه قولا وعملا، تهدد الله من فعله مع عيسى وأمه والعزير والملائكة؟. وكونه ﷺ أفضل الأنبياء، لا يلزم أن يختص دونهم بأمر نهى الله عنه عباده، عموما وخصوصا; بل هو مأمور أن ينهى الناس عنه، ويتبرأ منه كما تبرأ المسيح منه في الآيات، في آخر سورة المائدة، وكما تبرأت منه الملائكة،

стр. 4917

الآيات في آخر سورة المائدة، وكما تبرأت منه الملائكة في الآيات التي في سورة سبأ. وأما اللياذ، فهو كالعياذ سواء؛ فالعياذ لدفع الشر، واللياذ لجلب الخير. وحكى الإمام أحمد وغيره الإجماع على أنه لا يجوز العياذ إلا بالله وأسمائه وصفاته، وأما العياذ بغيره فشرك ولا فرق. وأما قوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها. فمناقض لما اختص الله به تعالى يوم القيامة من الملك، في قوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة غافر آية: ١٦] ، وفي الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] ، وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٩] ، وغير ذلك من الآيات في هذا المعنى. وقال غير ذلك في منظومته، مما يستبشع من الشرك. ومدح النبي ﷺ شعراء العرب الفصحاء، ولم يقرب منهم أحد حول هذا الحمى، الذي هو لله وحده؛ بل مدحوه بالنبوة، وما خصه الله من الفضائل، والأخلاق الحميدة، مثل حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير، وأمثال هؤلاء. فما تعلقت قلوبكم يا عبد الخالق، إلا بنظم للشياطين فيه حظ وافر؛ قد أنكر الله ورسوله على من قاله وفعله.

стр. 4918

وهذه الأمور كانت عند محمد الحفظي، وأبيه وأخيه، فأقلعوا عنها، وتابوا إلى الله منها، وتجنبوا الشرك، وتبرؤوا إلى الله منه ومن أهله، وجاهدوا أهله نثرا ونظما. وقد نزلت المنْزلة التي كانوا عليها في الجاهلية ثم تابوا منها، فأصغ سمعك لكتاب الله؛ فإنه يكفيك ويشفيك من كل خير، ويعصمك من كل شر.

стр. 4919

[رد الشيخ عبد الرحمن بن حسن على الكشميري] وقال أيضا الشيخ الإمام، شيخ الإسلام عبد الرحمن بن حسن، ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى، ورضي عنهم ١. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا مثل ولا معين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد الأولين والآخرين؛ صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، واجعلهم شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك؛ فاقبلها منهم، وأتمها عليهم. اللهم انصر دينك وكتابك، ورسولك، وعبادك المؤمنين. اللهم أظهر دينك - دين الهدى، ودين الحق- الذي بعثت به نبيك محمدا ﷺ على الدين كله. اللهم عذب الكفار والمنافقين، الذين يصدون عن

стр. 4920

سبيلك، ويبدلون دينك، ويعادون عبادك المؤمنين. اللهم خالف بين كلمتهم، وشتت بين قلوبهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، وأدر عليهم دائرة السوء. اللهم أنزل بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم، وانصرنا عليهم. اللهم أعنا ولا تعن علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم اجعلنا شاكرين ذاكرين مطاويع إليك مخبتين، أواهين منيبين. اللهم تقبل توبتنا واغسل حوبتنا، واهد قلوبنا وثبت حجتنا واسلل سخيمة صدورنا يا رب العالمين. أما بعد: فاعلموا معشر الإخوان، أن الله تعالى أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظمات إلى النور، وعرفهم ما خلقوا له من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما كانوا يعبدونه من دون الله، والرغبة عن عبادة غيره، والبراءة منها، والكفر بالطاغوت وهو الشيطان، وما زينه من عبادة الأوثان. فدعا قريشا والعرب إلى أن يقولوا لا إله إلا الله، لما دلت عليه من بطلان عبادة كل ما يعبد من دون الله، وإخلاص العبادة لله وحده دون كل ما سواه؛ وهذا هو التوحيد الذي خلق الله الخلق لأجله، وأرسل الرسل لأجله، وأنزل الكتب لأجله؛ وهو أساس الإيمان والإسلام ورأسه؛ وهو الدين

