فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] ؛ ففي هذه الآية أيضا: إبطال قول من ادعى علم الغيب، لغير الله تعالى الذي اختص بعلم الغيب، إلا ما أطلع عليه أنبياءه بوحيه إليهم؛ فإن قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] هذا وعيسى ﵇ حي في السماء، فكيف بمن مات؟ !
وأخرج البخاري في الصحيح، عن ابن عباس، قال: خطب النبي ﷺ فقال: " إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ١٠٤] . ثم إن أول من يكسى يوم القيامة: إبراهيم ﵇، إلا أنه يؤتى برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال; قال: فأقول يا رب أصحابي; فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك; فأقول: كما قال العبد الصالح ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] إلى قوله: ﴿شهيد﴾ ".
فدل على أن شهادته عليهم، إنما كانت وهو بين أظهرهم، وأما بعد مفارقته لهم، فأسند ذلك إلى الله تعالى، بقوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] . فليتأمل هذا التأكيد البليغ المفيد، لاختصاص الله بعلم الغيب، وأن الميت والغائب لا يعلم شيئا. فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يستمد بمن لا يطلع على أحوال العباد
стр. 5112
وأعمالهم؟! وهذا مما يبطل الاستمداد بغير الله تعالى.
وقد تقدم أن الاستمداد طلب المدد، لا يكون إلا بالقلب واللسان والأركان، وهذا هو الشرك في العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] .
فتبين أن الاستمداد بغير الله كفر بالله، وفيه الوعيد الشديد بنفي الفلاح؛ ونفي الفلاح يدل على أن هذا الكافر لا تنفعه شفاعة شافع، ولا ينفعه نافع في دنياه ولا أخراه، كما قال تعالى عن صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [سورة يس آية: ٢٣-٢٤-٢٥] .
وهذا القدر الذي ذكرناه من الأدلة والبراهين، كاف في إبطال حجة هذا المستمد الملحد المشرك؛ والحمد لله على بيان الحق وظهوره، وزهوق الباطل واضمحلاله، وبالله التوفيق.
ثم إن هذا الملحد يقول: إنه قادري; يعني: أنه على طريقة عبد القادر الجيلاني؛ وهذه النسب ابتدعها جهال الصوفية، ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي من محدثات الأمور التي حذر منها النبي ﷺ أمته، كما قال: " وإياكم
стр. 5113
ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " ١.
ولم يعهد مثل هذه النسبة في عهد الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من فضلاء الشيوخ، الذين هم أفضل من عبد القادر بمراتب؛ فهو فاضل بالنسبة إلى من دونه، مفضول بالنسبة إلى من فوقه، كبشر الحافي، والجنيد، وسهل بن عبد الله، وأمثالهم ممن في طبقاتهم وغيرهم.
وعبد القادر ﵀، في أواخر القرن الخامس، وهو حنبلي، صنف الغنية في مذهب الإمام أحمد، وليس بأفضل الحنابلة؛ بل فيهم من هو أفضل منه في العلم والدين، وحفظ الأحاديث، ومعرفة صحيحها، ومعلولها، وغير ذلك. وله عبارات حسنة في الإخلاص والتوكل، وأعمال القلوب، لو تأملها هذا المنتسب لكفته في أصل الدين، ولكنه خالف طريقة عبد القادر وملته، وهو ينتسب إليه، ويرغب عن ملته وطريقته ودينه.
وملة عبد القادر هي الإسلام الذي رضيه الله تعالى لعباده، وها أنا أذكر شيئا من نمط كلام عبد القادر، تحقيقا لما قلته.
فإنه قال ﵀ في كتابه "فتوح الغيب": لعمري إنك لتدعو وتبتهل إلى ربك بالدعاء، والتضرع، وهما عبادة وطاعة، امتثالا لأمره بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ، وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ
стр. 5114
فَضْلِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٣٢] ،
وغير ذلك من الآيات، ولا تسأم من دعائه؛ فإنك إن لم تربح لم تخسر، إن لم يجبك عاجلا أثابك آجلا.
وقال ﵀: قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] . اتق الشرك جدا ولا تقربه، واجتنبه في حركاتك وسكناتك، وليلك ونهارك، في خلوتك وجلوتك.
وقال ﵀: اتبعوا ولا تبتدعوا، وأطيعوا ولا تمرقوا، ووحدوا ولا تشركوا. ومن كلامه في الموعظة عن النبي ﷺ أنه قال: "ملعون من كان ثقته بمخلوق مثله ". ما أكثر الذين قد دخلوا في هذه اللعنة! ومن وثق بمخلوق مثله، فهو كالقابض على الماء، يفتح يده، لا يرى فيها شيئا.
وله في كتبه عدة مواضع تدل على إخلاصه الدعاء وغيره من أنواع العبادة، محافظة منه على معنى شهادة أن لا إله إلا الله، والتحذير من الشرك في العبادة، أسوة أمثاله من أهل السنة سلفا وخلفا، يأمرون بإخلاص العبادة، والطاعة لله وحده، ويتبعون ما شرعه لهم، على لسان نبيه محمد ﷺ .
وقد خالف هذا الملحد جميع أهل السنة والجماعة، فأظهر الشرك وزينه، وأبداه في قالب الاستمداد؛ وقد علمت مما تقدم أن الاستمداد لا يكون إلا بالقلب واللسان اعتمادا ورغبة إلى غير الله، وتركا للإخلاص في العبادة، الذي رضيه الله
стр. 5115
لعباده، وأوجبه عليهم.
