← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

واحد، يبينه قوله: سلب مفهوم الإله على ما تقدم له من أن المنفى كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد. وقد عرفت مما قدمناه أن توحيد الأنبياء والمرسلين، البراءة من عبادة الأصنام، والأوثان، والطواغيت، وكلها موجودة في الخارج بأعيانها، كما قال تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] ؛ فتبين أن نوحا ﵇ دعا قومه إلى ترك عبادة هذه الأصنام، والبراءة منها، والكفر بها. وكذلك هود ﵇ دعا قومه إلى عبادة الله وحده، وترك ما كان يعبده آباؤهم، كما أخبر تعالى عنهم، أنهم قالوا له: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٧٠] ؛ ومعلوم أن آباءهم لم يكونوا يعبدون كليا ذهنيا لا يوجد إلا في الذهن، بل يعبدون أشخاصا موجودة في الخارج، وقد قالوا لهود ﵇: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [سورة هود آية: ٥٤] . وقد تقدم من الأدلة ما يدل على أن المنفي والمنهي عنه، هو: عبادة الأصنام، والأوثان، والطواغيت التي تعبد من دون الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الزمر آية: ١٧] فلا

стр. 4972

يشك مسلم، بل كل من له عقل أن الطواغيت التي يعبدها المشركون، موجودة في الخارج؛ والقرآن من أوله إلى آخره يدل على هذا. فيا من لا يعرف من كلمة الإخلاص، ما عرفه عوام المسلمين، ارجع إلى نفسك، وتأمل ما وقعت فيه! أما علمت أن لا النافية إنما وضعت لغة لنفي الجنس تنصيصا؟ والجنس الذي وضعت له، لا بد له من أشخاص متعددة الخارج، قديمة، وحديثة، يعبدها كل مشرك، وليست كليا لا يوجد إلا في الذهن. فإن هذه الدعوى الباطلة لم يقل بها مسلم، في معنى كلمة الإخلاص؛ حتى المشركون في لغاتهم، لا يعرفون أن هذا معناها، ولا أنها سلبت مفهوم الإله؛ بل عرفوا كلهم أن من دعاهم إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، فإنما أراد منهم ترك ما كانوا يعبدونه من أصنامهم وأوثانهم وطواغيتهم التي كانت عندهم، يعبدونها من دون الله. أما قريش والعرب فأخبر الله تعالى عنهم، أنهم لما قال لهم رسول الله ﷺ : " قولوا لا إله إلا الله " قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [سورة ص آية: ٥] إلى قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [سورة ص آية: ٦] . وآلهتهم: اللات، والعزى، ومناة، التي كانت حول الكعبة؛ فهذا هو المراد من هذه الكلمة من لغتهم، لا يعرفون

стр. 4973

غير ذلك. فمعنى النفي في هذه الكلمة: ترك عبادة الأوثان والبراءة منها، والكفر بها وعداوتها، وعداوة من عبدها. وقد كان العرب، يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك؛ والشريك إنما هو أوثانهم، أشركوها مع الله في العبادة، واتخذوها أندادا، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] ؛ ومفهوم الإله الذي لا يوجد إلا ذهنا، لا يوصف بالاتخاذ ولا بالمحبة، بل ولا له ثبوت. وتأمل ما فهمه أعداء الرسل، لما دعتهم الرسل إلى أن يعبدوا الله وحده، قال تعالى عن قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [سورة هود آية: ٥٤] ، وقالوا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢٢] ؛ عرفوا أنه دعاهم إلى ترك عبادتها، والبراءة منها، قال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة هود آية: ١٠١] . والمفهوم الكلي الذي لا يوجد في الخارج، لا يوصف بهذه الصفات، ولا يجمع بهذا الجمع ; بل ولا يتصور أن يدعى من دون الله. وقال تعالى عن قوم صالح: ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة هود آية: ٦٢] ، عرفوا أنه أراد منهم، ونهاهم أن يعبدوا ما يعبد آباؤهم من الأوثان، وقال تعالى عن قوم شعيب: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة هود آية: ٨٧] ، عرفوا في لغاتهم أنه نهاهم

стр. 4974

عن عبادة ما كان يعبد آباؤهم، من الأوثان الموجودة في الخارج. وتأمل، قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً﴾ [سورة مريم آية: ٨١] ، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٤] ، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣] ، وقال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٢] ، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٦] . ولا شك عند من له أدنى مسكة من عقل أن الذي اتخذه المشركون يعبدونه من دون الله، أشخاصا متعددة في القرآن من هذا النمط، لا تحصى. والمقصود: أن الرسل من أولهم إلى آخرهم، دعوا أممهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما كانوا يعبدونه من دونه، والكفر به والبراءة منه، كما أفصح عن ذلك خليل الرحمن إبراهيم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٤] ، وقال: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٧] ، وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ

стр. 4975

مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] . فالنهي عن عبادة الأصنام والطواغيت، والبراءة منها والكفر بها، وإخلاص العبادة لله وحده، هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأفصح القرآن عنه، وجرى يسبب جحوده على الأمم والمشركين ما جرى من العذاب، والذهاب والعقاب؛ فأين هذا من سلب مفهوم ذهني، لا يفيد شركا ولا براءة، ولا عداوة؟! فسبحان من طبع على قلوب من شاء من عباده، عن فهم ما بعث الله به رسله، من توحيده في العبادة وصرفهم عن فهم الأدلة التي أظهر فيها لعباده مراده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وبهذا يتبين فساد ما لبس به هذا المفتري في معنى كلمة التوحيد، وأنه مصادم لما في كتاب الله، من تفسير هذه الكلمة العظيمة، ومناقض لما بعث الله به رسله، من إخلاص العبادة له، وترك عبادة ما سواه، والبراءة منها. وهذا أظهر شيء في القرآن، وأبينه؛ لا يمتري فيه مسلم. ونشير إلى ما ذكره بعض العلماء، في أصل هذه المقالة وبطلانها: قال إبراهيم بن سعد الكوراني، في "مصنفه" في

