شاء الله، كما قال; ويلجئون أمرهم إلى الله، ويثبتون الحاجة إلى الله، في كل وقت، والفقر إلى الله في كل حال. ويقولون: إن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف، واللفظ؛ من قال باللفظ أو بالوقف، فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال غير مخلوق; ويقولون: إن الله تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة، كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين آية: ١٥] ، وإن موسى سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا، وإن الله تجلى للجيل، فجعله دكا، فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا، بل يراه في الآخرة.
ولم يكفروا أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كنحو الزنى، والسرقة، وما أشبه ذلك من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر; والإيمان عندهم، هو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وما أصابهم لم يكن ليخطئهم; والإسلام، هو: أن يشهد أن لا إله إلا الله، على ما جاء به الحديث; والإسلام عندهم، غير الإيمان; ويقرون بأن الله مقلب القلوب.
ويقرون بشفاعة رسول الله ﷺ ، وأنها لأهل الكبائر من أمته، وبعذاب القبر، وأن الحوض حق، والمحاسبة من الله
стр. 527
للعباد حق، والوقوف بين يدي الله حق، ويقرون: بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق ولا غير مخلوق، ويقولون: أسماء الله تعالى هي الله، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين، حتى يكون الله هو نزلهم حيث شاء، ويقولون: أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم. ويؤمنون بأن الله يخرج قوما من الموحدين من النار، على ما جاءت الروايات عن رسول الله ﷺ .
وينكرون الجدل، والمراء في الدين، والخصومة في القدر، والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، بالتسليم للروايات الصحيحة، ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقات، عدلا عن عدل، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ . ولا يقولون: كيف؟ ولا: لم؟ لأن ذلك، بدعة; ويقولون: إن الله تعالى لم يأمر بالشر بل نهى عنه، وأمر بالخير ولم يرض بالشر، وإن كان مريدا له.
ويعرفون حق السلف، الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، ويأخذون بفضائلهم، ويمسكون عما شجر بينهم، صغيرهم وكبيرهم; ويقدمون: أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليا ﵃. ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون، وأنهم أفضل الناس كلهم بعد نبيهم; ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ : " أن
стр. 528
الله ينْزل إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر ... " ١؟ كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ .
ويأخذون بالكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين، وأن لا يبتدع في الدين ما لم يأذن به الله. ويقرون أن الله تعالى يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [سورة الفجر آية: ٢٢] ، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق آية: ١٦] ؛ ويرون، العيد، والجمعة، والجماعة، خلف كل إمام، بر، أو فاجر؛ ويثبتون المسح على الخفين سنة، ويرونه في الحضر والسفر.
ويثبتون فرض الجهاد للمشركين، منذ بعث الله نبيه ﷺ إلى آخر عصابة تقاتل الدجال; وبعد ذلك يرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، ولا يخرج عليهم بالسيف، ولا يقاتلون في الفتنة; ويصدقون بخروج الدجال، وأن عيسى بن مريم يقتله; ويؤمنون بمنكر، ونكير، والمعراج، والرؤيا في المنام، وأن الدعاء للموتى من المسلمين، والصدقة عنهم بعد موتهم، تصل إليهم; ويصدقون بأن في الدنيا سحرة، وأن الساحر كافر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٢] ، وأن السحر كائن موجود في الدنيا.
стр. 529
ويرون الصلاة على كل من مات من أهل القبلة، مؤمنهم، وفاجرهم، ويقرون: أن الجنة والنار، مخلوقتان، وأن من مات مات بأجله، وكذلك من قتل قتل بأجله، وأن الأرزاق من قبل الله، يرزقها عباده، حلالا كانت أو حراما، وأن الشيطان يوسوس للإنسان، ويشككه، ويخطيه، وأن الصالحين قد يجوز أن يخصهم الله بآيات تظهر عليهم، وأن السنة لا تنسخ الآيات، وأن الأطفال أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء فعل بهم ما أراد، وأن الله تعالى عالم ما العباد عاملون، وكتب أن ذلك يكون، وأن الأمور بيد الله.
ويرون الصبر على حكم الله، والأخذ بأمر الله، والانتهاء عما نهى الله عنه، وإخلاص العمل، والنصيحة للمسلمين، ويدينون بعبادة الله تعالى في العابدين، والنصيحة لأئمة المسلمين، واجتناب الكبائر، والزنى، وقول الزور، والمعصية، والفخر، والكبر، والإزراء على الناس، والعجب؛ ويرون: مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع التواضع والاستكانة، وحسن المأكل والمشرب، وجملة ما يأمرون به، ويستعملونه، ويرونه. وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب. انتهى.
وبعض هذا البحث، ذكره شيخنا عبد اللطيف، في: التأسيس، وأحببت إبرازه من مظانه، لينكشف للناس حقيقة
стр. 530
ما عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويزول عنهم الوهم والإشكال; وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على أشرف المرسلين محمد، وآله وصحبه أجمعين.
(رسالة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن إلى عبد الله بن أحمد يحثه فيها على طاعة الله)
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من إسحاق بن عبد الرحمن، إلى المحب المكرم عبد الله بن أحمد; وفقه الله للطريق الأحمد. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وغير ذلك.
الموجب لهذه المكاتبة: النصيحة، وحسن الظن بك; وأتيقن أن الحق ضالتك; فالذي أوصيك به: أن تطيع الله ورسوله، وتقدم ذلك فيما أشكل عليك; قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . قال المفسرون: الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرد إلى سنته. وقد نهى الله عن طاعة غيره في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّض يَخْرُصُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] . فإذا كان الله يحذر نبيه من اتباع أكثر الناس، فما الظن بهذا الزمن، وأهله؟ وقد قال الصادق المصدوق: " بدأ الإسلام غريبا،
стр. 531
وسيعود غريبا كما بدأ " ١. وأي اغتراب أعظم من هذا الاغتراب؟!
قال صاحب التحفة، ﵀: فالمؤمنون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، فـ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، ولا جفوا كما جفت اليهود، فكانوا: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٢١] ، بل آمنوا برسول الله ﷺ : ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧] ، ولم يتخذوا الأنبياء أربابا، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٩-٨٠] ، وقال عيسى ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] .
قال: وكان النبي ﷺ يحقق التوحيد، ويعلمه أمته، حتى إنه قال له رجل: ما شاء الله، وشئت، قال: " أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده " ٢، وقال: " لا تقولوا: ما شاء الله، وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء محمد "
стр. 532
ونهى عن الحلف بغير الله وقال: " من كان حالفا، فليحلف بالله، أو ليصمت "١، وقال: " من حلف بغير الله، فقد أشرك "٢، وقال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله، ورسوله " ٣؛ ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق، كالكعبة، ونحوها.
