الحاجات، وأنهم باب بين الله وعباده؛ فترى المشرك يفرح، ويسر ويحن قلبه، ويهيج منه لواعج التعظيم، والخضوع لهم، والموالاة.
وإذا ذكرت له الله وحده، وجردت توحيده، لحقَتْه وحشة، وضيق، وحرج، ورماك بتنقص الآلهة التي له، وربما عاداك؛ رأينا والله منهم هذا عيانا، ورمونا بعداوتهم، وبغوا لنا الغوائل، والله مخزيهم في الدنيا والآخرة؛ ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم: عاب آلهتنا; فقال هؤلاء: تنقصتم مشائخنا، وأبواب حاجاتنا إلى الله.
وهكذا قال النصارى للنبي ﷺ لما قال لهم: إن المسيح عبد، قالوا: تنقصت المسيح وعبته. وهكذا قال أشباه المشركين، لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد، ومساجد، وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه، ورسوله، قالوا: تنقصت أصحابها. فانظر إلى هذا التشابه بين قلوبهم، حتى كأنهم قد تواصوا به. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ [سورة الكهف آية: ١٧] .
وقد قطع تعالى الأسباب التي تعلق بها المشركون جميعها، قطعا يعلم من تأمله وعرفه، أن من اتخذ من دون الله وليا، أو شفيعا فهو ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً
стр. 5147
وََإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٤١] ؛ فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍوَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢-٢٣] .
فالمشرك إنما يتخذ معبوده، لما يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا للمالك كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده.
فنفى سبحانه هذه المراتب الأربع نفيا مرتبا، منتقلا من الأعلى إلى ما دونه: فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك؛ وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه. فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا، ونجاة وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك ومواده، لمن عقلها.
والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس، لا يشعر بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل، ولم يعقبوا وارثا؛ وهذا هو الذي يحول بين القلب، وبين فهم القرآن.
стр. 5148
ولعمر الله؛ إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم، وشر منهم ودونهم؛ وتناول القرآن لهم، كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية".
وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية، والشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره أو شر منه، أو دونه؛ فينتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول، ومفارقة الأهواء والبدع؛ ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا، فالله المستعان، انتهى.
قلت: فتأمل قول شيخ الإسلام، ﵀ المتقدم: وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور؛ ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي ﷺ عند قبره، أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق؛ كل هذا لتحقيق التوحيد، الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ولا يغفر لمن تركه ... إلى آخر كلامه.
стр. 5149
وتأمل قول العلامة ابن القيم، ﵀: فالأكبر لا يغفره إلا الله إلا بالتوبة منه، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين كما هو حال مشركي العرب، بل كلهم يحبون معبوداتهم، ويعظمونها، ويوالونها من دون الله ... إلى قوله: وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة ... إلى قوله:
وهكذا كان عباد الأصنام سواء، قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ثم شهد عليهم بالكذب والكفر، وأخبر أنه لا يهديهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] .
إلى قوله: وترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله، فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله، ثم يغضب لهم، ولحرماتهم إذا انتهكت، أعظم مما يغضب لله، وإذا ذكرت له الله وحده وجردت له توحيده، لحقته وحشة وضيق، وحرج ... إلى آخر ما تقدم من كلامه؛ وهذا هو الواقع من كثير من أهل هذه الأزمنة، فتأمله جملة جملة.
وقوله: ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، وتضمنه له ... إلخ. والمقصود: بيان ما كان عليه شيخ الإسلام، وإخوانه من أهل السنة والجماعة من
стр. 5150
إنكار الشرك الأكبر الواقع في زمانهم، وذكرهم الأدلة من الكتاب والسنة، على كفر من فعل هذا الشرك، أو اعتقده؛ فإنه بحمد الله يهدم ما بناه- هذا الجاهل المفتري- على شفا جرف هار.
وتأمل أيضا ما ذكره العلامة ابن القيم، بعد ذكره ما تقدم، وذكره أنواعا من الشرك، كما هو الواقع في زمانه، وما بعده ينبغي أن نذكره هنا أيضا، قال: ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستعانة بهم، والتوجه إليهم؛ وهذا أصل شرك العالم.
فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا لمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها؛ وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، كما تقدم؛ فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استعانته وسؤاله سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنْزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك.