стр. 4976

بيان معنى لا إله إلا الله وإعرابها، وأنها دلت على توحيد الإلهية، مطابقة وتضمنا، وما دلت عليه التزاما، وذكر كلاما في تقرير هذا المعنى، وذكر أن بعضهم اشترط في "لا" النافية للجنس هذه الكلمة الوحدة الذهنية، فجعلوا الجنس المنفي واحدا، لا يوجد إلا ذهنا. قال: وبما ذكرناه، يتضح أنه لا يصح أن يقال: نأخذ الجنس بشرط الوحدة الذهنية، فتكون القضية طبيعية. أما أولا: فالمراد بالجنس - بلا شرط - الصالح للصدق على الأفراد، كما هو الشأن في موضوع القضايا. وأما ثانيا: فلأن الكلام يخرج عن إفادة التوحيد بالكلية، لأن حاصله حينئذ هذا الجنس المأخوذ بشرط الوحدة الذهنية، المغايرة لله تعالى، منتف؛ وليس هذا من التوحيد في شيء، ولا شم من رائحة الدلالة عليه. ويقال ثالثا: إن أريد أن هذا الجنس منتف في الذهن، فهو قطعي البطلان ; إذ كل من ينطق بهذا التوحيد، مستحضرا لمعناه، قد تحقق هذا الجنس في ذهنه، فكيف يصلح نفيه؟ وعلى كل حال، فلا يصح تفسيرا لهذه الكلمة، لأن المراد من لا إله إلا الله، هو الدلالة على توحيد الألوهية؛ وهذا معلوم بالضرورة، وعلى تفسيرهم يكون بينه وبين الدلالة على التوحيد بعد المشرقين. قلت: وهذا الذي ذكره إبراهيم بن سعد، من

стр. 4977

اشتراطهم: أن يكون الجنس فردا، لا يؤخذ إلا ذهنا، هو الذي صرح به هذا الملحد في ورقته، وهو أن "لا" في كلمة التوحيد سلبت مفهوم الإله الذي لا يوجد إلا ذهنا؛ وقد عرفت بعد هذا، عن التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص. ولقد صرفوا هذه الكلمة العظيمة، عما وضعت له وأريد بها لغة وشرعا، وعقلا وفطرة، فإنها وضعت للبراءة من كل ما يعبد من دون الله، وإبطال عبادته والكفر به؛ وقد عرف هذا كل أحد، حتى مشركو الأمم، ومشركو العرب، كما تقدم بيانه. وأما قوله: وخلاصة المعنى: سلب مفهوم الإله لما سوى الله، وإيجابه له، وانحصاره فيه، وصرح بهذا المراد بإلا الله، فمراده بقوله: وإيجابه له، وانحصاره فيه: هذا هو توحيد الفلاسفة، وأهل الوحدة؛ فإن الله عندهم، مسماه: الكون المطلق، فكل ما كان خارجا عن الذهن من الأشخاص، فقد دخل في مسمى الله؛ فكل ما في الكون من خبيث، وطيب فهو الله، كما ذكره شيخ الإسلام، وابن القيم، وغيرهما عنهم. فواجب الوجود، والممكن، كله داخل في هذا المسمى

стр. 4978

عندهم؛ وقد صرحوا بهذا في كتبهم، فلم يفرقوا بين الخالق والمخلوق. وقد قدمنا التنبيه في كلام شيخ الإسلام، وابن القيم رحمهما الله تعالى، كما ذكر إبراهيم بن سعد ذلك عنهم، وكما قال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى: يا أمة معبودها موطوؤها أين الإله وثغرة الطعان؟ والناصح لنفسه يكون من هؤلاء الملبسة على حذر، ولا يهمل السؤال عنهم، وعن مذهبهم، وما يخدعون به العامة، من زخرف القول الذي ربما يظن الجاهل أنه حق؛ وهو عبارة هؤلاء عن باطلهم، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام، من وضعهم أسماء الحق على باطلهم، وكل طائفة من أهل البدع لها توحيد، وهذا الذي ذكرناه هو توحيد الفلاسفة، والاتحادية، وقد أضلوا بما موهوا به كثيرا، ممن ينتسب إلى العلم. يا قومنا الله في إسلامكم ... لا تفسدوه لنخوة الشيطان وتأمل ما ذكره الفخر الرازي في معنى لا إله إلا الله، فإنه قال: التحقيق أن المضمر المرفوع بإله، راجع بالحقيقة إلى نفي الأعيان التي سموها آلهة من حيث إنها آلهة، لا إلى وجودها في حد ذاتها، ضرورة أنها موجودة في الخارج بالفعل، محسوسة. وحاصله: نفي كل فرد من أفراد إله، من تلك الحيثية غير الله، راجع إلى نفي الألوهية عن كل موجود غير الله، انتهى.

стр. 4979

فتأمل قوله: راجع إلى نفي الأعيان التي سموها آلهة. قلت: وهو الحق، لأنها نفت إلهية كل مألوه، يألهه المشركون غير الله، من كل صنم ووثن، وشريك وطاغوت; وهذا هو مدلول لا إله إلا الله: نفي إلهية كل ما يؤله من دون الله. وقوله: لا إلى وجودها، دفعا لقول من قال: إن الخبر المضمر موجود؛ وقد بين وجه ذلك، وتقديره للخبر بأحد، قريب مما تقدم في المعنى. وتأمل قوله: وحاصله: نفي كل فرد من أفراد إله؛ فبين أن المنفي له أفراد كثيرة، وهذا ظاهر بين لا يمنعه أحد، كما هو ظاهر في الكتاب والسنة، واللغة والفطرة، خلافا للفلاسفة. وكذلك قوله: راجع إلى نفي الإلهية عن كل موجود غير الله؛ وهذا هو الذي يعرفه الناس كلهم، إلا ما كان من هذه الطائفة، ومن أهل الوحدة، فإنهم ألحدوا في التوحيد، وأتوا بكل ما يستحيل عقلا وشرعا. فسبحان الله، والله أكبر، أيجوز في عقل أن المشركين من أولهم إلى آخرهم، الذين عبدوا مع الله غيره، أنهم إنما عبدوا فردا في الذهن، لا وجود له في الخارج؟ هذا أمحل المحال، وأبطل الباطل. وقد نبهت فيما تقدم، على أنهم أرادوا بهذا: أن الأصنام، والأوثان والطواغيت، لا تدخل في المنفي لأنها من جملة الوجود الذي يسمونه الله. وأقول أيضا: الآلهة هي الأنداد والطواغيت،

