← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

فجحدوا ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من صفات كماله، ونعوت جلاله. وكان أول من أظهر هذه البدعة: الجعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري؛ وكان إذ ذاك أميرا على العراق، فقال في خطبته يوم الأضحى: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما. قال العلامة ابن القيم، ﵀ لما ذكر بدعة الجهمية: ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ ... قسري يوم ذبائح القربان شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان وفي تلك الدولة والإسلام ظاهر، والسنة ظاهرة، وأهلها كذلك، والبدعة إذا ظهرت أنكرت، وعوقب أهلها بالقتل تارة، وبالحبس تارة، وبالتعزير تارة. ثم إن جهم بن صفوان أظهر هذه البدعة في دولة بني العباس، فأنكر ذلك العلماء وكفروه ومن تبعه على بدعته؛ منهم سفيان الثوري، وأبو حنيفة والإمام مالك، وخلق كثير من أهل الحديث والفقه، قال العلامة ابن القيم: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان فعظمت بدعتهم، وتكلم العلماء في ردها وإبطالها، وصنفوا الكتب في ذلك؛ وممن صنف في رد هذه البدعة:

стр. 5077

الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وابنه عبد الله بن أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو بكر المروذي، صاحب الإمام أحمد، وإمام الأئمة: محمد بن خزيمة في كتاب التوحيد له، واللالكائي في كتاب السنة، وأبو عثمان الصابوني، وخلق كثير. وبعض العلماء ضمن كتابه الرد عليهم، كالبخاري في كتاب التوحيد، وغيره من أئمة الحديث. وممن رد عليهم: شيخ الإسلام، أبو إسماعيل الأنصاري، في كتاب الفاروق له، وصنف شيخ الإسلام: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، كتاب العقل والنقل، في الرد على الجهمية والفلاسفة، كما قال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى: واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثان قلت: فلو عرف هذا الجاهل المشبه، ما وقع في هذه الأمة من البدع، والمنكرات، لم يتفوه بهذه الشبهة؛ لكنه جاهل لا يدري ما وقع في الأمة من خير وشر، وقد أعجب بنفسه، وهو من السفلة الضلال؛ فلا علم ينفعه، ولا عقل يردعه. نعوذ بالله من غرور الشيطان، والانحراف عن سبيل أهل الإيمان. وهذه البدع التي ذكرنا ظهرت في القرون المفضلة، لكنها تنكر وتغير، وفي هذه القرون من الأمة المفضلة الخلق الكثير، والجم الغفير، لا يحصيهم إلا الله ،

стр. 5078

وقد عرفت أن أهل البدع والنفاق بينهم، مقهورون ذليلون قليلون. وأهل هذه القرون هم الذين عناهم رسول الله ﷺ بقوله: "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله"؛ وهم المعنيون بقوله ﷺ " قال الله لعيسى بن مريم: إني باعث بعدك أمة، إذا أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم. قال يا رب: كيف لا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي " ١. فإذا تصور العارف ما حصل في خلافة أبي بكر وعمر، ممن اجتمع من المسلمين على حرب فارس والروم، ثم لما أظهرهم الله عليهم، ملؤوا الشام والعراق، والحجاز واليمن وغيرها، فما زالوا كذلك على السنة، في القرون الثلاثة، والجهاد قائم بهم، والأقاليم مملوءة منهم. وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنَزلنا منْزلا، فمنا من يضرب خباءه، ومنا من هو في جَشَرِه، ومنهم من ينتضل، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة، فانتهيت إليه وهو يخطب الناس، ويقول: " أيها الناس إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم، وينذرهم عما يعلمه

стр. 5079

شرا لهم. ألا وإن عافية هذه الأمة في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وفتن، يرقق بعضها بعضا. تجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، فتجيء أخرى: فيقول: هذه، هذه، ثم تنكشف. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر " ١ الحديث. ويشهد لهذا الحديث قوله ﷺ : " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن؛ وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " ٢ انتهى. قلت: وقد وقع ما أخبر به رسول الله ﷺ في آخر القرن الثالث، وفيه: امتحن المأمون بن الرشيد علماء الحديث، وحملهم على القول بخلق القرآن. فمنهم من أجاب مكرها، ومنهم من لم يجب وصبر على المحنة، كالإمام أحمد، ومحمد بن نوح رحمهم الله تعالى، واستمرت المحنة في خلافة أخيه المعتصم، وفي خلافة الواثق. فلما استخلف المتوكل رفع المحنة عن الإمام أحمد، وأهل الحديث. ثم بعد ذلك ظهرت دولة القرامطة في المشرق، وصار

стр. 5080

لهم صولة، وأظهروا الكفر، وقتلوا الحُجَّاج بمكة، وألقوهم في بئر زمزم، وقلعوا الحجر الأسود، ونقلوه إلى بلادهم; قال شيخ الإسلام: وهم من أشد الناس كفرا. وظهرت دولة بني بويه في المشرق، والعراقين في أوائل القرن الرابع، فأظهروا الغلو في أهل البيت، وبنوا المساجد على قبورهم، وبنوا المشاهد، وعبدوها من دون الله، فأشبهوا اليهود والنصارى، كما في الحديث الصحيح، أن رسول الله ﷺ قال: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١، يحذر ما صنعوا. ولما ذكرت له أم سلمة، وأم حبيبة كنيسة رأتاها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، قال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور؛ أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " ٢. وكذلك بنو عبيد القداح، تغلبوا على مصر وبعض المغرب، وبنوا المساجد على القبور، والمشاهد، بزعمهم أنها قبور أناس من أهل البيت؛ وهي موجودة تعبد إلى الآن، وغيرها تعبد من دون الله. وظهرت المقالات والبدع، من الفلاسفة والجهمية، والمعتزلة والكلابية، والكرامية والأشاعرة، وغيرهم من أهل البدع، وفشا