стр. 4921

الحق الذي لا يقبل الله من عبد دينا سواه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] أي: يوحدون، وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، وهذه الآية تفسر الآية قبلها، وتبين أن المراد بالعبادة التوحيد، وأن يكون الله هو المعبود وحده دون كل ما سواه؛ والقرآن كله في تقرير هذا التوحيد وبيانه، وبين ذلك قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] . والرسل عليهم الصلاة والسلام افتتحوا دعوتهم لقومهم بهذا التوحيد ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٣٢] . وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٦-١٧-١٨] . قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٨] يعني قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب مدين، والمؤتفكات وهم قوم لوط، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ

стр. 4922

اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . وكل رسول يدعو قومه إلى أن يخلعوا عبادة ما كانوا يعبدونه من دون الله، ويخلصوا أعمالهم كلها عن الأصنام والأوثان التي اتخذوها، وجعلوها أندادا لله بعبادتهم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [سورة يس آية: ٧٤] ، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، لا يشك في هذا مسلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٦٥] . فأجابوه بقولهم: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [سورة هود آية: ٥٣-٥٤-٥٥] ، وهذا هو المنفي في كلمة الإخلاص ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [سورة هود آية: ٥٤-٥٥] ، كما قال تعالى مخبرا عن جميع رسله، أنهم قالوا لقومهم: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] . والإيمان بالله وحده، هو البراءة مما كانوا يعبدونه من الأصنام والأوثان، وإخلاص العبادة لله وحده؛ لا يرتاب في هذا مسلم. فمن شك في أن هذا هو معنى لا إله إلا الله، فليس

стр. 4923

معه من الإسلام ما يزن حبة خردل. والقرآن أفصح عن معنى لا إله إلا الله، في آيات كثيرة يطول الكتاب بذكرها؛ ويأتي بعضها إن شاء الله في هذا الجواب. وأنتم معشر المخاطبين بهذا قد تقرر عند من له علم فيكم- حتى العامة- من أكثر من مائه وثلاثين سنة أن هذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه؛ فما بال أناس يرغبون عما عرفوه، وعرفوه من كتاب الله وسنة رسوله، إلى طلب العلم ممن لم يعرف هذا التوحيد، ولا نشأ في تعلمه ولا عرفه، كما هو ظاهر في كلامه؟ يعرف من له عقل، وبصيرة أنه لا يتكلم به إلا من لم يعرف ما بعث الله به المرسلين من توحيد رب العالمين. وقد علمتم، معشر الموحدين ما حال بين كثير من الناس، وبين معرفة التوحيد، من العوائد الشركية، والشبهات الخيالية، لما افترقت الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة. فلقد عظمت نعمة الإسلام على من عرفها، وقبلها وأحبها، وصار مستيقنا بها قلبه، مخلصا صادقا، ورزق الثبات والاستقامة على ذلك. فيا لها من نعمة ما أعظمها، وموهبة ما أجملها! نعوذ بالله أن يصدف عنها صادف، أو يصرف عنها صارف، ونعوذ بالله من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن. فاتقوا الله عباد الله، وارغبوا فيما كنتم فيه من نعمة الإسلام والإيمان،

стр. 4924

وجددوا، وجدوا واجتهدوا في معرفته على الحقيقة، بأدلته وبراهينه، التي نصبها عليه رب العالمين في كتابه المبين، وبينها لكم نبيه الصادق المصدوق الأمين؛ صلوات الله وسلامه عليه، وعلى من اتبعه إلى يوم الدين. ثم إنه قد تكلم غريب، في معنى لا إله إلا الله، لا يعرف ما هو ولا ممن هو، وكتب في ذلك ورقة، تبين فيها من الجهل والضلال، ما سنذكره لكم حذرا وتحذيرا، واعذارا وتعذيرا؛ والقلوب بين أصابع الرحمن، نسأل الله الثبات على الإسلام والإيمان. ذكر ما في الورقة، قال: الحمد لله المتوحد بجميع الجهات. الجواب- وبالله التوفيق-: لا يخفى على من له ذوق وممارسة، ومعرفة بمذاهب المبتدعة أن هذا لفظ لا معنى له، إلا على قول أهل الحلول، من الجهمية ومن تابعهم؛ فإنهم يقولون: إن الله تعالى حال في جميع الجهات، وفي كل مكان، ويجحدون ما تقرر في القرآن، من علو الله على جميع خلقه، واستوائه على عرشه؛ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وهذا الرجل إنما تكلم بألسنتهم؛ فهذا محصوله من العلم الذي ادعاه، قد ظهر واستبان، على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وأهل السنة ينكرون هذه الألفاظ، ويشيرون

