← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧-٢٨] أي: هذه الكلمة، وهي: عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله، وجعلهما في ذريته باقية ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٨] أي إليها. فالخليل ﵇ فسر لا إله إلا الله بمدلولها، من النفي والإثبات؛ فالنفي في قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦] فالبراءة منها وإبطالها نفيها ; وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٧] استثنى الإله الحق، الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الذي فطره، أي: خلقه، وخلق جميع المخلوقات ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [سورة الصافات آية: ٥] . وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] : فإن تولوا، أي: عما تدعوهم إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له، والرغبة عما كانوا يعبدونه من دون الله، كالمسيح وأمه ﵉؛ فإن سبب نزول الآية في نصارى نجران، وكانوا يعبدون آلهة أخرى. فقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ينفي كل معبود سوى

стр. 4937

الله، ويثبت العبادة لله وحده، التي لا يستحقها غيره؛ وهذا ظاهر جلي، لا يخفى على من له أدنى بصيرة. وسبب النّزول: لا يمنع عموم النهي لجميع الأمة، كما هو ظاهر في قوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة هود آية: ٢] ، فلم يستثن أحدا سواه، لا ملكا ولا نبيا، ولا من دونهما، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة النحل آية: ٥١] ، وقوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] أي: من جميع المخلوقات من بشر، وحجر وغير ذلك. لكن قوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] يختص بالبشر لما تقدم من أنهم كانوا يعبدون المسيح وأمه، وغيرهما من الأنبياء والصالحين، ويشمل غيرهم من باب أولى. وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وأحدا: نكرة في سياق النهي، وهي تعم كل مدعو من دون الله، من أهل السماوات والأرض. وتأمل قوله: (مع الله) وخبر (لا) التي لنفي الجنس محذوف، تقديره: حق، كما دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [سورة الحج آية: ٦٢] ؛ وهذا قول أهل السنة والجماعة، اتباعا لما دل عليه القرآن.

стр. 4938

ومن قدر الخبر المحذوف غير ذلك، كقول بعضهم: إن المحذوف "أحد" فلا حجة له ولا برهان؛ ينبئك على هذا المعنى العظيم: ما قرره ابن القيم، رحمه الله تعالى; قال: فإن قوام السماوات والأرض والخليقة، بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما آلهة أخرى غير الله لم يكن إلها حقا؛ إذ الإله الحق لا شريك له، ولا سمي له ولا مثل له. فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد، بانتفاء ما فيه صلاحها؛ إذ صلاحها بتأله الإله الحق، كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار، ويستحيل أن تستند في وجودها، إلى ربين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في تألهها إلى إلهين متساويين. وقد قال ﵀ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] الآية، قال: فالمؤمنون أشد حبا لربهم ومعبودهم، من كل محب لكل محبوب. وليست هذه المسألة من المسائل التي للعبد عنها غنى أو منها بد؛ بل هذه أفرض مسألة على العبد. وهي أصل عقد الإيمان، الذي لا يدخل فيه الداخل إلا بها؛ ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها؛ فليشتغل العبد بها أو ليعرض عنها. ومن لم يتحقق بها علما وعملا وحالا، لم يتحقق

стр. 4939

شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها سرها وحقيقتها ومعناها، وإن إبى ذلك الجاحدون، وقصر عن علمه الجاهلون؛ فإن الإله هو المحبوب المعبود، الذي تأله القلوب بحبه وتخضع له، وتذل له وتخافه، وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه، وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده؛ ولهذا كانت أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه، وأهل غضبه ونقمته. فهذه المسألة قطب رحى الدين الذي عليه مداره، وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد، فالفساد لازم له في علومه وأعماله، وأحواله وأقواله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، انتهى، فما أحسن هذا من بيان! وأما قول الملحد في ورقته: لعدم تحقق العبادة، إلا بعد اعتقاد استحقاق المعبود لها، فالجواب: هذا القيد ممنوع، وهو من جملة اختلافاته، وأكاذيبه، لأنه فاسد شرعا، ولغة وعرفا؛ ومما يبين فساده: ما في الحديث من قصة الرجلين اللذين مرا على صنم قوم، لا يجاوزه أحد إلا قرّب له شيئا، فقالوا لأحد الرجلين: قرّب، فقال: ما عندي شيء أقرب، فقالوا: قرّب ولو ذبابا، فقرّب ذبابا، فخلوا

стр. 4940

سبيله، فدخل النار، أي: بتقريبه الذباب لصنمهم. وهو إنما قربه للتخلص من شرهم، من غير اعتقاد استحقاقه لذلك، فصار عبادة للصنم دخل بها النار؛ وهذا يدل على أن هذا الفعل منه هو الذي أوجب له دخول النار، لأنه عبد مع الله غيره بهذا الفعل. وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة. وأيضا: فقد قال أبو طالب: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعني بقول الأباطل وقوله يخاطب النبي ﷺ ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا فثبت بهذا: أن أبا طالب لم يعتقد أن ما كان قومه عليه من الشرك حقا، ولم يمنعه من الدخول في الإسلام، إلا خوف أن يسب أسلافه فقط، ومع هذا مات مشركا، كما ثبت في الصحيح؛ وهذا يبين فساد هذا القيد. فإذا عرف ذلك، تبين أن هذا الرجل يختلق أقوالا، لا برهان عليها، ولا حجة. ثم إن من المعلوم أن كل من عبد معبودا غير الله، وأصر على عبادته له أنه يعتقد استحقاقه للعبادة؛ وهذا هو الغالب على المشركين في حق

стр. 4941

معبوداتهم، ولهذا تجدهم يجادلون عنها ويناضلون مجادلة من يعتقد أنها تستحق ما كانوا يفعلونه لها من العبادة. وقوله: في كل أمة أيضا، اعتراف منه بأن الإله يطلق على كل معبود يعتقد عابده أنه يستحق العبادة، كما هو حال أكثر المشركين. فاحفظ هذا الاعتراف منه، فسيأتي في كلامه ما يناقضه. وأما قوله: ولهذا ذهب كثير من المتبحرين، إلى أنه عبارة عن المعبود بحق، وما قيل من أن كثيرا ما يطلق على الآلهة الباطلة، كما ورد في أكثر موارد القرآن، وهو يوجب عدم صحة المدعى، فمدفوع بأن إطلاقها عليها بالنظر، إلى اعتقاد عبادها، لا باعتبار نفس الأمر. فالجواب: أن يقال: هذا يناقض ما تقدم له، من أن العابد إذا اعتقد استحقاق معبوده للعبادة، صار إلها؛ ولا يخفى مناقضة هذا له، فإنه أقر فيما تقدم قريبا أن المعبود يكون إلها، باعتقاد عابده استحقاقه للعبادة في نفس الأمر؛ وقد عرفت أن القيد ممنوع، فأخطأ في الموضعين، أي في هذا والذي قبله، وتناقض. وأما قوله: ولهذا ذهب كثير من المتبحرين...... إلخ. فهذا القول مجهول قائله، لا يعرف أن أحدا من المسلمين قاله، والقائل به مجهول، لا يقبل له قول، وقد