فخالف طريقة شيخه عبد القادر، الذي ينتسب، إليه وغيره من الشيوخ والعلماء، واتبع غير سبيلهم، واتبع من شرع من الدين ما لم يأذن به الله، وقد قال عن مؤمن آل فرعون: ﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الْآخِرَةِ﴾ [سورة غافر آية: ٤٣] الآية.
فعلى الناصح لنفسه أن يتدبر ما في القرآن، من أدلة التوحيد التي لو استقصينا في ذكرها، لاحتمل مجلدا لكثرة وجود البيان في الإخلاص، وبطلان الشرك في العبادة؛ وفيما ذكرنا من الأدلة، ما تقوم به الحجة على كل ملحد منحرف، عن الصراط المستقيم، والله المستعان.
стр. 5116
[الرد عليه حين يسمي أهل التوحيد معتزلة]
الفصل الثاني
إن هذا الملحد المبهرج، يسمي أهل التوحيد والإخلاص النافين للشرك، المعادين لأهله: معتزلة; والمعتزلة طائفة معروفة، ابتدعوا بنفي القدر، فنفوا ما أثبته الله في كتابه، وما أثبته رسوله ﷺ بما جرى به القلم بما يكون إلى يوم القيامة، واعتزلوا مجلس الحسن البصري، رحمه الله تعالى، وسموا معتزلة لذلك; فإنهم اعتزلوا أهل السنة، وخالفوهم فيما ذكرنا، وقالوا: بالمنْزلة بين المنْزلتين، قالوا في صاحب الكبيرة: فاسق، لا مؤمن ولا كافر، وقالوا بتخليده في النار.
وخالفوا أيضا ما تواترت به الأحاديث: أن الله يدخل من يشاء من أهل المعاصي النار، ثم يخرجهم منها بما معهم من التوحيد; فإذا جازاهم الله تعالى بإدخالهم النار، ومكثهم فيها على قدر ذنوبهم، أخرجهم بما معهم من التوحيد، فأدخلهم الجنة برحمته؛ وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، فإنهم خالفوا هذه الطائفة وكل مبتدع.
ثم إن هؤلاء المعتزلة وافقوا جهما وشيعته في نفي الصفات، فنفوا ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله ﷺ في سنته، من صفات كماله، ونعوت جلاله، على ما يليق بعظمته؛ ففارقت هذه الطائفة أهل السنة بهذه البدع وغيرها، فلم يثبتوا الشفاعة لأهل الكبائر أيضا؛ فهذا هو
стр. 5117
الذي تعلق به هذا المبهرج الملحد.
فإنه جعل الشرك وما دونه من الكبائر بابا واحدا، فظن أن من تعلق بالشفعاء، ورغب إليهم، وسألهم أن يشفعوا له، أن ذلك يوجب له شفاعتهم; فظن هذا الظن: أنه لا ينكر هذا إلا المعتزلة، لأنهم ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر على مذهبهم؛ وهذه الشفاعة أبطلها القرآن، فلا حظ فيها لمشرك، لأن اتخاذ الشفعاء هو دين المشركين من العرب وغيرهم، فافهم، واعتبر ما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، فنَزّه نفسه عن شركهم هذا، الذي هو اتخاذ الشفعاء، والتوجه إليهم، وطلب الشفاعة منهم، فصار ذلك سببا لحرمانهم الشفاعة، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] . فالشفاعة في حقهم منتفية، كما قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٤] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ؛ فكفر من
стр. 5118
تعلق على غيره تعالى، ورغب إليه ورجاه، واعتمد عليه في أن يشفع له عند الله.
فدلت هذه الآيات على أن من فعل ذلك، فهو مشرك بالله، كافر به؛ قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣-٤٤] .
فالشفاعة لمن له ملك السماوات والأرض، ومرجع الخلق إليه ؛ وهو الذي يأذن فيها لأهل التوحيد خاصة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [سورة طه آية: ١٠٩] ، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] .
فهؤلاء هم أهل الإخلاص، الذين لم يتخذوا من دون الله شفيعا يسألونه ويرغبون إليه؛ بل قصروا رجاءهم ودعاءهم، ورغبتهم ورهبتهم، وجميع أنواع العبادة، عليه تعالى وتقدس؛ فهو المستحق لذلك دون كل ما سواه.
فلا تطلب الشفاعة في هذه الدار، إلا من مالكها الذي لا تحصل إلا بإذنه، وهو الله تعالى، كما قال وهو أصدق القائلين: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي
стр. 5119
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] ، وقال في سورة يونس: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [سورة يونس آية: ٣] .
فالمعتزلة الذين تقدم ذكر بدعتهم لسنا- بحمد الله- في شيء من مقالاتهم، بل ننكرها عليهم؛ ونعتقد أنهم خالفوا ما تواترت به النصوص، وتظاهرت عليه أدلة القرآن الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٢] .
وأما أهل الشرك بالله فإنهم خالفوا ما خلقوا له، من توحيد الله، وما جاءت به الرسل، واتفقت دعوتهم، من أولهم إلى آخرهم عليه، فصار ذنبهم أعظم ذنب عصي الله به؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، فصرفوها لمخلوق لا يستحقها؛ وأكثر القرآن في الاحتجاج عليهم فيما فعلوه، مما تظاهرت على النهي عنه نصوص الكتاب والسنة، وكل رسول بعثه الله، ينهى أمته عنه أشد النهي.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [سورة النساء آية: ١١٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] .