стр. 4980

والشركاء، وقد قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢] ، فذكرها مجموعة، لكثرة أفرادها في الخارج، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] ، فذكرها بصيغة الجمع، يدل على كثرة إفرادها، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] ، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [سورة الزمر آية: ١٧] . وهذه الآيات: تدل على أن المعبودات، التي تعبد من دون الله كثيرة، من الطواغيت، وغيرها، كقوله في آيه البقرة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٧] ، وكقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٠٠] ؛ ولا ريب أن الجن لهم وجود في الخارج، وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] . فدلت هذه الآيات على أن لهذه المعبودات أفرادا كثيرة، وكلها منتفية بلا إله إلا الله، ما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٤] وهذا واضح- بحمد الله- فبطل ما اختلق الفيلسوف، وتبين به إلحاده في التوحيد، الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتبه ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر آية: ٢] .

стр. 4981

واعلم: أن هؤلاء الزنادقة قد طردوا أصلهم هذا حتى في الإيمان، كما قال شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، في "كتاب الإيمان" عن هؤلاء: إنهم يثبتون لهذه المسميات وجودا مطلقا، مجردا عن جميع القيود والصفات؛ وهذا لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو شيء يقدره الإنسان في ذهنه، كما يقدر موجودا لا قديما ولا محدثا، ويقدر إنسانا لا موجودا ولا معدوما. ويقول: الماهية من حيث هي، لا توصف بوجود ولا عدم، ويقول: الماهية من حيث هي، هي شيء يقدره الذهن، وذلك موجود في الذهن، لا في الخارج؛ فهكذا الإيمان، يقدر إيمانا لا يتصف به مؤمن، بل هو مجرد عن كل قيد، كتقدير إنسان لا يكون موجودا ولا معدوما، بل ما ثم إيمان إلا مع المؤمنين. قلت: وكذلك إله لا يوجد إلا مع مألوه تألهه القلوب بالعبادة، وقد أشرت إلى ما ذكره شيخ الإسلام عن هذه الطائفة، كابن سينا ومن سبقه، أخذوا أسماء جاء بها الشرع، ووضعوا لها مسميات مخالفة لمسميات صاحب الشرع، ثم صاروا يتكلمون بتلك الأسماء، فيظن الجاهل أنهم قصدوا بها ما قصده صاحب الشرع؛ فأخذوا مخ الفلسفة، فكسوه ثوب الشريعة. وهذا كلفظ: الملك، والملكوت، والجبروت، واللوح

стр. 4982

المحفوظ، والملك، والملكوت، والشيطان، والحدث والقدم، وغير ذلك. وقد ذكرنا من ذلك طرفا في الرد على الاتحادية، لما ذكرنا قول ابن سبعين، وابن عربي، وما يوجد في كلام أبي حامد وغيره، من أصول الفلاسفة، والملاحدة، التي يحرفون بها كلام الله ورسوله عن مواضعه، كما فعلت القرامطة الباطنية؛ انتهى كلامه رحمه الله تعالى. والمقصود من هذا الجواب: بيان ما قد يفتريه الجاهل، من كلام هؤلاء الذين يلبسون على العامة، فيأتونهم بما لا يعرفون أنه حق أو باطل، فربما اعتقدوه تعليلا لهؤلاء، فيقعون قي حيرة وشك؛ وهم قبل الابتلاء بهؤلاء في عافية، فسبحان مقلب القلوب. والأصل في ذلك ما أشار إليه شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، في مثل هؤلاء: أنه ليس عندهم من علم القلب، ومعرفته، ويقينه ما يدفع الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله، ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال؛ وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا، دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن ينعم الله عليهم بما يزيل الريب، وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فليكن العبد المؤمن من المحنة بأهل الأهواء على حذر، ومن دنياه على خطر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي

стр. 4983

العظيم. اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على توحيدك وطاعتك وتقواك، وأقم لنا ديننا الذي ارتضيته لنا وثبتنا عليه. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين. ونختم الجواب بذكر ما ذكر العلماء، رحمهم الله تعالى، في معنى لا إله إلا الله: قال ابن رجب، رحمه الله تعالى: الكلام على لا إله إلا الله، الإله: هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له، وإجلالا ومحبة، وخوفا ورجاء، وتوكلا وسؤالا منه، ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله . فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك. وقال البقاعي: لا إله إلا الله، أي: انتفى انتفاء عظيما أن يكون معبودا بحق غير الملك الأعظم؛ فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علما نافعا، إذا كان مع الإذعان، والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف. وقال الطيبي: الإله فعال، بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله إلهة، أي: عبد عبادة. قلت: وهذا الذي ذكره الطيبي، رحمه الله تعالى، على معنى ما ثبت عن ابن عباس ﵄، أنه قرأ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾

стр. 4984

[سورة الأعراف آية: ١٢٧] . قال: لأنه كان يُعبَد، ولا يَعْبُد؛ وهذا ظاهر- بحمد الله- لمن تدبر القرآن، وعرف حقيقة الإسلام والإيمان، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا. [المورد العذب الزلال في الرد على من لم يذكر اسمه] وله أيضا قدس الله روحه ١: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومستدرج العاصين بمكره، الذي أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، الظاهر على خلقه فلا ينازع، الحكيم فيما يريد فلا يدافع. أحمده على إعزازه لأوليائه، ونصرته لأنصاره، وخفضه لأعدائه، حمد من استشعر الحمد باطن سره، وظاهر جهاره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى بالمعاداة فيه والموالاة ربه. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، رافع الشك وخافض الشرك، وقامع الكذب والإفك؛ اللهم صل على محمد وعلى آله، وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.