стр. 4942

أجمع العلماء قديما وحديثا، على أن المجهول لا يقبل له قول ولا خبر، ولا تقوم به حجة في شيء من أبواب العلم؛ فكيف إذا كان إلحادا، وطعنا في أصل الدين؟ وقد أجمع المحدثون على أن رواية المجهول لا تقبل كذلك؛ فسقط هذا القول من أصله وفسد. وقوله: كما ورد في أكثر موارد القرآن، فانظر إلى هذا الجهل العظيم، في محاولته رد ما ورد في أكثر موارد القرآن، بقول المجهولين الذين لا يعتد بقولهم عند أحد من طوائف العلماء؛ وموارد القرآن يحتج بها، لا يحتج عليها بقول أحد. وهي الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] الآية؛ فما وافق القرآن سواء كان نصا أو ظاهرا قُبل، وما خالفه رُد على من قاله، كائنا من كان. فقد ارتقى هذا مرتقى صعبا، بتهجينه القرآن، وإبطال دلالته عنه، بما زخرفه ونسبه إلى مجهولين؛ فسبحان الله! كيف يخفى هذا على أحد؟ فمن تدبر هذا المحل، تبين له ضلاله. وأما قوله: فمدفوع بأن إطلاقه عليها، بالنظر إلى

стр. 4943

اعتقاد عبادها، فالجواب: أن هذا يبطله القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٤] ، وقال: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ٨٦] ، فسماها الخليل آلهة، مع كونها باطلة. وكونها باطلة لا ينافي تسميتها آلهة، كما قال موسى ﵊، لما قال له بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ?قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٨-١٣٩-١٤٠] ، فسماه الكليم إلها، مع إنكاره عليهم ما طلبوا، وهو قد أقر فيما تقدم أنه يطلق على غير الإله الحق، فتناقض. وأما الإلهية المنفية في كلمة الإخلاص، بدخول أداة النفي عليها، وهي "لا" النافية، فالمراد بنفيها إبطالها، والبراءة منها، والكفر بها، واعتزالها، وغير ذلك مما سيأتي ذكره، إن شاء الله تعالى، كما تسمى آلهه وأندادا، وأربابا وشركاء، وأولياء، لأن من عبدها فقد جعلها مألوهة له، وجعل لها شركة في العبادة التي هي حقه، ومثلها بالله في عبادته لها، واتخذها أربابا وأولياء. وكل هذا في القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ

стр. 4944

مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] . وقد تقدم كلام العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى، على هذه الآية العظيمة. وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [سورة القصص آية: ٦٤] ، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، وقال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٢] ؛ وهذا في القرآن كثير. فصارت تطلق عليها هذه الأوصاف، بجعل عابديها، واتخاذهم لها كذلك، بعبادتهم وإرادتهم، كما تقدم بيانه في هذه الآيات، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [سورة يس آية: ٧٤] ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً﴾ [سورة مريم آية: ٨١] ؛ فصارت آلهة بالفعل، والاتخاذ والإرادة، والقصد. واستشهد العلماء على ذلك، بقول رؤبة بن العجاج: لله در الغانيات المدَّه ... سبّحن واسترجعن من تألُّه أي: من تعبد; وتقدم كلام صاحب القاموس، على هذا المعنى، وقرأ ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٢٧] أي: عبادتك قال: لأنه كان يعبد؛ وتقدم تقرير هذا في كلام العلماء، وهذا يبين أن كل معبود إله، حقا كان أو

стр. 4945

باطلا، لأنه قد ألهه العابد بالعبادة. وتبين بهذا أن هذا الرجل يتكلم في هذه الأمور بلا علم، ويأتي بما يخالف القرآن واللغة، والسلف والعلماء، ويتناقض؛ ومن فرط جهله، قوله: وبهذا تعين فساد ما توهم، من أن الإله المنفي بلا- في الكلمة الطيبة- هو المطلق، غير المقيد بالحق أو الباطل؛ وهذا القول الذي أقر بفساده، هو الذي قاله آنفا، وبينا فساده في محله. فتأمل ما في هذا الكلام من الفساد والضلال، فإنه جعل المنفي في كلمة الإخلاص، قابلا للوصفين، أي: الحق والباطل؛ فإنه لا شك أن الإله المنفي باطل، ولا بد من تقييده بالبطلان، لأن المنفي في كلمة الإخلاص، هي الطواغيت والأصنام، وكل ما عبد من دون الله؛ وكلها باطلة بلا ريب، كما قال لبيد في شعره، الذي سمعه منه النبي ﷺ : ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... ..................... ومن لم يعتقد هذا، فليس من الإسلام في شيء؛ وتقدم في الآيات: أن المستثنى في كلمة الإخلاص "بإلا" هو الله الحق، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [سورة الحج آية: ٦٢] . وهذا الرجل قد افترى على اللغة، وكذب عليها بقوله المتقدم: إن الإله هو المعبود، لا بقيد الحقيقة ولا البطلان؛ فهو دائما

стр. 4946

يتناقض، يذكر قولا وينفيه، ثم يذكره بعده ويثبته ثم ينفيه. ومن وقف على ما كتبته في هذا المعنى ١ عرف ذلك من حاله ومقاله؛ ومحط رحله هو قول الفلاسفة، كابن سينا، والفارابي، وابن العلقمي، القائلين بأن مدلول لا إله إلا الله نفيا وإثباتا فرد، هو: الوجود المطلق، أو قول الاتحادية: إنه الوجود بعينه. وكلام هذا وعبارته، المتقدم منها والآتي، يدل على أنه يقول بقولهم، ويحمل معنى كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، على إلحادهم؛ يعرف هذا من له فهم واطلاع على ما ذكره العلماء، في بيان حقيقة قول هاتين الطائفتين الكفريتين، كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام، وابن القيم وغيرهما. وهذا إعراب كلمة الإخلاص، الذي يعرفه أهل العربية وغيرهم من العلماء في إعرابها، فيقولون: "لا" نافية للجنس، واسمها "إله" مبني معها على الفتح، منفي بلا، والإله جنس، يتناول كل معبود، من بشر أو حجر، أو شجر أو مدر ٢ أو غير ذلك، فهذا الجنس على تعدد أفراده منفي بلا.