стр. 4925

إلى ما فيها من دسائس أهل البدع، أسوة أمثال هذا من الفلاسفة، وأهل الوحدة وغيرهم، ممن لم يستضئ بنور العلم، ولم يلجأ إلى ركن وثيق، فلا تنظر إلى منظر الرجل، وانظر إلى مخبره. وقد غلط أكثر الفرق الثلاث والسبعين في مسمى التوحيد؛ وكل فرقة لها توحيد تعتقد أنه هو الصواب، حتى الأشاعرة القائلين بأن معنى الإله: الغني عما سواه، المفتقر إليه ما عداه، يقولون إنهم أهل السنة، وهيهات هيهات. ولم يصبر منها على الحق إلا فرقة واحدة، وهم الذين عرفوا التوحيد على الحقيقة، من الآيات المحكمات، وصحيح السنة - جعلنا الله وإياكم من الفرق الناجية- وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى إلى هذا المعنى، فقال: وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف، من أهل النظر والكلام، ومن أهل الإرادة والعبادة؛ وهذا يفيد الحذر من مخالطة كل من لا يعرف دينه. وقد كان بعض العلماء إذا دخل عليه مبتدع، جعل أصبعيه في أذنيه حتى يفارقه، حذرا من أن يلقي إليه كلمة تفتنه. فارجعوا رحمكم الله إلى صريح القرآن، فإنه حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم. وهو النور، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ

стр. 4926

بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة المائدة آية: ١٥-١٦] . ثم إن هذا قال، في ورقته: اعلم أن الإله هو المعبود فقط، غير مقيد بقيد الحقيقة والبطلان؛ إذ اشتقاقه من أَلِهَه، إذا عبده يوجب اتحاده معه في المعنى، لعدم وجوده بدونه، إذ الاشتقاق وجود التناسب في اللفظ والمعنى. فالجواب أن نقول: سبحان الله! كيف يشكل على من له أدنى مسكة من عقل، ما في هذا القول من الكذب والضلال، والإلحاد والمحال؟ فلقد صادم الكتاب والسنة؛ والفطر والعقول، واللغة والعرف. أما مصادمته الكتاب والسنة، فإن الله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [سورة الحج آية: ٦٢] في عدة مواضع من الكتاب والسنة، فالله تعالى الحق، وعبادته وحده هي الحق أزلا وأبدا، وما يدعى من دونه هو الباطل، قبل وضع اللغات وبعدها. وهذا لا يمتري فيه مسلم أصلا. وأما مصادمته للعقل، فإن كل مألوه معبود; ولا بد أن يكون حقا أو باطلا؛ فإن كان هو الله فهو الحق سبحانه، كما في حديث الاستفتاح الذي رواه البخاري وغيره: " ولك الحمد أنت الحق ووعدك حق "، وإن كان المعبود غيره فهو باطل بنص القرآن؛ والقرآن كله يدل على أن الله هو الحق، وأن ما يدعى