стр. 4985

وبعد: فاعلم أيها الطالب للسلامة، الساعي في أسباب تحصيل الفقه والكرامة، أني وقفت على رسالة لمن لم يسم نفسه، مشعرة بأنه من بلاد الخرج، متضمنة لأنواع من الكذب والمرج، جامعة لأمور من الباطل، لا يسع مسلما السكوت عليها، خشية أن يفتن بها بعض الجاهلين، فيعتمد عليها؛ فإن كل عصر لا يخلو من قائل بلا علم، ومتكلم بغير إصابة ولا فهم. وقد جعل الله في كل زمان فترة، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويبصرون بدين الله أهل العمى، ويحيون بكتاب الله الموتى؛ فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وتائه ضال قد هدوه؛ فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم! وقد عن لي الجواب، ليتميز الخطأ من الصواب، فلا بد من ذكر مقدمة نافعة، لتكون هي المقصودة بالذات، ورجاء أن تكون سببا موصلا إلى رضوان الله، يستبصر بها طالب الهدى من عباد الله، وذلك بتوفيق الله الذي لا إله سواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. اعلم أيها المنصف: أن دين الله القويم، وصراطه المستقيم، إنما يتبين بمعرفة أمور ثلاثة، عليها مدار دين الإسلام، وبها يتم العمل بأدلة الشريعة والأحكام، ومتى اختلت وتلاشت، وقع الخلل في ذلك النظام.

стр. 4986

الأمر الأول: أن تعلم أن أصل دين الإسلام، وأساسه وعماد الإيمان ورأسه، هو: توحيد الله تعالى، الذي بعث به المرسلين، وأنزل به كتابه المحكم المبين، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [سورة هود آية: ١-٢] ؛ وهذا هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله. فإن أصل دين الإسلام: أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، لا بالأهواء والبدع. وقد قال شيخنا ﵀، إمام الدعوة الإسلامية، والداعي إلى الملة الحنيفية: أصل دين الإسلام وقاعدته: أمران: الأمر بعبادة الله وحده والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه، والنهي عن الشرك في عبادته والتغليظ فيه، والمعاداة فيه وتكفير من فعله. والمخالف في ذلك أنواع ذكرها ﵀. وهذا التوحيد له أركان، ومقتضيات، وفرائض ولوازم، لا يحصل الإسلام الحقيقي على الحال والتمام، إلا بالقيام بها علما وعملا. وله نواقض ومبطلات تنافي ذلك التوحيد، فمن أعظمها أمور ثلاثة: الأول: الشرك بالله في عبادته، كدعوة غير الله، ورجائه، والاستعانة به، والاستغاثة، والتوكل، ونحو ذلك

стр. 4987

من أنواع العبادة; فمن صرف منها شيئا لغير الله كفر، ولم يصح له عمل. وهذا الشرك، هو أعظم محبطات الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٨] . وقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٥-٦٦] ؛ ففي هذه الآية: نفي الشرك، وتغليظه، والأمر بعبادة الله وحده; ومعنى قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٦] أي: لا غيره؛ فإن تقديم المعمول يفيد الحصر عند العلماء. الأمر الثاني من النواقض: انشراح الصدر لمن أشرك بالله، وموادة أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٦] إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٧] ، فمن فعل ذلك فقد أبطل توحيده، ولو لم يفعل الشرك بنفسه، قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] الآية. قال شيخ الإسلام: أخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يوادّ كافرا؛ فمن وادّه فليس بمؤمن. قال: والمشابهة مظنة الموادة، فتكون محرمة. وقال العماد ابن كثير ﵀ في تفسيره: قيل: نزلت في أبي عبيدة، حين قتل أباه يوم بدر، ﴿أَوْ

стр. 4988

أَبْنَاءَهُمْ﴾ في الصديق يومئذ هم بقتل ابنه عبد الرحمن، ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ في مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير، ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ في عمر قتل قريبا له يومئذ أيضا، وحمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ. قلت: ذكر في السيرة، أن سعد بن مالك حرص على قتل أخيه عتبة يوم أحد. وقال في قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٩] سر بديع، وهو: أنهم لما سخطوا على الأقارب والعشائر في الله، عوضهم الله بالرضى عنهم، ورضاهم عنه بما أعطاهم، من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم، ونوه بفلاحهم وسعادتهم، ونصرتهم في الدنيا والآخرة، قي مقابلة ما ذكر عن أولئك من أنهم ﴿حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [سورة المجادلة آية: ١٩] . قلت: هم الذين والوا أهل الضلال، وسخطوا على أهل الإيمان. الأمر الثالث: موالاة المشرك، والركون إليه ونصرته وإعانته باليد، أو اللسان أو المال، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ﴾ [سورة القصص آية: ٨٦] ، وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [سورة القصص آية: ١٧] ، وقال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٩] .

стр. 4989

وهذا خطاب الله للمؤمنين، من هذه الأمة؛ فانظر أيها السامع، أين تقع من هذا الخطاب، وحكم هذه الآيات؟ ولما أعانت قريش بني بكر على خزاعة سرًّا، وقد دخلوا في صلح رسول الله ﷺ ، انتقض عهدهم، وغضب رسول الله ﷺ لذلك غضبا لله، وتجهز لحربهم ولم ينبذ إليهم. ولما كتب لهم حاطب كتابا، يخبرهم بذلك إخبارا، أنزل الله تعالى في ذلك هذه السورة، ابتدأها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [سورة الممتحنة آية: ١] إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [سورة الممتحنة آية: ١] . ثم أمر تعالى بالتأسي بخليله ﵇، وإخوانه من المرسلين، بالعمل بدينه الذي بعثهم به، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] . فذكر أمورا خمسة، لا يقوم التوحيد إلا بها، علما وعملا ; وعند القيام بهذه الخمسة، ميز الله الناس لما ابتلاهم بعد، وهم كما قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١-٢-٣] .