стр. 4947

وخبر "لا" محذوف على الصحيح، كما في الآيات، وتقدم ذكره، والاستثناء من الخبر، و"إلا" أداة الاستثناء، والله هو المستثنى بإلا، وهو الإله الحق وعبادته حق، وقوله الحق ; والصحيح: أنه مخرج من اسم لا وحكمه، كما قرره العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى. والأدلة على هذا في القرآن، أكثر من أن تحصر، وقد صرحت بذلك الآيات المحكمات، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٤] ؛ وهذا هو المنفي بلا في كلمة الإخلاص، وقوله: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٤] هو معنى إلا الله. وهذا هو الذي أمر الله نبيه ﷺ أن يدعو أمته إليه، وما خالف هذا فهو تلبيس وتشبيه، وبهرج وباطل، نعوذ بالله من كل قول يؤخذ عن غير القرآن، وعن غير ما دان به أهل الإسلام والإيمان. ثم إن هذا الرجل، انتهى أمره فيما كتبه، إلى أن زعم أن المنفي بلا كلي، وهذا الكلي منوي ذهنا، لا يوجد منه في الخارج إلا فرد، وذلك الفرد المنفي بلا هو المستثنى بعينه؛ وهذا صريح كلامه، وأتى فيه بثلاث عظائم، هي إلى الكفر أقرب منها إلى الإيمان:

стр. 4948

الأولى: أنه زعم أن المنفي بلا كلي لا يوجد إلا ذهنا؛ فعنده أنها لم تنف طاغوتا، ولا وثنا، ولا صنما، ولا غيرها، مما يعبد من دون الله؛ فخالف أيضا أهل المنطق، فإن الكلي عندهم مقول على كثيرين، مختلفين بالعدد دون الحقيقة، ولم يقولوا: إنه منوي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد. الثانية: أنه زعم أن ذلك الفرد الذي لا يوجد غيره، لما كان منفيا بلا صار ثابتا بإلا، وهو فرد واحد؛ فصار الإله عنده متصفا بالنفي والإثبات. والنفي والإثبات في فرد نقيضان، ومقتضاه أن هذا الفرد صار أولا باطلا لأنه منفي، ثم صار حقا لأنه استثني بإلا؛ فاجتمع فيه الوصفان، نعوذ بالله من هذا التهافت والإلحاد، والتناقض والعناد. وقد عرفت أن النحاة وأهل الكلام،، كالرازي وغيره ومن قبلهم، يعلمون أن المنفي غير المثبت، كما سنذكر عنهم اتفاقهم على ذلك، وأنه لا يحصل التوحيد إلا بذلك؛ وهذا أمر يعرفه كل أحد، حتى مشركو العرب ومن ضاهاهم، من الأمم أعداء الرسل، يعلمون أنها نفت الآلهة التي كانت تعبد من دون الله، وأثبتت إلهية الحق الذي أقروا أنه رب كل شيء ومليكه، وخالق كل شيء ورازق كل حي، وذلك هو الله العلي الأعلى، القاهر فوق عباده.

стр. 4949

والثالثة: أنه صرح أن المنفي كلي، والفرد الموجود في الخارج جزئي، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا؛ وهذا هو حقيقة قول هذا، ولهذا مثله بقوله: لا شمس إلا الشمس. ومن أشكل عليه فساد قول هذا وضلاله، فليتدبر القرآن، وليراجع كلام المفسرين في معنى كلمة الإخلاص، وما وضعت له، وما دلت عليه هذه الكلمة العظيمة؛ فقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] . فدلت الآية على أنه لا يكون مستمسكا بلا إله إلا الله، إلا إذا كفر بالطاغوت، وهي العروة الوثقى، التي لا انفصام لها؛ ومن لم يعتقد هذا، فليس بمسلم، لأنه لم يتمسك بلا إله إلا اله. فتدبر واعتقد ما ينجيك من عذاب الله، وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله نفيا وإثباتا. وتدبر قوله تعالى عن خليله ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧-٢٨] ؛ والكلمة هي: لا إله إلا الله، بإجماع المفسرين؛ فلا أحسن من هذا التفسير، ولا أبين منه، وليس للجنة طريق إلا بمعرفته وقبوله، واعتقاده

стр. 4950

والعمل به. نسأل الله أن يوزعنا شكر ما أنعم به علينا من هذا التوحيد، والبصيرة فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فتأمل كيف عبر الخليل ﵇، عن هذه الكلمة بمدلولها الذي وضعت له، من البراءة من عبادة كل معبود سوى الله، من وثن وصنم، وغير ذلك، وقصر العبادة على الله وحده بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٧] . ودلت على أن المنفي جنس، تحته أفراد موجودة في الخارج يعبدها المشركون، وليست آلهة إلا في حق من يعبدها ويتألهها، دون من يكفر بها، ويتبرأ منها، ويعاديها، ويعادي من عبدها. إذا ثبت ذلك وعرفت أن الحق فيما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله، في بيان معنى هذه الكلمة، فاعلم: أن النحاة والمتكلمين، اختلفوا: هل تحتاج "لا" النافية لخبر مضمر، أم لا؟ فمنعه الرازي، والزمخشري، وأبو حيان، وقالوا: إنه يكفي في الدلالة على التوحيد، ما تضمنته من النفي والإثبات، بناء على أن أصلها مبتدأ وخبر، ثم قدم الخبر على المبتدأ، ثم دخل حرف النفي على الخبر المقدم، ودخل حرف إلا مستثنى على المبتدأ؛ فانتفت الإلهية عن كل ما سوى الله، من كل ما يعبد من دونه، من صنم، ووثن، وطاغوت، وغير ذلك. هذا مضمون ما ذهب إليه هؤلاء، وغيرهم وافقهم في