стр. 5081

الشرك والزندقة، في هذه الفرق وغيرها، وقل أهل السنة والجماعة. وفي القرن السابع سار التتر، وقتلوا الخليفة العباسي ببغداد، وقتلوا العلماء، وألقوا كتب الحديث والسنة في شط دجلة، وتحصن أهل الشام عنهم في رؤوس الجبال، فقاتلهم سلطان مصر، ومن معه من أهل مصر والشام، فهزمهم الله، وذلك بسبب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لما شجع السلطان. وفي تلك القرون اشتدت غربة الإسلام، وعاد المعروف فيها منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير. قال بعض أهل السنة: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين. وفي هذا الحال يقول الشاطبي، رحمه الله تعالى: وهذا زمان الصبر من لك باللتي كقبض على جمر فتنجو من البلا وكل هذه الدول وهذه الفرق، فيهم الكافر كالفلاسفة، وفيهم أهل الشرك الذين بنوا المساجد على القبور وعبدوها، وكذلك أهل البدع كالقدرية المعتزلة، والجهمية النفاة الجبرية الحلولية، وكذلك أهل وحدة الوجود، ومن رأى رأي هذه الطوائف من المتأخرين،

стр. 5082

كلهم من أمة محمد ﷺ ، لكنهم شرارها. وهذا الجاهل الذي لا يدري، ولا يميز الحق من الباطل، زعم أن الكل من خير أمة أخرجت للناس؛ فاعرفوا حاله وحال أمثاله، ممن ارتاب في الدين، فلا يغتر به إلا من كان جاهلا مغرورا; وذلك أن هذه الأزمنة هي التي أخبر عنها رسول الله ﷺ أن الإسلام سيعود غريبا كما بدأ، وأن القابض على دينه كالقابض على الجمر. قال ابن القيم: والحديث رواه الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ " إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: النّزّاع من القبائل ". وفي حديث عبد الله بن عمرو: " قيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل، في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم " ١. قال العلامة ابن القيم: ومعنى قوله ﷺ إنهم "النّزاع من القبائل" أن الله سبحانه بعث رسوله ﷺ وأهل الأرض على أديان مختلفة، فهم ما بين عباد أوثان، وعباد نيران، وعباد صلبان، ويهود، وصابئة، وفلاسفة.

стр. 5083

فكان الإسلام في أول ظهوره غريبا، فكان من أسلم منهم، واستجاب لله ورسوله، غريبا في جنسه وقبيلته، وقريته وأهله وعشيرته، وكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعا من القبائل، آحادا منهم، تغربوا عن قبائلهم، وعشائرهم، فكانوا هم الغرباء حقا حتى ظهر الإسلام، وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجا. ثم أخذ في الاغتراب حتى عاد غريبا كما بدأ؛ بل الإسلام الحق، الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، اليوم أشد منه غربة في أول ظهوره، وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهودة معروفة. فالإسلام الحقيقي غريب جدا، وأهله غرباء بين الناس؛ كيف لا يكون فرقة واحدة قليلة جدا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات أتباع، ورياسات ومناصب وولايات لا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول ﷺ ؟ فإن نفس ما جاء به مضاد أهواءهم ولذاتهم، وما هم عليه من الشبهات التي هي منتهى فضيلتهم وعلمهم، والشهوات التي هي غاية مقاصدهم، وإراداتهم؛ فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة، غريبا بين هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم، وأطاعوا شيخهم، وأعجب كل منهم برأيه؟ انتهى.

стр. 5084

قلت: فإذا كان هذا في القرن السابع وما قبله، فما بعدها أشد غربة للإسلام والسنة. وبسبب اشتداد الغربة، أنكر الناس على من قام يدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا؛ وقد ثبتت الأحاديث التي فيها افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، ورواه عن النبي ﷺ عدة من الصحابة، منهم علي بن أبي طالب ﵁؛ وقد رواها الإمام محمد بن نصر المروزي ﵀، في "كتاب الاعتصام" وغيره، فنذكر من كل حديث ما دل على ذلك. فروى بإسناده إلى سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء، قال: "سمعت علي بن أبي طالب، وقد دعا رأس الجالوت وأسقف النصارى، فقال: إني سائلكما عن أمر، وأنا أعلم به منكما، فلا تكتماني. يا رأس الجالوت، أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، وأطعمكم المن والسلوى، وضرب لكم في البحر طريقا، وأخرج لكم من الحجر اثنتي عشرة عينا لكل سبط من بني إسرائيل عين، إلا ما أخبرتني عن كم افترقت بنو إسرائيل بعد موسى؟ فقال له: ولا فرقة واحدة; فقال له علي ثلاث مرات: كذبت والله الذي لا إله إلا هو، لقد افترقت على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة.

стр. 5085

ثم دعا الأسقف، وقال: أنشدك الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وجعل على رجله البركة، وأراكم العبرة فأبرأ الأكمه وأحيا الموتى، وصنع لكم من الطين طيورا، وأنبأكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، فقال: دون هذا أصدقك يا أمير المؤمنين. فقال علي: كم افترقت النصارى بعد عيسى من فرقة؟ فقال: لا والله ولا فرقة; فقال ثلاث مرات: كذبت والله الذي لا إله إلا هو، لقد افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة; فأما أنت يا يهودي، فإن الله يقول: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٩] ، فهي التي تنجو. وأما أنت يا نصراني فإن الله يقول: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٦] ، فهي التي تنجو. وأما نحن فيقول: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨١] ، وهي التي تنجو من هذه الأمة". وبالسند إلى زاذان أبي عمرو، قال: "قال علي: يا أبا عمرو، أتدري كم افترقت اليهود؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم; فقال: افترقت على إحدى وسبعين فرقة،