стр. 4927

من دونه فهو باطل. وأما مخالفته للفطر، فباتفاق الناس على ما دل عليه الكتاب، والسنة، والمعقول؛ حتى أهل البدع من كل طائفة، لا يقول بهذا القول- الذي قاله هذا- أحد منهم؛ لكن كل طائفة تدعي أنها أسعد من غيرها بالدليل، على ما في أدلة كل طائفة من التحريف والتأويل. وأما مخالفته للغة: فلا ريب أن الواضع وضع الألفاظ بإزاء معانيها؛ فكل لفظ وضع لمدلوله الذي وضع له لأجل الدلالة عليه. والواضع وضع الألفاظ دالة على معانيها؛ فاللفظ دال والمعنى مدلوله؛ يعرف هذا كل من له أدنى مسكة من عقل. وكل ما ذكرناه لا نزاع فيه، ولا يعرف أن أحدا قال بخلاف ما ذكرناه. وواضع اللغة، قال بعض العلماء: هو الله تعالى، وقال بعضهم: وضعها غيره من بني آدم المتقدمين بإلهام منه تعالى، وجبلة جبلهم عليها. واللغات وإن تعددت فهي بإلهام من الله، وبها يعرف مراد المتكلم، ومقصوده. إذا عرفت ذلك، فيلزم على قول هذا الجاهل أن الملائكة قبل خلق آدم وذريته كانت عبادتهم لله تعالى غير مقيدة بحق ولا باطل؛ وهذا اللازم باطل فبطل الملزوم، وكذلك عبادة آدم وذريته قبل حدوث الشرك في قوم نوح، لا توصف عبادتهم لله بأنها حق أو باطل؛ وهذا اللازم باطل فبطل الملزوم.

стр. 4928

وكذلك قوم نوح لما عبدوا آلهتهم، قالوا لما دعاهم نوح ﵇: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] فيلزم على قول هذا أن عبادتهم لتلك الأصنام ليست باطلة؛ وهذه اللوازم الباطلة تلزمه، وببطلانها يبطل ملزومها الذي ذكرناه عنه. وأيضا: ففي قوله هذا مضاهاة لقول ابن عربي، إمام أهل الوحدة: وعباد عجل السامري على هدى ولائمهم في اللوم ليس على رشد فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. فلا تعجب، فكل صاحب بدعة، لا بد أن يجادل عن بدعته. والعلم نور يهبه الله لمن يشاء من عباده، وهو معرفة الهدى بدليله؛ والناس ليسوا كلهم كذلك إلا أقل القليل، الذين تمسكوا بالكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة، وأئمتها علما وعملا. ومن تدبر القرآن رأى العجب فيما قصه الله تعالى عن الرسل مع أممهم قديما وحديثا، كما قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [سورة غافر آية: ٤-٥] .

стр. 4929

فإذا كان الكلام في بيان معنى لا إله إلا الله، فإن الله تعالى هو الذي تولى بيانه في مواضع من كتابه، وأجمعت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] . بل القرآن كله في بيان معناها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧-٢٨] أي: إليها من البراءة من عبادة كل معبود سوى الله. وإخلاص العبادة له، كقول إمام الحنفاء ﵊، في هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] ، وهي لا إله إلا الله. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الزمر آية: ١٧] ، والطاغوت: الشيطان، وما زينه للمشركين من عبادة معبوداتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، كأصنام قوم نوح، وأصنام قوم إبراهيم، واللات والعزى ومناة، وما لا يحصى كثرة في العرب والعجم وغيرهم. وهي موجودة في الخارج معينة معلومة الوجود،

стр. 4930

كأصنام قوم نوح، وغيرها مما لا يحصى كثرة؛ فمن قال لا إله إلا الله بصدق وإخلاص ويقين، فقد برئ من كل معبود يعبد من دون الله، ممن كان يعبده أهل الأرض. وهذه الكلمة دلت على البراءة من الشرك والكفر به تضمنا، ودلت عليه وعلى إخلاص العبادة لله تعالى مطابقة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] . بين تعالى أن الحكمة في خلق الجن والإنس أن يعبدوه وحده لا شريك له، ومن المعلوم أنه خلق الجن قبل الإنس. فيلزم على هذا القول الفاسد، الذي أبداه هذا الجاهل: أن العبادة التي خلق تعالى لها الثقلين، لا توصف بحق ولا باطل حين خلقهم لها؛ واللازم باطل فبطل الملزوم. وهذا الموضع الذي بينا بطلانه بالمعقول والمنقول، هو ثاني موضع زلت فيه قدم هذا الذي يدعي أنه على شيء، وليس معه شيء يلتفت إليه بما يوجب إنكاره عليه. وقد قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٥١] ، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ

стр. 4931

وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الجاثية آية: ١٨-١٩] . وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] . وعن زياد بن حدير، قال: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين"، رواه الدارمي؛ فرضي الله تعالى عن أمير المؤمنين عمر، كأنه ينظر إلى ما وقع في هذه الأمة، من جدال أهل الأهواء بالكتاب، وكثرة الآراء المخالفة للحق، التي بها كثر أهل الضلال، وكثرت بها البدع، وتفرقت الأمة، واشتدت غربة الإسلام؛ حتى عاد المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة؛ نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير. وما أحسن ما قال بعض السلف: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين. وقال بعضهم: ليس العجب ممن هلك كيف هلك؟ إنما العجب ممن نجا كيف نجا؟ فالناصح لنفسه يتهم رأيه وهواه، ويرجع إلى تدبر كتاب الله سبحانه لا إله غيره، ولا رب سواه، وإلى ما سنه الرسول ﷺ ، وما عليه سلف الأمة وأئمتها قبل حدوث الأهواء، وتفرق الآراء؛ وليكن من الشيطان وجنده على حذر.

стр. 4932

اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك، حربا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك. اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة. اللهم هذا الجهد، وعليك التكلان. وأما قول هذا في ورقته: إذ اشتقاقه من ألهه، يوجب اتحاده معه في المعنى. أقول: قد عرفتم ما ذكرناه من تناقضه في هذه العبارة، وما قبلها. وقد أخطأ أيضا فيما عبر به عن الاشتقاق، من وجهين: الأول: أنه جعل ألهه مشتقا منه، وهو: فعل، يشتق، ولا يشتق منه. والمصدر هو الذي يشتق منه الفعل، كما في الخلاصة ١. ............... ... وكونه أصلا لهذين انتخب ومصدره أَلِهَ إلهة; قال في القاموس: أله إلهة وأُلوهة وأُلوهية: عبد عبادة; ومنه لفظ الجلالة. وأصله: إله كفعال بمعنى مألوه; وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه; انتهى. الوجه الثاني: قوله: أَلِهَه إذا عبده، فجعل عبده

стр. 4933

مشتقا من ألهه، وهو من غير مادته، وهو فعل أيضا، فإن عبده مشتق من عبادة، يقال: عبده عبادة، فمادته عبد، لكن عبد تفسير لأله، فاتفقا في المعنى لا في اللفظ. وأيضا، فقوله: ألهه إذا عبده، يناقض ما سلف من كلامه. وأما قوله: يوجب اتحاده معه في المعنى، لعدم وجوده بدونه، فالجواب: أن قوله يوجب اتحاده معه في المعنى، ليس كذلك؛ بل لابد أن يتضمن أحدهما، وهو: الفعل، معنى المصدر وزيادة، لدلالته على الحدث والزمان. والمصدر: إنما يدل على الحدث فقط. وهذا أمر معروف عند النحاة وغيرهم، محسوس. فعبارته تدل على أنه لا يعرف معنى الاشتقاق الذي ذكره العلماء؛ ولو سئل عن معناه لما أجاب. ولكنه خلا بأناس عظموه في نفسه، فأراد أن يأخذ العلوم بمجرد الدعوى، ومن نظر في كلامه عرف أنه لا شيء هناك؛ فتجده يأتي بعبارات متضمنة لجهالات لم يسبقه إليها سابق، كما قد عرفتم، وتعرفونه فيما يأتي من كلامه، وما فيه من التناقض؛ فما أقبح جهل من يدعي العلم! وما أفحش خطأ من يدعي الفهم! والله أسأل أن يوزعنا شكر ما أنعم به علينا مما علمناه