стр. 4951

المعنى، فاتفقوا أن المستثنى مخرج بإلا، ولولا الاستثناء لدخل؛ قال الكسائي هو مخرج من اسم لا، وقال الفراء مخرج من حكم اسمها وهو النفي؛ والصحيح: أنه مخرج منهما، كما قرره العلامة ابن القيم، ﵀. إذا عرفت ذلك، فكثير من النحاة وغيرهم، يقولون: لا بد لها من خبر مضمر. قال بعض من صنف في إعراب هذه الكلمة، ومعناها- بعد كلام له سبق- أقول: قد عرفت أن المضمر على تقدير: أن يكون في الكلام إضمار، إما الخبر، أو المرفوع بإلا، المكتفى به عن الخبر. [المعنى المقصود في لا إله إلا الله] وقد عرفت أيضا أن المعنى المقصود في لا إله إلا الله، هو قصر الألوهية على الله تعالى؛ والعلامة الدواني قائل بهذا، كما يشير إليه في البحث الخامس من رسالته، وصرح به في شرحه للعقائد العضدية، حيث قال: واعلم: أن التوحيد إما بحصر وجوب الوجود، أو بحصر الخالقية، أو بحصر العبودية، ثم قال: الأول كذا، والثاني كذا، وساق الكلام، وحقق المقام، أي في رده، إلى أن قال: والثالث، وهو: حصر العبودية، وهو أن لا يشرك بعبادة ربه أحدا. فقد دلت عليه الدلائل السمعية، وانعقد عليه إجماع الأنبياء ﵈؛ وكلهم دعوا المكلفين أولا إلى هذا

стр. 4952

التوحيد، ونهوهم عن الإشراك في العبادة، قال تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [سورة الصافات آية: ٩٥-٩٦] انتهى. ثم قال الناقل: ومصداق إجماع الأنبياء، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] بعد قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٤] . وقوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [سورة النحل آية: ٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٤٥] إلى أن قال: فإثبات الألوهية له تعالى على وجه الانحصار، فرع على أصل ثبوتها له تعالى، وأصل ثبوتها له تعالى، فرع على ثبوته تعالى في نفسه؛ بل أصل ثبوت الألوهية له تعالى أيضا على ما يقتضيه دلالة هذا الكلام لغة، أمر مسلم الثبوت مفروغ منه، لا نزاع فيه. وإنما النّزاع أي مع المشركين في قصر الألوهية عليه تعالى؛ فالموحد يخصها به، فيقول: لا إله إلا الله، والمشرك ينكر

стр. 4953

ذلك استكبارا، فيقول: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٥] . قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٥-٣٦] ، إلى أن قال: فإذا تمهد هذا، فنقول: لما كان في لا إله إلا الله نفي وإثبات، فهي في الحقيقة جملتان اسميتان، لأن كلا من النفي والإثبات يقتضي طرفين ينعقد الحكم بينهما؛ فطرف الإثبات هو الاسم الجليل، مع صحة الإيجاب من إله، فصح أن يقصر بالأولى استمرار الثبوت الممتنع الانفكاك، وبالثانية استمرار النفي، الممتنع الانفكاك؛ ومقام الدعوة إلى كلمة التوحيد، قرينة على أن المعنى المراد من لا إله إلا الله نفيا وإثباتا، هو هذا الاستمرار الممتنع الانفكاك، ضرورة أن الشارع لا يقول إلا صدقا، واستمرار ثبوت الإلهية له تعالى، على سبيل امتناع الانفكاك، واستمرار انتفاء الألوهية عن غيره تعالى، هو المطابق لما في نفس الأمر، فهو المقصود للشارع، فلم يبق إلا أن أهل اللسان هل فهموا ذلك منه، حتى يكون دلالته لغوية أم لا؟ فنقول: إنهم قد فهموا منه ذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٥-٣٦] ؛ ووجه دلالته على ما ذكرناه، هو أن الصادق أخبر بأن إنكارهم لما

стр. 4954

يلزم من الاعتراف بلا إله إلا الله- من تركهم آلهتهم، واختصاصه تعالى بالألوهية- إنكار بمحض استكبار لا لتمسك عقلي، انتهى ما نقلته، وهو تقرير حسي، موافق لما دل عليه الكتاب والسنة، كما عرفت من صريح الآيات، والأحاديث. لكن قوله: وأصل ثبوتها له تعالى، فرع على ثبوته تعالى في نفسه، أمر فطري مسلم حتى عند أعداء الرسل؛ فإنهم يعرفونه ويعبدونه، لكن عبدوا معه غيره، فدلالتها على وجوده تعالى دلالة التزام. فيلزم من اختصاصه بالإلهية، وجوده وكماله في ذاته، وصفاته ومباينته للمخلوقين، وأنه أحد صمد، لا كفء له، ولا مثل له، ولا شريك له، ولا ظهير له، ولا ند له تعالى وتقدس، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية: ١-٢-٣-٤] ، وقال تعالى: ﴿يْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] ، إلى أمثال هذه الآيات. رجعنا إلى تقرير معنى هذه الكلمة العظيمة، قال الله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [سورة يونس آية: ٣٢] ؛ قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، في هذه الآية: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [سورة يونس آية: ٣٢] : فالآية إنما سيقت فيمن يعبد غير الله، فما عبد إلا الضلال المحض، والباطل

стр. 4955

البحت، انتهى. وقد فسر العلماء من المفسرين وغيرهم، سلفا وخلفا، معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] ، أن الطاغوت هو الشيطان، وما زينه من عبادة الأوثان، كما تقدم؛ ولا ريب أن الكفر بالشيطان، يحصل بالبراءة منه، ومعصيته في كل ما أمر به ونهى عنه- وكان موجودا- أعاذنا الله من عبادته؛ وكذلك الأوثان يكفر بها المؤمنون، ويتبرؤون من عبادتها مع وجودها، ومن عبادة المشركين لها. والمقصود: أن نفي الأوثان، الذي دلت عليه كلمة الإخلاص، يحصل بتركها، والرغبة عنها، والبراءة منها، والكفر بها وبمن يعبدها، واعتزالها واعتزال عابديها، وبغضها وعداوتها، وكل هذا في القرآن مبينا؛ وقد انتفت عبادة كل ما عبد من دون الله، مما هو موجود في الخارج، مما يعبده المشركون سلفا وخلفا، بهذه الكلمة، كما تقدم. وقد ذكر تعالى عن خليله ﵇، أنه قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [سورة الشعراء آية: ٧٧-٧٨] الآيات، وبالله التوفيق. وصح عن أهل السير والمغازي، وغيرهم من العلماء: أن الله تعالى لما أرسل محمدا ﷺ يدعو الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، وكان حول الكعبة ثلاثمائة