والميت محتاج إلى من يدعو له، ويترحم عليه، ويستغفر له، كما وصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين، أن نترحم عليهم، ونسأل لهم العافية، والمغفرة؛ فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة،
стр. 5151
واستقضاء الحوائج، والاستغاثة بهم، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، وسموا قصدها حجا، واتخذوا عندها الوقفة، وحلق الرؤوس.
فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى التنقص بالأموات؛ وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين له الذين لم يشركوا به شيئا بذمهم، وعيبهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به وأنهم يوالونهم عليه.
وهؤلاء هم أعداء الرسل والتوحيد في كل زمان ومكان وما أكثر المستجيبين لهم، ولله در خليله إبراهيم، حيث يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٥-٣٦] .
وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، وجرد رجاءه لله، وذله لله، وتوكله على الله، واستعانته بالله، والتجاءه إلى الله، واستغاثته بالله، وأخلص قصده متبعا لأمره، متطلبا لمرضاته؛ إن سأل سأل الله وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله؛ فهو لله وبالله، ومع الله، انتهى.
فتأمل قوله: وما أكثر المستجيبين لهم; وقوله: وما
стр. 5152
نجا من شرك هذا الشرك الأكبر، إلا من جرد التوحيد لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله ... إلى آخره، يتبين لك: خطأ ذلك المفتون وضلاله، خصوصا إذا عرفت أن هذا الشرك الأكبر، قد وقع في زمانهما، وكفّرا أهله بالكتاب والسنة والإجماع، وبينا أنه لم ينج منه إلا القليل، الذين هذا وصفهم، وهم الغرباء في الأمة، الذين أخبر بهم النبي ﷺ بقوله: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ".
ولا ريب أن الله تعالى لم يعذر أهل الجاهلية، الذين لا كتاب لهم، بهذا الشرك الأكبر، كما في حديث عياض بن حمار عن النبي ﷺ : " إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب " ١. فكيف يعذر أمة كتاب الله بين أيديهم، يقرؤونه، ويسمعونه، وهو حجة الله على عباده، كما قال تعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٥٢] ، وكذلك سنة رسول الله ﷺ التي بين فيها افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، ثم يجيء من يموه على الناس، ويفتنهم عن
стр. 5153
التوحيد، بذكر عبارات لأهل العلم، يزيد فيها وينقص، وحاصلها الكذب عليهم; لأنها في أناس لهم إسلام ودين، وفيهم مقالات كفّرهم بها طائفة من أهل العلم، وتوقف بعضهم في تكفيرهم حتى تقوم عليهم الحجة ولم يذكرهم بعض العلماء في جنس المشركين وإنما ذكروهم في الفساق، كما ستقف عليه في كلام العلامة ابن القيم إن شاء الله تعالى.
ومن تمويهه الذي كتبه في أوراقه، مما نسبه لشيخ الإسلام في قوله: وكان قتال الخوارج بالنصوص الثابتة، وبإجماع الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين ثم قال: فهذا كلامه ﷺ في هؤلاء العباد، وأمره بقتالهم، فعلم أن أهل الذنوب الذين يعترفون بذنوبهم، أخف ضررا على المسلمين من أهل البدع الذين يبتدعون بدعة يستحلون بها عقوبة من يخالفهم، وتكفيره.
ثم قال: وهؤلاء بذلك كفروا الأمة، وضللوها سوى طائفتهم الذين يزعمون أنها الطائفة المحقة، فجعلوا طائفتهم صفوة بني آدم.
أقول: هذا الكلام من شيخ الإسلام، إنما هو في الخوارج الذين كفروا أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم صفوة الأمة، فكيف ينزل في طائفة عرفوا للصحابة فضلهم؟ وتولوهم في الدين، وأحبوهم واقتدوا بهم،
стр. 5154
وكفروا من كفره الصحابة ﵃، ممن ارتد عن الإسلام، ودعوا الناس إلى إخلاص العبادة لله، ونهوهم عن اتخاذ الأوثان وعبادتها، وأطلقوا الكفر على المشركين، طاعة لرب العالمين، وإيمانا بما أنزله في كتابه المبين، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] ، وقوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍمَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [سورة ق آية: ٤٢-٢٦] ،
وكقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [سورة التوبة آية: ١٧] الآية؛ فحكم الله فيمن كان الشرك وصفه، أنه كافر، وأن عمله حابط، وأنه في النار خالدا؛ والآية نزلت في مشركي أهل مكة.
وكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [سورة غافر آية: ١٠] إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [سورة غافر آية: ١٢] .
وكقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة غافر آية: ٧٤] ، وقد أقروا
стр. 5155
لله بالربوبية، وشركهم صار في الإلهية، وقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] .
فالله تعالى كفّر في هذه الآيات من دعا معه غيره؛ فكيف ينزل من تمسك بكتاب الله، ودعا إلى توحيد الله وطاعته، وأنكر الشرك بالله، ونهى عن معصية الله، واتبع سبيل المؤمنين وأصحابه، منْزلة الخوارج؟! ولا ريب أن هذا ضلال مبين، وانحراف عن سبيل المؤمنين.
وقد سلف الوعد بأن نذكر ما قاله العلامة ابن القيم، قال ﵀: وفسق الاعتقاد كفسق أهل البدع، الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، ويحرمون ما حرمه الله ورسوله، ويوجبون ما أوجبه الله; لكن ينفون كثيرا مما أثبته الله ورسوله، جهلا وتأويلا، وتقليدا للشيوخ، ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك؛ وهؤلاء كالخوارج المارقة، وكثير من الروافض، والقدرية، والمعتزلة، وكثير من الجهمية، الذين ليسوا غلاة في التجهم.
وأما غالية الجهمية فكغلاة الرافضة، وليس للطائفتين في الإسلام نصيب; ولذلك أخرجهم جماعة من السلف، من الثنتين وسبعين فرقة، وقالوا: هم مباينون للملة ... إلى أن قال: فتوبة هؤلاء الفساق، من جهة الاعتقادات الفاسدة، بمحض اتباع السنة، ولا يكتفي منهم بذلك أيضا، حتى يبينوا
стр. 5156
فساد ما كانوا عليه من البدعة؛ إذ التوبة من كل ذنب هي بفعل ضده، انتهى المقصود، فتأمل كيف جعل أهل هذه البدع، جنس الفساق، لأنهم يؤمنون بالله ورسوله، واليوم الآخر.
وقولنا في هؤلاء المبتدعة الذين ذكرهم شيخ الإسلام، وذكرهم العلامة ابن القيم، قولهما، وقول السلف، والأئمة فيهم; ننكر على كل مبتدع بدعته، ونعتقد فساد ما أصلوه من أصول بدعهم. فنحن- بحمد الله- متبعون لا مبتدعون، ننكر الشرك الأكبر، ونكفر أهله، وننكر البدع، ونناظر أهلها بالسنة؛ فله الحمد على ما هدانا.
وأما أهل الإشراك فقد عرفت ما قال الله فيهم، وما قرره هذا الإمام وغيره من العلماء، من تكفيرهم بالشرك في الإلهية، ومخالفة الشريعة; وملة الشرك: ملة كفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [سورة الحج آية: ١٧] .
فأهل الإيمان هم أهل الحق؛ ما عداهم من الملل الخمس، فملل كفر قطعا؛ ومن لم يعرف هذا، ولم يفهم هذا، ولم يفهم الفرق، فهو جاهل مفتون ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ [سورة المائدة آية: ٤١] .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، في الفتاوى المصرية: قد قال بعض الناس إنه تجوهر، وهذا قول قوم داوموا على الرياضة مدة، فقالوا: لا نبالي بما عملنا، وإنما الأمر والنهي
стр. 5157
رسم العوام، ولو تجوهروا سقط عنهم؛ وحاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة، والمراد منها ضبط العوام، ولسنا من العوام فندخل في التكليف، لأنا قد تجوهرنا، وعرفنا الحكمة.
فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، بل هم أكفر أهل الأرض، فإن اليهود والنصارى آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، وهؤلاء كفروا بالجميع، خارجون عن التزام شيء من الحق; ثم قال: ومن جحد بعض الواجبات الظاهرة المتواترة، أو جحد بعض المحرمات الظاهرة، كالفواحش والظلم، والخمر والزنا والربا، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة، كالخبز واللحم والنكاح، فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
قلت: ولم يقل شيخ الإسلام: إنهم يعذرون بالجهل، بل كفّرهم وقال: إنهم ارتدوا. قال: ومن أضمره فهو منافق، لا يستتاب عند أكثر العلماء. ومن هؤلاء: من يستحل بعض الفواحش، كمؤاخاة النساء الأجانب، والخلوة بهن، والمباشرة لهن، في عامة أن يحصل لهن البركة بما يفعله معهن، وإن كان محرما في الشريعة.