ونهى ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، فقال في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٤، يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجدا; وقال قبل أن يموت بخمس: " إن من كان قبلكم، كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك " ٥ وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ٦، وقال: " لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني " ٧؛ ولهذا: اتفق العلماء على أنه لا يجوز بناء المساجد على القبور، ولا تشرع الصلاة عندها; ويقولون: الصلاة عندها باطلة، انتهى.
فقد علمت كلام الصادق المصدوق، فلا يكون قول الغير في نفسك أعظم من كلام نبيك، فما حجتك يوم القيامة، إذا قال الله: لأي شيء أطريت رسولي، ورفعته فوق ما أنزلته؟ أتقول: سمعت في الأشعار خلاف قوله، فاتبعتها؟ أم تقول: لم يبلغني كلام نبيك؟ أعد للسؤال جوابا، قال عمر ﵁ في بعض خطبه: " لتسألن عن الرسول، ومن
стр. 533
أرسله، وما جاء به، وما قد قال ".
وفي بعض الآثار: " كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ ".
ويكفيك الميزان السوي العادل، في كل فعل وقول صدر من الناس، وهو قوله ﷺ : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ١. وهذا الحديث أصل من أصول الدين، فمن تأمل ما في مطاويه، وتفهم أصوله ومبانيه، استوحش من كثير من عبادات لم يشرعها الله ولا رسوله; فإذا كان كل عمل ليس عليه أمره ﷺ فهو مردود على صاحبه لا يقبله الله، تبين لك أني لم أجازف في إنكار هذه المبتدعات، وقد أخبر أنها تقع، بقوله ﷺ : " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يفعلون ما لا يؤمرون " ٢. أفتظن أنه كان فبان، وسلمت منه هذه الأزمان؟ أم تطن أن كلام الصادق المصدوق لا يوجد مصداقه؟ ولا يسلم من المحدثات إلا من وفق للكتاب والسنة، وجعلهما الميزان، لما حسن عنده وزان.
والعلماء يجري عليهم الخطأ، وليسوا بمعصومين، ومن حسن الظن بهم من دون نظر في الكتاب والسنة، هلك; انظر إلى إيقاد السرج على القبور اليوم، قد عم وطم، وقد صرفت له الأوقاف، واستحسنه بعض العلماء، وكتبوا على أوقافه، وكذلك تجصيص القبور، والرسول ﷺ قد
стр. 534
لعن من جصص القبور، ولعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج; هذه السنة تنادي بلعنهم، أتظن هذا الإجماع يعتد به؟ هذا والله كإجماع الناس على عبادة القبور في زمن الفترة.
ويشهد لما قلنا: قوله ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة " ١، وفي بعض طرقه: " حتى لو كان فيهم من يأتي أمه علانية، لكان فيكم من يفعل ذلك " ٢، وفي قوله ﷺ في الحديث المتقدم: " إن من كان قبلكم، كانوا يتخذون القبور مساجد " ٣ إيماء إلى هذا المعنى.
وقد أخبر أن علماء بني إسرائيل كتموا العلم، وسيقع كتمان العلم في هذه الأمة، ولو كان مساعدة العلماء في بعض الأمور دليلا، لكان المأمون وأتباعه من علماء وقته، الذين لهم من العلم ما ليس لغيرهم، مصيبين، لأنهم صنفوا فيها المصنفات، ودعوا الناس إليها، ولم يكن على الحق، إلا الإمام أحمد، وقلائل من الناس من أهل السنة، خائفين مستخفين; أتظن أن السواد الأعظم الكثرة في ذلك؟ بل: السواد الأعظم، والله، الإمام أحمد، ومحمد بن نصر الخزاعي، ومن وافقهما.
ولو استدل مستدل، في وقتهم، بعموم ظاهر قوله ﷺ : " عليكم بالسواد الأعظم " ٤ لهلك; لأن السواد الأعظم: أهل الحق، وإن قلوا. قال ﷺ " لا تزال طائفة من أمتي على
стр. 535
الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، إلى يوم القيامة " ١، قال: الفضيل بن عياض، ﵀: لا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين، ولا تستوحش من الحق لقلة السالكين.
إذا تقرر هذا، فقد عرفت - سلمك الله - كلام الناس في مسألة سؤال الله بالمخلوق، والإقسام على الله به، وقد ذاكرتك فيها بأن الذي نعتقده: أنا لا نكفر بها أحدا، بل نقول: هي بدعة شنيعة، نهى عنها السلف، وقد قال مالك ﵁: " لن يصلح آخر هذه الأمة، إلا ما أصلح أولها"، وقوله ﷺ : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " ٢. وإن لم يكن هذا من الشرك، فهو وسيلة إليه، لا بد أن يقوم بقلب صاحبه شيء من الاعتماد.
ولكن بقي مسألة، وهي التي لا حجة للمخالف فيها أصلا، وهي إسناد الخطاب إلى غير الله، في شيء من الأمور، بياء النداء، إذا كان يشتمل على رغبة، أو رهبة; فهذا هو الدعاء الذي صرفه لغير الله شرك قال رسول الله ﷺ : " الدعاء مخ العبادة " ٣، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢١٣] ، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] .
ومن الدليل على أن النداء المتضمن لما ذكرنا، عين
стр. 536
الدعاء بلا شك، قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [سورة الانبياء آية: ٨٣] وقال: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣٨] ، وقال: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [سورة آية: ٣] إلى قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٤] : فسمى النداء المتقدم في هذه الآيات، دعاء، والدعاء ممنوع لأنه عبادة، وهذا لا محيد عنه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] .
وأما النداء المجرد، الخالي من رغبة ورهبة، فليس هو محل النّزاع; وإن كان أهل الشبه يروجون به، ويغالطون به، وما كان نداء زكريا به، مثل نداء الله لموسى، في قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٥٢] . ومن قال: إن ندائي الرسول ﷺ وقولي: يا رسول الله، خال، مجرد، حكمه حكم قولي: يا فلان أقبل، أو يا فلان: اخرج، فقد كذب; فإذا لم يكن كذلك، فهو حقيقة الدعاء، لأن دعاء الرهبة والرغبة ممنوع; وبالنهي عنه مقطوع، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٥٩] . وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [سورة النور آية: ٥٢] الآية.
فجعل الطاعة للرسول، دون الخشية والتقوى، وجعل
стр. 537
الحسب والرغبة له تعالى دون الرسول، لأنهما من أنواع العبادة، وصرفهما لغيره سبحانه شرك، وجعل الإيتاء إلى الرسول، لأنه يقدر عليه; وقال: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح آية: ٨] ، وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٧] .