стр. 5086

كلها في الهاوية إلا واحدة، هي الناجية. والنصارى على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة، هي الناجية; يا أبا عمرو: أتدري كم تفترق هذه الأمة؟ فقلت: الله ورسوله أعلم; قال: تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية. ثم قال علي: أتدري كم تفترق في؟ قلت: وإنه يفترق فيك يا أمير المؤمنين؟ قال نعم: اثنتي عشرة فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة، هي الناجية، وهي تلك الواحدة، يعني: الفرقة التي من الثلاث والسبعين، وأنت منهم يا أبا عمرو". وبالسند إلى عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : " سيأتي على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، مثلا بمثل، حذو النعل بالنعل، وإنهم تفرقوا على ثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار غير واحدة. قالوا: يا رسول الله، وما تلك الواحدة؟ قال: هو ما أنا عليه اليوم وأصحابي " ١. وبالسند إلى عبد الله بن عبيدة، عن بنت سعد، عن أبيها سعد، قال: قال رسول الله ﷺ :" افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة، ولن تذهب الليالي والأيام، حتى تفترق أمتي على مثلها "، أو قال: "على مثل ذلك، وكل فرقة منها في النار، إلا واحدة، وهي الجماعة". وبالسند إلى سويد بن غفلة، عن ابن مسعود، قال:

стр. 5087

" دخلت على رسول الله ﷺ فقال: يا ابن مسعود. قلت: لبيك يا رسول الله; قال: أتدري أي الناس أعلم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم; قال: فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصرا في العمل; واختلف من قبلي على ثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث، وهلك سائرها; فرقة آذت الملوك وقاتلوهم على دينهم، ودين عيسى، وأخذوهم فقطعوهم بالمناشير. وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك، ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم، ويدعونهم إلى دين الله، ودين عيسى بن مريم، فساحوا في البلاد وترهبوا، وهم الذين قال الله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [سورة الحديد آية: ٢٧] إلى قوله: ﴿فاسقون﴾ " وقال النبي ﷺ : " من آمن بي وصدقني واتبعني، فقد رعاها حق رعايتها، ومن لا يتبعني فأولئك هم الهالكون ". قلت: فالفرقة الثالثة، هي التي آمنت بمحمد ﷺ واتبعته، من بني إسرائيل وغيرهم. وبالسند إلى يزيد الرقاشي، حدثني أنس بن مالك مرفوعا " أن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا

стр. 5088

فرقة واحدة " ١؛ قال يزيد الرقاشي: وهي الجماعة; وفيه حديث معاوية، وهو مشهور. فتبين بهذه الأحاديث أن الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين، هي التي تمسكت بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وعملوا بما في كتاب الله، وأخلصوا له العبادة، واتبعوا رسوله ﷺ ؛ فإن أصل دين الإسلام أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع; وأنت ترى اليوم أكثر من ينتسب إلى العلم، لا يعرف من معنى لا إله إلا الله، إلا ما دلت عليه التزاما، وهو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون. وذلك أن هؤلاء يفسرون الإله، بالقادر على الاختراع، وما اهتدوا إلى ما دلت عليه كلمة الإخلاص مطابقة، وهو نفي ما يأله المشركون من دون الله، بأي نوع كان من أنواع العبادة؛ هذا هو المنتفي بجملة لا إله. ومعنى إلا الله، أنه هو الذي يؤله ويعبد، بكل نوع من أنواع العبادة، دون كل ما سواه. وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله. وبسبب جهل كثير مما دلت عليه لا إله إلا الله، لم ينكروا عبادة الطواغيت، والأشجار، والأحجار، والقبور; وذلك أنه لا يعرف عن أحد من العلماء، في العصر الذي قام فيه شيخنا، ﵀، ولا ما قبله، أنه أنكر الشرك في الإلهية، ودعا الناس إلى أن يعبدوا الله وحده. فبسبب الجهل بهذا التوحيد، الذي هو حق الله على

стр. 5089

عباده أنكروا على شيخنا رحمه الله تعالى، لما دعا الناس في القرن الثاني عشر، إلى ما دعت إليه الرسل: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٣٢] ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة هود آية: ٢٦] ، ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍأَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [سورة هود آية: ١-٢-٣] . فالوقت الذي صارت دعوة الرسل فيه عند أهله منكرا، فالإسلام فيه قد بلغ في الغربة إلى غايتها ومنتهاها. وقد دل القرآن العزيز، على أن الكفار الذين جحدوا هذا التوحيد، كانوا يعرفون ما دعاهم إليه رسول الله ﷺ حين قال لهم: " قولوا لا إله إلا الله " ١، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٥-٣٦] ؛ فعرفوا أن معناها: ترك عبادة الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله. وقد أخبر تعالى عن قوم هود، أنهم أجابوه لما قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] ، ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٧٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢١] . فتبين بهذه الآيات، وجميع ما في القرآن أن الدعوة

стр. 5090

التي اتفق عليها الرسل هي إفراد الرب تعالى بالعبادة، كما في قوله تعالى في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ؛ فتقديم المعمول يفيد الحصر، أي: لا نعبد غيرك، ولا نستعين إلا بك. فالجهل بهذا التوحيد هو غاية الجهل، والإنكار على من دعا إليه هو الغاية في الكفر. وقد قال عالم صنعاء، في منظومته المشهورة، التي بعث بها لشيخنا محمد بن عبد الوهاب، ﵀: لقد أنكرت كل الطوائف قوله بلا صدر في الحق منهم ولا ورد إلى أن قال: وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي والمقصود: أن الله تعالى منّ على الناس في آخر هذه الأعصار، ببيان الدين الذي بعث الله به رسله، وهو الذي خلق الخلق لأجله، وبيان أدلته من الكتاب والسنة، ودعوة الناس إلى أن يتدبروا ذلك، ويعرفوا ما أراد الله تعالى من عباده. وبينه تعالى بقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] ، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [سورة الزمر آية: ١٤] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] .