وكذلك من يستحل ذلك من المردان، ويزعم أن التمتع بالنظر إليهم، ومباشرتهم، هو طريق لبعض السالكين، حتى يترقى في محبة المخلوق، إلى محبة الخالق، ويأمرون بمقدمات
стр. 5158
الفاحشة الكبرى، كما يستحلها من يقول: إن اللواط مباح بملك اليمين؛ هؤلاء كلهم كفار باتفاق أئمة المسلمين، انتهى.
قلت: فنحن- بحمد الله- ننكر هذه الكفريات، ونعادي أهلها؛ فإن أبى المنحرف، إلا أن يطعن علينا بقوله: كفرتم أمة محمد، قلنا: معاذ الله، لا نكفر مسلما، ولا نجحد ما أعطى الله أمة محمد ﷺ من الفضائل، التي لم يعطها أمة قبلها، وهم الأمة الوسط بنص الكتاب. فالقرون المفضلة لا ريب أن الإسلام فيها أظهر، والعلم والصلاح فيها أكثر، والنبي ﷺ أكثر الأنبياء تابعا يوم القيامة؛ لكن كلما كان أقرب إلى عهده، فالخير فيهم أكثر، والبدعة فيهم أقل وأندر، وكلما تباعد عن ذلك العهد كان بالعكس.
وحدث في الأمة ما حدث، وعمت البلوى بما وقع من تلك الشرور، التي ذكرها شيخ الإسلام وتلميذه العلامة ابن القيم، رحمهما الله تعالى، وغيرهما، كابن وضاح، وأبي شامة في "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، فلقد صدقوا وبينوا، وفرقوا بين الهدى والضلال.
فتأمل ما ذكره الله في كتابه، عن أهل الكتاب، يتبين لك الصواب، ويظهر لك أن بعد تلك القرون المفضلة، انتشرت البدع، وحدث في الأمة ما قد ذكره شيخ الإسلام
стр. 5159
فيما تقدم، وذكر أن منهم من هو أكفر من اليهود والنصارى، كالباطنية الإسماعيلية، والقرامطة ونحوهم.
ومن هذه الطوائف حدث البناء على القبور والمشاهد، وحدث الغلو ومقدمات الشرك، وعمت البلوى بهذه الأمور؛ فأنكر ذلك العلماء، وحكوا ما قد جرى من الشرك وعبادة الأوثان، حتى وقع ذلك فيمن يدعي الزهد والعبادة، وبلغ الشيطان من كثير الأمة مراده.
وصنف العلماء في غربة الإسلام كتبا، يعرفها الخواص من أهل العلم والعوام، والواقع من ذلك لا يخفى على ذوي البصائر؛ ويكفي طالب الحق ما قال النبي ﷺ لأم المؤمنين، حين قالت: "يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث " ١. وقد ذكرنا ما ذكره العلماء، مما حدث في أواخر هذه الأمة، وتواتر وشاهدناه.
وقد تقدم قول العلامة ابن القيم، ﵀ لما ذكر ما قد وقع في الأمة من الشرك-: وما أعز من يتخلص من هذا! بل ما أعز من لا يعادي من أنكره! فلقد صدق وبين؛ فإذا كان هذا قد وقع في القرن السابع وقبله، فكيف بقرون انقرض فيها العلم، وظهر فيها الجهل والفساد والظلم؟! فالله المستعان.
وقد اغتر كثير من الناس في أمر الدين بمجرد التلفظ بلا إله إلا الله، مع الجهل بمدلولها ومخالفة مضمونها، قولا وعملا واعتقادا؛ فيثبت ما نفته لا إله إلا الله من الشرك
стр. 5160
بالله، وينفي ما أثبتته لا إله إلا الله من إخلاص العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] .
فإذا دعا غير الله واستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، وقال له الموحدون: لا يعبد إلا الله والعبادة بجميع أنواعها مقصورة على الله، قال: تنقصتم الصالحين، وأمثال ذلك من العبارات المتضمنة للكفر بمعنى لا إله إلا الله والإنكار على من دعا إلى مضمون لا إله إلا الله، وهو إخلاص العبادة لله كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٥] ؛ فما أشبه هؤلاء بمن نزلت فيهم هذه الآية.