стр. 5120
فالحنفاء أهل التوحيد، اعتزلوا هؤلاء المشركين، لأن الله أوجب على أهل التوحيد اعتزالهم، وتكفيرهم، والبراءة منهم، كما قال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٤٨] إلى قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة مريم آية: ٤٩] .
وقال: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] ، وقال عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [سورة الكهف آية: ١٦] الآية.
فلا يتم لأهل التوحيد توحيدهم، إلا باعتزال أهل الشرك، وعداوتهم وتكفيرهم؛ فهم معتزلة بهذا الاعتبار؛ لأنهم اعتزلوا أهل الشرك، كما اعتزلهم الخليل إبراهيم ﵊.
وأما ما يزعمه هؤلاء الغلاة المشركون في الأموات، أنهم يعلمون الغيب، وأنهم يسمعون من دعاهم، وأن لهم تصرفا، فهذا من أبطل الباطل، وأعظم الكذب والافتراء، ومن فرط الغلو في الشرك بالله؛ ويكفي في هذا الزعم الفاسد، قول الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي
стр. 5121
مَلَكٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٠] .
فهذه حال أشرف الخلق وأكرمهم على الله تعالى، أمره الله تعالى أن يقول ذلك، وأن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٩] . فلا يعلم الغيب أحد من العالم العلوي والسفلي، إلا ما أخبرهم الله تعالى به، وأطلعهم عليه، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] .
فمن تأمل قوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، وأن من للتبعيض، وشيء للتقليل، واستحضر قول الخضر لموسى ﵉، حين رأى عصفورا نقر في البحر، قال: ما نقص علمي وعلمك من علم الله، إلا كما نقص هذا العصفور من البحر.
فعلم الخلائق في علم الله، كما يأخذ العصفور في منقاره من البحر، مع أن الله تعالى قد أنزل على موسى التوراة من علمه، وكذلك الإنجيل والزبور والقرآن؛ وما أوحاه الله إلى أنبيائه ورسله، وما أطلع عليه ملائكته، فهو يسير في غيب الله وعلمه.
وقد قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] .
والآيات في هذا المعنى كثيرة، لم نذكرها اختصارا،
стр. 5122
فسبحان الله! كيف غاب هذا عن قلوب هؤلاء الغلاة؟ كأنهم لم يسمعوا ما قال الله ورسوله!
وثبت عن النبي ﷺ أنه إذا حزبه أمر، فزع إلى الصلاة; وثبت أنه ﷺ يوم بدر يناشد ربه، ويسأله النصر على المشركين، وكذلك ما جرى له ولأصحابه بأحد والخندق.
وقد كان يدعو في صلاة الصبح، على قادة الأحزاب من قريش، ويلعنهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٢٨] ، فتاب عليهم.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٥٤] ؛ فإذا كان سيد المرسلين لا ينصره على عدوه، إلا الذي أرسله بالهدى ودين الحق، وكان يستمد النصر والنفع من الله تعالى، ويتضرع إليه؛ ولما قال أبو بكر الصديق ﵁ لأناس من الصحابة: "قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق" - وهو عبد الله بن أبي، كما صرح به ابن أبي حاتم في روايته- قال النبي ﷺ : " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ".
فإذا كانت هذه حال سيد المرسلين، فكيف يعتقد في عبد القادر، وفيمن هو دونه، أو فوقه في العلم والعبادة: أنهم
стр. 5123
يسمعون وينفعون ويضرون، وهم جثث بالقبور، صارت أجسادهم إلى الفناء والبلاء؟ فكيف ذهب الشيطان بعقول هؤلاء المشركين، إلى أن بلغ بهم الشيطان إلى أن نزلوا المخلوق منْزلة الخالق، والعبد العاجز منْزلة المعبود القاهر فوق عباده؟! ونزلوا الميت منْزلة الحي القيوم، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، فجعلوهم شركاء لله في الإلهية والربوبية والملك، وفي علم الغيب; واعتقدوا فيهم أنهم يسمعون من دعاهم من الأماكن البعيدة، وهم أموات رفاة.
وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٢٠-٢١-٢٢] . فترك هؤلاء الإيمان بالقرآن، ونبذوه وراء الظهر، واعتقدوا المحال الذي أحالته العقول الصحيحة، وأنكرته الفطر السليمة، والقلوب المستقيمة.
قال بعض العلماء من أهل السنة، في قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [سورة الإسراء آية: ٨٥] : قالوا: معرفة حقيقية الروح، مما استأثر الله بعلمه، قالوا: والحكمة في إبهامه اختبار الخلق، ليعرفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه، حتى يضطرهم إلى رد
стр. 5124
العلم إليه. فتقرر بما ذكرنا من الأدلة والبراهين الماحية لشبهة كل مشرك تعلق في مهماته بغير الله.
ونذكر أيضا ما يزداد به طالب الحق يقينا، فنقول: من زعم أن الأنبياء والصالحين يشفعون لمن دعاهم في دنياهم أو أخراهم، فقد ادعى دعوى أهل الشرك، من مشركي العرب ومن ضاهاهم.
ولا ريب أن هذا الزعم زور وكذب وضلال، كما ذكر الله تعالى في محكم كتابه عن أولئك المشركين، أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ؛ قال الله تعالى في الجواب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] .
وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ؛ فأخبر أن حصول الشفاعة على هذا الوجه ممتنع قطعا، وهي الشفاعة التي نفاها القرآن في هذه الآية وغيرها، لأن طلبها من غير الله شرك؛ ولهذا نزه تعالى نفسه عن ذلك الشرك بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
فالشفاعة على هذا الوجه، ممتنعة شرعا وقدرا، وعقلا وفطرة؛ فإذا كان من يدعوه ويرجوه من الأموات، غافلا عن دعوته، لا يسمع دعاءه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا
стр. 5125
يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٤] ، وقال تعالى: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [سورة يونس آية: ٢٨-٢٩] ، وهذا كما هو بين في القرآن، فهو بعيد في العقل.
فإذا كان المدعو في حال حياته، واجتماع حواسه وحركاته، لا يسمع من دعاه على البعد، ولو مسيرة فرسخ، فكيف يجوز في عقل من له أدنى مسكة من عقل، أنه إذا مات وفارقت روحه جسده، وذهبت حواسه وحركته بالكلية، وصار رهينا في الثرى، جسدا بلا روح أنه- والحالة هذه- يسمع من البعيد، ولو مسيرة شهر، أو أكثر، ويجيب؟ فكل عقل صحيح يحيل ذلك، ويعلم أنه من أمحل المحال.
لكن هؤلاء المشركون فسدت عقولهم وفطرهم، وزين لهم الشيطان ما يعتقدونه من الكذب والمحال، والشرك والضلال، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [سورة النمل آية: ٨٠] ؛ شبه من لم يطلب الحق، ولم يرده في عدم انتفاعه بسماع الحجة، بالميت الذي لا يسمع بالكلية، وبالأصم إذا أدبر، لكونه لا يسمع مناديهلما قام به من الوصفين.
وشبهه أيضا: في عدم رؤيته للحق، بالذي لا يبصر،
стр. 5126
لأن الأعمى عمي بصره؛ وهذا عميت بصيرته عن معرفة الحق وقبوله؛ وهذا هو المعنى الصحيح في هذه الآيات.
فإن قيل: إن هذا الذي أردناه من هؤلاء الأموات، يحصل لنا من أرواحهم،
قيل: وهذا منتف في العقل، كما نفاه القرآن، وذلك: أن أرواح الأنبياء والصالحين في أعلى عليين، فيمتنع عقلا وشرعا وفطرة وقدرا، أن الأرواح التي فوق السماوات السبع وفي أعلى عليين، أنها تسمع دعاء أهل الأرض، وتنفعهم وتتصرف فيهم؛ هذا محال قطعا، وضلال مبين.
فإن الله تعالى، قال: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] ؛ فكل من دعي من الأموات، والغائبين، والأنبياء والصالحين، فمن دونهم، غافل عن دعاء داعيه، بنصوص القرآن العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٢] . فسبحان من أنزل كتابه روحا، وهدى ونورا، وبرهانا، يهتدي به من هداه الله إلى صراطه المستقيم.
وقد قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة غافر آية: ١٤] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [سورة غافر آية: ١٨] . وأظلم الظلم دعوة غير الله، من الأموات والغائبين; لأن الله تعالى نهى عن ذلك أشد النهي،
стр. 5127
وأخبر أنه شرك وكفر؛ وقد تقدم بيان ذلك، وتقدم أن اتخاذ الشفعاء والتعلق عليهم، في جلب نفع أو دفع، أنه شرك عظيم.
قال أبو جعفر بن جرير، في معنى قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] إلى آخر الآية، قال: ويعبد هؤلاء المشركون من دون الله، الذي لا يضرهم شيئا، ولا ينفعهم في الدنيا، ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام، التي كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله؛ قال الله لنبيه ﷺ : قل لهم ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
يقول: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض؟! وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السماوات ولا في الأرض؛ وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه: قل لهم: أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيها؟! وذلك باطل لا يعلم حقيقته وصحته.
بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد ولا تنفع ولا تضر. ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، يقول: تنْزيها لله وعلوا عما يفعله هؤلاء المشركون، من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، وافترائهم عليه الكذب، انتهى.
стр. 5128
تتمة
[تتمة في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات]
قال الشيخ صنع الله الحلبي، الحنفي، في كتابه: الرد على من ادعى، أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات: هذا، وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين، جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات بحياتهم، وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهممهم تكشف المهمات؛ فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات.
وقالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء، وسبعون وسبعة، وأربعون وأربعة; والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس. وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيها الأجور.
قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط؛ بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي. لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفة لعقائد الأئمة، وما اجتمعت عليه الأمة، وفي التنْزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] .
ثم قال: فأما قولهم: إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، فيرده قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾
стр. 5129
[سورة النمل آية: ٦٠] ،
﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] . وذكر من الآيات الدالة على أنه المتفرد بالخلق والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره في شيء بوجه من الوجوه؛ فالكل تحت ملكه وقهره، تصرفا وملكا، وإحياء وإماتة وخلقا، إلى أن قال:
وأما القول بالتصرف بعد الممات، فهو أشنع وأبدع من القول في التصرف في الحياة; قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣٠] ، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [سورة الزمر آية: ٤٢] الآية، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٥] ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [سورة المدثر آية: ٣٨] ، وفي الحديث: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث " ١ الحديث.
فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان، فدل ذلك أن ليس للميت تصرف في ذاته، فضلا عن غيره؛ فإذا عجز عن حركة نفسه، فكيف يتصرف في غيره؟! فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون: إن الأرواح مطلقة متصرفة ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٠] .
