← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

فكل من كان أقوم في دين الله، كان أذى الناس إليه أسرع، والعداوة له أشد وأفظع; وأفضل خلق الله رسله، وقد عالجوا من الناس أشد الأذى؛ حكمة بالغة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٣١] . والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جدا ينبئك عن تفصيل هذا ما ذكره الله في كتابه عن أنبيائه، لما دعوا أممهم إلى التوحيد، كيف قيل لهم، وما خوطبوا به. وتأمل ما جرى لخيار هذه الأمة، كالخلفاء الراشدين، وسادات أصحاب سيد المرسلين، من أعدائهم كالروافض، والخوارج ونحوهم، وما جرى لأعيان التابعين ومن بعدهم من أعيان الأئمة، كالإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، وأحمد بن نصر الخزاعي، وأمثال هؤلاء ممن لا يمكن حصرهم. ولو ذكرنا جنس ما جرى لهم من الأذى لطال الجواب، والقصد الاقتصار؛ ومن أراد الوقوف على ذلك، فعليه بالسير والتاريخ، ولله در أبي تمام حيث يقول، شعرا: وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود وقال أبو الطيب شعرا: وشأن صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل إذا علمت ذلك، فإن هذا الرجل ذكر عن الشيخ

стр. 5007

عبد الرحمن بن حسن، أنه لا يصلي بهم، ولا يقدم من يهوونه، ولا يقطع خصومة، وعدوه من نظر في كتاب، أو نطق بصواب؛ هذا كلامه فيه عن هذه الأمور من المثالب، والبصير إذا تأمل، رآها من المناقب; لأن المسلم لا يجوز أن يحمل إلا على الخير، فيما خفي عذره فيه، حتى يتبين ما يرفع الاحتمال. وهذه العيوب الخمسة، محتملة لأمور: منها: ما يحتمل أنه فعله تأثما من الصلاة بالناس، لعذر خفي عليهم أوجب ذلك. وأما الثاني: فيحتمل أنه إنما فعله نصحا لهم، وطلبا للسلامة من تبعة ذلك؛ ولا يخفى أن نظره لهم، خير من نظرهم لأنفسهم، فإن جهال العامة لا يهتدون غالبا إلى ما يصلح دينهم. وأما الثالث: ففيه التثبت في الفتيا؛ فإن الإفتاء في دين الله بلا علم حرام; فلا بد للمفتي والقاضي، من التأمل والمراجعة، وإلا أصيبت مقاتله. والعامة لا يعجبهم ذلك; والعالم عندهم من يبادرهم بالحكم والإفتاء، من غير تأن ولا مراجعة؛ وهذا من فرط جهلهم، وعدم علمهم، كما يتبين من حال هذا المعترض. وأما الرابع، والخامس: ففيه حماية جانب العلم، وصيانته عن مثل هؤلاء الجهال الذين لا يعلمون، ولا يعلمون أنهم لا يعلمون؛ فإن صيانة العلم عن تخبيط الجاهلين

стр. 5008

أمر لا بد منه. فانظر كيف وقع من أمثالهم من تتبع الرخص، أعاذنا الله من ذلك، وما أحسن ما قال بعض العلماء، ﵀: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول ورأي كل فقيه وهذا الضرب من الناس: أفسدوا بدعواهم العلم، على كثير من العامة دينهم، لما قلدوهم لهواهم، وأحسنوا بهم الظن، وفاقا لدنياهم; فتأمل تجد ما ذكرته واقعا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم; فلفرط عداوة هذا الرجل، عدّ هذه الأمور الخمسة من المثالب؛ وهي كما ترى صالحة لأن تعدّ من المناقب، كما قيل: إذا كان من فيهم قليل حظ ... فما حسناته إلا ذنوب ثم إنه أخذ يحذر الإمام من أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنه لا يجوز له أن يصغي إليهم، ولا يأخذ منهم، ولا يلين لهم بجانبه، إلى غير ذلك، ويحلف جهد يمينه أن الحامل إلى هذا القول محض النصيحة بلا عول. فأقول: يكفيك دليلا على كذب هذا وغشه، وسخافة عقله، وقلة دينه وجهله، ما عبر به من هذا القيل; أما كان يعرف ما كان عليه المسلمون؟ وما كانوا ينصحون به الإمام؟ فإن كل من يعرف بإسلام حسن، يوصيه بضد هذا; ولا ريب عندهم أن هذا كلام لا يقوله إلا رجل سوء; فسل من شئت

стр. 5009

من غير أهل الفساد; وكل إناء بالذي فيه ينضح; وفيما قص الله عن الأنبياء: تسلية لعبده المسلم، إذا كان له أعداء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٣١] . فيؤخذ من هذا: أن من قال الحق ودعا إليه، فلا بد أن يتصدى له من يوقع الأذى عليه، وما ذاك إلا لصعوبة الحق على النفوس، ومخالفته الأهواء، وإيثار الشهوات على التقوى. نسأل الله الثبات على الإيمان، والعفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة; ولقد أحسن من قال في مثل هذه الحال شعرا: يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن وقائل هذا إنما أخذه من كتاب الله تعالى، وهو مذكور في عدة آيات من الكتاب، ترشد إلى من لم يرد الله به خيرا، يرى أن نفس الخطأ هو عين الصواب. ثم إن هذا المعترض زعم أن ابن ثنيان يطعمهم الحرام. فالجواب: أن يقال: وهذا من جهله وقلة دينه وعقله، لأن هذا الكلام شاهد على قائله أنه لا يعرف شيئا من الأحكام، ولا يتصور الواقع؛ وذلك لا يخلو، إما أن يكون صدر عن سوء طوية وفساد روية، أسوة أمثاله ممن لم يستضيء بنور التوحيد الذي هدى الله إليه كثيرا من أهل نجد وغيرهم، أحرارهم والعبيد.

стр. 5010

أو أنه مغفل عن هذا الشأن، كحال أهل المهن، وأرباب الدنيا في كل زمان؛ فلو سألت أحدهم عن الدين، الذي بعث الله به المرسلين، لما أحسن التعبير عنه، ولا عرف حقيقة الإسلام بيقين. ولا ريب أن هذه قصارى حال المشار إليه، لدلالة كتابه عليه؛ فإن هذا كلام من لا يدري ما يقول، من غير تصور ولا معقول، فلا بد - والحالة هذه - من بيان يكشف ما يقول، قد يلتبس على بعض الجهال من ذلك الهذيان. فأقول: من المعلوم عند الموافق والمخالف، أن أئمة المسلمين الذين أقام الله بهم هذا الدين، بعد ما اشتدت غربته من بين الظلمة والمفسدين، أن الله بفضله ورحمته، أقامهم بالحق المبين، فدعوا إلى التوحيد، وأنكروا كل شرك وشك وتنديد، ونشروا أعلام الجهاد، حتى أدخل الله بدعوتهم كل حاضر من قومهم وباد. فأخذوا تلك الأموال من أهل البغي والفساد، بسيف الحق والجهاد، فهو - بحمد الله - من طيب الحلال بلا تردد ولا إشكال؛ فقد أحل الله لرسوله ﷺ ولأمته الغنائم; وقد غنم الصحابة ﵃ أموال من ارتد من العرب، أو شك في الحق واضطرب. وكل ما لا يؤيد بالدليل، فلا التفات إليه ولا تعويل،

стр. 5011

على أن الكثير من تلك الأموال التي أخذت على هذا الوجه الحلال، وصارت من جملة بيت المال، قد تركت في أيدي الغاصبين لها، حين تبدلت الحال; فلما قام هؤلاء الولاة، واجتمع عليهم الناس في هذه الأوقات، لم يبق في أيديهم من أموال الفيء إلا القليل، لتغلب أناس عليها من ظلمة ذلك الجيل. فإن كان ابن ثنيان استولى عليها، فقد فاته منها الكثير; وذلك أمر بين شهير. وإن كان قد أخذ غير ذلك بتأويل الجهاد، أو بمن يمنع زكاته من أهل تلك البلاد، أسوة الماضين من الولاة المتقدمين، كالأمويين والعباسيين، وعلى هذا، فدعوى أن مجموع ما أخذه كله حرام، من جملة الهذيان في الكلام. فإن القول بحلِّها هو الصواب المقرر في كتب الأحكام، كما نص عليه الصحابة والأئمة بعدهم، في جوائز السلطان، فإنها أحب إلى بعضهم من صلات الإخوان، ولأنها حلال لرسول الله ﷺ دون الزكاة، في المأثور والمنقول. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأصل الضلال في أهل الأهواء، من اتخاذ دين لم يشرعه الله، أو تحريم ما لم يحرمه الله; إذا عرف ذلك، فلا يخفى حال من سلف من الولاة، المتغلبين على هذه الجهات، قبل أن يظهر عليها أهل الإسلام، أنهم يقاتلون عليها بغير الحق المبين، ويأخذون الأموال ظلما وعدوانا بيقين.

стр. 5012

وفي تلك المدة وقفوا الأوقاف، وليس بأيديهم إلا تلك الأموال، فهل يصح - والحالة هذه - ما كان هذا أصله من تلك الأوقاف؟ وكذا أموال التجار، فإنهم يعاملون فيها بالربا، في جميع القرى والأمصار ويكون لتلك الأموال والمعاوضة بها امتداد وانتشار، من غير سؤال عنها ولا استفسار، مثل هذا ما يأخذه الأعراب المعتدون من أموال الغير، وبها يمتارون; فما قال هذا المجترئ على شيء من ذلك أنه حرام، أو أن فيه إشكالا في حال من الأحوال. وكذلك ما وقع في هذه الديار من المعاملات الربوية، ولا ريب أنها بلية، وأي بلية؟! وأمر خاسر ظاهر في أناس، من ظهور أمارات الخيانة عليهم، ونسبتها - لقوة القرينة - إليهم، وكل ذلك لا عتب فيه ولا بأس؛ وأما الثلب والسب منه والعتاب، فإنما يتوجه إلى خصوص أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وإن لم يكن لهم مدخل في الأموال، ولا عمل لهم فيها بحال!! أعوذ برب الناس من كل طاعن علينا بسوء أو ملح بباطل والعارف لا يخفى عليه موجب هذه العداوة. فإن قيل: ما قولكم في حكم ما ذكرتموه، من هذه الأموال؟ أمن الحرام هي، أم من الحلال؟ قلنا: القول فيها يتوقف على البحث عن كل فرد منها، والاستفصال؛ ولكن من حيث عدم العلم،

стр. 5013

بأعيانها، على طريق الإجمال، فالمأثور عن السلف والأئمة، في جوائز السلطان، وما كان على هذا المنوال: أنه من قسيم الحلال، إلا ما علم أنه بعينه حرام، وما لا فلا يمنع أخذه ممن أعطاه إياه، إذا كان يستحقه. قال الإمام أحمد، ﵀: ليس أحد من المسلمين إلا وله في هذه الدراهم حق، وكيف أقول: إنها سحت؟ والحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وكثير من الصحابة يقبلون جوائز معاوية; قال: ولأن جوائز السلطان لها وجه في الإباحة والتحليل، فإن لها جهات كثيرة من الفيء والصدقة وغيرها، انتهى من المغني. قال ابن رجب: وروي في ذلك آثار كثيرة عن السلف، وكان النبي ﷺ وأصحابه: يعاملون المشركين، وأهل الكتاب، مع علمهم أنهم لا يجتنبون الحرام; وقال ابن مسعود: إنما الهنا لكم، والوزر عليهم. قلت: وما زال العلماء في كل عصر، يقبلون جوائز الأمراء، ويأخذون حقهم من بيت المال، فلم ينكر ذلك أحد من أهل الورع، ولا غيرهم من العلماء. إذا عرف ذلك, فهنا أمر ينبغي الإشارة إليه، وهو أن يقال: ما حكم هذه الأموال، لما كانت بأيدي أناس تغلبوا عليها بعد أئمة المسلمين, وجاروا على الناس وصدوهم عن الحق، وأفسدوا في الأرض بالمعاصي؟ فإن

стр. 5014

علم أن ما في أيديهم هو من عين ما غصبوه، فالحكم فيه كالحكم في الأموال المغصوبة، وكذا ما علم أن صاحبه أخذه على وجه الخيانة، فينبغي أن يجتنب. فينظر حال هذا الرجل؛ فإن كان متحاشيا من أخذ هذه الأموال، ويتباعد عمن كانت في يده، ولم يبق إلا أنه جهل حكم تلك الأموال، فالأمر أهون; وإن كان لا يتحاشى من الحرام الذي هذا وجهه، ويحرم الحلال الذي عرف وجهه، صار محلا لإساءة الظن به، خصوصا إذا عرف أنه لا سبب بينه وبين أولاد الشيخ يقتضي هذه العداوة إلا الدين الذي يعرفون به ويدعون إليه. فقد كان بعض أهل نجد، لما أخرج الله ضغائنهم، توصلوا إلى مسبة دين الله بمسبة أهله، كما فعل أشباههم من الماضين، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٢] . ثم إن هذا المعترض، قال في أولئك الذين وجه الطعن إليهم: إنهم نظروا إلى سد باب القبلة ومصر، ولم ينظروا إلى أبواب السماء، يعني أنهم رضوا لمتولي أمرهم أن يداهن أهل تلك الجهات. فالجواب أن يقال: أين أنت يا هذا لما كان أهل مصر ببلاد نجد؟ هل صحبتهم وأقمت فيهم؟ أم فارقتهم وخالفتهم؟ فارجع العيب إلى نفسك إن كنت إذ ذاك في عدادهم.

стр. 5015

ونقول أيضا، في الجواب: لا يخلو هذا الرجل من حالتين: إما أن يكون من أبله الناس، وأشدهم غباوة، وأجهلهم بالناس وأحوالهم، ولا معرفة له بالواقع أصلا، وإما أنه يتعمد الكذب ولا يبالي، ويظن أن ولي الأمر لا يعرف الحال، فلعله أن ينقدح في قلبه من ذلك شك، أو إشكال. وإلا فمن المعلوم من رأيهم لولاة الأمر، ونصحهم لهم، التنبه على أن هذا الأمر لا يصلح معه حال، وأن المداراة لا تصل إلى هذا الحد الذي يفعلونه، وأنه كان يكفيهم مما فعلوه كف أيديهم؛ وقد كانوا يرضون الأئمة بتقوى الله، والعمل بكتابه، وسنة رسوله ﷺ واتباع شرعه، وتنفيذ أحكامه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك من فضل الله تعالى عليهم وعلى الناس؛ ومن ادعى ما ليس فيه كذبته شواهد الامتحان. ومن كانت هذه حالهم، فلا يتعرض لسبهم وعداوتهم، إلا من يكره هذه الأفعال، فإن العداوة لها أسباب، أعظمها: اختلاف الدين; والناس إنما يتميزون بأعمالهم لا بأقوالهم، فرب ناطق بالحق وهو لا يحبه، ولا يقبل أهله، بل ربما نطق بالحق، وهو لا يعرف حقيقة ما يقول. فعلى من نصح نفسه من أئمة المسلمين أن يبذلوا

стр. 5016

الجد في إقامة الدين، ويصرفوا الهمة إلى معرفة التوحيد، بالصدق، واليقين، وأن يحملوا الناس على ذلك، ويجاهدوهم على ما هنالك، وأن يحبوا في ربهم، ويبغضوا فيه، ويعادوا لأجله، ويوالوا فيه. وليحذروا من أمور ثلاثة، توجب الذم والإثم، والعقوبة: الأول: ترك الحق بعد ظهوره وتبينه. والثاني: التقصير في طلبه ليتبين له. الثالث: الإعراض عن طلب معرفته، لهوى أو كسل، أو نحو ذلك. وهذه الثلاثة الأشياء، هي الآفة العظمى، ومن أجلها يضيع الدين. وقد انقسم الناس في هذه الأزمان، إلى هذه الأقسام، وكل قسم منهم معجب بنفسه، ويظن أنه في رتبة الكمال من العلم والدين؛ وهذا من خدع الشيطان وغروره، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَإِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الجاثية آية: ١٨-١٩] ؛ فتأمل هذه الآية، وما فيها من الامتنان، والترغيب في اتباع ما جعله الله عليه مما شرعه له، وما فيها من التحذير والإنذار؛ فما أعظم خطر هذا! وما أحوج العبد إلى ذلك! خصوصا إن نظر العبد بعين البصيرة، إلى ما انتحله

стр. 5017

أكثر الناس من الشرك بالله في عبادته، وما جروا عليه من أنواع الظلم والفساد. فما أكثر المغرورين بالجهل والأهواء، وطاعة الأنفس، والشيطان! وقد حدثت هذه الأمور في هذه الأمة، في زمن من سلف من الأئمة، وبينوا وحذروا، وأنكروا وأنذروا، رحمة الله عليهم، كما قال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى: ولقد رأينا من فريق يدعي الـ ... إسلام شركا ظاهر التبيان جعلوا له شركاء والوهم وسا ... ووهم به في الحب لا السلطان والله ما ساووهم بالله بل ... زادوا لهم حبا بلا كتمان وكل من تدبر القرآن، وفهم أدلة التوحيد، وعرف حقيقة الشرك، الذي بعث الله الرسل بإزالته، والنهي عنه، وألهمه الله رشده، علم يقينا الذي عليه أكثر الجهال من هذه الأمة؛ حيث جعلوا أرباب القبور من الأموات، محطا لرحالهم في طلب الحاجات، وتفريج الكربات، وتألهتهم قلوبهم بالخشية، والإجلال والتعظيم والالتجاء إليهم، والتوكل عليهم، وغير ذلك من العبادة التي لا تصلح إلا لفاطر الأرض والسماوات، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] . ثم بين ضد ذلك، وهو ما عليه أهل الشرك، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى

стр. 5018

اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ؛ فأقام الله الحجة على هذه الأمه، وبين دينه الذي رضيه لنفسه، ورضيه لعباده، وبين الدين الذي انتحله المشركون، وأخبر عن ضلالهم، وسوء مآلهم، وأبان أنهم ما أرادوا ممن عبدوا، إلا القربة والشفاعة، وبين أنواع العبادة، التي صرفها المشركون لآلهتهم، وأخبر أن ذلك لا ينبغي إلا للواحد القهار. فأقام الحجة على عباده، وقطع بهذا البيان كل حجة واعتذار، وأعذر إليهم على لسان البشير النذير ﷺ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [سورة النجم آية: ٣١] . قال الله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١-٢-٣] إلى قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٠] إلى قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١١] . وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٧٩] ، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٦] .

стр. 5019

وقد بلى الله أخبار الناس، بما جرى في هذه الأعوام، وميز بها من قاتل أهل الإسلام وسبهم، ممن والاهم وأحبهم؛ والله يعلم إنا لم نرد بهذا تشيين أحد، أو عداوته، ولكنا تأثمنا من كتمان العلم، ورغبنا في إرشاد العباد إلى طاعة ربهم، ومعبودهم لما ابتلينا بأناس من أهل نجد، يقولون على الله بلا علم، ويتكلمون في أشياء من غير دراية ولا فهم. فكان الواجب على من منحه الله علما أن ينشر منه ما تيسر، وقت الاحتياج إليه، وخصوصا في هذه الأزمنة، لما قل العلم وكثر الجهل، وغلبت الأهواء، واشتعل الناس فية بمحبة دنياهم، وإيثارها على طاعة مولاهم، والعمل لأخراهم. والله تعالى هو المرجو المسؤول أن يرفع عنا وعن المسلمين العقوبة، وأن يكتب لنا المثوبة لتحري رضاه، وأن يوفقنا للاستقامة على طاعته وتقواه، وأن يحقق لنا ولإخواننا ما طلبناه، ورجوناه، إنه هو البر الرحيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. واعلم: أن هذا الرجل وأمثاله، لما امتلأت قلوبهم بالعداوة والبغضاء، وظهرت على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم، وأتوا بكل بلية ورمية، كما تقدم، طمعوا فيما هو أعظم من ذلك، وأكبر ضررا مما هنالك،

стр. 5020

فأوردوا على الجهال شبهات، تحسينا لما قد فعلوه، وتزيينا لسبيلهم الذي قد سلكوه، أسوة من مضى من أمثالهم. قال العماد، في "التفسير": قال قتادة، في قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٦٨] : إذ والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله، لو تدبره القوم وعقلوه، ولكنهم أخذوا بما تشابه فهلكوا عند ذلك؛ والعارف إذا نظر إليها، علم أنهم قد أقروا على أنفسهم، وعلى الذين والَوْهم وآووهم، بما قد لا يصرح به غيرهم فيهم ابتداء. فمن ذلك، قول بعضهم: إن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة الفتح آية: ٢٥] الآية، يشير إلى أنه معذور بإقامته مع هؤلاء، كما عذر من أقام من المؤمنين بمكة مع الشركين. فيقال له: أولا: إن هؤلاء الذين سماهم الله مؤمنين ما لم يظاهروا على المؤمنين مشركا، ولا منافقا، ولا باغيا، ولا ظالما، ولا سبوا مؤمنا ولا عادوه; ومنهم من قيده أهله بمكة، ومنعوه من الهجرة، كأبي جندل بن سهيل، فإنه خرج يوم الحديبية من مكة، يرسف بقيوده، فلو أن أحدا منهم سب المسلمين أو عابهم، أو أعان عدوهم، انتقض إسلامه بلا ريب، لكن الله تعالى حفظهم

стр. 5021

من هذه الأمور، وعذرهم باستضعافهم وعجزهم. ولهذا ثبت في الصحيح وغيره: أن رسول الله ﷺ كان يدعو لهم في الفريضة، كما أخرج البخاري ﵀ في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع، وربما قال إذا قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد: " اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين " ١ قوله: "والمستضعفين من المؤمنين" هو من عطف العام على الخاص بلا ريب. ومن المحال أن يسميهم الله ورسوله مؤمنين، وقد وقع منهم ما ينافي الإيمان، قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] . فعلم من هذه الآية: أن أولئك المستضعفين من المؤمنين، لما كانوا بمكة مع قريش، أنهم لم يتخذوهم أولياء من دون المؤمنين، ولم يطمعوا منهم بموادة ولا ركون، وحاشاهم من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ

стр. 5022

لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ٧٥] ؛ فلهذا وصفهم الله بالإيمان. وقد أخبر تعالى: أن الإيمان ينتفي بموالاة أعدائه، كما قال: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨١] . قال بعض المفسرين في الآية الأولى: من الممتنع أن تجد قوما من المؤمنين يوادون من حاد الله ورسوله; وقد تقدم ذلك في كلام شيخ الإسلام، ﵀. ويقال أيضا: إن الله بين حال الذين عذرهم عن الهجرة، وميزهم بالوصف، ممن لم يعذرهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ؛ قال في شرح البخاري: والسؤال للتوبيخ; أي: لم تركتم الجهاد والهجرة والنصرة؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] . وروى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن الأسود قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيني عكرمة فأخبرته، فنهاني أشد النهي، وقال: أخبرني ابن عباس: أن أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يأتي السهم فيصيب أحدهم فيقتله أو يضربه فيقتله، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ

стр. 5023

كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] الآيتين. فتأمل كيف ترتب عليهم هذا الوعيد، وأوجب لهم النار; وقد ورد أنهم مكرهون على تكثير سواد المشركين فقط، فكيف بمن كثر سوادهم بغير إكراه، وأعان وظاهر، وقال، وفعل من غير استضعاف؟ أترى بقي مع هذا شيء من الإيمان، والحالة هذه؟! ثم إن الله تعالى: بين في هذه الآية، من خرج من هذا الوعيد، بأوصاف لا تخفى على البليد، فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [سورة النساء آية: ٩٨-٩٩] فذكر أنهم الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، وهم العاجزون عن الهجرة من كل وجه; وهؤلاء هم الذين دعا لهم رسول الله ﷺ في حديث أبي هريرة المتقدم، بخلاف من لم يعجز عن الهجرة، بل اختارهم ورغب فيهم، وسكن إليهم ووافقهم، وتأيد بهم واستنصر، مثل: عبد الله بن أبي سرح، ومقيس بن صبابة الليثي، وأمثالهما ممن تزين له الباطل، كجبلة بن الأيهم الغساني، وأمثال هؤلاء كثيرون; نسأل الله الثبات على الإسلام، والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.

стр. 5024

الأمر الثاني: استدلالهم على جواز الإقامة مع المشركين، وتركهم الهجرة، بأن الصحابة هاجروا إلى الحبشة، وفيها نصارى; فيقال أولا: لا يجوز عند من له أدنى معرفة، أن يستدل على ترك الهجرة، بأن الصحابة هاجروا، وكيف يجوز في عقل من له أدنى مسكة من عقل، أن يستدل لترك شيء: بأن ذلك الشيء الذي تركه، قد فعله غيره؟! وقد عرفت أن الله سبحانه أسجل على من ترك الهجرة، بالوعيد الشديد، وبرئ منه رسول الله ﷺ ، وأثنى على من هاجر، ووعدهم على الهجرة بخير الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤١] ، وقال: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩٥] . وأي جهل أعظم من جهل من يسوي بين حسنات المقربين الأبرار، وسيئات العصاة الأشرار؟ ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ [سورة السجدة آية: ١٨] . وأيضا: فإن الصحابة ﵃، هاجروا إلى الحبشة لما لم يجدوا إذ ذاك دار إسلام، ففعلوا ما أمكنهم

стр. 5025

فعله، من طاعة الله، وتقواه؛ وأهل الحبشة، وإن كانوا نصارى، فهم أقرب مودة للذين آمنوا، من اليهود والذين أشركوا. ثم إنه حصل بتلك الهجرة، من سلامة دينهم وظهوره، والدعوة إلى الله، وإسلام النجاشي، وبعض أساقفته، ونصرتهم وإكرامهم إياهم، وغيظ عدوهم من المشركين، ومراغمتهم ما هو من مقاصد الدين، فتأمل! وهذا سياق قصة مهاجرة الحبشة: قال أبو نعيم في "منتقاه" من سيرة ابن هشام: قال ابن إسحاق: حدثنا محمد بن مسلم الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: "لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار "النجاشي" أمنا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هديا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم؛ فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا، إلا أهدوا له هدية. ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته، قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدِّما

стр. 5026

إلى النجاشي هداياه، ثم اسألاه: أن يسلِّمهم إليكما قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار، إلى أن قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، وقال له: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي الضعيف. وكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان; وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات. وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا. وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا. فعدا علينا قومنا، وعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل من الخبائث؛ فلما قهرونا وظلمونا، وحالوا بيننا وبين ديننا،

стр. 5027

خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا: أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت، فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت، فقال جعفر: نعم، فقال له النجاشي: اقرأ علي; فقرأ عليه صدرا من (كهيعص) . قالت: فبكى النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلي عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا - والله - والذي جاء به موسى، ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكم، ولا أكاد; ثم ساقت القصة". قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة عن عائشة، قالت: "لما مات النجاشي، كانوا يتحدثون أنه لا يزال على قبره نور"، انتهى. وذكر ابن إسحاق في قوله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة القصص آية: ٥٢] إلى قوله: ﴿وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [سورة الرعد آية: ٢٢] الآية، وقد سألت الزهري عن هذه الآيات، فيمن نزلت؟ فقال: ما زلت أسمع من علمائنا، أنهن أنزلن في النجاشي وأصحابه. والآيات في سورة المائدة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً﴾ [سورة المائدة آية: ٨٢] إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨٣] .

стр. 5028

قال السهيلي ﵀: وفي هذه من الفقه: الخروج من الوطن، وإن كان الوطن مكة على فضلها، إذا كان الخروج فرارا بالدين؛ فإن الحبشة كانوا نصارى، وسمي الصحابة بهذه الهجرة مهاجرين، وهم أصحاب الهجرتين، الذين أثنى الله عليهم بالسبق، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٠] ؛ وجاء في التفسير: أنهم الذين صلوا القبلتين، وهاجروا الهجرتين. فانظر كيف أثنى الله عليهم بهذه الهجرة، لما كان فعلهم ذلك احتياطا على دينهم، وأن يخلى بينهم وبين عبادة ربهم آمنين مطمئنين؛ وهذا حكم مستمر. فإذا غلب المنكر على بلد، وأوذي على الحق مؤمن، ورأى الباطل قاهرا للحق، ورجى أن يكون في بلد آخر، أي بلد كان، يبين فيه دينه، ويظهر فيه عبادة ربه، فإن الخروج على هذا الوجه حتم على المؤمن؛ وهذه الهجرة لا تنقطع إلى يوم القيامة; انتهى ملخصا. وكل من له أدنى معرفة، لا يفهم من هذه القصة إلا أنها حجة عظيمة على من ترك الهجرة الواجبة، من وجوه لا تخفى على البليد، اللهم إلا من ابتلي بسوء الفهم، وفساد التصور، وكابر العقل والشرع، فلا حيلة فيه. يا ربنا نسألك الثبات على الإسلام. وأورد أيضا، حديث: " أنا بريء من مسلم يبيت

стр. 5029

بين أظهر المشركين، لا تراءا ناراهما " ١؛ والحجة منه: أنه سماه مسلما; فيفيد: أن إقامته بين أظهر المشركين لا تخرجه عن الإسلام. فالجواب: أن براءة النبي ﷺ ممن جلس بين ظهرانيهم، إنما كان عقوبة له، على مجرد الإقامة بين أظهرهم; وأما إيواؤهم، ونقض العهد لهم، ومظاهرتهم، ومعاونتهم، والاستبشار بنصرهم، وموالاة وليهم، ومعاداة عدوهم من أهل الإسلام، فكل هذه الأمور، زائدة على الإقامة بين أظهرهم؛ وكل عمل من هذه الأعمال، قد توعد الله عليه بالعذاب، والخلود فيه، وسلب الإيمان، وحلول السخط به، وغير ذلك مما هو مضمون الآيات المحكمات، التي قد تقدمت; وكل ذنب من هذه الذنوب، له عقوبة تخصه، وكلما ازداد منه، زاد الله له في العقوبة. فإن لم يؤمن بتلك الآيات المحكمات، ويعترف بصدور تلك الأعمال منه، فما أشبه حاله بحال من قال الله فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٥-٨٦] .

стр. 5030

واعلم: أن هؤلاء المشركين، لم يرضوا من هذا وأمثاله، بمجرد الموالاة والنصرة، دون عبادتهم، وتسويتهم لهم بالله، في التعظيم والإجلال، والتودد إليهم؛ فمن ذلك الانحناء لهم، والإشارة باليد إلى أشرف أعضاء السجود، وهو الجبهة والأنف؛ وكل ذلك من خصائص الإلهية، وذلك أمر لا محيد لهم عنه، كما قال تعالى عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ [سورة الكهف آية: ٢٠] ، ولهذا لم يجدوا من مفارقتهم بدًّا، حتى ذهبوا إلى غار في رأس جبل، خوفا من ذهاب دينهم؛ فآثروا الله على كل ما سواه. قال شيخنا، في هذه القصة: فيه اعتزال أهل الشرك، واعتزال معبوداتهم، وقوله: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [سورة الكهف آية: ١٦] فيه شدة صلابتهم في دينهم، حيث عزموا على ترك الرياسة الكبرى، والنعمة العظيمة، واستبدلوا بها كهفا في رأس جبل. قلت: ومثل ذلك ما ذكره الله عن سحرة فرعون، لما استنارت قلوبهم بالإيمان، قالوا لفرعون لعنه الله: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [سورة طه آية: ٧٢] . واعلم: أن حقيقة حال هؤلاء المشبهة، أن الله تعالى

стр. 5031

أمرهم بقتال المشركين فقاتلوا معهم، وأمرهم بالبعد عنهم فآووهم، وقربوا منهم، وأمرهم بمعاداتهم فوالوهم، وأمرهم ببغضهم فوادّوهم، وأمرهم بأن ينصروا أهل الإسلام فنصروا الكفرة عليهم، ونهاهم عن مداهنتهم فداهنوهم، ونهاهم عن كتمان ما أنزل الله من هذا وغيره فكتموا وشبهوا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٤] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٠] ، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٩] الآية، فجمعوا بين الكتمان والرد على من بين ولم يكتم، والتشبيه والمجادلة بالباطل، فتركوا ما أوجبه الله عليهم، وارتكبوا ما حرم عليهم؛ وهذا ظاهر جدا لا يرتاب فيه من له أدنى معرفة بالناس؛ وما وقع منهم، فلا يأمنهم ويقربهم بعد هذه العظائم، إلا من سفه نفسه. ولهم شبهة أخرى، وهي: أن أبا بكر استأجر عبد الله بن أريقط، في طريق الهجرة إلى المدينة، وكان هاديا خريتا، يدلهم على الطريق، فأحسن رسول الله ﷺ صحبته؛ فتكون صحبته للعسكر، وإعانتهم على

стр. 5032

المسلمين، ونصرتهم لا بأس بها. فيقال: أولا: قد ذكرت في الشبهة التي قبل هذه، أن رسول الله ﷺ قال: " أنا بريء من مسلم بات بين أظهر المشركي ن" ١، وهذا يناقض ما استدللت به هنا، وحاشا رسول الله ﷺ أن يتبرأ من صاحب عمل وهو يفعله؛ ومثل هذا قوله: " من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله " ٢، والآيات المحكمات صريحة، في التحذير من موالاتهم، ناطقة بالوعيد الشديد على موادتهم ونصرتهم؛ إذا عرف هذا، فالفرق بين الدليل والمدعى، أبعد مما بين المشرق والمغرب. وذلك أن ابن أريقط أعان رسول الله ﷺ على أبر البر بعد الإسلام، وأفرض الفرائض بعد الإيمان، وسعى لرسول الله ﷺ في مصالحه التي يتوصل بها إلى رضى مولاه، ومراغمة أعدائه; ولا ريب أن هذا لو صدر من ابن أريقط بنية صالحة، لكان من أفضل الأعمال; فإذا أسلم كتب له ذلك من أفضل حسناته، على حديث حكيم " أسلمت على ما أسلفت من خير "٣، بخلاف من آوى المشركين، ورضي بهم بدلا من المسلمن، وأعانهم واستنصر بهم، وفرح بنصرهم، وظهورهم، ودعا الناس إلى متابعتهم؛ فالفرق بين الفعلين، كالفرق بين فعل أبي طالب، من النصرة،

стр. 5033

والحياطة والحماية، وفعل أبي جهل وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث؛ فلو أسلم أبو طالب لكان فعله من أعظم القربات. وفعل أبي جهل وأمثاله من أعظم الكفر، الموصل إلى الدركات في العذاب، وحلول المثلات; فأين من أعان الباطل، وواد أهله ونصرهم، وظاهرهم، ممن أعان المسلمين، وسعى في مصالحهم، وراغم عدوهم؟ سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب فابن أريقط فعل خيرا، كما فعل سراقة بن مالك، فقد فعل من النصيحة في حال كفره ما يحمد به باطنا وظاهرا، بخلاف من والى المشركين، ونصح لهم، وعادى المسلمين، وألّب عليهم; فإنه قد وقع في الوعيد والسخط، والمقت، وفساد الدين، ومفارقة المؤمنين؛ والله أعلم بما يؤول إليه حال أعيان أولئك. لكنه يخشى عليهم أن يصيبهم، مثل ما قصه الله في شأن "بلعام" وأهل مسجد الضرار، وقد كانوا قبل ذلك في عداد الأنصار; فيا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على الإيمان. ولا ريب أن عدول هذا المستدل، عن الآيات المحكمات، وصحيح الأخبار، ترك للمحكم واتباع للمتشابه، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] الآية؛

стр. 5034

وعن عائشة ﵂، مرفوعا: " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " ١. وحاصل ما قدمنا من الجواب، عما أورده المشبه هنا، يتضمن خمسة أوجه: الأول: أن ابن أريقط أجير، ومن شأن الأجير أن يخدم المستأجر; لأنه ملك منافعه بعقد الإجارة؛ والأجير تحت المستأجر. الوجه الثاني: أن ذلك الرجل مستأجر في مصلحة دينية، هي من أكبر مصالح الدين؛ فإعانته للمسلم وقت الحاجة إليه لا محذور فيها; لكونها مصلحة محضة. فكيف يجوز أن يستدل بذلك على ما هو أعظم المفاسد في الدين، وموالاة المشركين وإعانتهم على باطلهم، والصد عن سبيل الله؟! شعرا: شتان بين الحالتين فإن ترد جمعا فما الضدان يجتمعان الوجه الثالث: أن استئجار المسلم للكافر للمصلحة، نظير استرقاق الكافر؛ وذلك جائز، بخلاف العكس، فإنه لا يجوز; لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. وهذا المشبه كأمثاله، صاروا لأهل الباطل كالمماليك في طاعتهم ومتابعتهم، وإعانتهم، اختيارا منهم لا اضطرارا. الوجه الرابع: أن ما فعله ابن أريقط لا يعاب عليه

стр. 5035

عقلا ولا شرعا; بل قد يثاب عليه في حال كفره في الدنيا، إن لم يكن أسلم، ولعله - والله أعلم - صار سببا لإسلامه، لقربه من الإسلام، بإعانة أهله على طاعة ربهم، فإنه يستروح لذلك بقول الجن في شعرهم: هما نزلاها بالهدى فاهتدت به فقد فاز من أمسى رفيق محمد وهذا بخلاف من أعان على معصية الله - والصد عن سبيله; فأين من كان مع أهل الحق، ممن كان مع عدوهم؟! وهل سمعت بتفاوت أعظم من هذا التفاوت؟ شعرا: والله ما استويا ولن يتلاقيا حتى تشيب مفارق الغربان الوجه الخامس: أن ما فعله ابن أريقط يغيظ كفار قريش، وإغاظة الكفار يحبها الله، بخلاف من يفعل معهم ما يسرهم، ويغيظ عدوهم من المؤمنين؛ فأين هذا من هذا، لو كانوا يعلمون؟! والبصير يعلم: أن هذا التشبيه من هؤلاء على العوام، صد لهم عن سبيل الله، وأنه من آثار عقوبات تلك الأعمال. اللهم إنا نعوذ بك أن نفتن عن ديننا، أو نرد على أعقابنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا; وهذا آخر ما تيسر جمعه، والله أسأل أن يعم نفعه.

стр. 5036

[الرد على ما في ورقة رجل من فارس لما تضمنته من الشقاق لأهل التوحيد] وله أيضا رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد وقفت على ورقة لرجل من أهل فارس، تضمنت من الجهل والشقاق لأهل التوحيد، ما يتبين للبصير أنها لم تخرج إلا من رجل أجهل من حماره، يعتقد المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلاً والباطل حقا، ويأتي بالمحال في معرض الجدال؛ وهذا لفظه: من عبد الرحمن بن محمد، إلى مخدومنا: الحاج إدريس. أما بعد، فلا يخفى على جنابك من طرف هذا الرجل الذي نزل في "دوان" يذكر عنه ما ليس بمرضي، من تأويل الكتاب والسنة، بتأويل أهل البدع؛ فلا تغتر بما يلوح لكم من قوله: قال الله قال رسوله; لأن أهل الملل الثنتين والسبعين الهالكة، كلهم يقولون: قال الله قال رسوله؛ فلا اعتبار بقولهم. فالجواب وبالله التوفيق: قوله: ليس بمرضي; فمن المعلوم: أن الملحد لا يرضى بقول الموحّد كعكسه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى

стр. 5037

الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [سورة النساء آية: ٦١] . فمن تأمل كلامه هذا، وجده جاريا على أسلوب اعتقاد المنافقين، لأن قلوبهم تأبى الحق وقوله، وتعرض عن دليله، وتنكر مدلوله، ويسمون أهل الإيمان سفهاء، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣] الآية. فما أشبه الليلة بالبارحة! كذا يقول أمثالهم في هذه الأزمنة في أهل التوحيد، أنهم أهل بدعة؛ فبفساد قلوب هؤلاء المنافقين أنكروا الحق، ونصبوا العداوة لأهله، كما قال تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠] . يحقق ما قلناه في هذا الملحد، قوله لمخدومه إدريس: فلا تغتر بما يلوح لك من قوله: قال الله تعالى، قال رسوله; لأن التحذير عن سماع ما قال الله ورسوله، وتسميته ذلك غرورا، هذا بعينه قول أهل النفاق. وقوله: إن أهل الملل الثنتين والسبعين الهالكة كلهم يقولون: قال الله، قال رسوله، فلا ريب أن هذا القول - مع فساده عقلا وشرعا - من حيل أهل البدع والضلال، ليصرفوا قلوب الجهال عن قبول أدلة الكتاب والسنة؛ وهذا إنما تفرع عن ذلك الأصل

стр. 5038

الفاسد، وهو كراهة الحق، وعداوة أهله. ومن لم يقبل الدليل من الكتاب والسنة، امتنع عليه معرفة الحق من الباطل؛ فإذا لم يعرف الحق بدليله، لم يبق هناك ما يمنعه من عقائد أهل الأهواء والضلال; لأنه إذا جهل الحق ضل عنه، وغلب عليه الباطل، كحال أكثر الخلق; فإنهم لما غاب عنهم الدليل، ضلوا عن سواء السبيل. فلا ريب أن هذه الشبهة من أعظم مكائد الشيطان، التي كاد بها أولياءه من الإنس والجان، ليصرف بها قلوبهم عن قبول الحجة والبرهان، كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٧] . ويقال لهذا المفتري الجاهل أيضا: إذا كان أهل الملل الثنتين والسبعين يقولون: قال الله، قال رسوله، فكيف يصير ذلك مانعا من قبول الدليل؟ والإصغاء إليه بالكلية؟! وبطلان هذا يدركه كل عاقل، وينتقض عليه هذا الأصل الفاسد، بأن الفرقة الناجية إنما تستدل بأدلة الكتاب والسنة؛ وذلك هو الذي تعتمده الفرقة الناجية؛ وهي أسعد الفرق بمعرفة الأدلة الشرعية ومدلولها.

стр. 5039

وتبين خطأ الفرق الثنتين والسبعين، في موارد الأدلة ومفهومها؛ فجميع ما استدلت به الفرق من أدلة الكتاب والسنة صحيح، لكن الخطأ في فهم المستدل. فإذا تحقق معنى الدليل، رجعت أدلة الكتاب والسنة كلها إلى تقرير ما عليه الفرقة الناجية؛ فيجب قبول الأدلة والنظر في معناها، وما أراده المستدل، فقد يكون دليله حجة عليه. وأما قوله: إنه يتأول الكتاب والسنة، بتأويل أهل البدع. فيقال له: بين لنا تأويله الكتاب والسنة، وما وافق فيه أهل البدع، ومن الذي تعني بأهل البدع؟ فإن كنت تعني بهم أهل السنة والجماعة، بتأويلهم الصحيح، الموافق لما عليه الصحابة، والتابعون وأتباعهم من الفقهاء، وأهل الحديث، الذين يعتمدون تفاسير الأئمة المشهورين الذين يفسرون الآيات بالآثار المرفوعة، أو الموقوفة على الصحابة، وبتفسير الصحابة، ومن أخذ عنهم من أئمة التفسير. وأشهر من صنف التفسير: الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، ومحمد بن جرير، فسر القرآن بالأحاديث، وأقوال أئمة التفسير من السلف، ونقلها بالأسانيد، وكذلك من نحا نحوهم، كالحسين بن مسعود البغوي، والعماد بن كثير الشافعي،

стр. 5040

والسيوطي في كتابه "الدر المنثور". فأهل نجد اليوم، أهل الدعوة الإسلامية، ومن أخذ عنهم، إنما يعتمدون في معاني الكتاب والسنة، على مصنفات أهل السنة والجماعة. وأما الأشاعرة فتعتقد هم أهل السنة، وليسوا كذلك؛ فإنهم تأولوا نصوص الكتاب والسنة، بتأويل أهل الكلام الذين خاضوا مع المعتزلة والجهمية، فأحدثوا للنصوص تأويلات اختلقوها من عند أنفسهم، خالفوا فيها السلف، والأئمة الأربعة، وغيرهم من أهل السنة والجماعة; فتأويلاتهم للكتاب والسنة، تأويلات أحدثها أهل الكلام ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] . وكل صاحب بدعة، لا يألف إلا كتب من هو مثله، كالأشاعرة، فإنهم لا يألفون من التفاسير وغيرها، إلا تفاسير من هو مثلهم في المعتقد، ممن يؤول النصوص، ويصرفها عن مدلولها اللائق بجلال الله، وعظمته، ويخالف أهل السنة في الإيمان، وحكمة الرب تعالى، ويقول بالجبر; وهذه البدع أخذوها عن أتباع جهم بن صفوان. وكذلك المعتزلة، لا يقبلون إلا تفاسير أمثالهم في المعتقد. وكذلك الباطنية لهم تفاسير خالفوا فيها الجميع. وكذلك الرافضة، لهم تفاسير، ولهم تأويلات فاسدة. وأما أهل السنة والجماعة، فإنهم تمسكوا بالكتاب