فنفى كشف الضر عن كل أحد، بلا النافية، وأثبته لنفسه بالاستثناء، وهذا من أعظم النفي، كما في قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٥] فإنه نفى بها جميع الآلهة، وأثبت الألوهية له، دون كل من سواه، فأخرجت جميع المخلوقات، فاعرف الفرق بين الندائين، كما عرفت الفرق بين قوله ﷺ : " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله "، وقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [سورة القصص آية: ١٥] . ومن لا بصيرة لديه يظن أن القرآن يخالف السنة. ومن تأمل تفاسير القرآن التي اتصلت بالسند إلى الصحابة، كتفسير الثعلبي، وتفسير البغوي، وتفسير ابن جرير الطبري، عرف مقاصد القرآن.
ومما يزيد المعنى إيضاحا: ما رواه ابن أبي الدنيا بسنده، أن أبا طلحة، خرج من داره، يريد أن يسأل رسول الله ﷺ من مال أتاه، فوجده يخطب، وهو يقول: " ومن يستغن يغنه الله، ومن يستعف يعفه الله، فقال بأعلى صوته: حتى منك يا رسول الله؟ قال: حتى مني. فرجع ولم يسأله شيئا، قال أبو طلحة: فما لبثت أن كنت، من
стр. 538
أكثر أهل المدينة مالا".
هذا في الأمور المقدور للنبي ﷺ لأنه ﷺ بعث لتشييد قواعد الدين، وسد الذرائع المفضية إلى سؤال المخلوقين ما لا يقدر عليه إلا رب العالمين.
والله المرجو أن يشرح صدورنا للإسلام، وأن لا يجعلنا ممن أعرض عن ذكر ربه، واتبع هواه، وكان أمره فرطا; فاسأل ربك في أوقات الإجابة أن يريك الحق حقا، ويرزقك اتباعه، ويريك الباطل باطلا، ويرزقك اجتنابه; ولا يجعله ملتبسا عليك، فتضل; والسلام. وصلى الله على محمد، وآله وصحبه، وسلم.
(كيفية حياة الرسول في قبره)
سئل الشيخ: إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، عن كيفية حياة الرسول في قبره؟ وهل هي كحياة الشهداء؟ أم أعلى عند الله؟ فأجاب:
الجواب وبالله التوفيق: قال الحافظ الحجة شمس الدين ابن القيم، رحمه الله تعالى: لم يرد حديث صحيح، أنه ﷺ حي في قبره، لكن نقطع أن الأنبياء، لا سيما خاتمهم وأفضلهم محمد ﷺ أعلى مرتبة من الشهداء، وقد قال سبحانه وبحمده عن الشهداء، إنهم: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٩] ، فالأنبياء أولى بذلك، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٩] ، ومع ذلك، فالشهداء داخلون، في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [سورة آل
стр. 539
عمران آية: ١٨٥] ، ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣٠] .
أثبت سبحانه للشهداء موتا، بدخولهم في العموم، كالأنبياء، وهو الموت المشاهد، ونفى عنهم موتا؛ فالموت المثبت غير الموت المنفي; فالموت المثبت هو: فراق الروح الجسد، وهو مشاهد محسوس; والمنفي: زوال الحياة بالجملة من الروح والبدن; وقال البيضاوي، على قوله سبحانه: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ : فيه تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد، ولا بجنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل، بل بالوحي، انتهى.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين، ﵀، في رده على العراقي: ويدل على بطلان دعوى من ادعى: أن النبي ﷺ حي في قبره كحياته لما كان على وجه الأرض، ما رواه أبو داود عنه ﷺ : " ما من مسلم يسلم عليّ إلا رد الله علي روحي، حتى أرد ﵇ "١، فهذا يدل على أن روحه الشريفة، ليست في بدنه، وإنما هي في أعلى عليين، ولها اتصال بالجسد، والله أعلم بحقيقته، لا يدركه الحس، ولا العقل.
وليس ذلك خاصا به ﷺ لحديث تقدم عنه، أنه ﷺ قال: " ما من مسلم يمر بقبر أخيه، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد ﵇ ". وفي صحيح مسلم عنه ﷺ : " إن أرواح الشهداء في حواصل
стр. 540
طير خضر، تسرح في رياض الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش " ١ الحديث. وقد أخبر الله سبحانه أنهم في البرزخ ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٩] . وقال أبو بكر الصديق: " أما الموتة التي كتبت عليك، فقد متّها، ولن يجمع الله عليك موتتين ". وقد قام الدليل القاطع أنه عند النفخة في الصور، لا يبقى أحد حيا، فلو كان الأمر كما يزعمون، لكان الله قد يجمع عليه موتتين.
ولما قال ﷺ : " أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: كيف تعرض عليك، وقد أرمت - يعني بليت - قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " ٢، ولم يقل لهم: أنا حي في قبري، كحياتي الآن، صلوات الله وسلامه عليه. انتهى كلامه ﵀.
وقال أيضا: ومقتضى قول من قال: ليس إلا أن غيبوا عنا، أنه يجوز أن يقال في الملائكة إنهم أموات، لكونهم مغيبين عنا. انتهى.
وقال ابن القيم أيضا: وأما السلام على القبور، وخطابهم، فلا يدل على أن أرواحهم ليست في الجنة، وأنها على أفنية القبور، فهذا سيد ولد آدم الذي روحه في أعلى عليين، مع الرفيق الأعلى ﷺ ، يسلم عليه عند قبره، ويرد سلام المسلم عليه; وقد وافق ابن عمر ﵁ أن أرواح
стр. 541
الشهداء في الجنة، ويسلم عليهم عند قبورهم، كما يسلم على غيرهم، كما علمنا ﷺ أن نسلم عليهم، وكما كان الصحابة ﵃ يسلمون على شهداء أحد; وقد ثبت أن أرواحهم في الجنة، تسرح حيث شاءت، كما تقدم; ولا يضيق عطنك عن كون الأرواح في الملأ الأعلى، تسرح في الجنة حيث شاءت، وتسمع سلام المسلم عليها عند قبرها; وتدنو حتى ترد ﵇، وللروح شأن آخر، غير شأن البدن. وهذا " جبريل ﵇، رآه النبي ﷺ وله ستمائة جناح، منها جناحان، قد سد بهما ما بين المشرق والمغرب ". وكان من النبي ﷺ حتى وضع ركبتيه، ويديه، على فخذيه; وما أظنك يتسع عطنك أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى، فوق السماوات، حيث هو مستقره، وقد دنا من النبي ﷺ هذا الدنو، فإن التصديق بهذا، له قلوب خلقت له، وأهلت لمعرفته، ومن لم يتسع عطنه لهذا فهو أضيق أن يتسع للإيمان بالنّزول الإلهي إلى سماء الدنيا كل ليلة، وهو فوق سماواته على عرشه; انتهى كلام الشيخ شمس الدين، ﵀، وعفا عنه.
وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، ﵀: وأما الكلام على حياة النبي ﷺ فاعتقادنا في ذلك اعتقاد سلف الأمة وأئمتها، وهم الأسوة; وهي: أنه ﷺ قبض ودفن، وزالت عنه الحياة الدنيوية، كما قال أبو بكر رضي الله عنه
стр. 542
حين قبله; قال: " طبت حيا، وميتا ... " إلخ، وأما حياة البرزخ فهو حي الحياة البرزخية، وكذلك الشهداء. فلو كان حيا حياة دنيوية، لرفعوا إليه الأمر فيما جرى بينهم، رضوان الله عليهم أجمعين، ولما عدلوا إلى التوسل بدعاء العباس. انتهى; وبه تم الجواب; وصلى الله على محمد.
(الجواب عما ورد أن النبي ﷺ رأى موسى وهو يصلي في قبره)
وسئل الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن أيضا ﵏ عما ورد: أن النبي ﷺ رأى موسى وهو يصلي في قبره، ورآه يطوف بالبيت، ورآه في السماء، وكذلك الأنبياء.
فأجاب: هذه الأحاديث وأشباهها، تمر كما جاءت، ويؤمن بها، إذ لا مجال للعقل في ذلك؛ ومن فتح على نفسه هذا الباب، هلك، في جملة من هلك; وقد غضب مالك بن أنس، لما سأله رجل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، إلى آخر كلامه، ثم قال: وما أراك إلا رجل سوء، فأمر بإخراجه; هذه عادة السلف.
فهذه الأحاديث التي مر البحث فيها: خاض فيها بعض الزنادقة، وصنف مصنفا بناه عليها، وجادل، وما حل في أن من كان حيا هذه الحياة التي أطلقت في القرآن، فينبغي أن ينادى، إذ لا فرق عند هذا الجاهل بين الحياة الحسية والبرزخية، لأنه اشتبه عليه أمر هذه الصلاة، وأمر هذا الرزق، ولم يعلم أنه لا خلاف في أن أهل البرزخ
стр. 543
يجري عليهم من نعيم الآخرة، ما يلتذون به مما هو ليس من عمل التكليف.
ومعاذ الله: أن نعارض نص رسول الله ﷺ الذي رواه مسلم: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث " ١ إلخ، والحديث عام، لأن المقصود به: جنس بني آدم، لأن المفرد يعم، كما هو مقرر في محاله; ألم يعلم المسكين أن البرزخ طور ثان، وله حكم ثان؟ إذ لو كان ﷺ بهذه المثابة، أنه يلاقي الأولياء والأفاضل، كما زعم بعض المصنفين، لبطل حكم الاجتهاد بعده، ولم يتراجع الصحابة رضوان الله عليهم بعده مسائل طال فيها نزاعهم إلى زمننا هذا.
إذا تحققت هذه الإشارة، وتأملتها، فلا بد أن أنقل لك كلام ابن تيمية، قدس الله روحه، في أحاديث السؤال.
قال ابن تيمية ﵀: أما رؤيا موسى في الطواف، فهذا كان رؤيا منام، لم يكن ليلة المعراج، كذلك جاء مفسرا، كما رأى المسيح أيضا، ورأى الدجال; أما رؤيته، ورؤية غيره من الأنبياء ليلة المعراج في السماء، لما رأى آدم في السماء الدنيا، ورأى يحيى، وعيسى; فهذا رأى أرواحهم مصورة في صورة أبدانهم; وقد قال بعض الناس: لعله رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور; وهذا ليس بشيء، لكن عيسى صعد إلى السماء بروحه وجسده، وكذلك إدريس.
стр. 544
وأما كونه رأى موسى يصلي في قبره، ورآه في السماء أيضا، فهذان لا منافاة بينهما، فإن أمر الأرواح من جنس أمر الملائكة، في اللحظة الواحدة: تصعد، وتهبط، كالملك، ليست كالبدن; وقد بسطت الكلام في أمر الأرواح بعد مفارقة الأبدان، وذكرت الأحاديث والآثار في ذلك، بما هذا ملخصه.
وهذه الصلاة مما يتنعم بها الميت، ويستمتع بها، كما يتنعم أهل الجنة بالتسبيح; فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهم الناس النفس في الدنيا، فهذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب به ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل هو من النعيم الذي تتنعم به النفس، وتلتذ به. انتهى كلامه.
فعلم من كلامه: أن أرواحهم صورت في صور أبدانهم التي في القبور، فاجتمعت النصوص، وزال الإشكال، والله أعلم.
(حكم من أمر بأن يذر في البحر)
وسئل: ﵀ عن الذي أمر بأن يذر في البحر ... إلخ.
فأجاب: الذي أمر بأن يذر في البحر خوفا من الله، لم يكن شاكا في القدرة، وإنما ظن أن جمعه بعد ذلك من قبيل المحال، الذي ما من شأن القدرة أن تتعلق به، وهذا باب واسع، والله أعلم.
стр. 545
(قول الفقهاء فيمن قال أنا مؤمن إن شاء الله)
سئل الشيخ حمد بن عتيق، عن قول الفقهاء: من قال أنا مؤمن إن شاء الله، إن نوى به في الحال، يكفر، وإن نوى به في المآل، لم يكفر؟ !
فأجاب: هذا سؤال من لا يحسن السؤال، فإن ظاهره: أن جميع الفقهاء يقولون ذلك، ومن له خبرة بأقوال الفقهاء، تحقق أن هذه مجازفة عليهم، وقول بلا علم; فإن كان بعض المتأخرين من بعض أهل المذاهب قال ذلك، فهو: قول محدث من أقوال أهل البدع. وأنا أذكر لك من كلام العلماء، في الاستثناء في الإيمان، وهو قول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله; ليتضح الخطأ من الصواب، ويعلم من الأولى بالحق في هذا الباب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: وأما الاستثناء في الإيمان، بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه على ثلاثة أقوال; منهم: من يوجبه; ومنهم: من يحرمه; ومنهم: من يجوز الأمرين، باعتبارين; وهذا: أصح الأقوال.
فالذين يحرمونه، هم: المرجئة، والجهمية، ونحوهم، ممن يجعل الإيمان شيئا واحدا، يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب، ونحو ذلك مما في قلبه; فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني قرأت الفاتحة;
стр. 546
فمن استثنى في إيمانه، فهو شاك فيه عندهم.