قال: وأما قولهم: ويستغاث بهم في الشدائد، فهو أقبح مما قبله، وأبدع، لمصادمته قوله جل ذكره: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ
стр. 5130
الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [سورة النمل آية: ٦٢] ، ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٦٣] ؛ وذكر آيات في هذا المعنى ثم قال:
فإنه جل ذكره، قرر أنه الكاشف للضر، لا غيره، وأنه المنفرد بإجابة المضطرين، وأنه المستغاث لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضر، القادر على إيصال الخير؛ فهو المنفرد بذلك؛ فإذا تعين هو جل ذكره، خرج غيره من ملك ونبي وولي.
قال: وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم، كما تفعله جاهلية العرب، والصوفية الجهال، وينادونهم، ويستنجدون بهم، فهذا من المنكرات؛ فمن اعتقد أن لغير الله، من نبي أو ولي أو روح، أو غير ذلك، في كشف كربة، أو قضاء حاجة، تأثيرا، فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير.
وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا لله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة؛ فهذا ظن أهل الأوثان، كذا أخبر الرحمن ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [سورة يس آية: ٢٣] . فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع، ولا
стр. 5131
دفع الضر، من نبي وولي، وغيره، على وجه الإمداد منه، إشراك مع الله؛ إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره، انتهى.
ولنختم الجواب، بما قاله بعض السلف: لقد والله عز المسلمون، الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف، وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر; وقال مجاهد في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٣] قال: السبل: البدع والشبهات.
وقد اقتصرنا على هذا القدر، وبه تقوم حجة الله، على كل مبطل ضل وأضل؛ والحمد لله الذي هدانا للإسلام ﴿لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٤٣] ، وصلى الله على محمد سيد المرسلين، وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما.
стр. 5132
[ورود أوراق تتضمن التحذير من التكفير من غير تحقيق ولا تحرير]
وقال أيضا: شيخ الإسلام، الشيخ عبد الرحمن بن حسن، قدس الله روحه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
اعلم: أيها الطالب للحق، الراغب في معرفة الإخلاص والصدق، أنه ورد علينا أوراق صدرت من رجل سوء، تتضمن التحذير من التكفير، من غير تحقيق ولا تحرير، يقول فيها: قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في الرد على أهل الرفض من الخوارج والاعتزال.
أقول: هذه عبارة من لا علم عنده، ولسنا بصدد بيان ما فيها من الجهل والخطل، والبصير يدرك ما فيها من الزلل.
ثم إنه قال: قال شيخ الإسلام ابن تيميه: وهؤلاء الذين ابتدعوا أصولا، زعموا أنه لا يمكن تصديق الرسول إلا بها، وأن معرفتها شرط في الإيمان، واجبة على الأعيان أهل بدعة عند السلف، والأئمة وجمهور العلماء الحذاق من الأمة، ومن تبعهم بإحسان; إنها باطلة في العقل، مبتدعة في الشرع، إلى أن قال: ومن شأن أهل البدع: أنهم يبتدعون أقوالا يجعلونها واجبة في الدين; بل يجعلونها من الإيمان الذي لا بد منه،
стр. 5133
ويكفّرون من خالفهم فيها، ويستحلون دمه، كفعل الخوارج، والجهمية، والرافضة والمعتزلة، وغيرهم.
وأهل السنة لا يبتدعون قولا ولا يكفرون من اجتهد فاخطأ، وإن كان مخالفهم لهم مستحلا لدمائهم، كما لم تكفر الصحابة ﵃ الخوارج، مع تكفيرهم، واستحلالهم دماء المسلمين المخالفين لهم، وساق كلام شيخ الإسلام في الخوارج والجهمية، والمعتزلة وغيرهم مقطعا، أخذ منه ما قصد به اللبس، والتضليل، وترك منه ما فيه البيان والتفصيل.
وما وجدنا لنقل هذا الرجل لكلام شيخ الإسلام وغيره، محملا حسنا يحمل عليه، ولا حاجة لذلك دعته إليه، إذ ليس في جزيرة العرب وما حولها، من يرى رأي الخوارج، ويكفر الصحابة وغيرهم من أهل الإيمان بالذنوب، التي لا يكفر صاحبها، ولا من يقول بالمنْزلة بين المنْزلتين، وينكر القدر كالمعتزلة، ولا من يجحد صفات الرب تعالى، كالجهمية، ولا من يغلو في أهل بيت النبي ﷺ ويدعي فيهم الإلهية، كالرافضة.
فإذا كان ذلك كذلك، علم أنه إنما أراد بهذه النقول، أهل هذه الدعوة الإسلامية، التي ظهرت بنجد، فانتفع بها الخلق الكثير، والجم الغفير من هذه الأمة، وتمسكوا فيها بالأصول من الكتاب والسنة، وتأيدوا بإجماع سلف الأمة،
стр. 5134
وما قرره أتباع السلف من الأئمة، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة محمد بن قيم الجوزية، وسلفهم من أهل السنة والجماعة. وهذا الرجل إنما أتى من جهة فساد الاعتقاد; فلا يرى الشرك الجلي ذنبا كبيرا يكفر فاعله; فوجه إنكاره وطعنه على من أنكر الشرك، وفارق أهله، وكفرهم بالكتاب والسنة والإجماع; ولا يخفى أن من أشد الناس إنكارا للشرك: شيخ الإسلام ابن تيمية، وأمثاله من علماء السنة، لما حدث في زمانهم، وعمت به البلوى فأنكروه، وبينوا أن هذا هو الشرك الجلل، الذي عليه المشركون الأولون، كما سيأتي في كلامه رحمه الله تعالى.