[قول شيخ الإسلام في بناء المساجد على القبور]
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بناء المساجد على القبور محرم، ولو بني عليها غير مسجد نهي عنه باتفاق العلماء؛ فهذا من وسائل الشرك المحرمة.
وقال ﵀: واعلم أن لفظ الدعاء، والدعوة في القرآن، يتناول معنيين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة. وكل عابد سائل، وكل سائل عابد، وأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه؛ وإذا جمع بينهما، فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة، ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب،
стр. 5161
ويراد بالعابد: من يطلب ذلك بامتثال الأوامر، وإن لم يكن هناك صيغة سؤال ; ولا يتصور أن يخلو داع لله، دعاء عبادة، أو دعاء مسألة، من الرغب والرهب، والخوف والطمع.
وقال ﵀: الدين الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو عبادة الله وحده لا شريك له. فإذا كان مطلوب العبد من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، مثل شفاء مريضه، أو وفاء دينه، أو عافيته مما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، أو هداية قلبه، أو غفران ذنبه، وأمثال ذلك.
فهذا لا يجوز أن يطلب إلا من الله. ولا يجوز أن يقال لملك ولا نبي، ولا شيخ ولا جني: اغفر لي، انصرني؛ فمن سأل مخلوقا شيئا من ذلك، فهو مشرك به، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا مثل النصارى، وكذلك قوله: يا سيدي، أنا في جيرتك، فلان يظلمني، يا شيخي فلان، انصرني عليه، انتهى. قلت: فتأمل كلام شيخ الإسلام هذا، وانظر ما يقع من هذا الشرك على ألسن كثير. وكان يكفينا في معرفة ما وقع من الشرك، وبيانه ما ذكره الله تعالى، في قصص الأنبياء، وغيرهم، من الشرك الذي نهى الله عنه، وأخبر أنه لا يغفره، ودخول الواقع من الناس تحت ما ذكره، من شرك الأمم، وشرك العرب، الذي بعث الله رسوله محمدا ﷺ ينهاهم عنه.
стр. 5162
وإنما ذكرنا ما ذكرنا عن العلماء، في بيان ذلك، وبيان ما وقع منه في طوائف من هذه الأمة، ليتبين سبيل أهل العلم والإيمان، ولينقطع ما تعلق به المبطلون، وحرفوه على أهل العلم، وأن الحجة فيما قرره العلماء في بيان التوحيد، وما ينافيه من الشرك، بالحجج القاطعة، والبراهين الظاهرة.
فتأمل كلام أهل السنة والجماعة، يطلعك على معاني القرآن؛ فرحمة الله على أئمة المسلمين، وسلف الموحدين.
وأعلى الهمم وأشرفها: إعظام الرغبة فيما أمر الله به من تدبر القرآن، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة ص آية: ٢٩] ، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٤٢-٢٥] .
فتدبر أيها الناصح لنفسه: ما أمر الله به من توحيد العبادة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [سورة الرعد آية: ٣٦] ، وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] .
وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [سورة الروم آية: ٣٠] إلى قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ
стр. 5163
فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٣١-٣٢] ، وإقامة الوجه، هو: إخلاص العبادة لله، والحنيف: المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه.
وتدبر ما افتتح به المرسلون دعوتهم، في كثير من سور القرآن; ففي سورة الأعراف: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] ، وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٦٥] .
وتأمل ما أجابوه به: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٧٠] ؛ فقد عرفوا ربهم وأنه الله لكنهم أبوا أن يخلصوا له العبادة; والإخلاص هو دين الله، ودعوة المرسلين، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] ، وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [سورة الزمر آية: ١٤] ؛ فتقديم المعمول يفيد الحصر، كما في أم القرآن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، أي: لا نعبد غيرك، ولا نستعين إلا بك، وكقوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٦] .
والمقصود: أن الله تعالى بين هذا الدين وفرق بين الموحدين والمشركين، وجعل عداوة المشرك من لوازم هذا الدين، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
стр. 5164
إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الأنفال آية: ٧٣] .
ثم إن الجاهل المرتاب، قال في أوراقه قولا، قد تقدم الجواب عنه، ولا بد من ذكره، قال: فإذا قال المسلم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [سورة الحشر آية: ١٠] ، يقصد من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوله، أو قال كفرا، أو فعله، وهو لا يعلم أنه يضاد الشهادتين، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان.