وأما الذين أوجبوا الاستثناء، فلهم فيه مأخذان; أحدهما: أن الإيمان، هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنا، وكافرا، باعتبار الموافاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وهو مأخذ كثير من المتأخرين، من الكلابية، وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما استشهد عليه أهل السنة والحديث، من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ويريد مع ذلك: أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه; وإنما يشك في المستقبل; وهذا وإن علل به كثير من المتأخرين من أصحاب الحديث، من أصحاب أحمد، ومالك، والشافعي، وغيرهم، فما علمت أحدا من السلف علل به الاستثناء.
قلت: فالمرجئة، والجهمية، يحرمون الاستثناء، في الحال، والمآل، وهؤلاء: يبيحونه في المآل، ويمنعونه في الحال.
قال شيخ الإسلام، ﵀: والمأخذ الثاني في الاستثناء: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار، فقد شهد لنفسه: أنه من الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله; وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لها بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة
стр. 547
السلف، الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر.
وروى الخلال، عن أبي طالب قال: سمعت أبا عبد الله، يقول: لا نجد بدا من الاستثناء، لأنهم إذا قالوا مؤمن، فقد جاؤوا بالقول، فإنما الاستثناء بالعمل، لا بالقول; وعن إسحاق بن إبراهيم، قال: سمعت أبا عبد الله، يقول: أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان; لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول، ونخشى أن نكون فرطنا في العمل، فيعجبني أن يستثني في الإيمان، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله; ومثل هذا كثير من كلام أحمد، وأمثاله.
وهذا مطابق لما تقدم، من أن المؤمن المطلق هو القائم بالواجبات، المستحق للجنة، إذا مات على ذلك; وأن المفرط بترك المأمور، أو فعل المحظور، لا يطلق عليه أنه مؤمن; وأن المؤمن المطلق، هو البر التقي، ولي الله; فإذا قال: أنا مؤمن قطعا، كان كقوله: أنا بر، تقي، ولي لله قطعا.
وقد كان أحمد، وغيره من السلف، مع هذا، يكرهون، سؤال الرجل غيره: أمؤمن أنت؟ ويكرهون الجواب; لأن هذا بدعة، أحدثها المرجئة ليحتجوا بها لقولهم; فإن الرجل يعلم من نفسه: أنه ليس بكافر، بل يجد قلبه مصدقا لما جاء به الرسول; فيقول: أنا مؤمن; فلما علم
стр. 548
السلف مقصودهم، صاروا يكرهون السؤال، ويفصلون الجواب.
وهذا لأن لفظ الإيمان، فيه إطلاق، وتقييد، فكانوا يجيبون بالإيمان المقيد، الذي لا يستلزم أنه شاهد لنفسه بالكمال; ولهذا كان الصحيح: أنه يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا استثناء، إذا أراد ذلك، لكن ينبغي أن يقرن كلامه، بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل، ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء.
قلت: فظهر القول الثالث، الذي هو الصحيح، وهو: أنه إذا قال: أنا مؤمن; فإن أراد بذلك الإيمان المقيد، الذي لا يستلزم للكمال، جاز له ترك الاستثناء، وإن أراد المطلق المستلزم للكمال، فعليه أن يستثنى في ذلك; قال الخلال: أخبرني حرب بن إسماعيل، وأبو داود; قال أبو داود: سمعت أحمد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: " إذا سئل المؤمن، أمؤمن أنت؟ لم يجبه; ويقول: سؤالك إياي بدعة، ولا أشك في إيماني; وقال: إن شاء الله ليس يكره، ولا يدخل الشك ". وقد أخبرني عن أحمد أنه قال: لا نشك في إيماننا، وأن السائل لا يشك في إيمان المسؤول، وهذا أبلغ; وهو إنما يجزم بأنه مقر مصدق بما جاء به الرسول، لا يجزم بأنه قائم بالواجب.
فعلم: أن أحمد وغيره، من السلف، كانوا يجزمون،
стр. 549
ولا يشكون في وجود ما في القلب من الإيمان، في هذه الحال; ويجعلون الاستثناء عائدا إلى الإيمان المطلق، المتضمن فعل المأمور; هذا ملخص كلامه، في: كتاب الإيمان.
وقال في موضع آخر: والناس لهم في الاستثناء ثلاثة أقوال; منهم: من يحرمه، كطائفة من الحنفية، ويقولون: من يستثني فهو شاك; ومنهم: من يوجبه، كطائفة من أهل الحديث; ومنهم: من يجوزه، أو يستحبه; وهذا: أعدل الأقوال; فإن الاستثناء له وجه صحيح، وتركه له وجه صحيح، فمن قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وهو يعتقد أن الإيمان فعل جميع الواجبات، ويخاف أن لا يكون أتى بها، فقد أحسن; ومن اعتقد: أن المؤمن المطلق هو الذي يستحق الجنة، فاستثنى، خوف سوء الخاتمة، فقد أصاب; ومن استثنى أيضا خوفا من تزكية نفسه، أو مدحها، أو تعليقا للأمر بمشيئة الله تعالى، فقد أحسن; ومن جزم بما يعلمه، من التصديق في ترك الاستثناء، فهو مصيب.
فتبين بما ذكرناه، من الكلام، الذي قدمناه: أن هذا الإيراد قول غير معروف عند العلماء المقتدى بهم، فضلا عن أن يكون الفقهاء كلهم قد قالوه; وإذا كان الأمر كذلك، وظهر كلام من يعتد به، وما هو الصواب منه، فلا حاجة بنا إلى معرفة الأقوال المبتدعة.
стр. 550
(معنى قوله ﷺ من قال أنا مؤمن فهو كافر)
المسألة الثانية: وهي قول السائل، ما معنى قوله ﷺ من قال: أنا مؤمن، فهو كافر ; ومن قال: أنا في الجنة، فهو في النار؟
فالذي وقفت عليه: أن هذا من كلام عمر، كما رواه الإمام أحمد، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " من قال أنا مؤمن، فهو كافر; ومن قال: هو عالم، فهو جاهل; ومن قال: هو في الجنة، فهو في النار، " وأنت لم تذكر له إسنادا، ولا نسبة إلى أصل، وقد علم أنه لا يجوز لأحد أن ينسب إلى النبي ﷺ شيئا بمجرد وجود سواد في بياض; وتفصيل ذلك معروف، في كتب أهل العلم، والحديث.
وأما مراد عمر، فقد قال بعض الناس: إن المراد إذا قال: أنا مؤمن، آمنا من مكر الله، وتأليا على الله، وقال بعضهم: أي من قال: أنا مؤمن بالطاغوت، فهو كافر بالله، وكذلك من قال: هو في الجنة قطعا، تكذيبا بحديث: " الأعمال بالخواتيم " ١ وقيل غير ذلك من الأقوال البعيدة، الضعيفة.