فصار من هؤلاء المشركين من يكفر أهل التوحيد، بمحض الإخلاص والتجريد، وإنكارهم على أهل الشرك والتنديد; فلهذا قالوا: أنتم خوارج، أنتم مبتدعة، كما أشار العلامة ابن القيم إلى مثل هذه الحال في زمانه، بقوله:
من لي بشبه خوارج قد كفرونا ... بالذنب تأويلا بلا حسبان
ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا من التقصير في العرفان
وخصومنا قد كفرو بالذي ... هو غاية التوحيد والإيمان
وهذا الرجل قد أخذ بطريقة من يكفر بتجريد التوحيد، فإذا قلنا: لا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا هو،
стр. 5135
ولا يرجى سواه ولا يتوكل إلا عليه، ونحو ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله، وأن من توجه بها لغير الله فهو كافر مشرك، قال: ابتدعتم وكفرتم أمة محمد، أنتم خوارج، أنتم مبتدعة.
وأخذ من كلام شيخ الإسلام في أهل البدع، ما كتبه يعرض بأهل التوحيد؛ ولا يخفى ما قاله شيخ الإسلام فيمن أشرك بالله، قال رحمه الله تعالى: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم ويتوكل عليهم، كفر إجماعا.
وغاية ما موه به هذا على الجهال: أن شيخ الإسلام ﵀، ذكر في أهل المقالات الخفية، أنها وإن كانت كفرا، فلا ينبغي أن يكفر صاحبها حتى تقوم عليه الحجة، وهذا كلامه:
قال: نفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة كفر، وإنكار أن يكون الله على العرش كفر، وما في معنى ذلك؛ فتكفير المعين من هؤلاء، بحيث يحكم عليه بأنه مع الكفار، لا يجوز الإقدام عليه إلا أن تقوم عليه الحجة التي يتبين بها أنهم مخطئون، فتأمل قوله: من هؤلاء بحيث يحكم عليه بأنه مع الكفار; وقوله: حتى تقوم عليه الحجة; فأراد بالكفار هنا المشركين، كما سيأتي تقريره في كلام هذا الشيخ وغيره.
стр. 5136
ونحن بحمد الله قد خلت ديارنا من المبتدعة، أهل هذه المقالات، وقد صار الخلاف بيننا وبين كثير من الناس، في عبادة الأوثان التي أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب بالنهي عنها، وعداوة أهلها؛ فندعو إلى ما دعت إليه الرسل من التوحيد والإخلاص، وننهى عما نهت عنه من الشرك بالله في ربوبيته وإلهيته، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٤٥] .
والقرآن من أوله إلى آخره، في بيان هذا الشرك والنهي عنه، وتقرير التوحيد، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الزمر آية: ١٤-١٥] .
وهذا التوحيد من أصولنا بحمد الله، وكاتب هذه الأوراق، يقول: هذا بدعة، نعم هو بدعة عند نحو القائلين: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [سورة ص آية: ٧] .
فانظر كلام شيخ الإسلام، ﵀، الذي لا يقبل اللبس، فإنه لما ذكر من تقدمت الإشارة إليهم، من أرباب المقالات، قال: وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة، لكن ذلك يقع في
стр. 5137
طوائف منهم في الأمور الظاهرة، التي يعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين الإسلام.
بل اليهود والنصارى والمشركون، يعلمون أن محمدا ﷺ بعث بها، وكفر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله، من الملائكة والنبيين، والشمس والقمر والكواكب، والأصنام وغير ذلك، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلاة، وإيجابه لها، وتعظيم شأنها، ومثل معاداة اليهود والنصارى، والمشركين، والصابئين، والمجوس، ومثل تحريم الفواحش، والربا والميسر، ونحو ذلك; ثم تجد كثيرا من رؤوسهم، وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين; انتهى كلامه، رحمه الله تعالى.
فتأمل قوله: مثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين ... إلخ. والذين قال فيهم شيخ الإسلام: إنهم يكونون بمخالفتهم لبعض الشرائع مرتدين، هو الذي نقول به؛ وعليه أئمة الإسلام قاطبة، وهو الذي ينقم منا هذا الرجل، وأمثاله من المنحرفين عن التوحيد.
[من اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: ومن اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة، يدخل الجنة ولا يدخل
стр. 5138
النار، فهو ضال، مخالف للكتاب والسنة، والإجماع; انتهى.
وذكر شيخ الإسلام ﵀: أن الفخر الرازي صنف "السر المكتوم، في عبادة النجوم" فصار مرتدا إلا أن يكون قد تاب بعد ذلك; فقد كفر الرازي بعينه، لما زين الشرك، وقال بعد أن ذكر العلة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، والنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها،
قال: فسد الذريعة أن لا يصلي في هذه الساعة، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله، لئلا يفضي إلى دعائها والصلاة لها؛ وهذا من أسباب الشرك، الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين، حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وصنف كتابا على مذهب المشركين، مثل أبي معشر البلخي، وثابت بن قرة، وأمثالهما ممن دخل في الشرك، وآمن بالجبت والطاغوت، وهم ينتسبون إلى الكتاب، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء آية: ٥١] . انتهى.