стр. 5091

وقد ذكر الإمام أحمد، وابن جرير في تفسيره: أن الدين المذكور في هذه الآيات وأمثالها، هو الدعاء، والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والكل عبادة؛ فمن أخلص الدعاء بنوعيه لله تعالى، ولم يجعل له فيه شريكا في ذلك، فقد وحد الله تعالى بعبادته وأسلم لله، ومن جعل لله شريكا في ذلك، فقد أشرك مع الله غيره. وهذا واضح في الآيات المحكمات، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٤-٦٥-٦٦] ؛ وهذه الآية تشبه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، والمعنى: بل الله فاعبد لا غيره؛ فإن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهذا هو الإخلاص، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله. فمن لم يفهم دين الإسلام، الذي رضيه الله تعالى لعباده، من هذه الآيات المحكمات، فأبعده الله; فإن الخصومة بين الرسل والأمم إنما كانت في إخلاص العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢١] .

стр. 5092

وهذا هو الدين الذي دعا إليه شيخنا، ﵀، في آخر هذه الأعصار، لما اندرست أعلامه، وانمحت آثاره، واتخذ أكثر الناس الشرك في العبادة دينا، وأنزلوا حوائجهم بمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا؛ فكيف يملك لهم من الضر والنفع ما لا يملك لنفسه، كما قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٦] ؟ والقرآن من أوله إلى آخره في بيان توحيد العبادة، وهو أظهر شيء في القرآن، وأبينه. وقد أشرت إلى سبب خفاء هذا التوحيد على كثير من المتكلمين، ومن سلك سبيلهم; فلهذا لم ينكروا الشرك الذي وقع في هذه الأمة، من عبادة الأشجار، والأحجار، والطواغيت، والجن، فصار هذا الشرك لهم عادة، نشأ علية الصغير، وهرم عليه الكبير؛ وهذا هو سبب إنكارهم على من نهاهم عنه. فمن تدبر ما صح عن النبي ﷺ أنه قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه "، تبين له خطأ المغرورين، في إنكارهم على من دعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، واشمئزازهم من ذلك، وكراهتهم له؛ وهو الحامل لهم على إلقاء الشبهات الفاسدة.

стр. 5093

فلنذكر ما ورد في هذا المعنى: ففي الحديث الصحيح، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "أنتم أشبه الناس سمتا وهيئة ببني إسرائيل، تتبعون آثارهم حذو القذة بالقذة، لا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله". وبالإسناد إلى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "إنه لم يكن في بني إسرائيل شيء إلا كان فيكم"; وعن عبد الله بن عمرو، قال: "لتركبن سنن من كان قبلكم، حلوها ومرها"; وتقدم في الأحاديث المرفوعة مثل هذا. ولا يعرف ما وقع في الأمة من أنواع الشرك الأكبر، وخفائه على الأكثر، إلا من شرح الله صدره للإسلام، وتدبر القرآن، بخلاف من أعرض عن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ واعتمد على ما في كتب المتكلمين وتقلد بهم؛ نعوذ بالله من عمى البصيرة، وفساد الطوية والسريرة. وقد اعترف عالم صنعاء، الأمير محمد بن إسماعيل، بما كان الناس عليه من الجهل بالتوحيد، في وقت ظهور شيخنا ﵀، فمن ذلك قوله: وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... عسى بلدة فيها هدى وصواب فيخبر كل عن قبائح ما رأى ... وليس لأهليها يكون متاب لأنهم عدوا قبائح فعلهم ... محاسن يرجى عندهن ثواب

стр. 5094

ونذكر شيئا من مبدإ دعوة شيخنا، ﵀، فنقول: شرح الله صدره للإسلام، وتبين له ما كان أكثر الناس عليه من الجهل بالتوحيد، وما وقعوا فيه من الشرك والتنديد. دعا من كان حوله إلى تدبر كتاب الله تعالى، ومعرفة التوحيد الذي خلقوا له، وبعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وضمنه أشرف كتبه، وهو القرآن الذي أنزله على رسوله ﷺ . وما وقع منهم من الاعتقاد في الطواغيت، وأرباب القبور والأشجار، والأحجار، هو الشرك الذي بعث الله رسله بإنكاره. فصاحوا به منكرين لما دعاهم إليه، واستنجدوا بالملوك من كل جانب، حتى أخرجوه من بلده العيينة، فهاجر إلى الدرعية. فتلقاه شيخ البلد محمد بن سعود ﵀، هو وأولاده، وقرابته، وأعيان أهل بلده، فقابلوا دعوته بالقبول، وجدوا في نصرته على ضعفهم وقلتهم، وكثرة عدوهم. واستصرخ أعداؤهم الملوك عليهم، فما زالوا يرمونهم بقوس العداوة، وحزبوا عليهم مرارا كثيرة من كل جهة، فأظهرهم الله على من عاداهم، على ضعفهم وقلتهم، وأوقع بأسه بكل من عاداهم في الملوك، وأهلكهم الله، وأباد خضراهم؛ وفي ذلك آيات لمن كان واعيا. وهذه الآية

стр. 5095

لا تخفى على من صحت بصيرته; وأما أعمى البصيرة فلا يبصر. وكلما كادهم عدو، ورام هلاكهم، أهلكه الله؛ فما زالوا- بحمد الله- ظاهرين بهذه الدعوة، التي خصهم الله بالسبق إلى قبولها، ونصرتها إلى يومنا هذا ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة الجاثية آية: ٣٦-٣٧] . ولله در الشيخ حسين بن غنام، حيث قال: لما ظهرت له أنوار التوحيد، أظهر ذلك في شعره ونثره، وأجاب محمد بن فيروز في هجوه وسبه; ومنظومته موجودة في تأريخه، فمن قوله ﵀: نفوس الورى إلا القليل ركونها ... إلى الغي لا يلفى لدين حنينها فسل ربك التثبيت أي موحد ... فأنت على السمحاء باد يقينها وغيرك في بيد الضلالة سائر ... وليس له إلا القبور يدينها وأنت بمنهاج الشريعة سالك ... وسنة خير المرسلين تبينها قلت: ولا يخفى على ذوي البصائر، أن من أعظم الجهل، وأبين الكذب، وأبعد الضلال: جحود من جحد أنه ليس في هذه الأمة كافر ولا مشرك، ولا مبتدع، ولا فاسق، ولا ظالم؛ والقرآن كله من أوله إلى آخره، يخبر عن الكفار، والمشركين، والمنافقين، والفاسقين والظالمين.