стр. 4990

وحذر تعالى عباده عن توليهم عدوهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٧] ، وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [سورة النساء آية: ١٣٨-١٣٩] الآية. وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨٠-٨١] . فتأمل ما في هذه الآيات، وما رتب الله على هذا العمل، من سخطه والخلود في عذابه، وسلب الإيمان، وغير ذلك. وقال شيخ الإسلام، في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨١] ؛ فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ [سورة محمد آية: ٢٥] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ [سورة محمد آية: ٢٦] ، والسين حرف تنفيس، تفيد استقبال الفعل؛ فدل على

стр. 4991

أنهم وعدوهم ذلك سرا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٢٦-٢٧-٢٨] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة. والمقصود: بيان عظم هذا الذنب عند الله، وما رتب عليه من العقوبات عاجلا وآجلا؛ نسأل الله الثبات على الإسلام والإيمان، ونعوذ بالله من الخيبة والخذلان. وقد ذكر شيخنا ﵀، في مختصر السيرة له، عن سيرة الواقدي: "أن خالد بن الوليد لما قَدِمَ "العُرْضَ" قدَّم مائتي فارس، فأصابوا مُجَّاعة بن مرارة، في ثلاثة عشر رجلا من قومه بني حنيفة، فقال لهم خالد بن الوليد: ما تقولون في صاحبكم؟ فشهدوا أنه رسول الله، فضرب أعناقهم حتى إذا بقي سارية بن عامر، قال: يا خالد إن كنت تريد بأهل اليمامة خيرا أو شرا، فاستبق مجاعة، وكان شريفا، فلم يقتله، وترك سارية أيضا. فأمر بهما فأوثقا في مجامع من حديد، فكان يدعو مجاعة وهو كذلك، فيتحدث معه، وهو يظن أن خالدا يقتله; فقال: يا ابن المغيرة، إن لي إسلاما، والله ما كفرت; فقال خالد: بين القتل والترك منْزلة، وهي الحبس حتى يقضي الله في أمرنا ما هو قاض، ودفعه إلى أم متمم زوجته، وأمرها أن تحسن إساره.

стр. 4992

فظن مجاعة أن خالدا يريد حبسه ليخبره عن عدوه، وقال: يا خالد، لقد علمت أني قدمت على رسول الله ﷺ فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه بالأمس، فإن يكن كذاب قد خرج فينا، فإن الله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٤] . فقال: يا مُجاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاؤك بأمر هذا الكذاب، وسكوتك عنه، وأنت من أعز أهل اليمامة، إقرارا له، ورضاء بما جاء به، فهلا أبديت عذرا فتكلمت فيمن تكلم؟ فقد تكلم ثمامة فرد وأنكر، وتكلم اليشكري، فإن قلت: أخاف قومي، فهلا عمدت إلي، أو بعثت إلي رسولا؟ ". فتأمل كيف جعل خالد سكوت مجاعة، رضاء بما جاء به مسيلمة وإقرارا; فأين هذا ممن أظهر الرضى وظاهر، وأعان وجد وشمر، مع أولئك الذين أشركوا مع الله في عبادته، وأفسدوا في الأرض؟ فالله المستعان. الأمر الثاني من الأمور التي لا يصلح الإسلام إلا بها: العمل بشرائعه وأحكامه؛ وبالقيام بذلك يقوم الدين، وتستقيم الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [سورة النساء آية: ٦٦] الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا

стр. 4993

يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٨-٥٩] . وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٠] الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة النور آية: ٤٨-٤٩-٥٠] . وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [سورة القصص آية: ٥٠] الآية، وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [سورة النور آية: ٤٣-٤٤] . وفي هذا المعنى قال أبو تمام شعرا: وعبادة الأهواء في تطويحها ... بالدين مثل عبادة الأوثان وهذا هو الغالب على كثير من الناس، رد الحق لمخالفة الهوى، ومعارضته بالآراء؛ وهذا من نقص

стр. 4994

الدين، وضعف الإيمان واليقين. الأمر الثالث: أداء الأمانات، واجتناب المحرمات، والشهوات، والجد في أداء الفرائض، والعبادات والواجبات، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله; وقد وقع الخلل العظيم في ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٥٩] الآية. وبذلك وقعت الغفلة والإعراض عن كتاب الله تعالى، واشتغل أكثر الناس بدنياهم، عن طاعة مولاهم، وزهدوا في كل ما يعود نفعه إليهم في دنياهم وأخراهم، مما يوجب رضى ربهم، ومولاهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [سورة الكهف آية: ٥٧] . فيجب على من نصح نفسه، ممن جعل الله تعالى له القدرة والسلطان، ونفوذ الكلمة، أن يهتم بحفظ هذه الثغور الثلاثة؛ فإنها ثغور الإسلام، وقد سعى في خرابها من ليس له فيه رغبة ولا مقام; ومن أسباب حفظها: الإخلاص لله، والصدق، واللجأ إليه، وتعظيم أمره ونهيه، والتوكل عليه، وتمييز الخبيث من الطيب؛ فإن الله تعالى ميزهم لعباده لما ابتلاهم. فعليك ببغض أعداء الله، والاهتمام بما يرضيه، ومحبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه،

стр. 4995

وخشيته ومراقبته، فإنه أوثق عرى الإيمان، والله المستعان. [فصل في الإشارة إلى ما تضمنته لا إله إلا الله] فصل في الإشارة إلى ما تضمنته: لا إله إلا الله، من الشرك، وإبطاله، وتجريد التوحيد لله تعالى، والإشارة إلى بعض ما تنتقض به عرى الدين، الذي بعث الله به المرسلين، والباعث على ذلك: ما بلغني عن رجل، قبل طروق الفتن، يغلو في التكفير، ويكفر بأشياء لم يكفّر بها أحد من أهل العلم. ثم إنه قال بعد ذلك، لما غرق في الفتن - أعاذنا الله من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن -: من قال لا إله إلا الله، فهو المسلم المعصوم، وإن قال ما قال. فأقول وبالله التوفيق: اعلم أن لا إله إلا الله: كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وقد سماها الله كلمة التقوى، والعروة الوثقى؛ وهي كلمة الإخلاص، التي جعلها إبراهيم ﵇ كلمة باقية، في عقبه لعلهم يرجعون. ومضمونها: نفي الإلهية عما سوى الله، وإخلاص العبادة بجميع أفرادها لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧] الآية، وقال عن يوسف ﵇: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ

стр. 4996

مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ٣٨] إلى قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤] ، وقال: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٤] ، وقال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٤] ، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ لااللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [سورة الرعد آية: ٣٦] . والقرآن من أوله إلى آخره، يقرر أن دين الله الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، هو: إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله وحده، دون كل ما سواه، والبراءة من الشرك وأهله، وقتالهم حتى لا تكون فتنة، أي: شرك; وهذا لا يخفى على من له أدنى بصيرة؛ وهذا هو مدلول لا إله إلا الله. وقد عرف ذلك كفار قريش، فما انقادوا له؛ فإنهم لما دعاهم رسول الله ﷺ إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ?وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [سورة ص آية: ٥-٦] . وقد تفاوت الناس في هذا التوحيد، الذي هو معنى لا