فأقول: انظر إلى هذا التهافت والتخليط، والتناقض؛ ولا ريب أن الكفر ينافي الإيمان، ويبطله، ويحبط الأعمال، بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥] .
ويقال: وكل كافر قد أخطأ، والمشركون لا بد لهم من تأويلات، ويعتقدون أن شركهم بالصالحين، تعظيم لهم، ينفعهم، ويدفع عنهم، فلم يعذروا بذلك الخطأ، ولا بذلك التأويل؛ بل قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٠] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاًالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي
стр. 5165
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٣-١٠٤] الآية. فأين ذهب عقل هذا عن هذه الآيات، وأمثالها من الآيات المحكمات؟! والعلماء رحمهم الله تعالى سلكوا منهج الاستقامة، وذكروا باب حكم المرتد، ولم يقل أحد منهم أنه إذا قال كفرا، أو فعل كفرا، وهو لا يعلم أنه يضاد الشهادتين، أنه لا يكفر لجهله.
وقد بين الله في كتابه أن بعض المشركين جهال مقلدون، فلم يدفع عنهم عقاب الله بجهلهم وتقليدهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [سورة الحج آية: ٣] إلى قوله: ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سورة الحج آية: ٤] .
ثم ذكر الصنف الثاني: وهم المبتدعون، بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [سورة الحج آية: ٨] ، فسلبهم العلم والهدى؛ ومع ذلك فقد اغتر بهم الأكثرون، لما عندهم من الشبهات، والخيالات، فضلوا وأضلوا، كما قال تعالى في آخر السورة ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [سورة الحج آية: ٧١] . وتقرير هذا المقام، قد سلف في كلام العلامة ابن القيم، وكلام شيخ الإسلام.
وقال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى، أيضا في طبقات الناس- من هذه الأمة وغيرها-: الطبقة السابعة عشر:
стр. 5166
طبقة المقلدين، وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين هم تبع، يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة ولنا أسوة بهم.
قال: وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار، وكانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم، وأئمتهم إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لا يحكم لهؤلاء بالنار وجعلهم بمنْزلة من لم تبلغه الدعوة؛ وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين، لا الصحابة ولا التابعين، ولا من بعدهم.
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه " ١، فأخبر أن أبويه ينقلانه عن الفطرة، إلى اليهودية، أو النصرانية، أو المجوسية، ولم يعتبر في ذلك غير المربي، والمنشأ على ما عليه الأبوان. وصح عنه أنه قال: " إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة " ٢؛ وهذا المقلد ليس بمسلم وهو عاقل مكلف، والعاقل المكلف لا يخرج عن الإسلام أو الكفر.
قال: والإسلام هو: توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان برسوله واتباعه فيما جاء به؛ فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن معاندا، فهو كافر جاهل. وغاية هذه الطبقة: أنهم كفار جهال، غير معاندين؛ وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا. فإن الكافر من جحد توحيد الله، وكذب رسوله إما عنادا وإما جهلا وتقليدا لأهل العناد.
стр. 5167
وقد أخبر الله في القرآن، في غير موضع، بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار، وأنهم يتحاجون في النار، وأن الأتباع يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٨] . انتهى ملخصا; وهذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن، والحمد لله على حسن البيان.
وقد دلت الآيات المحكمات على كفر من أشرك بالله غيره في عبادته قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [سورة الزمر آية: ٨] .
ولها نظائر كثيرة سوى ما تقدم، كقوله: ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٧] . ففي هذه الآية من البيان أن معظم شركهم هو دعاؤهم، وأنه كفر بالله؛ فلا اعتبار بمن أعمى الله بصيرته، عن تدبر كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
وهذا الجاهل يدعي أنه ينقل من منهاج السنة لشيخ الإسلام، وقد عرفت ما في ذلك من فساد قصده، ووضعه العبارة في غير من هي له، ومن قصد بها.
وهذا كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، في المنهاج،
стр. 5168
يطابق ما قد أسلفناه عنه في هذا الجواب.
قال رحمه الله تعالى: وأشهر الناس بالردة، خصوم أبي بكر الصديق، ﵁ وأتباعه، كمسيلمة الكذاب وأتباعه، وغيرهم.