стр. 5096

فسبحان الله! كيف أدته العداوة والبغضاء لمن قام بالدعوة إلى التوحيد، إلى أن جحد الكثير من القرآن والسنة، وادعى أن الأمة كلها من أولها إلى آخرها، كلهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم الأمة الوسط، فجحد ما لم يمكن جحوده في حق أحد. وحقيقة حال هذا: أنه كذب بما في القرآن من ذلك; فتأمل ما يترتب على هذا القول، من الفساد والإلحاد، وكيف يمكن أحدا أن يجحد ما وقع في هذه الأمة، من الكفر والشرك والبدع. وقد ذكرت في هذا الجواب، بعض ما وقع في الأمة من ذلك، على سبيل الاختصار، لبيان بطلان هذه الشبهة، وشدة ضلال ملقيها; ثم إنه حرف القرآن والأحاديث، ووضعها في غير موضعها، فلهذا يقول إن المطيع والعاصي، والمؤمن والكافر على حد سواء، وهذا ممتنع عقلا وشرعا وفطرة. وقد تقدم في هذا الجواب، ما يبين الخطأ من الصواب - ولله الحمد والمنة- مع الاقتصار، كما في الأثر: "خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل" والقصد بذلك: انتفاع طالب الحق بالجواب عن شبه المشبهين، وتحريف الملحدين -وبالله التوفيق-، وإلا فالواقع اليوم ممن هم من هذه الأمة، يكفي البصير في رد هذه الشبهة وإبطالها.

стр. 5097

فإن الرافضة اليوم كثيرون، وشركهم وبدعتهم لا يخفى على من يعرفهم؛ وكذلك أحوال الأعراب، وما فيهم من الفساد، والجفاء في الدين، واستحلال المحرمات، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وإخافة السبيل وقطعها، ولا ريب أنهم من أمة محمد ﷺ . والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله على محمد سيد المرسلين، وإمام المتقين، وعلى الله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. [الرد على أوراق جاء بها رجل من أهل جبل سليمان مشتملة على الشرك والإلحاد] وله أيضا، أسكنه الله الفردوس الأعلى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق المبين. اللهم صل على محمد وآل محمد وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. أما بعد: فإني رأيت أوراقا، جاء بها رجل من أهل جبل سليمان، يطلب رد ما فيها من الأباطيل والتخاييل، فنظرت فيها، فإذا هي مشتملة على الشرك بالله، والإلحاد في الله، والزيغ عن الهدى، والزندقة والضلال؛ يعرف ذلك كل من في قلبه أدنى مسكة، من عقل وبصيرة، فلذلك لم تحتج إلى تتبع الجواب، عما فيها من الزيغ

стр. 5098

والضلال، فإنها كما قال بعض أهل السنة شعرا: شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور ولهذا اقتصرت على بيان التوحيد بأدلته، ودحض الشرك ووسوسته، وجعلت ذلك في فصلين. الفصل الأول: أن هذا الجاهل المركب جهله، قد اتخذ الشرك بالله دينا، وجحد التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه; وهو: إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، وهو الذي أمر الله به رسوله محمدا ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ١١-١٢] إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [سورة الزمر آية: ١٤-١٥] . وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] ؛ فالدين القيم تجريد التوحيد ونفي الشرك والتنديد، وهو الإسلام الذي لا يقبل الله دينا سواه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [سورة لقمان آية: ٢٢] . والعروة الوثقى هي: لا إله إلا الله؛ والآية قد تضمنت نفى الشرك، والبراءة منه، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ

стр. 5099

وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ [سورة الرعد آية: ٣٦] . وأمثال هذه الآيات في القرآن كثيرة جدا، لا يصد عنها إلا من كان مغمورا في بحار الشرك بالله. فإن المشرك أعمى أصم لا يعرف الحق، ولا يهتدي إلى أدلته، كما قال تعالى في أمثال هذا: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٦٣] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٤٥-٤٦] . واعلم أن هذا الملحد المفتري، قد ادعى أن الاستمداد من الأموات الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا جائز، وأن من أنكره فقد ضل. فالجواب عن هذا من وجوه: الوجه الأول: أن الاستمداد بالأموات والغائبين هو الشرك الأكبر، الذي لا يغفره الله; فإن الاستمداد عبادة، والعبادة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله؛ وذلك أن الاستمداد نتيجته الاعتماد، والاعتماد هو معنى التوكل الذي هو من خصائص الإلهية، وأجمعها لأعمال القلوب.

стр. 5100

فمن توكل على غير الله، فقد نازع الله تعالى في خصائص الإلهية، واتخذ له معبودا سواه، ولا بد، قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٦] ؛ ففي هاتين الصفتين بيان أنه تعالى هو السميع لدعاء عبده ومناجاته، العليم بأحوال خلقه وأعمالهم وإراداتهم دون كل من سواه. وتأمل ما في هذه الآية من التأكيد، وهو قوله ﴿نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٦] ؛ ففي هذه الآيات من ظهور أنوار التوحيد ما يفوق الشمس، نورا وظهورا، فكيف يسوغ بعد هذا أن يستمد ممن لا يسمع، ولو سمع ما استجاب بخبر الخبير؟ قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣] ، وهو القشر الذي على النواة، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [سورة فاطر آية: ١٤] ؛ أخبر أصدق القائلين أن المدعو لا يسمع مع القرب منه، ولا البعد عنه، ولو سمع- على سبيل الفرض- ما استجاب، فخاب سعي من دعا مع الله من لا يسمع، ولا يستجيب، ففي الآية معتبر عظيم، وزجر عن التعلق بغير الله عميم؛ فانقطع أمل المستمد الداعي لغير الله، وخاب سعيه.