стр. 4997

إله إلا الله؛ فهما وعلما، واعتقادا وعملا، أعظم تفاوت: فمنهم من يقولها: عن علم ويقين، صدقا مخلصا من قلبه، وأدى حقوقها، وعمل بمقتضاها، من المعاداة لأهل الشرك بالله، والموالاة لأهل التوحيد، متقدمهم، ومتأخرهم، واستقام على ذلك، ولم يأت بما يبطلها. وهؤلاء هم المسلمون المؤمنون، الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك، فأدوا شكر ما أنعم الله به عليهم، بالإخلاص له، والبراءة من كل دين يخالف ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [سورة فصلت آية: ٣٠] الآية. والمراد الربوبية الخالصة، وهي: أن يتخذوا خالقهم ومالكهم، والمتصرف فيهم معبودا، دون كل ما سواه. أخرج ابن جرير بسنده عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [سورة فصلت آية: ٣٠] ، قال: " قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم "١. ومنهم من يقول لا إله إلا الله، ولا عرف مدلولها من النفي والإثبات، فيثبت بفعله ما دلت هذه الكلمة العظيمة على نفيه بإشراكه بالله في الإلهية، وينفي ما دلت على إثباته من إفراد الرب تعالى بالإلهية، وينكر ذلك ويعادي من دعا إلى التوحيد وعرف به؛ وذلك من فرط جهله بمعنى ما يقول، كما هو الغالب على أكثر من يقول: لا إله إلا الله. فإذا قال الموحد: لا تجوز العبادة إلا لله تعالى، فلا يدعى

стр. 4998

إلا الله، ولا يرجى ولا يتوكل إلا عليه، وأمثال ذلك من أنواع العبادة، أنكرته قلوبهم وألسنتهم. فليتأمل الناصح لنفسه ما قرره الله في كتابه من أدلة التوحيد، كقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة الزوم آية: ٣٠-٣١-٣٢] . ومنهم المنافقون، وقد كانوا مع المسلمين، ويقولون لا إله إلا الله، ويشهدون أن محمدا رسول الله، ويصلون ويزكون، ويصومون، ويجاهدون مع المسلمين، ولم يظاهروا عليهم عدوا؛ ومع هذا وغيره، أكذبهم الله لما جاءوا رسوله ﷺ وقالوا: نشهد إنك رسول الله، وأكدوا لشهادتهم بالمؤكدات: إنّ واللام، فقال الله : ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [سورة المنافقون آية: ١-٢-٣] . ووجه الدلالة من هذه الآيات: أن شهادتهم وأعمالهم لم تنفعهم، مع قيام المنافي لذلك< فإنهم قام بهم من الجهل والشك، والريب وغير ذلك، ما صاروا به كفارا في

стр. 4999

الدرك الأسفل من النار. ومن صفاتهم، ما ذكر الله في سورة البقرة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠] إلى قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤] الآية. وقال: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [سورة النساء آية: ١٤٣] الآية، وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة الفتح آية: ١١] ، وقال: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٨] . والمقصود: أن القول لا ينفع إلا مع علم القلب، وإيمانه، ويقينه؛ والأعمال تصدق ذلك إذا كانت على مقتضى الإيمان، وأما مع الإتيان بالمنافي، فإنه أعدل شاهد على كذب ذلك القول؛ إذ لو كان صدقا لعمل بمدلول ذلك. ومدلول اللفظ هو المعنى المطابق للدال، وهو اللفظ; وكل قول مستعمل دال، ومدلوله: المعنى الذي وضع ذلك اللفظ للدلالة عليه. إذا عرف ذلك، فإن منهم من يقول لا إله إلا الله عالما بمدلولها، لكن قد يعرض له ما يمنعه من الاستقامة على العمل، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ

стр. 5000

رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٠-١١] . فتأمل ما ذكره المفسرون في معنى هذه الآيات، وكان يمنعني من سياق كلامهم، وجوده وشهرته، مع أن قصدي الاختصار. ولما توفي رسول الله ﷺ وكفر من كفر من العرب، ولم يتركوا قول لا إله إلا الله، ومنهم بنو حنيفة، كفروا بتصديقهم مسيلمة في كذبه؛ وقصة عمر مع أبي بكر ﵄ مشهورة، في الصحاح، والسنن، والمسانيد. وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ?لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٥-٦٦] ؛ وسبب نزولها، وفيمن نزلت، مشهور في كتب التفسير والحديث. وكان أولئك النفر مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، يصلون، وينفقون، ويجاهدون، فكفرهم الله تعالى بما قالوه. وكذلك قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٤] الآية، وسبب نزولها، ومن نزلت فيهم، معروف، لا يحتاج إلى أن نذكره. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ

стр. 5001

لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٥-٧٦-٧٧] . فليتق الله المرء في نفسه، ويخاف من عقوبات الذنوب. وكذلك قوله تعالى، عن أهل مسجد الضرار ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٧] ، وهو أبو عامر الفاسق؛ وهؤلاء، ومن قبلهم يقولون: لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وفي الظاهر كانوا في عداد الأنصار، قبل أن يظهر الله ما أسروه من الكفر. وقال الله في شأنهم: ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ_ إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ١١٠] أي: بالموت; والكتاب والسنة: مملوء بمثل هذه الأدلة; وفيما ذكرناه كفاية للمسترشدين، وبالله التوفيق. أيظن من وقع منه مثل ما وقع من أولئك، أنه يسلم من هذه العقوبات؟ وليس معه براءة من الله، وهو يعلم أن ما كلف به أولئك كلف به من بعدهم، وما عوقبوا به، عوقب به من بعدهم، إذا عمل بأعمالهم، ونسج على منوالهم. نسأل الله الثبات في الدين، واتباع سبيل المؤمنين. ومن تدبر القرآن مسترشدا مصيخا مصغيا، علم أن الرسل إنما بعثوا إلى الناس بالدعوة، إلى أن يعملوا بالتوحيد،