стр. 4956

وستون صنما، تعبدها قريش، وكانوا يعبدون اللات والعزى ومناة، وهي أكبر الطواغيت، التي يعبدها أهل مكة والطائف ومن حولهم، فاستجاب للنبي ﷺ من استجاب من السابقين الأولين، وهاجر من هاجر منهم إلى الحبشة، وكل من آمن منهم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، رغبة عن الشرك وعبادة الأوثان، وكفرا بها، وبراءة منها، ومسبة لها؛ فصح إسلامهم، وإيمانهم بذلك، مع كونها موجودة يعبدها من يعبدها، ممن لم يرغب عنها، وعن عبادتها. فبهذا يتبين أنه ليس المراد من نفي الأوثان والأصنام وغيرها، في كلمة الإخلاص، زوال ماهية الأصنام، ونفي وجودها؛ وإنما المراد إنكار عبادتها، والكفر بها، وعداوتها، كما تقدم بيانه. وكل من تبرأ منها، ورغب عنها، فقد نفاها بقول لا إله إلا الله، وأثبت الألوهية لله تعالى، دون كل ما يعبد من دونه. فلما تمكن ﷺ من إزالة هذه الأصنام، كسرها، وبعث من يزيل ما بعد عنه منها، فخلت الجزيرة من أعيانها؛ وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] . وفيه الرد على الفلاسفة، وأهل الاتحاد، القائلين بأن المنفي كلي، يوجد منه ذهنا، ولا يوجد منه في الخارج إلا

стр. 4957

فرد، بناء على ما اعتقدوه في الله تعالى، من الكفر به، وبكتابه وبرسوله؛ وقد عرفت أن المنفي بها أفرادا متعددة من الأصنام والأنداد، والشركاء والأولياء، من حين حدث الشرك بعبادة الأصنام في قوم نوح، إلى أن تقوم الساعة. فيجب بلا إله إلا الله البراءة من كل ما يعبده المشركون من دون الله؛ فلا بد من نفي هذا كله، بالبراءة من عبادته، ومن عابديه. فمن تبرأ من عبادتها كلها، وأنكرها وكفر بها، فقد قال لا إله إلا الله، وأخلص العبادة لله وحده، وصار بهذا التوحيد مسلما مؤمنا. وتأمل ما ذكره المفسرون، في قول الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٤-٥] . قال أبو جعفر ابن جرير، رحمه الله تعالى: أنبأنا أبو كريب، وابن وكيع، قالا: حدثنا أبو أسامة، أنبأنا الأعمش، حدثنا عباد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته. فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس

стр. 4958

النبي ﷺ إلى جنب أبي طالب، أن يكون أرق عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب. فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال: "?يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية" ففزعوا لكلمته، ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة، نعم وأبيك عشرا. فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: "?لا إله إلا الله" فقاموا فزعين ينفضون التراب عنهم، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٥] إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [سورة ص آية: ٨] : لفظ أبي كريب. وهكذا رواه الإمام أحمد والنسائي، من حديث محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن أبي أسامة عن الأعمش، عن عباد منسوبا به نحوه، ورواه الترمذي والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، كلهم من تفاسيرهم، من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقال الترمذي: حسن. ففي هذا من البيان والعلم أن لا إله إلا الله، تبطل

стр. 4959

عبادة كل ما يعبده المشركون من دون الله، وتنفي ما كان بينهم من معبوداتهم الموجودة في الخارج بأعيانها. وفيه أن المشركين عرفوا معناها الذي وضعت له، ودلت عليه، من إبطال عبادة كل معبود سوى الله. فإذا كان معناها هذا يعرفه كل أحد، حتى المشركون يعرفون ما نفته، وما أثبتته، فإذا جاء ملحد لا يعرف معناها من كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا لغة، ولا عرف، ولا عرف من معناها ما عرفه المشركون، وقال: إن لا إله إلا الله لم تنف إلا كليا منويا لا يوجد منه في الخارج إلا فرد، وهذا الفرد المنفي هو المثبت، فأين هذا من معناها الذي يعرفه المسلمون، وبه يدينون، ويعرفه المشركون أيضا، ويشمئزون منه وينفرون؟ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٥-٣٦] . فالمشركون عرفوا وأنكروا مدلولها، وهذا الملحد أنكر مدلولها، مع الجهل بمعناها، الذي يعرفه كل أحد، حتى أعداء الرسل القائلون: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٧٠] . فسبحان الله ما أبين ضلال هذا الملحد عند أهل البصيرة من أهل التوحيد، وعند أهل الفطر والعقول قاطبة! فكل ذي عقل ينكر هذا القول، ويعرف بطلانه.

стр. 4960

ونذكر وجوها، تبين بطلان هذا القول مع ما تقدم. الأول: أن هذا يناقض ما شهد الله به، وشهدت به ملائكته، وأولو العلم من عباده، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨] ؛ فلم يبق معبود يعبده الأولون والآخرون من دون الله، إلا بطلت عبادته، وإلهيته، بشهادة الله وملائكته، وأولي العلم قاطبة. وأن المعبودات التي بطلت بشهادة الله، ليست كليا لا يوجد منه في الخارج إلا فرد، كما يقوله الملحد، بل كل ما يوجد في الأمم، وفي العرب من الأوثان، والأصنام التي لا تحصى كثرة، كأصنام قوم نوح وغيرها. ومن لم يعتقد أن هذا هو الذي شهد الله به، وملائكته، وأنبياؤه، بنفي، عن هذه الأصنام، وكل ما عبد من دون الله، فما قال لا إله إلا الله، وما عرف من الإسلام ما يعصم دمه وماله، وصار عما شهد الله به في معزل. الوجه الثاني: أن هذا القول ينافي ما بينه الله تعالى في كتابه، من ملة الخليلين، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦] الآية، وقد تقدمت. وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ

стр. 4961

ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٦-١٧] . فذكرها ﵇ بصيغة الجمع؛ أيجوز في عقل عاقل أن ما ذكره تعالى عن خليله، من إنكاره لعبادة هذه الأوثان، وإخباره أنهم لا يملكون لعابديهم رزقا، أنها لا توجد في الخارج؟ ولا ريب أنه لا يجحد هذا إلا مكابر معاند، مخالف لما جاءت به الرسل من التوحيد. وقوله تعالى عن خليله: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة العنكبوت آية: ٢٥] الآية، أيشك من له عقل أن تلك الأوثان موجودة عند عابديها، يباشرونها بالعبادة؟ وهل يعرف أحد من هذا السياق، إلا أنها موجودة معبودة، منتفية بلا إله إلا الله. وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٤] ، ولا خلاف أن الصنم شيء مصور، على صورة شخص يعبد من دون الله، وذلك لا يكون إلا موجودا في الخارج؛ فسماه الخليل أوثانا، وآلهة، وأنكرها وتبرأ منها، وممن عبدها. الوجه الثالث: أن الله بعث محمدا ينهى قريشا والعرب وغيرهم من المشركين، عن أن يعبدوا مع الله غيره،