فانظر إلى هذا الإمام، الذي نسب عنه من أزاغ الله قلبه، عدم تكفير المعين، كيف ذكر عن الفخر الرازي، وأبي معشر، وغيرهما من المصنفين المشهورين، أنهم كفروا وارتدوا عن الإسلام.
وتأمل قوله: حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، لتعلم ما وقع في آخر هذه الأمة من الشرك بالله؛ وقد
стр. 5139
ذكر الفخر الرازي في رده على المتكلمين، وذكر تصنيفه "السر المكتوم" وقال: فهذه ردة صريحة باتفاق المسلمين.
وقال في "الرسالة السنية": وكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك، وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، لأن الله تعالى إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده، ولا يجعل معه إله آخر؛ والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل المسيح والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، وتنزل المطر، وتنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم، أو صورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
فبعث الله رسوله ﷺ ينهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استعانة، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦-٥٧] الآية. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح، وعزيرا، والملائكة، ثم ذكر ﵀ آيات.
стр. 5140
ثم قال: عبادة الله وحده لا شريك له، هي أصل الدين، وهي أصل التوحيد، الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] .
وكان ﷺ يحقق التوحيد ويعلمه أمته، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده،" ونهى عن الحلف بغير الله وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك " ١، وقال في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢، يحذر ما فعلوا، وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ٣، وقال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني " ٤.
ولهذا اتفق أئمة الإسلام، على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا الصلاة عندها; وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور، ولهذا اتفق العلماء، على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره، أنه لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها; لأنه إنما يكون لأركان بيت
стр. 5141
الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق.
كل هذا لتحقيق التوحيد، الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه، ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ؛ ولهذا كانت كلمة التوحيد، أفضل الكلام وأعظمه، انتهى.
قلت: فلم يبق- بحمد الله- لمرتاب حجة في كلام العلماء، بعد هذا التفصيل والإيضاح والبيان، وما أحسن ما قال العلامة ابن القيم، رحمة الله تعالى:
والعلم يدخل قلب كل موفق ... من غير بواب ولا استئذان
ويرده المحروم من خذلانه ... لا تشقنا اللهم بالخذلان
[ذكر أجناس ما يتاب منه]
وله ﵀ تفصيل حسن، في "مدارج السالكين" في ذكر أجناس ما يتاب منه، وهي: اثنا عشر جنسا، مذكورة في كتاب الله : الأول: الكفر، والثاني: الشرك; فأنواع الكفر خمسة: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق; وبين هذه الأنواع ثم قال.
وأما الشرك، فهو نوعان: أكبر وأصغر؛ فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون
стр. 5142
الله ندا، يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٩٧-٩٨] ، مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء، وربه ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق، ولا تميت ولا تحيي; وإنما كانت هذه التسوية، في المحبة، والتعظيم، والعبادة، كما هو حال مشركي العالم.
بل كلهم يحبون معبوداتهم، ويعظمونها، ويوالونها من دون الله، وكثير منهم بل أكثرهم يحبون آلهتهم، أعظم من محبة الله، ويستبشرون بذكرهم، أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده، ويغضبون من تنقص معبوداتهم، وآلهتهم من المشائخ، أعظم مما يغضبون إذا تنقص أحد رب العالمين.
وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم، ومعبوديهم غضبوا غضب الليث إذا حرب، وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا أعرضوا عنه، ولم تستنكر له قلوبهم، وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة.
وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله، على لسانه إن قام، وإن قعد، وإن عثر، وإن
стр. 5143
استوحش; فذكر إلهه ومعبوده من دون الله، هو الغالب على قلبه ولسانه، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده ووسيلته إليه. وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم؛ فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذوها من البشر.
قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ثم شهد عليهم بالكذب والكفر، وأخبر أنه لا يهديهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا، يزعم أنه يقربه إلى الله; وما أعز من تخلص من هذا! بل ما أعز من لا يعادي من أنكره!
والذي قام في قلوب هؤلاء المشركين، وسلفهم: أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك؛ وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن له أن يشفع فيه، ورضي قوله وعمله؛ وهم أهل التوحيد، الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء؛ فإنه يأذن سبحانه لمن يشاء في الشفاعة لهم، حيث لم يتخذوهم شفعاء من دونه، فيكون أسعد
стр. 5144
الناس بشفاعة من يأذن له، وهو صاحب التوحيد، الذي لم يتخذ شفيعا من دون الله.
[ذكر الشفاعة المثبتة والمنفية]
والشفاعة التي أثبتها الله ورسوله، هي الشفاعة الصادرة عن إذنه لمن وحده، والتي نفاها الله: الشفاعة الشركية في قلوب المشركين، المتخذين من دون الله شفعاء؛ فيعاملون بنقيض قصدهم من شفاعتهم، ويفوز بها الموحدون.
فتأمل قول النبي ﷺ لأبي هريرة، وقد سأله: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: " أسعد الناس بشفاعتي، من قال: لا إله إلا الله "، كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته، تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين: أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء، وعبادتهم، وموالاتهم من دون الله؛ فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع.
[ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها]
ومن جهل المشرك: اعتقاده أن من اتخذ وليا أو شفيعا، أنه يشفع له وينفعه عند الله، كما تكون خواص الملوك والولاة تنفع من والاهم؛ ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله، كما قال تعالى: في الفصل الأول ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، وفي
стр. 5145
الفصل الثاني: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] ، وبقي فصل ثالث: وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد، واتباع الرسول ﷺ .