стр. 5101

ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [سورة فاطر آية: ١٤] ، فأخبر أن هذا الاستمداد بهم في الرهبات والرغبات، شرك عظيم ومرتع وخيم؛ فانعكس على المستمد مطلوبه، وفاته الفلاح والنجاح، وخسر خسرانا مبينا؛ وسيأتي ذكر ما دلت عليه هذه الآيات. الوجه الثاني: أن مورد العبادة القلب واللسان والأركان، والمستمد لا يكون إلا داعيا وراغبا، وراهبا وخاشعا ومتذللا، ومستعينا؛ فإن الاستمداد طلب المدد، بالقلب واللسان والأركان ولا بد؛ وهذه الأعمال هي أنواع العبادة، فإذا كانت لله وحده فقد ألهه العبد، فإذا صرفه لغير الله تعالى صار مألوها له. والآله مشرك بصرفه العبادة لغير الله، والله هو مألوه العباد ومعبودهم، دون كل ما سواه; فمن أله غيره بأي نوع كان من أنواع العبادة، صار مشركا شاء أم أبى؛ وقد قصر تعالى العبادة بجميع أنواعها عليه، كما قال تعالى في فاتحة الكتاب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، أي: لا نعبد غيرك، ولا نستعين إلا بك. فالعبادة والاستعانة من خصائص الإلهية والربوبية، ومصدرها عن القلب واللسان والجوارح، كما تقدم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ

стр. 5102

الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٢-١٦٣] ؛ فليس في هذه الموارد نصيب لغير الله، لا عبادة، ولا استعانة، فإن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. والاستمداد سؤال وطلب بالقلب، أو بالقلب واللسان والأركان كما تقدم، وذلك هو العبادة، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] . وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [سورة غافر آية: ١٢] ؛ فتبين بهذه الآية أن دعوة غير الله شرك؛ ولها نظائر في القرآن كثيرة. وفي السنن: عن النعمان بن بشير ﵁ مرفوعا: " الدعاء هو العبادة " ١، وفي السنن أيضا عن أنس، مرفوعا " الدعاء مخ العبادة " ٢؛ فتبين بهذا أن المستمد بغير الله مشرك; لأنه جعل للمخلوق نصيبا في حق الله من العبادة. قال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى، في معنى قول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] : فيها سر الخلق والأمر، والدنيا والآخرة؛ وهي متضمنة لأجل الغايات، وأفضل الوسائل. فأجل الغايات عبوديته، وأفضل الوسائل إعانته؛ فلا معبود يستحق العبادة إلا هو، وقد

стр. 5103

اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد، وهما توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، انتهى. ولا يخفى أن المستمد بغير الله مستعين به، عابد له، فيصير مشركا ولابد، وإن غير اللفظ فهذا هو المعنى. ومما يدل أيضا على قصر العبادة بجميع أنواعها، على الله وحده، قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٤] إلى قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٦] . فتبين بما تقرر، في هذين الوجهين أن الاستمداد عبادة، ويجمع أنواعا من العبادة، فيكون شركا، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة النساء آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ؛ لأنه إذا استمد بغير الله فلا يصدق عليه أنه مخلص. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [سورة ص آية: ٦٥] الآية. وهذه الآيات ونحوها ينتفي بها كل شرك، بأي نوع كان من أنواع العبادة. الوجه الثالث: أن الاستمداد ينافي الإخلاص لأنه إذا استمد بغير الله، فلا يصدق عليه أنه مخلص، بل يكون مشركا؛ ودين الله الذي لا يقبل دينا سواه، هو إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله وحده لا شريك له، والاستمداد

стр. 5104

بغير الله ينافي الإخلاص ولابد. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [سورة البينة آية: ٥] ، والحنيف هو: المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه، والمستمد من غير الله قد عكس الأمر، فأعرض عن الله، وأقبل على من سواه، فصرف حق الله لغيره، وأشغل موارد العبادة بغيره، فصار مشركا. الوجه الرابع: أنك إذا تأملت قول الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٢-١٦٣] ، علمت أن المستمد بغير الله، لم يجعل محياه كله لله، بل جعله له ولغيره؛ وكذلك الصلاة والنسك، فإن الصلاة تتناول الدعاء الذي هو مخ العبادة، وكذلك النسك وهو ذبح القربان. وقد نفت هذه الآية أن يكون أحد شريكا لله في العبادة؛ والشرك ينافي الإخلاص، كما تقدم بيانه في معنى هذا الوجه. الوجه الخامس: أن الاستمداد من غير الله ينافي الإسلام، والإسلام أصله: إسلام القلب والوجه لله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٠] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً

стр. 5105

وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ١٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [سورة لقمان آية: ٢٢] . وذكر النبي ﷺ في الحديث الصحيح، إسلام القلب إذ هو الأصل لكل عمل. والمقصود: أن المستمد من غير الله، لم يسلم وجهه وقلبه لله، كيف وقد أسلم لغيره بوجهه وقلبه؟! وهذا المستمد من غير الله، وإن قال: لا إله إلا الله بلسانه، فقد عكس مدلولها، فلم ينف ما نفته من الشرك، ولم يأت بما أثبتته من إخلاص الإلهية لله وحده، فلم يسلم قلبه لله. والإسلام: هو دين الله الذي لا يقبل دينا سواه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] ؛ وحقيقته: أن لا يعبد إلا الله، ولا يعبد إلا بما شرع، لا بالأهواء والبدع. الوجه السادس: أن الله تعالى أرسل الرسل، وأنزل الكتب، بالأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة من سواه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١] إلى قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا

стр. 5106

إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] . وهذا هو مدلول كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، ومعنى (قضى) وصى، وأمر. الوجه السابع: أن يقال: إذا كان الرسل من أولهم إلى آخرهم، عليهم الصلاة والسلام، قد اتفقت دعوتهم على إخلاص العبادة بجميع أنواعها الباطنة والظاهرة، لله تعالى دون كل من سواه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة هود آية: ٢٥-٢٦] الآية، فإذا كان الرسل كلهم: قد بعثوا بالدعوة إلى إخلاص العبادة، والنهي عن الشرك في العبادة، فكيف ساغ لمن يدعي المعرفة، أن يخالف ما جاءت به الرسل، وأمروا به من التوحيد، ويخالف ما أرسلوا به من النهي عن الشرك بالله؟ وأنت ترى هذا الملحد قد اتخذ الشرك دينا، ونبذ كتاب الله وراء ظهره، وجحد ما جاءت به الرسل من الإخلاص، أسوة أمثاله من أهل الإشراك والتنديد؛ فهم أعداء الرسل، كالذين أخذهم الله بعذاب الاستئصال، لما فعلوا فعل هؤلاء، وتمسكوا بالشرك، وجحدوا التوحيد، فاتبعهم هؤلاء فأدلجوا في ضلالهم وعماهم، وشرعوا لأنفسهم دينا لم يأذن به الله، وصدوا عن سبيل الله؛ فالله المستعان.

стр. 5107

الوجه الثامن: أن الله تعالى هو الذي حكم على عباده، أن يعبدوه وحده بأنواع العبادة كلها، قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] . فالتوحيد دينه الذي حكم به على عباده، وخلقهم له وهذه حكمته الشرعية الدينية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء آية: ٦٤] ؛ فمنهم من أطاع، ومنهم من عصى، وخرج عن الدين الذي رضيه الله لعباده، وأراده منهم، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٢٧] . وهذا التوحيد هو الدين الذي عهده تعالى إلى عباده على ألسنة رسله؛ فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٠٢] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ?وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٩٩-١٠٠] . فمن هداه الله إلى تدبر كتابه نجا، ومن أعرض عنه ضل؛ نعوذ بالله من الضلال والعمى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 5108

الوجه التاسع: أن الذي ينصر الشرك بالوساوس الشيطانية، إنما يخاصم ربه الذي خلقه وأسبغ عليه نعمه؛ فإن الله تعالى قد أظهر حججه على من أشرك به، واحتج عليهم بما أقروا به من ربوبيته، على ما جحدوه من إلهيته، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ ي﴾ [سورة الزمر آية: ٣٨] . وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٤] . واحتج عليهم تعالى بأنه لا حجة لهم على ما اختلقوه من الشرك في العبادة، وأبطل استمدادهم من غيره، كما قال تعالى عن أهل الكهف: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [سورة الكهف آية: ١٥] ، وقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١٧] . فالعبادة لا تصلح إلا لمن انفرد بخلق كل شيء، وقهر العباد بتصرفه فيهم كيف شاء بفضله، ويضل ويعذب من يشاء بعدله، وهو الحكيم في خلقه، يدبر أمرهم بحكمته وعلمه؛ فكيف جاز لأحد أن يعبد عبدا عاجزا، يجعله شريكا للقاهر

стр. 5109

القادر الخالق الأزلي الذي له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الذي له ملك السماوات والأرض؟ فمن تدبر واعتبر، وعرف الله، علم أن الشرك أعظم ذنب عصي الله به، وعلم أن المستمد من غير الله، قد وضع العبادة في غير موضعها ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان آية: ١٣] ؛ يوضح ذلك: الوجه العاشر: وهو أن الله تعالى سجل على من دعا غيره، بأنه لا أحد أضل منه، فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] . ففي هذه الآية أمور خمسة، كل واحد منها يبطل الاستمداد بغير الله: الأول: قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] ; ففيها بيان: أن دعوة غير الله، هي الغاية في الضلال. الثاني: قوله: ﴿مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] ، فالذي لا يستجيب له دعوته، له عناء وشقاء ووبال، في الحال والمآل. الثالث: قوله: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] ؛ فهذا المستمد بمن هو غافل عنه لا أضل منه؛ وهذا كله يبين ضلال المستمد ويحققه، ويدل على فساد عقله. كيف يستمد بالغافل، ويترك القريب المجيب، السميع البصير، العليم الخبير؟ ويرغب عنه إلى من لا يضر ولا ينفع؟ الرابع: قوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [سورة الأحقاف آية: ٦] ، فأخبر

стр. 5110

تعالى: أن المدعو الذي طلب منه الداعي المدد، تخونه دعوته أحوج ما كان إليها؛ فيكون المدعو عدوا له، وخصما له بين يدي الله يوم القيامة، فخاب سعيه وانقطع رجاؤه، وشقي بدعوته، وصار إلى النار بشركه وضلاله. الخامس: قوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٦] ، فكل ولي لله، وعبد صالح، يكفر بعبادة من عبد مع الله غيره في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد؛ فهم أعداؤه في الدنيا والآخرة: يستحلون دماءهم، وأموالهم في الدنيا، وينكرون عليهم شركهم يوم القيامة، ويظهرون عداوتهم والبراءة منهم؛ فكما كفروهم في الدنيا، يكفرونهم يوم القيامة ولا بد، لأنهم دانوا بخلاف دينهم، الذي من دان بخلافه، نصبوا له العداوة ظاهرا وباطنا. فتدبر القرآن، فإن نظائر هذه الآية كثير، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة سبأ آية: ٤٠-٤١] ، أي: الشياطين الذين زينوا لهم عبادة غير الله. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٦] إلى قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ

стр. 5111

فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] ؛ ففي هذه الآية أيضا: إبطال قول من ادعى علم الغيب، لغير الله تعالى الذي اختص بعلم الغيب، إلا ما أطلع عليه أنبياءه بوحيه إليهم؛ فإن قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] هذا وعيسى ﵇ حي في السماء، فكيف بمن مات؟ ! وأخرج البخاري في الصحيح، عن ابن عباس، قال: خطب النبي ﷺ فقال: " إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ١٠٤] . ثم إن أول من يكسى يوم القيامة: إبراهيم ﵇، إلا أنه يؤتى برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال; قال: فأقول يا رب أصحابي; فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك; فأقول: كما قال العبد الصالح ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] إلى قوله: ﴿شهيد﴾ ". فدل على أن شهادته عليهم، إنما كانت وهو بين أظهرهم، وأما بعد مفارقته لهم، فأسند ذلك إلى الله تعالى، بقوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] . فليتأمل هذا التأكيد البليغ المفيد، لاختصاص الله بعلم الغيب، وأن الميت والغائب لا يعلم شيئا. فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يستمد بمن لا يطلع على أحوال العباد

стр. 5112

وأعمالهم؟! وهذا مما يبطل الاستمداد بغير الله تعالى. وقد تقدم أن الاستمداد طلب المدد، لا يكون إلا بالقلب واللسان والأركان، وهذا هو الشرك في العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] . فتبين أن الاستمداد بغير الله كفر بالله، وفيه الوعيد الشديد بنفي الفلاح؛ ونفي الفلاح يدل على أن هذا الكافر لا تنفعه شفاعة شافع، ولا ينفعه نافع في دنياه ولا أخراه، كما قال تعالى عن صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [سورة يس آية: ٢٣-٢٤-٢٥] . وهذا القدر الذي ذكرناه من الأدلة والبراهين، كاف في إبطال حجة هذا المستمد الملحد المشرك؛ والحمد لله على بيان الحق وظهوره، وزهوق الباطل واضمحلاله، وبالله التوفيق. ثم إن هذا الملحد يقول: إنه قادري; يعني: أنه على طريقة عبد القادر الجيلاني؛ وهذه النسب ابتدعها جهال الصوفية، ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي من محدثات الأمور التي حذر منها النبي ﷺ أمته، كما قال: " وإياكم

стр. 5113

ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " ١. ولم يعهد مثل هذه النسبة في عهد الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من فضلاء الشيوخ، الذين هم أفضل من عبد القادر بمراتب؛ فهو فاضل بالنسبة إلى من دونه، مفضول بالنسبة إلى من فوقه، كبشر الحافي، والجنيد، وسهل بن عبد الله، وأمثالهم ممن في طبقاتهم وغيرهم. وعبد القادر ﵀، في أواخر القرن الخامس، وهو حنبلي، صنف الغنية في مذهب الإمام أحمد، وليس بأفضل الحنابلة؛ بل فيهم من هو أفضل منه في العلم والدين، وحفظ الأحاديث، ومعرفة صحيحها، ومعلولها، وغير ذلك. وله عبارات حسنة في الإخلاص والتوكل، وأعمال القلوب، لو تأملها هذا المنتسب لكفته في أصل الدين، ولكنه خالف طريقة عبد القادر وملته، وهو ينتسب إليه، ويرغب عن ملته وطريقته ودينه. وملة عبد القادر هي الإسلام الذي رضيه الله تعالى لعباده، وها أنا أذكر شيئا من نمط كلام عبد القادر، تحقيقا لما قلته. فإنه قال ﵀ في كتابه "فتوح الغيب": لعمري إنك لتدعو وتبتهل إلى ربك بالدعاء، والتضرع، وهما عبادة وطاعة، امتثالا لأمره بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ، وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ

стр. 5114

فَضْلِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٣٢] ، وغير ذلك من الآيات، ولا تسأم من دعائه؛ فإنك إن لم تربح لم تخسر، إن لم يجبك عاجلا أثابك آجلا. وقال ﵀: قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] . اتق الشرك جدا ولا تقربه، واجتنبه في حركاتك وسكناتك، وليلك ونهارك، في خلوتك وجلوتك. وقال ﵀: اتبعوا ولا تبتدعوا، وأطيعوا ولا تمرقوا، ووحدوا ولا تشركوا. ومن كلامه في الموعظة عن النبي ﷺ أنه قال: "ملعون من كان ثقته بمخلوق مثله ". ما أكثر الذين قد دخلوا في هذه اللعنة! ومن وثق بمخلوق مثله، فهو كالقابض على الماء، يفتح يده، لا يرى فيها شيئا. وله في كتبه عدة مواضع تدل على إخلاصه الدعاء وغيره من أنواع العبادة، محافظة منه على معنى شهادة أن لا إله إلا الله، والتحذير من الشرك في العبادة، أسوة أمثاله من أهل السنة سلفا وخلفا، يأمرون بإخلاص العبادة، والطاعة لله وحده، ويتبعون ما شرعه لهم، على لسان نبيه محمد ﷺ . وقد خالف هذا الملحد جميع أهل السنة والجماعة، فأظهر الشرك وزينه، وأبداه في قالب الاستمداد؛ وقد علمت مما تقدم أن الاستمداد لا يكون إلا بالقلب واللسان اعتمادا ورغبة إلى غير الله، وتركا للإخلاص في العبادة، الذي رضيه الله

стр. 5115

لعباده، وأوجبه عليهم. فخالف طريقة شيخه عبد القادر، الذي ينتسب، إليه وغيره من الشيوخ والعلماء، واتبع غير سبيلهم، واتبع من شرع من الدين ما لم يأذن به الله، وقد قال عن مؤمن آل فرعون: ﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الْآخِرَةِ﴾ [سورة غافر آية: ٤٣] الآية. فعلى الناصح لنفسه أن يتدبر ما في القرآن، من أدلة التوحيد التي لو استقصينا في ذكرها، لاحتمل مجلدا لكثرة وجود البيان في الإخلاص، وبطلان الشرك في العبادة؛ وفيما ذكرنا من الأدلة، ما تقوم به الحجة على كل ملحد منحرف، عن الصراط المستقيم، والله المستعان.
следующие страницы →