стр. 4962

كاللات والعزى ومناة، والأصنام التي كانت حول الكعبة كما تقدم. وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [سورة النجم آية: ١٩] إلى قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سورة النجم آية: ٢٣] ؛ أيشك أحد بعد هذا أنها موجودة تعبد من دون الله؟ بل لا يشك مسلم، ولا مشرك في وجودها، وأن قريشا وغيرهم يعبدونها. الوجه الرابع: أن الله تعالى، قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [سورة نوح آية: ١-٢-٣] ، فأجابوا ردا عليه، فيما دعاهم إليه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] ؛ ومعلوم عند العلماء قاطبة، بل وعند العامة، أنها أسماء رجال صالحين، صورها قومهم أصناما على صورهم، وسموها بأسمائهم، فآل بهم الأمر إلى أن عبدوها؛ وهي موجودة في الخارج، لا يشك في وجودها أحد، ولا ريب أنها منتفية بكلمة الإخلاص، لا إله إلا الله. وهذه الأصنام استخرجها عمرو بن لحي الخزاعي، الكاهن، لما كان واليا على مكة قبل قريش، وفرقها في العرب؛ فعبدوها كما عبدها قوم نوح، كما ذكره البخاري في صحيحه.

стр. 4963

الوجه الخامس: ما ذكره الله عن قوم هود، لما دعاهم هود ﵇ إلى أن يعبدوا الله وحده ويتقوه، قال لهم: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سورة الأعراف آية: ٧١] ، فأجابوه بقولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٧٠] ، فظهر: أن لهم ولآبائهم، معبودات في الخارج، يعبدونها من دون الله، ودعوة الرسل تبطل عبادتها. وتقدم ما ذكره الله تعالى في سورة هود، من قولهم لهود ﵇: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [سورة هود آية: ٥٤] ، وهذا لا يقال إلا على آلهة موجودة تعبد. ودلت هذه الآيات على أن الإلهية هي العبادة، وأن المشركين وضعوها فيمن لا يستحقها من صنم ووثن وطاغوت وغير ذلك. الوجه السادس: قول يوسف ﵇: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سورة يوسف آية: ٣٩-٤٠] ؛ فسبحان الله! أين ذهب عقل الفيلسوف، حين اعتقد أن المنفي كلي لا يوجد إلا ذهنا؟! ومعلوم: أنه لا يكون له أعداد على هذا الاعتقاد الباطل، وتبين أن كلمة الإخلاص نفت أربابا متفرقين، وضعت عليها أسماء ما أنزل الله بها من

стр. 4964

سلطان، كما كان أهل الأوثان يسمون آلهتهم. وفيما ذكرناه في هذه الوجوه كفاية، فلو ذكرنا ما يبطل قوله من الوجوه، لبلغ مائة أو أكثر. وقد قدمنا عن أئمة اللغة في معنى" الإله" موافقتهم في لغتهم لما دل عليه الكتاب والسنة، من معنى كلمة الإخلاص، وما دلت عليه مطابقة وتضمنا والتزاما؛ وكذلك النحاة، وجميع العلماء من المفسرين، وغيرهم، أجمعوا قاطبة على أن الإله هو المعبود، وأن العبادة حق لله، لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله، كائنا ما كان، وأن المنفي في كلمة الإخلاص: كل ما كان يعبد من دون الله، من بشر أو ملك أو شجر أو حجر أو غير ذلك. ولولا قصد الاختصار، لبسطت القول في هذا المعنى العظيم، الذي لا يصلح لأحد دين، إلا إذا عرفه على الحقيقة، وقبل ما دل عليه الكتاب والسنة، من بيان توحيد الله، وقصر العبادة عليه دون كل ما سواه. واعلم: أني لما كتبت قبل هذا، في رد قول هذا الملحد: أن المنفي بلا إله إلا الله كلي منوي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد، وهو المستثنى، فأجبت بما حاصله: إذا كانت لا إله إلا الله لم تنف إلا كليا منويا، فعلى هذا القول الباطل: لم تنف لا إله إلا الله صنما، ولا وثنا، ولا طاغوتا، وصار النفي منصبا على الفرد، فهو المنفي، وهو المستثنى؛ وتناقض هذا،

стр. 4965

لا يخفى على من له عقل وفهم. وقد عرفت أن هذه دعوى منه مخالفة، لما بعث الله به رسله من توحيده؛ وعلى قول هذا: لم يكن للا إله إلا الله مدخل في الكفر بالطاغوت، والبراءة من الأوثان، التي صرح القرآن بنفيها، بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله، كما في آية البقرة وغيرها؛ وقد تقدم بيان ذلك. وبهذا يتبين لمن له فهم: أن قول هذا الرجل، من أبطل الباطل، وأبين الضلال، وأمحل المحال؛ والمسلم الموحد يعلم من الكتاب والسنة، ومن قول أهل العقول الصحيحة، والفطر السليمة أن لا إله إلا الله لها موضوع عظيم، ومدلولها هو حقيقة الإسلام، والإيمان. فإنها إنما وضعت للرغبة عن عبادة كل ما يعبد من دون الله، والبراءة منه والكفر به، وإنكار ذلك وبغضه، وعداوته، وعداوة من اتخذ الشرك في العبادة دينا؛ وهذا هو أظهر ما في القرآن، وأبينه إيضاحا وتقريرا. وجواب ثان: وهو قولي: كيف يجوز أن يكون الفرد الذي وجد من الكلي المنفي، داخلا في المنفي بإلا، خارجا بالاستثناء، فيكون متصفا بالنفي والإثبات، وأحدهما نقيض الآخر، وأن لا إله إلا الله، لا تدل إلا على هذا الفرد خاصة، نفيا وإثباتا؟ هذا لا يقبله إلا من كان عقلة فاسدا، لا يعرف حقا من باطل، ولا هدى من ضلال.