وعن هاتين الكلمتين، يُسأل الأولون والآخرون، كما قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فهذه ثلاثة أصول، تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها، وعقلها: لا شفاعة إلا بإذنه، ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله ﷺ ؛ فإن الله تعالى لا يغفر شرك العادلين به غيره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] ، وأصح القولين: يعدلون به غيره في العبادة; والموالاة، والمحبة كما في الآية الأخرى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٩٧-٩٨] ، وكما في آية البقرة: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] .
وترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله; فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله، ثم يغضب لهم، ولحرماتهم إذا انتهكت، أعظم مما يغضب لله، ويستبشر بذكرهم، ويتبشبش به، سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم، من إغاثة اللهفات، وكشف الكربات، وقضاء
стр. 5146
الحاجات، وأنهم باب بين الله وعباده؛ فترى المشرك يفرح، ويسر ويحن قلبه، ويهيج منه لواعج التعظيم، والخضوع لهم، والموالاة.
وإذا ذكرت له الله وحده، وجردت توحيده، لحقَتْه وحشة، وضيق، وحرج، ورماك بتنقص الآلهة التي له، وربما عاداك؛ رأينا والله منهم هذا عيانا، ورمونا بعداوتهم، وبغوا لنا الغوائل، والله مخزيهم في الدنيا والآخرة؛ ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم: عاب آلهتنا; فقال هؤلاء: تنقصتم مشائخنا، وأبواب حاجاتنا إلى الله.
وهكذا قال النصارى للنبي ﷺ لما قال لهم: إن المسيح عبد، قالوا: تنقصت المسيح وعبته. وهكذا قال أشباه المشركين، لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد، ومساجد، وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه، ورسوله، قالوا: تنقصت أصحابها. فانظر إلى هذا التشابه بين قلوبهم، حتى كأنهم قد تواصوا به. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ [سورة الكهف آية: ١٧] .
وقد قطع تعالى الأسباب التي تعلق بها المشركون جميعها، قطعا يعلم من تأمله وعرفه، أن من اتخذ من دون الله وليا، أو شفيعا فهو ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً
стр. 5147
وََإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٤١] ؛ فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍوَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢-٢٣] .
فالمشرك إنما يتخذ معبوده، لما يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا للمالك كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده.
فنفى سبحانه هذه المراتب الأربع نفيا مرتبا، منتقلا من الأعلى إلى ما دونه: فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك؛ وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه. فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا، ونجاة وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك ومواده، لمن عقلها.
والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس، لا يشعر بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل، ولم يعقبوا وارثا؛ وهذا هو الذي يحول بين القلب، وبين فهم القرآن.
стр. 5148
ولعمر الله؛ إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم، وشر منهم ودونهم؛ وتناول القرآن لهم، كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية".
وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية، والشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره أو شر منه، أو دونه؛ فينتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول، ومفارقة الأهواء والبدع؛ ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا، فالله المستعان، انتهى.
قلت: فتأمل قول شيخ الإسلام، ﵀ المتقدم: وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور؛ ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي ﷺ عند قبره، أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق؛ كل هذا لتحقيق التوحيد، الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ولا يغفر لمن تركه ... إلى آخر كلامه.
стр. 5149
وتأمل قول العلامة ابن القيم، ﵀: فالأكبر لا يغفره إلا الله إلا بالتوبة منه، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين كما هو حال مشركي العرب، بل كلهم يحبون معبوداتهم، ويعظمونها، ويوالونها من دون الله ... إلى قوله: وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة ... إلى قوله:
وهكذا كان عباد الأصنام سواء، قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ثم شهد عليهم بالكذب والكفر، وأخبر أنه لا يهديهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] .
إلى قوله: وترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله، فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله، ثم يغضب لهم، ولحرماتهم إذا انتهكت، أعظم مما يغضب لله، وإذا ذكرت له الله وحده وجردت له توحيده، لحقته وحشة وضيق، وحرج ... إلى آخر ما تقدم من كلامه؛ وهذا هو الواقع من كثير من أهل هذه الأزمنة، فتأمله جملة جملة.
وقوله: ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، وتضمنه له ... إلخ. والمقصود: بيان ما كان عليه شيخ الإسلام، وإخوانه من أهل السنة والجماعة من
стр. 5150
إنكار الشرك الأكبر الواقع في زمانهم، وذكرهم الأدلة من الكتاب والسنة، على كفر من فعل هذا الشرك، أو اعتقده؛ فإنه بحمد الله يهدم ما بناه- هذا الجاهل المفتري- على شفا جرف هار.
وتأمل أيضا ما ذكره العلامة ابن القيم، بعد ذكره ما تقدم، وذكره أنواعا من الشرك، كما هو الواقع في زمانه، وما بعده ينبغي أن نذكره هنا أيضا، قال: ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستعانة بهم، والتوجه إليهم؛ وهذا أصل شرك العالم.
فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا لمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها؛ وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، كما تقدم؛ فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استعانته وسؤاله سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنْزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك.
والميت محتاج إلى من يدعو له، ويترحم عليه، ويستغفر له، كما وصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين، أن نترحم عليهم، ونسأل لهم العافية، والمغفرة؛ فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة،