والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة، وأثبتوا لله ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من صفات كماله، على ما يليق بذي الجلال، إثباتا بلا تأويل، وتنْزيها بلا تعطيل، لا ينفون عنه صفات كماله، ولا يشبهونه بخلقه؛ تعالى الله عما يقوله المشبهة، والمعطلة علوا كبيرا.
وينكر أهل السنة والجماعة، ما أنكره النبي ﷺ من الغلو في أهل القبور، والإطراء والتعظيم، والبناء عليها وإسراجها، والعكوف عندها وعبادتها، والرغبة إليها في قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وتعظيمها بالسدنة.
فإن النص الصريح، والعقل الصحيح، يمنع أن يكون الميت يسمع ويضر وينفع، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] .
إذا علم ذلك، فلا ريب: أن كثيرا من أئمة الحديث، صنفوا في إبطال مذهب الأشاعرة ومن وافقهم من نفاة الصفات، وبينوا ما دل عليه الكتاب والسنة. وأول من صنف في ذلك: الإمام أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله، وأبو بكر المروذي، وأبو بكر الخلال، وعثمان بن سعيد الدارمي وإمام الأئمة محمد بن خزيمة، وأبو عثمان
стр. 5042
الصابوني، والدارقطني، وأبو عمر بن عبد البر النمري، ومحمد بن جرير الطبري، في التفسير الكبير، وابن أبي حاتم، ومن بعدهم، كالقاضي أبي يعلى الحنبلي، وأبي محمد عبد الله بن قدامة المقدسي، وشيخ الإسلام ابن تيمية في عامة كتبه، ومن أشهرها: كتاب العقل والنقل، الذي لا نظير له، وكتاب المنهاج في رده على الرافضة، والعلامة ابن القيم ﵀، في الجيوش، والصواعق.
وكل هؤلاء وأمثالهم من أهل السنة والجماعة، ممن لا يمكن حصرهم سلفا وخلفا، قد خالفوا الأشاعرة، وردوا مذهبهم; وممن خالفهم: أبو الحسن الأشعري، في كتبه الإبانة والمقالات، والرسائل; وصرح بأنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، في إثبات الصفات، والإيمان، وغير ذلك من أصول الدين؛ فالحمد لله الذي هدانا لما اختلف فيه من الحق بإذنه.
وأما قول هذا الجاهل: وإنما المتبوع الفرقة الناجية، المتبعة للكتاب والسنة، على ما بين الشارع ﷺ ، ثم الخلفاء الراشدون، ثم الأئمة الستة "اللقاط"، ثم الأئمة الأربعة النقاد، وانعقد على ذلك الإجماع، في القرن الثاني؛ فمن أتى بمذهب غير ذلك فهو مبتدع، وإن زعم أنه يقول عن الله ورسوله.
стр. 5043
فالجواب: انظر إلى هذا التناقض الفاسد، تارة يحذر عمن استدل بالكتاب والسنة، ثم يمدح من اتبع الكتاب والسنة، على ما بين الشارع والخلفاء الراشدون، ثم أئمة الحديث والأربعة؛ وقد عرفت مما تقدم أنه خالف هذا كله، وخالف هؤلاء المذكورين في أصول الدين، وألحد في الأسماء والصفات، وسب أهل التوحيد والإثبات.
واعتمد عقيدة ما أنزل الله بها من سلطان، لم يبينها الشارع، ولا الخلفاء الراشدون، ولا الصحابة ولا التابعون، ولا الأئمة الأربعة؛ فمدح الفرقة الناجية، وهو عنها بمعزل، ومدح أتباع الكتاب والسنة، وهو يحذر عن سماع ذلك وقبوله. فما أقبح هذا التناقض وما أخنعه!
وقد عرفت أنه أظهر الشناعة على من اتبع الفرقة الناجية في التوحيد، والإثبات والإيمان; ومن المعلوم: أن الفرقة الناجية يعمرون المساجد بالصلوات والطاعة، ويهدمون المشاهد والبناء على القبور، وينكرون دعاءها والاستغاثة بها، وسدوا الطرق والوسائل إلى ذلك، فهدموا البناء عليها، وأمروا بتسويتها، لئلا يغلو فيها غال فيعظمها.
كما في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال، قال لي علي: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته "، وثبت عن النبي ﷺ أنه " لعن زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج " ١.
стр. 5044
وصح عنه أنه قال: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١ يحذر ما صنعوا; وقال لأم سلمة وأم حبيبة، حين ذكرتا له كنيسة رأتاها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور؛ أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " ٢.
وقد حدث من هذه المنكرات في هذه الأمة كثير، حتى اعتقدوه قربة ودينا، واشتد نكيرهم على من أنكرها من الموحدين، ورموه بالبدعة.
وأما قوله: من أهل الحديث الستة "اللقاط" والأئمة الأربعة "النقاد".
فقوله: "اللقاط" كلمة محدثة، لم يستعملها أحد من أهل العلم. وقوله: "الستة" لا وجه لهذا الحصر، فلقد صنف في الحديث عدد كثير، وجم غفير يتعذر حصره، وحصر ما صنفوه من الكتب.
وأما قوله: والأئمة الأربعة النقاد، فحصر العلم والدين في المذاهب الأربعة، مما أحدثه غلاة المقلدين من المتأخرين، وإلا فمن المعلوم: أن كل من صنف في الفقه من الأئمة بعد الأربعة، يذكر من أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم، ويذكرون دليل كل قول نصحا للأمة، وحفظا للعلم، فلعل قول
стр. 5045
غيرهم، يكون أرجح من جهة الدليل؛ فالمجتهدون من الأئمة، أكثر من أن يحصروا; وقد اختلف الصحابة ﵃ في مسائل من العلم، وهي مذكورة في كتب المصنفين، في الخلاف كابن المنذر، وأبي عمر بن عبد البر، وابن حزم، وصاحب المغني وغيرهم، وكذلك أقوال الفقهاء السبعة من التابعين، وأقوال غيرهم، كإبراهيم النخعي والحسن، وابن سيرين وربيعة بن عبد الرحمن، شيخ الإمام مالك، وحماد بن أبي سليمان، شيخ أبي حنيفة، وكالليث بن سعد، إمام أهل مصر، والأوزاعي إمام أهل الشام، وسفيان الثوري إمام أهل العراق، وأبي ثور، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، ومحمد بن نصر، وداود بن علي الظاهري، وأمثال هؤلاء يذكر العلماء أقوالهم.
وما استدل به القائل لقوله: وربما وقع في أقوالهم ما يخالف أقوال الأئمة الأربعة، ومن أتباع الأئمة الأربعة، من يختار غير قول إمامه، فدعوى هذا الجاهل الإجماع على مذاهب الأربعة، وترك من خالفها، وأن خلافها بدعة، كذب وافتراء على العلماء، شعرا:
لا يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
وأما قوله: وبهذه الحيلة يجرون اعتقاد ابن تيمية،
стр. 5046
ومذهبه في الخلق.
فالجواب: اعتقاد ابن تيمية هو الحق، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ومن قبله من المرسلين ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٣٢] ، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] الآية.
وينهى عن الشرك المنافي لهذا التوحيد، ويعرف به، ويبين أنه هو الواقع من كثير من هذه الأمة - ويورد الأدلة على بطلانه، ويبين الفرق بين نوعي التوحيد، توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية - فعبدوا مع الله غيره؛ وهذا الشرك هو الذي أباح دماءهم، وأموالهم حيث لم يتركوه.
وترك هذا الشرك، هو مدلول كلمة الإخلاص، لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٥-٣٦] فجملة "لا إله" نفت الشرك في الإلهية، وجملة "إلا الله" أثبتت الإلهية لله، دون كل من سواه.
فهذا الشيخ قرر هذا التوحيد بأدلته، وصنف الكتب في بيانه، ونفى ما ينافيه؛ فلا ينكر اعتقاد هذا الشيخ، إلا مشرك بالله، يعتقد الشرك، ويراه دينا، نعوذ
стр. 5047
بالله من الشرك وأهله.
وأما اعتقاده في توحيد الأسماء والصفات، فهو الذي يعتقده الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة، يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وينفون عن الله مشابهة المخلوقين، في ذاته وصفاته; ويقول: إن إثبات الصفات فرع عن إثبات الذات؛ فكما أن لله ذاتا لا تشبه الذوات، فصفاته كذلك لا تشبه صفات المخلوقين، تعالى الله عما يقول المشبهة علوا كبيرا.
وهذا معتقد الأئمة الأربعة، ومن سلك سبيلهم من أهل السنة يُنَزّهون الله تعالى عن كل عيب ونقص، ويثبتون له كل كمال على ما يليق بذي العزة والجلال. وقرر هذا الشيخ هذا المذهب، وبين نصوص علماء السلف في ذلك.
وله الكتب المشهورة في أصول الدين؛ وهو الذي رد على الفلاسفة والمعتزلة والجهمية، وأتباعهم من الأشعرية والكرامية، والماتريدية، فإن هذه الطوائف الثلاث، وافقوا الجهمية في الكثير من بدعتهم، وخالفوهم في شيء، وغلطوا على السلف، وادعوا أن مذهبهم الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى; وبين شيخ الإسلام وجه غلطهم على السلف، وأوضح ذلك في أكثر مصنفاته.
стр. 5048
فهو الإمام الذي لا يجارى ولا يمارى في فنون العلم، وهو حنبلي المذهب لا يخرج عن مذهب الإمام أحمد، وهو أحسن من اجتهد في مذهب إمامه; لقوة نظره وفهمه لمعاني الأدلة، والتوفيق بين ما قد يظن اختلافا، وقد خالف المذهب في مسائل قليلة يظهر رجحانها عنده، وعند العلماء.
وقد عظم هذا الشيخ كثير ممن قد اجتمع به من العلماء، حتى قال بعضهم: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث، وقال ابن دقيق العيد - لما رآه - رأيت رجلا كل العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء ويدع ما يشاء، انتهى.
وأما إلحاق هذا الخبيث له بمسيلمة الكذاب، فمن تعمقه في باطله، وشدة عداوته لأهل الحق، ومن عادى أتباع الرسل فقد عاداهم; وهذا الملحد هو الأشبه بمسيلمة الكذاب، لكذبه على أهل التوحيد; بل كذب بالحق لما جاءه، فهو ومسيلمة رضيعا لبان، يعرف ذلك من له أدنى عقل ومعرفة.
وأما قوله: فإن كنت في شك من هذا، فأتوا به إلينا حتى نخرج أضغانهم.
فالجواب: أقول: هو الذي أخرج أضغانه، وكشف عن حاله، وعن سوء معتقده، عبر عنه بفساد مقاله وشدة
стр. 5049
ضلاله، كما لا يخفى.
ثم إنه أتى في ورقته بمقالة قصمت ظهره، فقال: فالحذر منهم لازم، إلا من قال: إنه شافعي، وإن أفتى بقول الشافعي، فاتركوا قوله.
فالجواب أن يقال: أي سبب اقتضى هذا الغلو العظيم، في قول الإمام الشافعي؟ وما وجه هذا التخصيص، من دون جميع الأئمة وعلماء الأمة؟ وصحيح العقل لا يقول هذا; لأن الأمة أجمعوا على أنه لا يتعين قصر أحد على قول إمام واحد، بل كلهم يقول: يجوز تقليد من يجوز تقليده، من أئمة المسلمين; والشافعي ﵀ ليس بأفضل الأئمة، ولا بأكثرهم رواية، ولا بأوسعهم علما.
قال بعض المحققين من أئمة أهل السنة: وأما إن قلد شخصا دون نظيره، بمجرد هواه، ونصره بيده، ولسانه من غير علم أن الحق معه، فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبا لم يكن عمله صالحا، وإن كان متبوعه مخطئا كان آثما، كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار، انتهى.
وهذا الجاهل قد تناقض، فادعى الإجماع على مذاهب الأربعة، وقد أخطأ في هذا كله، وقد ترك معتقد الإمام الشافعي في توحيد الأسماء والصفات، وهو مجمع عليه
стр. 5050
بين الصحابة والتابعين، وأتباعهم والأئمة، ورغب عن معتقدهم كلهم وما أجمعوا عليه، واعتقد قول الأشاعرة المخالف للكتاب والسنة، وما عليه السلف والأئمة.
فهو من أعظم من ترك قول الشافعي المجمع عليه، فظهر تناقضه وجهله وخرقه للإجماع؛ وهذا من فساد عقله، لأنه جعل قول هذا الإمام جسرا تذاد عنه أقوال العلماء المجتهدين، وتذاد عنه نصوص الكتاب والسنة، فلا يلتفت إليها عند قوله؛ فما أعظمها من زلة! وما أكبرها من خطيئة وضلة!
ومن تأمل قول هذا الجاهل: رآه قد تنقص العلماء سلفا وخلفا، وغلا في الإمام الشافعي، غلوا لا يرضاه من له أدنى معرفة بالعلماء والفقهاء ومراتبهم في العلم، فما أجهل هذا الشخص! وما أشنع ما يأتي به من المحال! وما أفسد ما يورده من الجدال!
وأما قوله: وأمر الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي أن يخرج ابن تيمية من الحرمين.
فالجواب: هذا من اختلاقاته وكذبه الفاحش، فإن ابن حجر هذا، لم يكن في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية; بل ولا عاصره أحد من شيوخ ابن حجر، وإنما كانت وفاة شيخ الإسلام بأوائل القرن الثامن، وابن حجر وشيوخه
стр. 5051
بعده بأعصار.
والمقصود: أن هذا الفارسي أظهر للناس فساد عقله ودينه، فمن ذلك: إنكاره على شيخنا، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ما وضعه في أصول الدين، من المسائل، والقواعد؛ ولا ريب أنها قد تضمنت معرفة الحق بدليله، والجهل بما فيها من الأصول هلاك وضلال؛ فلا يصح إسلام أحد إلا بمعرفة ما تضمنته هذه الأصول والقواعد.
فأما المسائل، ففيها معرفة الله بما نصب لعباده من آياته ومخلوقاته، ودلالة القرآن على ذلك؛ وهذه هي المسألة الأولى. الثانية: معرفة دين الإسلام بدليله، وهو الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه. المسألة الثالثة: معرفة رسول الله ﷺ بالدليل.
وهذه الثلاث هي مسائل القبر، التي يسأل عنها كل إنسان في قبره حال الدفن؛ فمن عرفها نجا، ومن جهلها هلك، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة؛ وكل مسألة يبرهن عنها في العلم، يعبر عنها بهذه العبارة، فيقال: مسألة كذا، مسألة كذا، فكيف يسوغ لأحد أن ينكر ما هو معروف متداول عند العلماء؟!
وكذلك القواعد، فإن كل مسألة ينبني عليها مسائل، يسميها العلماء قاعدة، وقد صنف العلماء كتبا كبارا، وسموها بالقواعد؛ فمنها ما هو في أصول الفقه،
стр. 5052
كالقواعد لابن عبد السلام الشافعي، وابن اللحام الحنبلي، ومنها ما هو في الفقه، كالقواعد لابن رجب، وهو كتاب ضخم كبير الحجم. وهذه القواعد التي وضعها شيخنا ﵀، أحق بهذا الاسم من غيرها، لما ينبني عليها من أصول الدين؛ فإن معرفة توحيد الربوبية، من توحيد الإلهية، لا يسع أحدا جهله.
فالقاعدة الأولى، في بيان توحيد الربوبية، وأن المشركين أقروا بذلك. والقاعدة الثانية، في توحيد الإلهية وبيانه، وأنه هو الذي جحده المشركون، وأوجب قتالهم وشدة عداوتهم، لكونهم جحدوا هذا التوحيد، وجعلوا لله شريكا في العبادة، وبيان ما وقع في هذه الأمة من هذا الشرك في الربوبية والإلهية؛ وهو الشرك الذي لا يغفره الله، وأسجل على من فعله بالخلود في النار، إن مات على ذلك الشرك.
وقبل هذا الشيخ ﵀، وبيانه لهذه القواعد ومعناها، قد التبس ذلك على أكثر الناس، واعتقد هذا الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله دينا، ظنوا أنه يقربهم إلى الله؛ فرحم الله هذا الشيخ، فلقد أخرج الله به كثيرا من هذه الأمة، من ظلمات الجهل إلى نور التوحيد والإيمان.
وقبله لا يعرف كثير من الناس معنى لا إله إلا الله، والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق، ولا
стр. 5053
يحيي ولا يميت، إلا الله؛ وهذا قد أقر به المشركون، لكنهم جحدوا توحيد الإلهية، الذي هو مدلول كلمة الإخلاص؛ فإنها تنفي إلهية كل من سوى الله، وتثبت الإلهية لمن لا يستحقها غيره، وهو الله تعالى; والإله هو المألوه بالعبادة، فمن صرف شيئا من العبادة لغير الله فقد اتخذه إلها.
وأفراد العبادة كثيرة; منها الدعاء والرجاء، والإنابة والخشية، والرغبة والرهبة، والخوف والتوكل وغير ذلك من أنواع العبادة بالقلب والجوارح؛ وتلك الأنواع وغيرها لا يصلح منها شيء لغير الله.
وكلمة الإخلاص: دلت على قصر العبادة بأنواعها على الله، ونفيها عما سواه، كما قال تعالى.: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِوَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧-٢٨] .
فمن أنكر هذه القواعد التي وضعها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه، فقد كفر بما تضمنته من أدلة أصول الدين، التي تضمنتها آيات القرآن المحكمات وصحيح الأحاديث؛ وذلك هو الدين القيم، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ
стр. 5054
أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٣٠-٣١-٣٢] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] .
وبهذا البيان، يعلم المنصف أنه لا ينكر تلك القواعد إلا من أقعده جهله، وعميت بصيرته، وضل فهمه، وتغيرت فطرته، وضاع عقله; نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله معرفة الحق وقبوله، ومحبته والعمل به والثبات عليه، والاستقامة في الدنيا والآخرة؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما.
стр. 5055
[الرد على رسالة من الأحساء مشتملة على الكذب والبهتان]
وله أيضا صب الله عليه من شآبيب بره ووالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنوره أهل العمى؛ فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، ومن تائه ضال قد هدوه؛ فما أحسن أثرهم على الناس! وما أقبح أثر الناس عليهم!
ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا أعنة الفتنة؛ فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب مجمعون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم; فنعوذ بالله من فتن المضلين.
أما بعد: فإنه قد ألقي إلينا رسالة من الأحساء مشتملة على الكذب والبهتان، والإثم والعدوان، قد صدرها صاحبها بشبهة تنبئ عن شكه في الدين وانحرافه عن سبيل المؤمنين.
وهذه الشبهة التي ألقاها، هي التي أوردها شياطين أهل نجد، على شيخنا شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب، ﵀، لما دعاهم إلى أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ويتركوا عبادة ما كانوا يعبدونه، من القبور والطواغيت، والأشجار والأحجار.
стр. 5056
وممن أورد هذه الشبهة: عبد الله المويس في سدير، وابن إسماعيل في الوشم، وابن سحيم وابنه في الرياض، وسليمان بن عبد الوهاب في حريملاء، زعموا: أن هذه الأمة لا يقع فيها شرك ولا بدعة؛ فورثهم هذا الجاهل المرتاب، فقال بقولهم سواء بسواء.
وقد رد شيخنا، ﵀، شبهة أولئك المنكرين لدين الإسلام والدعوة إليه، وأبطل شبههم بالآيات المحكمات البينات، وبالسنة الصحيحة الصريحة، وبالعقل والفطرة، وبين بالأدلة والبراهين أن هذا الذي يفعله أولئك وغيرهم، في تلك الأوقات، أنه الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله.
وبين أن الذي دهى هؤلاء، وصدفهم عن معرفة الدين الذي بعث الله به المرسلين، هو عدم معرفتهم للتوحيد، وجهلهم بالشرك في العبادة والتنديد؛ وقد ألفوا هذا الشرك واعتادوه، فأنكروا ما خالف تلك العوائد، واشمأزت قلوبهم من الدعوة إلى الإخلاص في العبادة.
فأبطل الله ما أوردوه من الشبهات، فصمموا على الإنكار، وصاحوا عند الظلمة والفجار، فأظهر الله - وله الحمد - هذه الدعوة، وقبلها من أراد الله هدايته، وهم الخلق الكثير والجم الغفير، وأقر بها كثير من أهل الأمصار. وانتشرت بحمد الله في هذه الأعصار، ونفع الله بها أناسا من أهل تلك الأقطار، فاطمأنت بها القلوب، وذلت بها الألسن، فلم
стр. 5057
يبق لأهلها فيها مجادل ولا معاند، ولا مماحل. فلله الحمد على ظهور الحجة، وبيان المحجة، لا نحصي ثناء عليه، ولا ملجأ منه إلا إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم إن هذا الجاهل أظهر تلك الشبهة في هذا الوقت القريب، وصدر به كتابه الذي ألقاه، وأخفى نفسه، فقال فيما ضمنه رسالته: أيها الرجل الجاهل المعجب بنفسه، لقد غويت وجهلت باعتقادك في هذه الأمة المحمدية، الذين قال الله فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٣] أي: عدلا خيارا.
وقال ﷺ : " ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة، هي خيرها وأكرمها عند الله " ١، وذكر أحاديث في فضل الأمة قد حرفها، كما حرف هذا الحديث، وكتم من الآيتين اللتين ذكرهما، ما هو دليل عليه.
ثم قال: وأنت جعلتهم ما بين مشرك ومبتدع، وفاسق وجاهل وظالم، ولا هنا مسلم حقيقي إلا أنت؛ وكم نفر من الذي تشتهي، ولا سبقك أحد بهذا الاعتقاد.
فأقول: الله أكبر!! ما أعظم هذه الفرية على الله وعلى كتابه، وعلى رسوله ﷺ ! فإنه ادعى أني أنا الذي جعلت الأمة، ما بين مشرك ومبتدع، وظالم وجاهل، والله تعالى هو الذي ذكر الكفار، وأعمالهم، والمشركين وشركهم،
стр. 5058
ورد عليهم في كتابه، وأباح دماءهم وأموالهم، وسبي ذراريهم ونسائهم، وأعد لهم نار جهنم والخلود فيها؛ وكذلك المنافقين، وكل من عصى الله من هذه الأمة، ناله من الوعيد بحسب ما فعل من المعصية.
والقرآن من أوله إلى آخره، في بيان الشرك والكفر، والتحذير منه، والنهي عن الفسوق والعصيان، والدعوة إلى ما يحبه الله ويرضاه، من توحيده وطاعته، وطاعة رسوله ﷺ فيما دعا إليه وأمر به، والانتهاء عما حرمه ونهى عنه؛ ومن له أدنى مسكة من عقل، يعرف أن ما عبر به هذا الجاهل ينبئ عن غاية الجهل والضلال، وأنه لا يدري عن القرآن، ولا عما فيه من تمييز الهدى من الضلال، ومعرفة أهل الحق من أهل الباطل.
وقوله: ما هنا مسلم حقيقي، إلا أنت؛ وكم نفر من الذي تشتهي.
فأقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! اللهم إني أعوذ بك من بهتان أهل البهتان، وظلم أهل الظلم والعدوان; لا ريب أن الأمة لا تخلو من المسلمين، في كل زمان إلى أن تقوم الساعة; وفي القرون الثلاثة المفضلة، المسلمون قد ملؤوا الأمصار، في المشارق والمغارب، والحجاز واليمن.
فالحمد لله الذي كثر المسلمين والمؤمنين من هذه الأمة، وإن كان عدوهم من هذه الأمة أكثر، فلهم العزة والظهور،
стр. 5059
يقلون تارة ويكثرون أخرى، ويظهر عدوهم عليهم تارة، وتكون لهم العاقبة؛ وهذا أمر مجمع عليه، لا يرتاب فيه من عرف الأمة، وما جرى منها وما عليها.
وقوله: ولا سبقك أحد بهذا الاعتقاد.
فأقول: ما أعظمها من فرية! فكل مسلم يعلم أن في الأمة من هذه الأصناف الخمسة كثيرا، في جميع الأعصار، من حين بعث الله محمدا ﷺ إلى أن تقوم الساعة؛ فما عاداه - صلوات الله وسلامه عليه - هو وأصحابه، إلا الكفار، والمشركون، وهم من هذه الأمة. وبعد هجرته ظهر النفاق في دار الهجرة، وقد رمته العرب عن قوس العداوة، وذلك لكفرهم وشركهم وضلالهم؛ وهذا أمر ظاهر لا يرتاب فيه مسلم، ولا يمكن أحد أن يجحده، اللهم إلا أن يكون مثل هذا الجاهل، الذي لا يدري إلا عما أكل أو شرب أو لبس.
وهل يشك أحد أن الله بعث نبيه ﷺ إلى الأسود والأحمر، والإنس والجن، بالهدى ودين الحق، فآمن به من آمن، وكفر به من كفر، ونافق من نافق؟
وفي كل سورة من القرآن من السور المكية، يذكر تعالى فيها محاجته للمشركين، والرد عليهم، وبيان ضلالهم; وبعد الهجرة أمره بقتالهم، فقال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 5060
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سورة النساء آية: ٨٤] .
فأوجب تعالى أن يقاتلوا لكفرهم، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [سورة التوبة آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد آية: ١] إلى قوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [سورة محمد آية: ٤] ، إلى غير ذلك من الآيات.
وكل من دعاه رسول الله ﷺ إلى التوحيد من قريب أو بعيد، فهم من أمته الذين أرسل إليهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة التغابن آية: ٢] ، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٦] ، والمراد من بعث النبي ﷺ إليهم. فإذا كان الأمر كذلك، فلا يخلو صاحب هذه الشبهة من أحد أمور ثلاثة: إما أن يقول: إن الذين سماهم الله كفارا ومشركين ومنافقين، وأمر نبيه والمؤمنين بقتالهم، ليسوا من أمة محمد؛ وهذا لا يقوله إلا جاهل، أو مكابر معاند.
الأمر الثاني: أن يقول: إن الكفار والمنافقين والمبتدعة من هذه الأمة كلهم من خير أمة أخرجت للناس; فهذا من أبين البطلان، وأعظم الضلال، لعدم الإيمان
стр. 5061
بالقرآن، وبمن أنزل القرآن، وبمن بلغه ﷺ قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [سورة الحشر آية: ٢٠] ، وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [سورة ص آية: ٢٨] .
فإن أقر بأنهم من هذه الأمة، وأنهم كفار، ومنافقون، ومشركون، رجع عن قوله، وأبطل شبهته. وينبغي بسط الجواب، مع الاقتصار على بعض، لتحصل به الفائدة؛ فلعل هذا الجاهل ألقى هذه الشبهة على بعض من لا بصيرة له، فتعلق بقلبه؛ فيتعين كشفها عمن ألقيت إليه.
والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، موجبا للفوز بجنات النعيم، وفي الأثر "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، والعقل الكامل عند حلول الشهوات".
فنقول وبالله التوفيق، قال الله تعالى:
(بسم الله الرحمن الرحيم) ، ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [سورة فصلت آية: ١-٢-٣-٤] إلى قوله ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [سورة فصلت آية: ٥] ؛ فأخبر تعالى في هذه الآيات أن الأكثر أعرضوا عن هذا القرآن الذي أوحاه الله إلى نبيه محمد ﷺ ، فلم يقبلوا
стр. 5062
ما جاءهم به، وهم الذين بعث فيهم ﷺ من قريش وغيرهم، ولا ريب أنهم من أمته ﷺ ؛ فصاروا فريقين، فريق آمنوا به واتبعوه، والأكثر أعرضوا عنه، ونصبوا له العداوة ولأتباعه، وهؤلاء كثير، منهم من مات على كفره، ومنهم من قتل ببدر، وأحد، والخندق، ولا يمكن أحدا له أدنى مسكة من عقل أن يقول: إن هؤلاء ليسوا من أمة محمد، ولا أن الكفار الذين ماتوا على الكفر، وقتلهم النبي ﷺ وأصحابه، أنهم من خير أمة أخرجت للناس.
فظهر بهذا الدليل الواضح الجلي، أن خير الأمة هم المؤمنون، الذين عزروا رسول الله ﷺ ونصروه، واتبعوه في حياته، وبعد وفاته ﷺ ، ومن اتبع سبيلهم إلى يوم القيامة، بخلاف من عاداهم وخالفهم، فأولئك شرار الأمة في كل زمان ومكان.
ولما بعث الله نبيه ﷺ بالهدى ودين الحق، أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، يوحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين، ونهي عن الشرك بالله في العبادة، وبيان للتوحيد بأدلته، من الآيات المحكمات.
وبعد ذلك، شرع الله الهجرة لنبيه ﷺ وأصحابه، فهاجروا إلى المدينة، فأمره الله بقتال المشركين من قريش وغيرهم، قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ
стр. 5063
الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [سورة محمد آية: ٤] ، وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النساء آية: ٨٤] ، ونحو هذه الآيات في القرآن كثير.
فأمر تعالى بقتال الكفار والمشركين، من أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٩] ؛ فهؤلاء وأمثالهم من أمة محمد ﷺ وهم من شرار الأمة بلا ريب.
وقد أخبر تعالى عن الكفار، من أهل الكتاب والمشركين، أنهم في نار جهنم، وأنهم شر البرية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [سورة البينة آية: ٦] .
فدلت هذه الآيات أن في هذه الأمة كفارا ومشركين، وأنهم في النار، وأنهم شر البرية. فبعدا لرجل ادعى أن أولئك الذين هم شر البرية، من الأمة الوسط، ومن خير أمة أخرجت للناس! أما علم أن قوله محادة لله ولرسوله ولدينه، وأنه لا يقول هذا إلا من ليس له عقل ولا دين، وليس معه من الإسلام إلا مجرد الدعوى. نعوذ بالله من الضلال وسوء الحال.
стр. 5064
ونقول أيضا: لا ريب أن رسول الله ﷺ قتل كعب بن الأشرف اليهودي، وأجلى بني قينقاع، والنضير، وقتل بني قريظة، لما نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ؛ وهم من أمة الدعوة بلا ريب، لكنهم من شرار الأمة لا من خيرها.
فيلزم هذا الجاهل، على قوله الذي قدمنا ذكره، أن يقول: هؤلاء من الأمة الوسط، ومن خير أمة أخرجت للناس؛ ولا يخفى أن هذا لا يقوله مسلم أصلا.
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده، لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار " ١، ولأحمد عن أبي هريرة مثله; وهذا الحديث نص على أن اليهود والنصارى من أمة محمد ﷺ ، وأن من لم يؤمن به، فهو من أهل النار.
وقد دل على أنهم من أمته، قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٨] ، وقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ١] ، وقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٩] .
ولما فرغ ﷺ من قتال العرب، أخذ في قتال أهل
стр. 5065
الكتاب، فقتل اليهود بخيبر، وبعث سريته إلى الشام لقتال النصارى، وغزاهم بنفسه حتى بلغ تبوك، فلم يلق كيدا، فرجع ﷺ .
وعن بريدة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه بتقوى الله تعالى، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: " اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله " ١ الحديث.
فعلم من هذا: أن النبي ﷺ قاتل من كفر بالله في حياته، وبعث السرايا لقتالهم، وهم من أمة الدعوة، وليسوا من خير أمة أخرجت للناس، إلا من دخل منهم في الإسلام؛ وهذا وغيره يبطل شبهة أهل الريب، ويبين أنهم لا علم لهم ولا دين، لمعارضتهم لنصوص الكتاب والسنة بالجهل والعناد؛ فإنهم حاولوا نبذ الإسلام وراء الظهر، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.
وقد كنت أحب لهؤلاء المنحرفين عن دعوة الإسلام، أن يقبلوا الحق، ويعتقدوه، ويعملوا به، لكني أخشى عليهم أن يكونوا، كمن قال الله فيهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨] .
نسأل الله الثبات على الإسلام، والاستقامة عليه والوفاة عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 5066
وأما الجواب عما استدل به من الآيتين والأحاديث، فأقول: قد وصف الله تعالى خير أمة أخرجت للناس بثلاث صفات، فقال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] ، كما قال تعالى في سورة براءة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [سورة التوبة آية: ٧١] الآية، والآية التي بعدها.
فمن تدبر هذه الأوصاف، علم يقينا أن خير الأمة هم الأقلون عددا، الأعظمون قدرا عند الله، وهم المؤمنون خاصة؛ قال الحسن ﵀: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال.
ووصف المنافقين في هذه السورة، بعكس هذه الصفات، فقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٧] ؛ فوصفهم بالكفر تارة، وبالفسوق أخرى، ولعنهم; فقال: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٦] . وقال في سورة الأحزاب:
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٦٠] إلى قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٦١] .
стр. 5067
وقد كانوا من أمة محمد ﷺ وكانوا معه في الحضر والسفر، يشهدون أن لا إله إلا الله بألسنتهم، ويصلون، وينفقون، فلم ينفعهم ذلك، لعدم إيمانهم بما بعث الله به رسوله ﷺ من الهدى والعلم; ولا ريب أنهم لم يكونوا من خير أمة أخرجت للناس، بل هم من شرار الأمة.
وذكر العماد بن كثير، رحمه الله تعالى، في تفسير سورة براءة، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "بعث رسول الله ﷺ بأربعة أسياف، سيف للمشركين ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] ، وسيف للكفار، أهل الكتاب ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٩] وسيف للمنافقين: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٣] وسيف للبغاة: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ " [سورة الحجرات آية: ٩] قال ﵀: وهذا يقتضي أنهم يجاهَدون بالسيوف، إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير.
قلت: وأحسب أن هذا الرجل الذي أورد الشبهة، قد ظهرت مشابهته للمنافقين، في كراهته أهل الأمر بالمعروف، وعداوته لهم وموالاته لأهل الإلحاد،
стр. 5068
والإعراض عما بعث الله به رسوله ﷺ ممن لم يرفع بهذا الدين رأسا; وما أسرّ عبد سريرة، إلا ألبسه الله رداءها على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.
فتبين أن خير أمة أخرجت للناس هم المؤمنون الذين يوالون في الله، ويعادون فيه، ويأمرون بالمعروف، وأعظمه توحيد الله بالعبادة، وجميع ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، وينهون عن المنكر، وأعظمه الشرك بالله في العبادة، والإلحاد في أسمائه وصفاته، ووصفه بما لا يليق بجلاله وعظمته.
وأما الجواب عما استدل به من الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٣] أي: عدلا خيارا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٣] ، فالخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، وهم المعنيون بهذا؛ ويلحق بهم من سلك سبيلهم من المؤمنين.
بخلاف الكفار والمشركين والمنافقين الذين هم أهل النار، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويعادون أهل المعروف ويبغضونهم، ويوالون أهل المنكر ويحبونهم؛ وهم الذين شاقوا الله ورسوله، وقد قال فيهم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] .
стр. 5069
فخص بالثناء والجزاء بالجنة، لمن آمن بالله ورسوله وكتابه، ووالى فيه، وعادى فيه; والمقت والوعيد بالغضب والعذاب، لمن كفر بالله وأشرك به، وحاد الله ورسوله؛ وهذا ظاهر - بحمد الله - لا يخفى إلا على من أعمى الله بصيرته، وأعرض عن كتاب الله وسنة رسوله.
وأما قول هذا المرتاب: وأنت جعلتهم ما بين كافر ومشرك، ومبتدع وفاسق، وجاهل وظالم.
فأقول نعم، بهذا أقول؛ وقد قال الله تعالى في كتابه، كما في أول سورة البقرة، ذكر الكفار والمنافقين، وأكثر السور يذكر فيها الكفار، والمشركين بصفاتهم، ويأمر بقتالهم، وكذلك المنافقين أمر بجهادهم؛ وهذا لا يخفى إلا على من كان قلبه منكوسا، أو في بادية بعيدة، لم يسمع من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كلمة واحدة، فقد يجهل ذلك؛ ولا ينكر هذا إلا من لا يعرف الإسلام من الكفر، ومن لا يعرف الإسلام من الكفر، كيف يصح له إسلام؟
وهذا قد أنكر أن يكون في الأمة كافر، ومشرك، ومبتدع، فيكون قد أنكر ما في كتاب الله، وما فعله رسول الله ﷺ . فلا يخلو إما أن يكون في غاية الجهل، وكراهة الحق، والإعراض عن القرآن بالكلية، وإما أن يكون معاندا، مشاقا منكرا لما أنزله الله في كتابه، وعمل به
стр. 5070
رسوله ﷺ ؛ وقد تقدم في الآيات ما يدل على ذلك. وعلى كل حال، فهذا القول في غاية المحادة لله ولرسوله ﷺ ، واتباع غير سبيل المؤمنين.
وقد أخبر هذا في كلامه عن نفسه، بعدم الإيمان بالله وكتابه، ورسوله ﷺ ، كما لا يخفى على ذوي البصائر والإيمان; ومع هذا، فإنه قد جعل الإيمان بما في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ من ذلك الذي لا يصح إسلام أحد إلا بالإيمان به، عيبا ومثلبة، وهو - بحمد الله - من أعظم المناقب.
فكفى بالمؤمن شرفا أن يؤمن بما ذكره الله في كتابه، وبما قام به رسوله ﷺ وعمل به أصحابه ﵃، ومن سلك سبيلهم، وعادى الكفار والمشركين والمنافقين في الله، ووالى المؤمنين الموحدين لربهم، الآمرين بما يحبه الله ويرضاه، والمنكرين لما يكرهه الله ويبغضه؛ فيا لها من فضيلة ما أجلها! ونعمة ما أعظمها لمن وفق لها، واطمأن بها قلبه!
قال العماد بن كثير، ﵀، في تفسيره، في معنى قول الله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٩٧] : أخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٩٧] .
стр. 5071
أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، حكيم فيما قسم بين عباده، من العلم والجهل، والإيمان، والكفر والنفاق، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٣] لعلمه وحكمته.
وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٩٩] ، هذا هو القسم الممدوح من الأعراب. قلت: وهم الموصوفون بالإيمان، والإخلاص; فتبين: أن الأعراب - وهم من أمة محمد ﷺ فيهم الكافر والمشرك، والمنافق والمؤمن; وما زالوا كذلك في كل زمان، إلى يومنا هذا وبعده.
وشرهم اليوم أكثر، وكفرهم أكبر وأظهر، فيلزمه على أصله أن كلهم من خير أمة أخرجت للناس، ومن الأمة الوسط، وأن من قتلهم لشركهم، وكفرهم، فقد ظلمهم؛ فتدبر! وهذا طعن على أئمة المسلمين; بل فيه طعن على الصحابة، في قتالهم من كفر من الأعراب، وأفسد في الأرض.
ثم ذكر تعالى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ
стр. 5072
الْعَظِيمُ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٠] .
وذكر قول الشعبي: إن السابقين من أدرك بيعة الرضوان. قلت: والمذكورون في هذه الآية من الأمة الوسط، وهم خير أمة أخرجت للناس.
قال العماد: فيا ويل من أبغضهم أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول ﷺ وخيرهم، وأفضلهم، أعني: الصديق الأكبر، والخليفة الأعظم، أبا بكر بن أبي قحافة ﵁؛ فإن الطائفة المخذولة من الرافضة، يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم، ويسبونهم عياذا بالله من ذلك.
وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة; فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن؟! وقد عمت البلوى بمن يتولى الرافضة، الذين يسبون أصحاب رسول الله ﷺ ، فما أكثرهم! لا كثرهم الله، ولا عزهم، إذ يسبون من ﵃.
وأما أهل السنة، فإنهم يترضون عمن ﵁، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله؛ وهم متبعون لا مبتدعون، ومقتدون لا مبتدئون؛ ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون، انتهى.
стр. 5073
قلت: فتأمل ما ذكره ﵀، من صفات أهل السنة، من أنهم يترضون عمن ﵃، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله ورسوله; وبهذا يحصل التمييز بين الموحد من الملحد، والصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق؛ لاح الصباح لمن له عينان.
وأقول: اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك، حربا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك. اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة. اللهم هذا الجهد وعليك التكلان.
فصل
[فصل في ذكر أهل الردة والخوارج وغيرهم]
لا يخفى أن العرب لما سمعوا بوفاة رسول الله ﷺ ، ارتد أكثرهم عن الإسلام، فقاتلهم أبو بكر ﵁ بالصحابة، حتى دخلوا من الباب الذي خرجوا منه، وقتل من قتل منهم على ردته.
وكذلك بنو حنيفة، صدقوا مسيلمة لما ادعى النبوة، وكفروا; وقاتلهم أصحاب رسول الله ﷺ وأميرهم خالد بن الوليد، وهو أمير الجيش الذين قاتلوا من ارتد; ولا ريب أن بني حنيفة كفار، ومن قتل منهم قتل كافرا، فلم ينفعهم مع
стр. 5074
الكفر بالله كونهم من هذه الأمة، وعلى رأي هذا المشبه، ليسوا كفارا، والصحابة أخطؤوا في قتالهم.
وكذلك الخوارج الذين قتلهم علي بن أبي طالب بالنهروان; فإن النبي ﷺ أخبر أنهم "يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية " ١، وقال: " أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم " ٢. وعند ابن ماجه عن أبي أمامة، قال أبو غالب، سمعته يقول: " شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتيل من قتلوا، كلاب أهل النا ر" ٣. وقد كانوا هؤلاء مسلمين، فصاروا كفارا; قلت يا أبا أمامة: هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ .
ولا ريب: أنهم من هذه الأمة، وهم الذين قتلوا علي بن أبي طالب، قتله عبد الرحمن بن ملجم، وهو منهم؛ وكذلك الذين اعتقدوا الألوهية في علي بن أبي طالب، خدَّ لهم الأخاديد، وأحرقهم بالنار لشركهم بالله.
فسل هذا الجاهل المفتري: هل أصاب علي في قتلهم أم أخطأ؟ وهل كانوا كفارا أم لا؟ ومن لم يكفرهم فهو كافر.
وكذلك الذين أخبر بهم النبي ﷺ وقال: " سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي. وأنا خاتم الأنبياء، لا نبي بعدي " أيكون هؤلاء كفارا أم لا؟ فإن طرد أصله، قال: لم يكونوا كفارا، صار أخا لهم; لأنه زكاهم
стр. 5075
وتولاهم، مع أنهم يقولون: لا إله إلا الله، وفيهم عباد وزهاد.
وكذلك الذين أنكروا القدر، منهم معبد الجهني، وغيلان القدري، الذين قال عبد الله بن عمر فيهم، لما أخرجه يحيى بن يعمر، قال له: "إذا لقيت أولئك، فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، إن أحدهم لو أنفق مثل أحد ذهبا، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر".
وقد أخبر النبي ﷺ أنهم مجوس هذه الأمة، وأفتى العلماء ﵏ بقتل داعيتهم، غيلان القدري؛ فقتله هشام بن عبد الملك في خلافته؛ وهم مبتدعة بإجماع العلماء، لمخالفتهم ما دل عليه الكتاب، والسنة في إثبات القدر؛ وهو من أصول الإيمان، كما في سؤال جبرائيل للنبي ﷺ قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. قال: صدقت "؛ والآيات والأحاديث في إثبات القدر كثيرة جدا.