стр. 4966

كيف يصح استثناء فرد منفي، ويكون هو المستثنى؟ فأين المستثنى، والمستثنى منه الذي يعرفه العرب من لغتهم، المستعملة في الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة وأئمتها، وأهل العربية وغيرهم، ويعرفه أهل اللغات؟ فما أبعد ضلال هذا وأجهله، وأبعده عن العلم وأهله! ثم إن هذا الرجل سمع بما كتبته على قوله، من الرد والإبطال، فأجاب بقوله: قلنا إنما يلزم هذا، لو أريد بالمستثنى منه فرد خاص جزئي؛ وإنما أريد منه المفهوم العام المتناول لأفراد المعبود بحق، سواء كانت في الذهن، أو في الخارج. فالجواب: أنه عدل عن قوله الأول، إلى ما هو أفظع منه وأشنع، فزعم أن المستثنى منه، إنما أريد منه المفهوم العام، المتناول لأفراد المعبود بحق، فصرح بأن المستثنى منه، إنما أريد منه المفهوم العام، المنفي مرادا؛ فصار المفهوم العام المنفي له أفراد; ومعلوم: أن الأفراد لا توجد في الذهن، وإنما توجد في الخارج؛ فتراه يحوم حول الباطل ويتهافت. وأعظم من هذا، قوله: إن المفهوم العام المنفي، متناول لأفراد المعبود بحق؛ فجعل للمعبود بحق أفرادا منفية بلا، وكلها حق، فكيف يجوز أن ينفي ما هو حق؟ وكيف تكون الأفراد كلها حقا؟! فتدبر يتضح لك الحال؛ فهذه فنون من الضلال والإلحاد، يبديها تارة، ثم يأتي بما هو أعظم

стр. 4967

منها، وأبين في الضلال والمحال. والمنفي بلا في كلمة الإخلاص، لا يكون حقا؛ بل هو الباطل، كما دل عليه الكتاب والسنة، وما عليه المسلمون. و"الحق" في كلمة الإخلاص هو المستثنى، وهو الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٥٩] ، لا شريك له في إلهيته، ولا في ربوبيته، ولا في أفعاله، ولا مثل له، ولا كفء له، ولا ند له، وكل معبود سواه فباطل؛ ومن لم يعتقد هذا فليس بمسلم. ولا يخفى أنه يلزم على قول هذا، أن للكلي أفرادا معبودة، فإذا كانت كلها معبودة بحق، جاز أن تقصد بالعبادة؛ وهذا دين المشركين، الذي بعث الله رسله بإنكاره وإبطاله، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة النحل آية: ٥١] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [سورة القصص آية: ٨٨] ؛ والآيات في المعنى كثيرة جدا. فمن عبد مع الله غيره، فقد ألحد وأشرك; وكل هذه العبارات التي ذكرها هذا في ورقته، ينكرها كل من له عقل. وأصل هذا الرجل الذي اعتمده وعبر عنه، هو بعينه الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀، عن أفلاطون الفيلسوف وأتباعه، بناء منهم على كفرهم؛ فإنهم يقولون: إن الله هو

стр. 4968

الوجود المطلق. ومعلوم أن هذا لا يكون له وجود متميز بنفسه، مباين للمخلوقات؛ إذ الكلي كالجنس، والفصل، والخاص، والعرض العام لا يوجد في الخارج منفصلا عن الأعيان الموجودة؛ وهذا معلوم بالضرورة، متفق عليه بين العقلاء. قال شيخ الإسلام: وإنما يحكى الخلاف في ذلك، عن شيعة أفلاطون ونحوه، الذين يقولون بإثبات المثل الأفلاطونية، وهي الكليات المجردة عن الأعيان خارج الذهن. قلت: وهذا قول هذا الرجل في ورقته، تبع فيه أفلاطون، وهو قوله: إن المنفي في لا إله إلا الله كلي، لا يوجد منه في الخارج إلا فرد واحد، وهو المستثنى؛ وقد عرفت بطلان هذا القول من الكتاب والسنة، وأن العلماء أنكروا هذا القول غاية الإنكار، كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام؛ لأن المنفي بلا إله إلا الله، كل ما يعبد من دون الله، وهي أجناس موجودة في الخارج، كما قال الخليل ﵇: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧] . وقال تعالى عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة الكهف آية: ١٦] ، ولا ريب أن المنفي: ما كان أهل الشرك يباشرونه بعباداتهم، وهي أنداد موجودة في الخارج.

стр. 4969

[قول شيخ الإسلام في رده على أفلاطون وأتباعه] قال شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى- في رده قول أفلاطون ومن تبعه-: والمعلم الأول أرسطو وأتباعه، متفقون على بطلان قول هؤلاء; فلو ظنوا أن البارئ هو الوجود المطلق بهذا الاعتبار، لوقعوا فيما منه فروا؛ فإن هذا يستلزم مباينته لجميع المخلوقات، وانفصاله عنها، مع أن عاقلا لا يقول: إن الكليات هي المبدعة لمعيناتها. بل هم يقولون: إن العلم بالقضية المعينة المطلوب إثباتها- وهو علو الله على العالم- معلوم بالضرورة والفطرة، ويعلمون بطلان نقيضها بالفطرة والضرورة، ويعلمون أنه إذا لم يكن مباينا كان داخلا محايدا؛ فيلزم الحلول والاتحاد. وذكر رحمه الله تعالى، في موضع آخر أن قدماء الفلاسفة خالفوا أفلاطون وأتباعه، في الكلي والجزئي، لأنه قول غير معقول. قلت: وبهذا يعلم أن قول هذا الرجل أن المنفي كلي لا يوجد في الخارج، قول غير معقول. وذكر شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى أن الطوائف من المسلمين وغيرهم خالفوا هذا القول، وذكروا أنه لا يعقل، وذكر رحمه الله تعالى أن الفلاسفة وأهل الاتحاد لم يفرقوا بين القديم والحديث، ولا بين المأمور والمحظور، وقد وقع كثير من الصوفية في هذا الضلال؛ وكلتا الطائفتين ضلوا، وأضلوا عن سواء السبيل.

стр. 4970

وقال رحمه الله تعالى: إن ابن سينا ومن تبعه، أخذوا أسماء جاء بها الشرع، ووضعوا لها مسميات مخالفة لمسميات صاحب الشرع، فأخذوا مخ الفلسفة، وكسوه ثوب الشريعة؛ وهذا كلفظ: الملك، والملكوت، والجبروت، واللوح المحفوظ كما يوجد في كلام أبي حامد -يعني الغزالي- ونحوه، من أصول هؤلاء الفلاسفة الملاحدة، الذين يحرفون كلام الله ورسوله. قلت: ومن ذلك ما ذكره العلامة ابن القيم عنهم، من أنهم يقولون: عناية إلهية، وتحت هذه الكلمة نفي القدر، والحكمة. ثم إن هذا في ورقته، صرح بأن معنى لا إله إلا الله، مثل لا شمس إلا الشمس، استثناء للشيء من نفسه; وهذا قول في غاية الضلال والجهل، باطل بأدلة الكتاب والسنة، لا يقوله أحد من الأولين والآخرين، ولا في لغة أحد; وليس في المعقول والمنقول إلا رده وإبطاله؛ ومن لم يعرف بطلان هذا القول، فلا حيلة فيه. وتأمل قول هذا أيضا: وخلاصة المعنى: سلب مفهوم الإله لما سوى الله، وإيجابه له وانحصاره فيه، وصرح بهذا المراد بإلا الله. قلت: فمن يسمع كلامه هذا ظن أنه حق، وقد بناه على ما مثل به: لا شمس إلا الشمس. وحقيقة هذا القول أن الإله