стр. 4934

وفهمناه، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه، ونسأله الثبات والاستقامة، والعفو والعافية في الدنيا والآخرة، ولكل من عرف الإسلام وقبله، ودان به ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأما قوله: ثم استعمل في العرف على الأغلب والأكثر على المعبود بحق، لعدم تحقق العبادة إلا بعد اعتقاد العابد استحقاق المعبود لها، وإلا فلا تسمى عبادة. فالجواب أن قوله: ثم استعمل في العرف، أي: بعد أن كان الإله المعبود لغة غير مقيد بقيد الحقيقة والبطلان، كما تقدم صريحا في كلامه، فليت شعري متى هذا العرف، الذي وضع للألفاظ اللغوية معناها؟ ومن هم أهل هذا العرف، هل كانوا في قوم نوح أو قوم هود؟ فيسأل هذا متى كانوا؟ فما أقبح هذه الأقوال المختلقة، التي غايتها التمويه والتلبيس! فلا منقول ولا معقول، ولم يسبقه إليها أحد؛ وقد تقدم ما يلزم على هذا القول من اللوازم الباطلة. فتبين أن قوله هذا كذب على اللغة، لا يعرف عن أحد لغوي، ولا عن عربي؛ والعرف لا يغير اللغة عن أصلها لفظا ومعنى. وهذه كتب اللغة، كالقاموس، وصحاح الجوهري وغيره، ليس فيها ما يدل على هذا القول الباطل؛ فيكون قد كذب على اللغة العربية وعلى غيرها من

стр. 4935

اللغات، وعلى كتاب الله وسنة رسوله. وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، رحمه الله تعالى: الإله هو الذي تألهه القلوب محبة ورجاء وتوكلا، وغير ذلك من أنواع العبادة؛ وهذا قول أهل السنة قاطبة، لا يختلف فيه اثنان. وأما قوله: على الأغلب والأكثر، على المعبود بحق; فمفهومه: أنه يستعمل في غير الأغلب والأكثر، على غير المعبود بحق، فهذا صحيح، لكنه لا يختص بالعرف بل هو في اللغة كذلك؛ فإذا كان يطلق على غير المعبود بحق، كما تفهمه كل أمة، فهذا حجة عليه؛ فإن جميع الأصنام والأوثان، وما يعبد من دون الله، كلها آلهة معبودة بغير حق، باطلة بكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله؛ ففيها النفي والإثبات، كما سيأتي بيان ذلك. وكل ما نفته لا إله إلا الله من الأصنام والأنداد، فليس كليا لا يوجد ذهنا، كما يقوله المفتري: أفلاطون الفيلسوف، وشيعته، وإنما كانت أشخاصا متعددة، يباشرها عبادها بالعبادة بالدعاء، والاستغاثة والاستشفاع بها، والعكوف عندها والتبرك بها، كأصنام قوم نوح، وأصنام قوم عاد القائلين: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [سورة هود آية: ٥٤] . وأصنام نمرود التي تبرأ منها خليل الرحمن بقوله:

стр. 4936

﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧-٢٨] أي: هذه الكلمة، وهي: عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله، وجعلهما في ذريته باقية ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٨] أي إليها. فالخليل ﵇ فسر لا إله إلا الله بمدلولها، من النفي والإثبات؛ فالنفي في قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦] فالبراءة منها وإبطالها نفيها ; وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٧] استثنى الإله الحق، الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الذي فطره، أي: خلقه، وخلق جميع المخلوقات ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [سورة الصافات آية: ٥] . وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] : فإن تولوا، أي: عما تدعوهم إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له، والرغبة عما كانوا يعبدونه من دون الله، كالمسيح وأمه ﵉؛ فإن سبب نزول الآية في نصارى نجران، وكانوا يعبدون آلهة أخرى. فقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ينفي كل معبود سوى

стр. 4937

الله، ويثبت العبادة لله وحده، التي لا يستحقها غيره؛ وهذا ظاهر جلي، لا يخفى على من له أدنى بصيرة. وسبب النّزول: لا يمنع عموم النهي لجميع الأمة، كما هو ظاهر في قوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة هود آية: ٢] ، فلم يستثن أحدا سواه، لا ملكا ولا نبيا، ولا من دونهما، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة النحل آية: ٥١] ، وقوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] أي: من جميع المخلوقات من بشر، وحجر وغير ذلك. لكن قوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] يختص بالبشر لما تقدم من أنهم كانوا يعبدون المسيح وأمه، وغيرهما من الأنبياء والصالحين، ويشمل غيرهم من باب أولى. وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وأحدا: نكرة في سياق النهي، وهي تعم كل مدعو من دون الله، من أهل السماوات والأرض. وتأمل قوله: (مع الله) وخبر (لا) التي لنفي الجنس محذوف، تقديره: حق، كما دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [سورة الحج آية: ٦٢] ؛ وهذا قول أهل السنة والجماعة، اتباعا لما دل عليه القرآن.