стр. 5002

ويؤدوا ما افترض الله عليهم، ويجتنبوا ما نهاهم عنه، من عبادة ما سواه، ويخلصوا أعمالهم لله وحده. والقرآن العظيم من أوله إلى آخره، يقرر هذا التوحيد، وينهى عن الشرك بالله في عبادته، التي لا يصلح أن يقصد بها غيره; فانظر واستمع، تجده يقرر الإخلاص وشرائعه، وينفي الشرك وتوابعه، أوضح بيان; وكذلك الأحاديث والسير، ترشد إلى ذلك، وتقرره على أكمل الوجوه، وأحسن البيان. لكن لما اشتدت غربة الدين بهجوم المفسدين، وقع الريب والشك بعد الإيمان، وانتقض أكثر عرى الإسلام، بانقراض عصر الأئمة الأعلام، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية". ومما انتقض من عراه: الحب في الله، والبغض في الله، والمعاداة والموالاة لله وفي الله، كما جاء في الحديث الصحيح: "أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله"؛ وأنت ترى حال الكثير، حبه لهواه، وبغضه لهواه، ولا يسكن إلا لمن يلائم طبعه وهواه، وإن غره وأغراه؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والحاصل: أن كل قول وعمل صالح يحبه الله ويرضاه، فهو من مدلول لا إله إلا الله، إما مطابقة أو تضمنا، أو التزاما; يقرر ذلك أن الله تعالى سماها: ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ ، [الفتح: ٢٦] .

стр. 5003

والتقوى: أن يتقي العبد سخط الله وعقابه وعذابه، بترك الشرك والبراءة منه ومن أهله، وإخلاص العبادة لله تعالى، وامتثال ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، متبعا في ذلك كله ما شرعه الله ورسوله. وقد عرّفها السلف ﵃، قال طلق بن حبيب: "التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله; وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله تعالى" وأخرج الترمذي وابن ماجه، بالإسناد عن عبد الله بن يزيد، عن النبي ﷺ قال: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس " ١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [سورة فصلت آية: ٣٠] ، قال أبو بكر الصديق: فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة; أي: لم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه، لا بالحب، ولا بالخوف، ولا بالرجاء، ولا بالتوكل عليه؛ بل لا يحبون إلا الله، ولا يحبون إلا له، انتهى. وقال شيخنا، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، سألني الشريف عما نقاتل عليه، وما نكفّر به؟ فقال في الجواب: إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف، إذا عرف ثم أنكر; فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع. الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله، وأن

стр. 5004

هذه الاعتقادات في الحجر والشجر، والبشر، الذي هو دين غالب الناس، أنه الشرك الذي بعث الله رسوله بالنهي عنه، وقاتل أهله ليكون الدين كله لله، ولا يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك، فهذا كافر نقاتله، لأنه عرف دين الرسل فلم يتبعه، وعرف دين المشركين فلم يتركه، مع أنه لم يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك ولا يزينه. الأمر الثاني: من عرف ذلك، ولكن تبين في سب دين الرسول، مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف، والأشقر، وأبا علي، والخضر، وفضلهم على من وحد الله، وترك الشرك؛ فهذا أعظم كفرا من الأول، وفيه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٩] الآية، وممن قال الله فيهم: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [سورة التوبة آية: ١٢] الآية. الثالث: من عرف التوحيد وأحبه واتبعه، وعرف الشرك وتركه؛ لكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك؛ فهذا أيضا كافر، وفيه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٩] . النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة التوحيد، واتباع الشرك، ويسعون في قتالهم، وعذره: أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل

стр. 5005

التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بنفسه وماله؛ فهذا أيضا كافر; لأنهم لو أمروه بترك صيام رمضان، ولا يمكنه ذلك إلا بفراق وطنه فعل، ولو أمروه بتزوج امرأة أبيه، ولا يمكنه مخالفتهم إلا بذلك فعل. وأما موافقتهم على الجهاد معهم بماله ونفسه مع أنهم يريدون قطع دين الله ورسوله ﷺ فأكبر مما ذكرنا بكثير؛ فهذا أيضا كافر، ممن قال الله فيهم: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٩١] الآية. والله أعلم؛ وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم. فصل وهذا شروع في الجواب، المشار إليه سابقا وقد كنت عزمت على أن أتتبع كلامه، وأجيب عنه تفصيلا، ثم إنه عرض لي ما يجب أن يكون هو المقصود بالذات، مما قدمته حماية لجانب التوحيد والشريعة، ثم بدا لي أن أقتصر في جواب الرجل، لما في الاقتصار من رعاية الصبر والاصطبار; لأنا لو أجبناه بكل ما يليق في الجواب، لم نسلم من أمثاله ممن نسج على منواله، كما هو الواقع من أكثر البشر قديما وحديثا، مع كل من قام بالحق، ونطق بالصدق.

стр. 5006

فكل من كان أقوم في دين الله، كان أذى الناس إليه أسرع، والعداوة له أشد وأفظع; وأفضل خلق الله رسله، وقد عالجوا من الناس أشد الأذى؛ حكمة بالغة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٣١] . والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جدا ينبئك عن تفصيل هذا ما ذكره الله في كتابه عن أنبيائه، لما دعوا أممهم إلى التوحيد، كيف قيل لهم، وما خوطبوا به. وتأمل ما جرى لخيار هذه الأمة، كالخلفاء الراشدين، وسادات أصحاب سيد المرسلين، من أعدائهم كالروافض، والخوارج ونحوهم، وما جرى لأعيان التابعين ومن بعدهم من أعيان الأئمة، كالإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، وأحمد بن نصر الخزاعي، وأمثال هؤلاء ممن لا يمكن حصرهم. ولو ذكرنا جنس ما جرى لهم من الأذى لطال الجواب، والقصد الاقتصار؛ ومن أراد الوقوف على ذلك، فعليه بالسير والتاريخ، ولله در أبي تمام حيث يقول، شعرا: وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود وقال أبو الطيب شعرا: وشأن صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل إذا علمت ذلك، فإن هذا الرجل ذكر عن الشيخ

стр. 5007

عبد الرحمن بن حسن، أنه لا يصلي بهم، ولا يقدم من يهوونه، ولا يقطع خصومة، وعدوه من نظر في كتاب، أو نطق بصواب؛ هذا كلامه فيه عن هذه الأمور من المثالب، والبصير إذا تأمل، رآها من المناقب; لأن المسلم لا يجوز أن يحمل إلا على الخير، فيما خفي عذره فيه، حتى يتبين ما يرفع الاحتمال. وهذه العيوب الخمسة، محتملة لأمور: منها: ما يحتمل أنه فعله تأثما من الصلاة بالناس، لعذر خفي عليهم أوجب ذلك. وأما الثاني: فيحتمل أنه إنما فعله نصحا لهم، وطلبا للسلامة من تبعة ذلك؛ ولا يخفى أن نظره لهم، خير من نظرهم لأنفسهم، فإن جهال العامة لا يهتدون غالبا إلى ما يصلح دينهم. وأما الثالث: ففيه التثبت في الفتيا؛ فإن الإفتاء في دين الله بلا علم حرام; فلا بد للمفتي والقاضي، من التأمل والمراجعة، وإلا أصيبت مقاتله. والعامة لا يعجبهم ذلك; والعالم عندهم من يبادرهم بالحكم والإفتاء، من غير تأن ولا مراجعة؛ وهذا من فرط جهلهم، وعدم علمهم، كما يتبين من حال هذا المعترض. وأما الرابع، والخامس: ففيه حماية جانب العلم، وصيانته عن مثل هؤلاء الجهال الذين لا يعلمون، ولا يعلمون أنهم لا يعلمون؛ فإن صيانة العلم عن تخبيط الجاهلين

стр. 5008

أمر لا بد منه. فانظر كيف وقع من أمثالهم من تتبع الرخص، أعاذنا الله من ذلك، وما أحسن ما قال بعض العلماء، ﵀: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول ورأي كل فقيه وهذا الضرب من الناس: أفسدوا بدعواهم العلم، على كثير من العامة دينهم، لما قلدوهم لهواهم، وأحسنوا بهم الظن، وفاقا لدنياهم; فتأمل تجد ما ذكرته واقعا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم; فلفرط عداوة هذا الرجل، عدّ هذه الأمور الخمسة من المثالب؛ وهي كما ترى صالحة لأن تعدّ من المناقب، كما قيل: إذا كان من فيهم قليل حظ ... فما حسناته إلا ذنوب ثم إنه أخذ يحذر الإمام من أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنه لا يجوز له أن يصغي إليهم، ولا يأخذ منهم، ولا يلين لهم بجانبه، إلى غير ذلك، ويحلف جهد يمينه أن الحامل إلى هذا القول محض النصيحة بلا عول. فأقول: يكفيك دليلا على كذب هذا وغشه، وسخافة عقله، وقلة دينه وجهله، ما عبر به من هذا القيل; أما كان يعرف ما كان عليه المسلمون؟ وما كانوا ينصحون به الإمام؟ فإن كل من يعرف بإسلام حسن، يوصيه بضد هذا; ولا ريب عندهم أن هذا كلام لا يقوله إلا رجل سوء; فسل من شئت

стр. 5009

من غير أهل الفساد; وكل إناء بالذي فيه ينضح; وفيما قص الله عن الأنبياء: تسلية لعبده المسلم، إذا كان له أعداء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٣١] . فيؤخذ من هذا: أن من قال الحق ودعا إليه، فلا بد أن يتصدى له من يوقع الأذى عليه، وما ذاك إلا لصعوبة الحق على النفوس، ومخالفته الأهواء، وإيثار الشهوات على التقوى. نسأل الله الثبات على الإيمان، والعفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة; ولقد أحسن من قال في مثل هذه الحال شعرا: يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن وقائل هذا إنما أخذه من كتاب الله تعالى، وهو مذكور في عدة آيات من الكتاب، ترشد إلى من لم يرد الله به خيرا، يرى أن نفس الخطأ هو عين الصواب. ثم إن هذا المعترض زعم أن ابن ثنيان يطعمهم الحرام. فالجواب: أن يقال: وهذا من جهله وقلة دينه وعقله، لأن هذا الكلام شاهد على قائله أنه لا يعرف شيئا من الأحكام، ولا يتصور الواقع؛ وذلك لا يخلو، إما أن يكون صدر عن سوء طوية وفساد روية، أسوة أمثاله ممن لم يستضيء بنور التوحيد الذي هدى الله إليه كثيرا من أهل نجد وغيرهم، أحرارهم والعبيد.

стр. 5010

أو أنه مغفل عن هذا الشأن، كحال أهل المهن، وأرباب الدنيا في كل زمان؛ فلو سألت أحدهم عن الدين، الذي بعث الله به المرسلين، لما أحسن التعبير عنه، ولا عرف حقيقة الإسلام بيقين. ولا ريب أن هذه قصارى حال المشار إليه، لدلالة كتابه عليه؛ فإن هذا كلام من لا يدري ما يقول، من غير تصور ولا معقول، فلا بد - والحالة هذه - من بيان يكشف ما يقول، قد يلتبس على بعض الجهال من ذلك الهذيان. فأقول: من المعلوم عند الموافق والمخالف، أن أئمة المسلمين الذين أقام الله بهم هذا الدين، بعد ما اشتدت غربته من بين الظلمة والمفسدين، أن الله بفضله ورحمته، أقامهم بالحق المبين، فدعوا إلى التوحيد، وأنكروا كل شرك وشك وتنديد، ونشروا أعلام الجهاد، حتى أدخل الله بدعوتهم كل حاضر من قومهم وباد. فأخذوا تلك الأموال من أهل البغي والفساد، بسيف الحق والجهاد، فهو - بحمد الله - من طيب الحلال بلا تردد ولا إشكال؛ فقد أحل الله لرسوله ﷺ ولأمته الغنائم; وقد غنم الصحابة ﵃ أموال من ارتد من العرب، أو شك في الحق واضطرب. وكل ما لا يؤيد بالدليل، فلا التفات إليه ولا تعويل،
следующие страницы →