стр. 4971

واحد، يبينه قوله: سلب مفهوم الإله على ما تقدم له من أن المنفى كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد. وقد عرفت مما قدمناه أن توحيد الأنبياء والمرسلين، البراءة من عبادة الأصنام، والأوثان، والطواغيت، وكلها موجودة في الخارج بأعيانها، كما قال تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] ؛ فتبين أن نوحا ﵇ دعا قومه إلى ترك عبادة هذه الأصنام، والبراءة منها، والكفر بها. وكذلك هود ﵇ دعا قومه إلى عبادة الله وحده، وترك ما كان يعبده آباؤهم، كما أخبر تعالى عنهم، أنهم قالوا له: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٧٠] ؛ ومعلوم أن آباءهم لم يكونوا يعبدون كليا ذهنيا لا يوجد إلا في الذهن، بل يعبدون أشخاصا موجودة في الخارج، وقد قالوا لهود ﵇: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [سورة هود آية: ٥٤] . وقد تقدم من الأدلة ما يدل على أن المنفي والمنهي عنه، هو: عبادة الأصنام، والأوثان، والطواغيت التي تعبد من دون الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الزمر آية: ١٧] فلا

стр. 4972

يشك مسلم، بل كل من له عقل أن الطواغيت التي يعبدها المشركون، موجودة في الخارج؛ والقرآن من أوله إلى آخره يدل على هذا. فيا من لا يعرف من كلمة الإخلاص، ما عرفه عوام المسلمين، ارجع إلى نفسك، وتأمل ما وقعت فيه! أما علمت أن لا النافية إنما وضعت لغة لنفي الجنس تنصيصا؟ والجنس الذي وضعت له، لا بد له من أشخاص متعددة الخارج، قديمة، وحديثة، يعبدها كل مشرك، وليست كليا لا يوجد إلا في الذهن. فإن هذه الدعوى الباطلة لم يقل بها مسلم، في معنى كلمة الإخلاص؛ حتى المشركون في لغاتهم، لا يعرفون أن هذا معناها، ولا أنها سلبت مفهوم الإله؛ بل عرفوا كلهم أن من دعاهم إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، فإنما أراد منهم ترك ما كانوا يعبدونه من أصنامهم وأوثانهم وطواغيتهم التي كانت عندهم، يعبدونها من دون الله. أما قريش والعرب فأخبر الله تعالى عنهم، أنهم لما قال لهم رسول الله ﷺ : " قولوا لا إله إلا الله " قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [سورة ص آية: ٥] إلى قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [سورة ص آية: ٦] . وآلهتهم: اللات، والعزى، ومناة، التي كانت حول الكعبة؛ فهذا هو المراد من هذه الكلمة من لغتهم، لا يعرفون

стр. 4973

غير ذلك. فمعنى النفي في هذه الكلمة: ترك عبادة الأوثان والبراءة منها، والكفر بها وعداوتها، وعداوة من عبدها. وقد كان العرب، يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك؛ والشريك إنما هو أوثانهم، أشركوها مع الله في العبادة، واتخذوها أندادا، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] ؛ ومفهوم الإله الذي لا يوجد إلا ذهنا، لا يوصف بالاتخاذ ولا بالمحبة، بل ولا له ثبوت. وتأمل ما فهمه أعداء الرسل، لما دعتهم الرسل إلى أن يعبدوا الله وحده، قال تعالى عن قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [سورة هود آية: ٥٤] ، وقالوا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢٢] ؛ عرفوا أنه دعاهم إلى ترك عبادتها، والبراءة منها، قال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة هود آية: ١٠١] . والمفهوم الكلي الذي لا يوجد في الخارج، لا يوصف بهذه الصفات، ولا يجمع بهذا الجمع ; بل ولا يتصور أن يدعى من دون الله. وقال تعالى عن قوم صالح: ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة هود آية: ٦٢] ، عرفوا أنه أراد منهم، ونهاهم أن يعبدوا ما يعبد آباؤهم من الأوثان، وقال تعالى عن قوم شعيب: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة هود آية: ٨٧] ، عرفوا في لغاتهم أنه نهاهم

стр. 4974

عن عبادة ما كان يعبد آباؤهم، من الأوثان الموجودة في الخارج. وتأمل، قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً﴾ [سورة مريم آية: ٨١] ، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٤] ، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣] ، وقال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٢] ، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٦] . ولا شك عند من له أدنى مسكة من عقل أن الذي اتخذه المشركون يعبدونه من دون الله، أشخاصا متعددة في القرآن من هذا النمط، لا تحصى. والمقصود: أن الرسل من أولهم إلى آخرهم، دعوا أممهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما كانوا يعبدونه من دونه، والكفر به والبراءة منه، كما أفصح عن ذلك خليل الرحمن إبراهيم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٤] ، وقال: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٧] ، وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ

стр. 4975

مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] . فالنهي عن عبادة الأصنام والطواغيت، والبراءة منها والكفر بها، وإخلاص العبادة لله وحده، هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأفصح القرآن عنه، وجرى يسبب جحوده على الأمم والمشركين ما جرى من العذاب، والذهاب والعقاب؛ فأين هذا من سلب مفهوم ذهني، لا يفيد شركا ولا براءة، ولا عداوة؟! فسبحان من طبع على قلوب من شاء من عباده، عن فهم ما بعث الله به رسله، من توحيده في العبادة وصرفهم عن فهم الأدلة التي أظهر فيها لعباده مراده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وبهذا يتبين فساد ما لبس به هذا المفتري في معنى كلمة التوحيد، وأنه مصادم لما في كتاب الله، من تفسير هذه الكلمة العظيمة، ومناقض لما بعث الله به رسله، من إخلاص العبادة له، وترك عبادة ما سواه، والبراءة منها. وهذا أظهر شيء في القرآن، وأبينه؛ لا يمتري فيه مسلم. ونشير إلى ما ذكره بعض العلماء، في أصل هذه المقالة وبطلانها: قال إبراهيم بن سعد الكوراني، في "مصنفه" في
следующие страницы →