وأما أنا فأقول: الله أعلم بمراد الخليفة الراشد، ولا أعلم في ذلك شيئا تطمئن إليه النفوس، ولا يستحي من سئل عما لا يعلم، أن يقول: لا أعلم، فالله أعلم.
стр. 551
(الجواب عمن يحدث نفسه بقول أنا منافق، أنا أخشى الكفر)
المسألة الرابعة: قوله، هل يجوز للإنسان أن يحدث نفسه، بقول: أنا منافق، أنا أخشى الكفر. وهل هذا شك في الدين، أم لا؟
الجواب: قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: " أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه، كإيمان جبرائيل، وميكائيل; ". وقال ابن القيم: تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين، لعلمهم بدقه، وجله، وتفاصيله، وجمله; ساءت ظنونهم بنفوسهم، حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين.
قال عمر بن الخطاب ﵁: " يا حذيفة: ناشدتك الله، هل سماني لك رسول الله ﷺ مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدا"، يعني: لا أفتح هذا الباب، في تزكية الناس، ليس معناه: أنه لم يبرئ من النفاق غيره، وكيف يكون ما هو من صفات السابقين الأولين، شكا في الدين؟ وعن الحسن البصري - في النفاق -: " ما أمنه إلا منافق، ولا خافه إلا مؤمن ".
وقال ابن القيم، ﵀: وبحسب إيمان العبد ومعرفته، يشتد خوفه أن يكون منهم; ولهذا اشتد خوف
стр. 552
سادة الأمة، وسابقيها على أنفسهم، أن يكونوا منهم. انتهى.
فكلما زاد الإيمان، اشتد الخوف من النفاق، وعلى حسب ضعف الإيمان، يكون الأمن منه; وأما خوف الكفر، فيكفي فيه قول الله تعالى، إخبارا عن خليله إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٥] ، وهو يدل على شدة خوفه من هذا الأمر; وفي الدعاء المأثور: " اللهم إني أعوذ بك من الكفر، والفقر، وعذاب القبر، وأن أرد إلى أرذل العمر " ١.
اعلم: أن كون الإنسان يشتد خوفه من الكفر والنفاق، ويكثر البحث عن أسبابهما، ونحو ذلك، هو أمر غير التلفظ به; وكونه يقول: أنا منافق: فذاك لون، وهذا لون.
(رد الشيخ سعد بن حمد على من زعم أن القحطاني المذكور في هذا الحديث هو محمد بن رشيد)
وقال ابنه: الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، عفا الله عنه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أشرف المرسلين، وعلى آله، وأصحابه والتابعين.
أما بعد: فقد وقع البحث في الحديث، الذي في الصحيحين، حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان، يسوق الناس بعصاه " ٢، فصرح بعض الحاضرين، بأن
стр. 553
القحطاني المذكور في هذا الحديث هو: محمد بن رشيد، الذي خرج في أواخر المائة الثالثة بعد الألف من الهجرة، وعظمت شوكته، وانتشرت دولته في أوائل المائة الرابعة، واستولى على كثير من البلدان النجدية، وقهر جماعات من أهل البادية، حتى استسلم لأمره كثير من أهل نجد واليمامة، أو أكثرهم; فسألني بعض الخواص، هل يسوغ القول بما قاله هذا القائل؟ وهل ينبغي الجزم به، أم لا؟
ثم بلغني عن بعض الإخوان: أنه نسب هذا إلى صديق ١ حسن الهندي، وأنه نقل عن صديق، أن الحديث يفيد: أن القحطاني المذكور في الحديث، مسلم، وليس بمؤمن; فعن لي أن أذكر بعض ما وقفت عليه من كلام أهل العلم على هذا الحديث، مع كلمات يسيرة يستفيد بها السائل; وإن كنت لست أهلا لذلك، لقلة العلم، وعدم وجود من استفيد منه، من أهل التحقيق.
ولأن الكلام على أحاديث الرسول مما يحجم عنه الجهابذة الفحول، فكيف بمن هو مزجى البضاعة، قاصر الباع؟ وإني لمعترف - والصدق منجاة - بأن طلب الإفادة، ممن هو مثلي، من عجائب الدهر، ولكن الضرورة قد تلجئ إلى أعظم من ذلك، فأقول في الجواب: اعلم:
أن قول القائل، إن القحطاني المذكور في
стр. 554
الحديث هو الرجل الذي وصفنا، لا شك أنه تعيين لمراد المعصوم ﷺ وتبيين لمقصوده، وهذا مفتقر إلى أحد شيئين:
الأول: النقل الثابت عنه ﷺ برواية الثقات; ونقل العدول المعتبرين عند أهل النقل بالتنصيص على المقصود بكلامه، إنه هذا الرجل بعينه; وهذا مما لا سبيل إليه البتة.
الثاني: وجود القرائن، وقيام الشواهد، الدالة على أن المراد بقوله ﷺ هو هذا، ولكن لا يطلع عليها إلا من حصل المعرفة التامة بمدلول لفظ الحديث; وضم إلى ذلك النظر في سيرة هذا الذي يدعى أنه المقصود، واعتبار حاله، وما كان عليه; وأما الجزم بالتعيين، مع تخلف العلم بمدلول اللفظ، أو وجود بعض الاحتمالات التي يتعذر معها الجزم بالمفهوم، أو عدم اعتبار حال المدعى أنه المراد، والإعراض عن التفتيش في سيرته، فلا يخفى بعده عن العلم المفيد، عند أهل المعرفة.
وإذا عرف هذا، فنقول: قال بعض أهل العلم في معنى الحديث، هو كناية عن استقامة الناس، وانقيادهم له، واتفاقهم عليه، قال: إلا أن في ذكرها - يعني العصا - دليل على عسفه لهم، وخشونته عليهم، وقال بعضهم: هو حقيقة أو مجاز عن القهر، والضرب; ونقل محمد طاهر الهندي، في شرح غريب الآثار، عن شرح المصابيح، أنه: عبارة عن التسخير، كسوق الراعي، انتهى.
стр. 555
فظهر بهذا أن المذكور في الحديث، يكون له تسلط على الناس، حتى يقهرهم، ويستولي عليهم، كاستيلاء الراعي على غنمه، بحيث لا يتخلف أحد من رعيته عن طاعته. ومن تأمل ما وقع من كثير من الناس، من التخلف عن متابعة هذا الأمير، والخروج عن طاعته، والعصيان لأمره، وعرف ما قاله العلماء في معنى الحديث، أوجب له ذلك التوقف فيما قاله هؤلاء، والانكفاف عما أقدموا عليه، هذا لو لم ينقل في شأن القحطاني إلا هذا.
فكيف وقد قال القرطبي: يجوز أن يكون القحطاني هو الجهجاه، المذكور في الحديث الذي رواه مسلم، يشير لى حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تذهب الأيام والليالي، حتى يملك رجل، يقال له الجهجاه " ١، ونقل في بعض الأخبار: أن خروج القحطاني بعد المهدي، كما سيأتي بيانه.