والمقصود: أن نفاة القدر من هذه الأمة، قد صاروا مبتدعة ضلالا، ومن كان كذلك فليس من خير أمة أخرجت للناس، بل هم من شرار الأمة؛ صدق الله، وكذب المرتابون.
ثم ظهرت بدعة الجهمية في أواخر دولة بني أمية،
стр. 5076
فجحدوا ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من صفات كماله، ونعوت جلاله. وكان أول من أظهر هذه البدعة: الجعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري؛ وكان إذ ذاك أميرا على العراق، فقال في خطبته يوم الأضحى: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما.
قال العلامة ابن القيم، ﵀ لما ذكر بدعة الجهمية:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ ... قسري يوم ذبائح القربان
شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان
وفي تلك الدولة والإسلام ظاهر، والسنة ظاهرة، وأهلها كذلك، والبدعة إذا ظهرت أنكرت، وعوقب أهلها بالقتل تارة، وبالحبس تارة، وبالتعزير تارة.
ثم إن جهم بن صفوان أظهر هذه البدعة في دولة بني العباس، فأنكر ذلك العلماء وكفروه ومن تبعه على بدعته؛ منهم سفيان الثوري، وأبو حنيفة والإمام مالك، وخلق كثير من أهل الحديث والفقه، قال العلامة ابن القيم:
ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان
فعظمت بدعتهم، وتكلم العلماء في ردها وإبطالها، وصنفوا الكتب في ذلك؛ وممن صنف في رد هذه البدعة:
стр. 5077
الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وابنه عبد الله بن أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو بكر المروذي، صاحب الإمام أحمد، وإمام الأئمة: محمد بن خزيمة في كتاب التوحيد له، واللالكائي في كتاب السنة، وأبو عثمان الصابوني، وخلق كثير.
وبعض العلماء ضمن كتابه الرد عليهم، كالبخاري في كتاب التوحيد، وغيره من أئمة الحديث. وممن رد عليهم: شيخ الإسلام، أبو إسماعيل الأنصاري، في كتاب الفاروق له، وصنف شيخ الإسلام: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، كتاب العقل والنقل، في الرد على الجهمية والفلاسفة، كما قال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى:
واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثان
قلت: فلو عرف هذا الجاهل المشبه، ما وقع في هذه الأمة من البدع، والمنكرات، لم يتفوه بهذه الشبهة؛ لكنه جاهل لا يدري ما وقع في الأمة من خير وشر، وقد أعجب بنفسه، وهو من السفلة الضلال؛ فلا علم ينفعه، ولا عقل يردعه. نعوذ بالله من غرور الشيطان، والانحراف عن سبيل أهل الإيمان.
وهذه البدع التي ذكرنا ظهرت في القرون المفضلة، لكنها تنكر وتغير، وفي هذه القرون من الأمة المفضلة الخلق الكثير، والجم الغفير، لا يحصيهم إلا الله ،
стр. 5078
وقد عرفت أن أهل البدع والنفاق بينهم، مقهورون ذليلون قليلون.
وأهل هذه القرون هم الذين عناهم رسول الله ﷺ بقوله: "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله"؛ وهم المعنيون بقوله ﷺ " قال الله لعيسى بن مريم: إني باعث بعدك أمة، إذا أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم. قال يا رب: كيف لا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي " ١.
فإذا تصور العارف ما حصل في خلافة أبي بكر وعمر، ممن اجتمع من المسلمين على حرب فارس والروم، ثم لما أظهرهم الله عليهم، ملؤوا الشام والعراق، والحجاز واليمن وغيرها، فما زالوا كذلك على السنة، في القرون الثلاثة، والجهاد قائم بهم، والأقاليم مملوءة منهم.
وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنَزلنا منْزلا، فمنا من يضرب خباءه، ومنا من هو في جَشَرِه، ومنهم من ينتضل، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة، فانتهيت إليه وهو يخطب الناس، ويقول: " أيها الناس إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم، وينذرهم عما يعلمه
стр. 5079
شرا لهم. ألا وإن عافية هذه الأمة في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وفتن، يرقق بعضها بعضا. تجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، فتجيء أخرى: فيقول: هذه، هذه، ثم تنكشف. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر " ١ الحديث.
ويشهد لهذا الحديث قوله ﷺ : " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن؛ وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " ٢ انتهى.
قلت: وقد وقع ما أخبر به رسول الله ﷺ في آخر القرن الثالث، وفيه: امتحن المأمون بن الرشيد علماء الحديث، وحملهم على القول بخلق القرآن. فمنهم من أجاب مكرها، ومنهم من لم يجب وصبر على المحنة، كالإمام أحمد، ومحمد بن نوح رحمهم الله تعالى، واستمرت المحنة في خلافة أخيه المعتصم، وفي خلافة الواثق. فلما استخلف المتوكل رفع المحنة عن الإمام أحمد، وأهل الحديث.
ثم بعد ذلك ظهرت دولة القرامطة في المشرق، وصار
стр. 5080
لهم صولة، وأظهروا الكفر، وقتلوا الحُجَّاج بمكة، وألقوهم في بئر زمزم، وقلعوا الحجر الأسود، ونقلوه إلى بلادهم; قال شيخ الإسلام: وهم من أشد الناس كفرا.
وظهرت دولة بني بويه في المشرق، والعراقين في أوائل القرن الرابع، فأظهروا الغلو في أهل البيت، وبنوا المساجد على قبورهم، وبنوا المشاهد، وعبدوها من دون الله، فأشبهوا اليهود والنصارى، كما في الحديث الصحيح، أن رسول الله ﷺ قال: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١، يحذر ما صنعوا.
ولما ذكرت له أم سلمة، وأم حبيبة كنيسة رأتاها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، قال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور؛ أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " ٢.
وكذلك بنو عبيد القداح، تغلبوا على مصر وبعض المغرب، وبنوا المساجد على القبور، والمشاهد، بزعمهم أنها قبور أناس من أهل البيت؛ وهي موجودة تعبد إلى الآن، وغيرها تعبد من دون الله. وظهرت المقالات والبدع، من الفلاسفة والجهمية، والمعتزلة والكلابية، والكرامية والأشاعرة، وغيرهم من أهل البدع، وفشا