стр. 4938

ومن قدر الخبر المحذوف غير ذلك، كقول بعضهم: إن المحذوف "أحد" فلا حجة له ولا برهان؛ ينبئك على هذا المعنى العظيم: ما قرره ابن القيم، رحمه الله تعالى; قال: فإن قوام السماوات والأرض والخليقة، بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما آلهة أخرى غير الله لم يكن إلها حقا؛ إذ الإله الحق لا شريك له، ولا سمي له ولا مثل له. فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد، بانتفاء ما فيه صلاحها؛ إذ صلاحها بتأله الإله الحق، كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار، ويستحيل أن تستند في وجودها، إلى ربين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في تألهها إلى إلهين متساويين. وقد قال ﵀ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] الآية، قال: فالمؤمنون أشد حبا لربهم ومعبودهم، من كل محب لكل محبوب. وليست هذه المسألة من المسائل التي للعبد عنها غنى أو منها بد؛ بل هذه أفرض مسألة على العبد. وهي أصل عقد الإيمان، الذي لا يدخل فيه الداخل إلا بها؛ ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها؛ فليشتغل العبد بها أو ليعرض عنها. ومن لم يتحقق بها علما وعملا وحالا، لم يتحقق

стр. 4939

شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها سرها وحقيقتها ومعناها، وإن إبى ذلك الجاحدون، وقصر عن علمه الجاهلون؛ فإن الإله هو المحبوب المعبود، الذي تأله القلوب بحبه وتخضع له، وتذل له وتخافه، وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه، وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده؛ ولهذا كانت أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه، وأهل غضبه ونقمته. فهذه المسألة قطب رحى الدين الذي عليه مداره، وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد، فالفساد لازم له في علومه وأعماله، وأحواله وأقواله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، انتهى، فما أحسن هذا من بيان! وأما قول الملحد في ورقته: لعدم تحقق العبادة، إلا بعد اعتقاد استحقاق المعبود لها، فالجواب: هذا القيد ممنوع، وهو من جملة اختلافاته، وأكاذيبه، لأنه فاسد شرعا، ولغة وعرفا؛ ومما يبين فساده: ما في الحديث من قصة الرجلين اللذين مرا على صنم قوم، لا يجاوزه أحد إلا قرّب له شيئا، فقالوا لأحد الرجلين: قرّب، فقال: ما عندي شيء أقرب، فقالوا: قرّب ولو ذبابا، فقرّب ذبابا، فخلوا

стр. 4940

سبيله، فدخل النار، أي: بتقريبه الذباب لصنمهم. وهو إنما قربه للتخلص من شرهم، من غير اعتقاد استحقاقه لذلك، فصار عبادة للصنم دخل بها النار؛ وهذا يدل على أن هذا الفعل منه هو الذي أوجب له دخول النار، لأنه عبد مع الله غيره بهذا الفعل. وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة. وأيضا: فقد قال أبو طالب: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعني بقول الأباطل وقوله يخاطب النبي ﷺ ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا فثبت بهذا: أن أبا طالب لم يعتقد أن ما كان قومه عليه من الشرك حقا، ولم يمنعه من الدخول في الإسلام، إلا خوف أن يسب أسلافه فقط، ومع هذا مات مشركا، كما ثبت في الصحيح؛ وهذا يبين فساد هذا القيد. فإذا عرف ذلك، تبين أن هذا الرجل يختلق أقوالا، لا برهان عليها، ولا حجة. ثم إن من المعلوم أن كل من عبد معبودا غير الله، وأصر على عبادته له أنه يعتقد استحقاقه للعبادة؛ وهذا هو الغالب على المشركين في حق
следующие страницы →