وأما إسلام القحطاني أو إيمانه، فليس في حديث الصحيحين تعرض لذلك، وقد تقدم الحديث، ولفظه: " لا تقوم الساعة، حتى يخرج رجل من قحطان، يسوق الناس بعصاه " ٢، وليس في هذا ما يدل على إسلامه، ولا إيمانه، كما أنه لا يدل على كفره، ولا نفاقه; بل هذا خبر مجرد، كإخباره ﷺ بالجهجاه، وهذا من أنباء الغيب، التي أخبر بها ﷺ كما أخبر بالفتن، والملاحم، والدخان، والدابة، وخروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من
стр. 556
مغربها، وغير ذلك مما أخبر به ﷺ مما سيكون; نعم، إن ثبت ما روى أن خروج القحطاني يكون بعد المهدي، وأنه يسير على سيرة المهدي، فلا شك أنه من أهل الإسلام والإيمان، ومن الدعاة إلى شريعة محمد ﷺ ؛ فقد وردت أحاديث تدل على خروج المهدي، وحكمه بالقسط والعدل، وهي مذكورة في سنن أبي داود، وابن ماجه، وغيرهما; منها: حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطوله الله، حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " ١ وقد ورد حديث، فيه: " لا مهدي إلا عيسى ابن مريم " ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: هو حديث ضعيف، رواه يونس عن الشافعي، عن شيخ من أهل اليمن; ولا يقوم بإسناده حجة; وقال الذهبي في الميزان: يونس بن عبد الأعلى، أبو موسى الصدفي، روى عن ابن عيينة، وابن وهب، وعنه ابن خزيمة، وأبي عوانة، وخلق; وثقه أبو حاتم، وغيره، ونعتوه بالحفظ، والعقل، إلا أنه تفرد عن الشافعي بذلك الحديث: " لا مهدي إلا ابن مريم " وهو: منكر جدا. انتهى.
وقال صديق - في عون الباري، بعد ذكر حديث القحطاني -: يكون بعد المهدي، ويسير على سيرته، رواه أبو
стр. 557
نعيم بن حماد في الفتن. انتهى; فإن ثبت هذا، فهو يدل مع أحاديث المهدي، على تأخر خروج القحطاني، وأنه لا يخرج إلا بعد خروج المهدي، وأنه يكون على سيرة حسنة، وحالة مرضية، لا كما نقل عن البعض، أن حديث الصحيحين يدل على أنه مسلم، وليس بمؤمن، فإن الحديث لا يدل على ذلك، لا بمنطوقه، ولا بمفهومه، فإن كان صديق قال ذلك، فلا يخفى ما فيه.
وكذلك النقل عن صديق أنه قال: أقرب ما يكون القحطاني المذكور في الحديث، أنه محمد بن رشيد، في ثبوته عنه نظر، فقد قدمنا في هذا جزم صديق في كتابه بأن خروج القحطاني يكون بعد خروج المهدي، واستدلاله على ذلك بما رواه أبو نعيم; فكيف يتفق هذا، وذاك؟! ولا شك في عدم ثبوت هذه المقالة، عمن أخذ عن صديق وسمع كلامه.
فلذلك أقول: ينبغي أن ينظر فيمن نقل هذا عن صاحبنا الذي نقل عن صديق; وعلى تقدير ثبوت هذا، فهو قول مجرد عن الدليل، مناقض لما قرره هو واستدل عليه، كما عرفناك قريبا ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [سورة النساء آية: ٨٢] . والله أعلم.
стр. 558
(رسالة الشيخ محمد بن عبد اللطيف إلى أهل اليمن وغيرهم في بيان عقيدة أهل نجد)
وقال الشيخ: محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن، وفقه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخليله الصادق الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
من محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، آل الشيخ، إلى من يراه من أهل القرى، ورؤساء القبائل، من أهل اليمن، وعسير، وتهامة، وشهران، وبني شهر، وقحطان، وغامد، وزهران، وكافة أهل الحجاز، وغيرهم، هدانا الله وإياهم لدين الإسلام، وجعلنا وإياهم من أتباع سيد الأنام، آمين، سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإنه لما كان في هذه السنة - وهي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة وألف، من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأشرف التحية - بعثنا الإمام المقدم، والرئيس
стр. 559
المفضل المفخم، صاحب السعادة والسيادة: عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل، آل سعود، أعلى الله سعوده، وأدام للمسلمين وجوده، لأجل تعليمكم ما أوجبه الله عليكم، وتعبدكم به، من دين الإسلام الذي معرفته، والعمل به، والبصيرة فيه، سبب لدخول الجنة; والجهل به، والإعراض عنه، وعدم قبوله، والانقياد له، سبب لدخول النار.
فلما قدمنا بعض جهاتكم رأينا أهلها قد جال بهم الشيطان والهوى، وتمادوا في الغي والطغيان، والإعراض عن النور والهدى، وفرقوا أمرهم، وكانوا شيعا، وغلب عليهم الجهل وإيثار الشهوات، واستجابوا لداعي الشبهات، فوقعوا في وادي جهل خطير، فهم على شفا حفرة من السعير، وغلب على أكثرهم الاعتقاد في أهل القبور والأحجار والغيران، وتعظيم أهل الصلاح من المقبورين، وهذا هو دين أهل الجاهلية الأولين، الذي بعث فيهم سيد المرسلين وإمام المتقين.
فلما رأينا ذلك، وجب علينا الدعوة إلى الله بالحجج والبراهين، وهي طريقة النبي الأمين، وسبيل من اتبعه من الصحابة والتابعين، ومن سلك منهاجهم إلى يوم الدين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] .
стр. 560
وكتبنا من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والعقائد السلفية، إلى القبائل والبلدان، بعدما سفت عليها السوافي، وقل من يعرفها من أهل القرى، والبوادي، نصحا لله ولرسوله ولكتابه، ولعباده المؤمنين.
وصار بعض الناس يسمع بنا معاشر الوهابية، ولا يعرف حقيقة ما نحن عليه، وينسب إلينا، ويضيف إلى ديننا ما لا ندعو إليه، فبعضهم يتقول علينا وينسب إلينا السفاسف والأباطيل، تنفيرا للناس عن قبول هذا الدين، وصدا لهم عن توحيد رب العالمين، فأوجب لنا تسويد هذه العجالة، بيانا لما نعتقده وندين الله به، وندعو إليه ونجاهد الناس عليه.