стр. 5041

والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة، وأثبتوا لله ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من صفات كماله، على ما يليق بذي الجلال، إثباتا بلا تأويل، وتنْزيها بلا تعطيل، لا ينفون عنه صفات كماله، ولا يشبهونه بخلقه؛ تعالى الله عما يقوله المشبهة، والمعطلة علوا كبيرا. وينكر أهل السنة والجماعة، ما أنكره النبي ﷺ من الغلو في أهل القبور، والإطراء والتعظيم، والبناء عليها وإسراجها، والعكوف عندها وعبادتها، والرغبة إليها في قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وتعظيمها بالسدنة. فإن النص الصريح، والعقل الصحيح، يمنع أن يكون الميت يسمع ويضر وينفع، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] . إذا علم ذلك، فلا ريب: أن كثيرا من أئمة الحديث، صنفوا في إبطال مذهب الأشاعرة ومن وافقهم من نفاة الصفات، وبينوا ما دل عليه الكتاب والسنة. وأول من صنف في ذلك: الإمام أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله، وأبو بكر المروذي، وأبو بكر الخلال، وعثمان بن سعيد الدارمي وإمام الأئمة محمد بن خزيمة، وأبو عثمان

стр. 5042

الصابوني، والدارقطني، وأبو عمر بن عبد البر النمري، ومحمد بن جرير الطبري، في التفسير الكبير، وابن أبي حاتم، ومن بعدهم، كالقاضي أبي يعلى الحنبلي، وأبي محمد عبد الله بن قدامة المقدسي، وشيخ الإسلام ابن تيمية في عامة كتبه، ومن أشهرها: كتاب العقل والنقل، الذي لا نظير له، وكتاب المنهاج في رده على الرافضة، والعلامة ابن القيم ﵀، في الجيوش، والصواعق. وكل هؤلاء وأمثالهم من أهل السنة والجماعة، ممن لا يمكن حصرهم سلفا وخلفا، قد خالفوا الأشاعرة، وردوا مذهبهم; وممن خالفهم: أبو الحسن الأشعري، في كتبه الإبانة والمقالات، والرسائل; وصرح بأنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، في إثبات الصفات، والإيمان، وغير ذلك من أصول الدين؛ فالحمد لله الذي هدانا لما اختلف فيه من الحق بإذنه. وأما قول هذا الجاهل: وإنما المتبوع الفرقة الناجية، المتبعة للكتاب والسنة، على ما بين الشارع ﷺ ، ثم الخلفاء الراشدون، ثم الأئمة الستة "اللقاط"، ثم الأئمة الأربعة النقاد، وانعقد على ذلك الإجماع، في القرن الثاني؛ فمن أتى بمذهب غير ذلك فهو مبتدع، وإن زعم أنه يقول عن الله ورسوله.

стр. 5043

فالجواب: انظر إلى هذا التناقض الفاسد، تارة يحذر عمن استدل بالكتاب والسنة، ثم يمدح من اتبع الكتاب والسنة، على ما بين الشارع والخلفاء الراشدون، ثم أئمة الحديث والأربعة؛ وقد عرفت مما تقدم أنه خالف هذا كله، وخالف هؤلاء المذكورين في أصول الدين، وألحد في الأسماء والصفات، وسب أهل التوحيد والإثبات. واعتمد عقيدة ما أنزل الله بها من سلطان، لم يبينها الشارع، ولا الخلفاء الراشدون، ولا الصحابة ولا التابعون، ولا الأئمة الأربعة؛ فمدح الفرقة الناجية، وهو عنها بمعزل، ومدح أتباع الكتاب والسنة، وهو يحذر عن سماع ذلك وقبوله. فما أقبح هذا التناقض وما أخنعه! وقد عرفت أنه أظهر الشناعة على من اتبع الفرقة الناجية في التوحيد، والإثبات والإيمان; ومن المعلوم: أن الفرقة الناجية يعمرون المساجد بالصلوات والطاعة، ويهدمون المشاهد والبناء على القبور، وينكرون دعاءها والاستغاثة بها، وسدوا الطرق والوسائل إلى ذلك، فهدموا البناء عليها، وأمروا بتسويتها، لئلا يغلو فيها غال فيعظمها. كما في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال، قال لي علي: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته "، وثبت عن النبي ﷺ أنه " لعن زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج " ١.

стр. 5044

وصح عنه أنه قال: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١ يحذر ما صنعوا; وقال لأم سلمة وأم حبيبة، حين ذكرتا له كنيسة رأتاها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور؛ أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " ٢. وقد حدث من هذه المنكرات في هذه الأمة كثير، حتى اعتقدوه قربة ودينا، واشتد نكيرهم على من أنكرها من الموحدين، ورموه بالبدعة. وأما قوله: من أهل الحديث الستة "اللقاط" والأئمة الأربعة "النقاد". فقوله: "اللقاط" كلمة محدثة، لم يستعملها أحد من أهل العلم. وقوله: "الستة" لا وجه لهذا الحصر، فلقد صنف في الحديث عدد كثير، وجم غفير يتعذر حصره، وحصر ما صنفوه من الكتب. وأما قوله: والأئمة الأربعة النقاد، فحصر العلم والدين في المذاهب الأربعة، مما أحدثه غلاة المقلدين من المتأخرين، وإلا فمن المعلوم: أن كل من صنف في الفقه من الأئمة بعد الأربعة، يذكر من أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم، ويذكرون دليل كل قول نصحا للأمة، وحفظا للعلم، فلعل قول

стр. 5045

غيرهم، يكون أرجح من جهة الدليل؛ فالمجتهدون من الأئمة، أكثر من أن يحصروا; وقد اختلف الصحابة ﵃ في مسائل من العلم، وهي مذكورة في كتب المصنفين، في الخلاف كابن المنذر، وأبي عمر بن عبد البر، وابن حزم، وصاحب المغني وغيرهم، وكذلك أقوال الفقهاء السبعة من التابعين، وأقوال غيرهم، كإبراهيم النخعي والحسن، وابن سيرين وربيعة بن عبد الرحمن، شيخ الإمام مالك، وحماد بن أبي سليمان، شيخ أبي حنيفة، وكالليث بن سعد، إمام أهل مصر، والأوزاعي إمام أهل الشام، وسفيان الثوري إمام أهل العراق، وأبي ثور، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، ومحمد بن نصر، وداود بن علي الظاهري، وأمثال هؤلاء يذكر العلماء أقوالهم. وما استدل به القائل لقوله: وربما وقع في أقوالهم ما يخالف أقوال الأئمة الأربعة، ومن أتباع الأئمة الأربعة، من يختار غير قول إمامه، فدعوى هذا الجاهل الإجماع على مذاهب الأربعة، وترك من خالفها، وأن خلافها بدعة، كذب وافتراء على العلماء، شعرا: لا يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه وأما قوله: وبهذه الحيلة يجرون اعتقاد ابن تيمية،
следующие страницы →