فاعلموا - أن حقيقة ما نحن عليه، وما ندعو إليه، ونجاهد على التزامه، والعمل به - أنا ندعو إلى دين الإسلام، والتزام أركانه وأحكامه، الذي أصله وأساسه: شهادة أن لا إله إلا الله، والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له. وهذه العبادة مبنية على أصلين: كمال الحب لله، مع كمال الخضوع، والذل له; والعبادة لها أنواع كثيرة; فمن أنواعها: الدعاء، وهو من أجلّ أنواع العبادة، وسماه الله عبادة في عدة مواضع من كتابه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ؛ ونظائر هذا في القرآن كثير; وفي الحديث: " الدعاء مخ العبادة " ١.
стр. 561
فنقول: لا يدعى إلا الله، ولا يستغاث في الشدائد وجلب الفوائد إلا به، ولا يذبح القربان إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يخاف خوف السر إلا منه وحده، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يستعان ولا يستعاذ إلا به، وليس لأحد من الخلق شيء من ذلك، لا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا الأولياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم; فلله حق لا يكون لغيره، وحقه تعالى: إفراده بجميع أنواع العبادة، فلا تأله القلوب محبة، وإجلالا، وتعظيما، وخوفا، ورجاء، إلا الله; فهذه هي الحكمة الشرعية الدينية، والأمر المقصود في إيجاد البرية.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ومعنى يعبدون: يوحدون; والعبادة هي: التوحيد; لأن الخصومة بين الرسل وأممهم، فيه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . فمن دعا غير الله، من ميت، أو غائب، أو استغاث به، فهو مشرك كافر، وإن لم يقصد إلا مجرد التقرب إلى الله، وطلب الشفاعة عنده.
وقد دخل كثير من هذه الأمة في الشرك بالله، والتعلق على من سواه، ويسمون ذلك توسلا وتشفعا; وتغيير
стр. 562
الأسماء لا اعتبار به، ولا تزول حقيقة الشيء ولا حكمه بزوال اسمه، وانتقاله في عرف الناس باسم آخر.
ولما علم الشيطان أن النفوس تنفر من تسمية ما يفعله المشركون تألها، أخرجه في قالب آخر تقبله النفوس; وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: " ليشربن أناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها "١، وكذلك من زنى وسمى ما فعله: نكاحا; فتغيير الأسماء، لا يزيل الحقائق; وكذا من ارتكب شيئا من الأمور الشركية، فهو مشرك، وإن سمى ذلك توسلا وتشفعا.
يوضح ذلك: ما ذكر الله في كتابه عن اليهود والنصارى بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] الآية; وروى الإمام أحمد، والترمذي، وغيرهما: أن عدي بن حاتم، قدم على النبي ﷺ وكان قد تنصر في الجاهلية، فسمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] الآية، قال: يا رسول الله، إنهم لم يعبدوهم، فقال ﷺ : " بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وحللوا لهم الحرام، فذاك عبادتهم إياهم " ٢.
وقال ابن عباس، وحذيفة بن اليمان، في تفسير هذه الآية: " إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا "; فهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية، لم يسموا أحبارهم ورهبانهم أربابا ولا آلهة، ولا كانوا يظنون أن فعلهم هذا معهم عبادة
стр. 563
لهم; ولهذا قال عدي: إنهم لم يعبدوهم; وحكم الشيء تابع لحقيقته، لا لاسمه، ولا لاعتقاد فاعله; فهؤلاء كانوا يعتقدون أن طاعتهم في ذلك، ليست بعبادة لهم، فلم يكن ذلك عذرا لهم، ولا مزيلا لاسم فعلهم، ولا لحقيقته وحكمه.
يوضح ذلك: ما روى الترمذي، وصححه، عن أبي واقد الليثي، قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط; فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٨] لتتبعن سنن من كان قبلكم ". فهؤلاء ما كانوا يظنون أن الذي طلبوه مما تنفيه لا إله إلا الله، فلم يكن جهلهم مغيرا لحقيقة هذا الأمر وحكمه.
ومن كان له معرفة بما بعث الله به رسوله، علم أن ما يفعل عند القبور من دعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، والعكوف عند ضرائحهم، والسجود لهم، والنذر لهم، أعظم وأكبر من فعل الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وأقبح وأشنع من قول الذين قالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
стр. 564
قال بعض العلماء المحققين، رحمه الله تعالى: فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة، والعكوف عليها، اتخاذ إله، مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به، ودعائه، والدعاء عنده؟ فأي نسبة للفتنة بشجرة، إلى الفتنة بالقبر، لو كان أهل الشرك، والبدع، يعلمون؟ انتهى.
ولقد حمى النبي ﷺ جناب التوحيد، وسد الذرائع، التي تفضي إلى الشرك والتنديد، فقال فيما صح عنه ﷺ : " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "١، ونهى عن إيقاد السرج عليها، فقال ﷺ : " لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج " ٢، ونهى أن تتخذ عيدا، ونهى عن البناء عليها، وأمر بتسويتها بالأرض، كما روى مسلم في صحيحه، عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي، ﵁: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته " ٣، ونهى عن تجصيص القبور، وعن الكتابة عليها.
فنحن ننكر الغلو في أهل القبور، والإطراء والتعظيم; ونهدم البنايات التي على قبور الأموات، لما فيها من الغلو والتعظيم، الذي هو أعظم وسائل الشرك بالله، وهذه الأمور التي أوجبت عبادتها من دون الله، ابتدعها أناس، أرادوا بها التعظيم، وإظهار تشريفهم، فجاء من
стр. 565
بعدهم، فعبدوهم من دون الله، وقصدوا منهم كشف الملمات، وسألوهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات; واعتقدوا هذا الشرك الوخيم قربة ودينا يدينون به، واشتد نكيرهم على من أنكر ذلك، وحذروا عنه، ورموه بالزور والبهتان; والله ناصر دينه، في كل زمان ومكان، لكنه يمتحن حزبه بحربه مذ كانت الفئتان.
ومما نعتقده وندين الله به: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر، خيره وشره; ونؤمن بأسماء الله تعالى، وصفاته; ونثبت ذلك على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل، وننزه الله عما لا يليق بجلاله، تنْزيها بلا تعطيل; ونعتقد أن الله مستو على عرشه، عال على خلقه، وعرشه فوق السماوات; وهو بائن عن مخلوقاته; ولا يخلو مكان من علمه، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، فنؤمن باللفظ ونثبت حقيقة الاستواء، ولا نكيف، ولا نمثل، لأنه لا يعلم كيف هو إلا هو. قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ﵀، وبقوله نقول، وقد سأله رجل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ فأثبت مالك ﵀ الاستواء، ونفى علم الكيفية; وكذلك اعتقادنا في جميع أسماء الرب وصفاته، من الإيمان باللفظ، وإثبات الحقيقة، ونفي علم الكيفية.