ومن أظهر الناس ردة: الغالية الذين حرقهم علي ﵁ بالنار لما ادعوا فيه الإلهية، والسبئية أتباع عبد الله بن سبأ الذي أظهر سب أبي بكر وعمر.
وأول من ظهر عنه دعوة النبوة، من المنتسبين إلى الإسلام: المختار بن أبي عبيد، وكان من الشيعة. فعلم أن أعظم الناس ردة، هم في الشيعة أكثر منهم في سائر الطوائف؛ ولهذا لا يعرف أسوأ ردة من ردة الغالية، كالنصيرية، ومن ردة الإسماعيلية الباطنية، ونحوهم، انتهى. ومن المعلوم: أن كثيرا من هؤلاء جهال، يظنون أنهم على الحق، ومع ذلك حكم شيخ الإسلام بسوء ردتهم.
وقال أيضا: وأشهر الناس بقتال المرتدين، هو أبو بكر الصديق ﵁، فلا يكون المرتدون في طائفة أكثر مما في خصوم أبي بكر، انتهى.
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي، أو قال من أمتي، فيجلون عن الحوض;
стр. 5169
فأقول: أصحابي! أصحابي! فيقال: إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري " ١ وفي رواية: فيُحَلَّؤُون ٢.
وللبخاري، قال رسول الله ﷺ : " بينما أنا قائم على الحوض، إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم; فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله; قلت: فما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري. ثم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم; فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله; قلت: فما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم؛ ولا أراه يخلص منهم إلا مثل هملاء النعم " ٣.
قلت: فدلت الأحاديث على أن في خير قرون الأمة من قد ارتد عن الإسلام; وذكر شيخ الإسلام أن ذلك وقع في طوائف، وصرح به في منهاج السنة وغيره؛ وأخبار هؤلاء الطوائف، وذكر مقالاتهم، وكفرياتهم مبسوط في كتب العلماء، وتواريخ الإسلام، لا يخفى ذلك إلا على من هو أجهل الناس بالعلم والعلماء، كهذا الجاهل البليد، الذي أخذ عن أشياخه عداوة التوحيد. فما أشبه حاله بمن قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾
стр. 5170
[سورة المائدة آية: ١٠٤] .
الآية، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سورة الحج آية: ٨-٩] .
وهؤلاء في الحقيقة: خصوم شيخ الإسلام، وإخوانه من العلماء الأعلام، وسلف الأئمة الكرام، كما قد عرفت فيما قدمته لك، من تقرير هذا الإمام; فما أشبه هذا البليد بابن البكري، لما خالف شيخ الإسلام فيما أنكره عليهم من الاستغاثة بغير الله، أخذ يرد على شيخ الإسلام، من كتابه "الصارم المسلول".
قال شيخ الإسلام: فأزال بهجته، أي: كتابه "الصارم"، والبصير يعلم أن أعداءنا في هذا الدين، هم أعداء أئمة المسلمين، لأنا لا نخرج عما أجمعوا عليه، ولا نخالفهم فيما اتفقوا عليه؛ نسأل الله الثبات على الإسلام، والإيمان.
وقد عرفت أنا لم نكن بصدد مناقشته فيما قاله وأورده، لكنه ذكر في جملة الأحاديث الواردة في الخوارج الحديث المعروف في وصفهم وفيه: " يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان " ١؛ وهذه حال هذا الرجل، فإنه سعى في عداوة أهل التوحيد الذي هو أصل الإيمان ومعظمه، ووالى عباد الأوثان. فإن الخوارج تركوهم، وهذا أعانهم وذب عنهم، وحاول أن يدخلهم في عموم أهل الإيمان مع ارتكابهم
стр. 5171
الذنب الذي لا يغفره الله؛ وقد تقدم أن الله كفّر أهله وجعلهم أهل النار الذين هم أهلها نعوذ بالله من النار وأعمالها.
[كلام شيخ الإسلام في المراد بالواسطة]
واعلم أنه قد وقع في الفتاوى المصرية لشيخ الإسلام، كلام حسن بين، يزداد به المقام ظهورا، والموحد سرورا. قال ﵀: والإله الذي تألهه القلوب بكمال المحبة والتعظيم، والإجلال والإكرام، والرجاء والخوف.
قال: ومن قال: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله، فإن أراد أنه لا بد من واسطة تبلغه أمر الله ونهيه، فهذا حق لا بد للناس من رسول، يبلغ عن الله أمره ونهيه ويعلمهم دين الله الذي بعثه به؛ فهذا مما أجمع عليه أهل الملل، ومن أنكر ذلك فهو كافر بالإجماع.
وإن أراد بالواسطة أنه لا بد منه في جلب المنافع ودفع المضار، ورزق العباد، وهداهم، فهذا شرك، كفّر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دونه شفعاء وأولياء، يستجلبون بهم المنافع؛ فمن جعل الملائكة أربابا وواسطة يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم تفريج الكربات، فهو كافر بإجماع المسلمين.
ومن جعل المشايخ من أهل العلم والدين وسائط يعلمونهم، ويقتدون بهم، فقد أصاب؛ والعلماء ورثة
стр. 5172
الأنبياء وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ . وإن أثبتهم وسائط، بمعنى الحُجّاب، الذين بين الملك والرعية، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فهذا شرك وكفر، انتهى.
ومن أراد الوقوف على ما جرى في آخر هذه الأمة من الشرك، وما أورده المشركون من الشبه، فليطالع " كتاب الإغاثة" للعلامة ابن القيم، "وكتاب الاستغاثة" لشيخ الإسلام - في الرد على ابن البكري- رحمهما الله تعالى "وكتاب الرد على ابن الأخنائي"؛ ففي هذه الكتب من بيان التوحيد، وما ينافيه من الشرك، ما يعين المنصف على فهم كلام الله، وكلام رسوله ﷺ وحقيقة ما بعث الله به رسوله من دينه.
وقد أشار الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني، في قصيدته التي سيرها إلى شيخنا محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، وذكر فيها ما عم وطم من الشرك الأكبر، فقال:
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي
ويعمر أركان الشريعة هادما ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد
أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهرا على عمد
وكم طائف حول القبور مقبل ... ومستلم الأركان منها باليد
стр. 5173
وقال العلامة: أبو بكر بن غنام- فريد وقته بعلم المعقول والمنقول، والشعر والإنشاء- في صدر القرن الثالث عشر، شعرا من قصيدة:
نفوس الورى إلا القليل ركونها ... إلى الغي لا يلفى لدين حنينها
فسل ربك التثبيت أي موحد ... فأنت على السمحاء باد يقينها
وغيرك في بيد الضلالة سائر ... وليس له إلا القبور يدينها
ولو تتبعنا كلام العلماء، فيما صدر في هذه الأمة من الشرك الأكبر، من عبادة القبور والأشجار والكواكب والأحجار وغير ذلك، لطال الجواب؛ وذلك مما لا يخفى على ذوي البصائر والعقول والألباب. فاعتبر أيها الناصح لنفسه، واعلم أن الاختلاف، إنما وقع بيننا وبين كثير من الناس، في معنى لا إله إلا الله، والعمل بها.
فهم قنعوا من كلمة التوحيد باللفظ، ورأوه نافعا، وإن لم يعتقدوا المعنى ولم يعملوا به; ومن له أدنى مسكة من عقل، يعلم أن لا إله إلا الله تدل على التوحيد ولا ريب أن الشرك ينافي التوحيد كما تقدم أنه مبطل للأعمال؛ هذا ولو كانت الأعمال في الأصل صحيحة، فكيف إذا كان مبناها على الكفر بمعنى لا إله إلا الله أو الشرك؟ !
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الاختلاف بين الرسل
стр. 5174
وأممهم إنما هو معنى لا إله إلا الله بالمطابقة؛ فإن جملة: لا إله، تنفي الشرك والإلهية، عن كل ما سوى الله، وجملة: إلا الله، تثبت الإلهية بجميع أنواعها الباطنة والظاهرة، لله وحده؛ وبيان هذا في القرآن في آي كثير.
قال تعالى عن الخليل ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧] ؛ فبين تعالى: أن ملة الخليل هذه الكلمة، وأن مدلولها البراءة من كل ما عبد من دون الله، وقصر العبادة على الله وحده، بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٧] ، فدلت هذه الجملة على أن الإله المنفي هو المعبود، وأن العبادة لا تصلح إلا لمن فطر الخلق، وهو الله وحده لا شريك له.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٨] وهي لا إله إلا الله؛ وعبر عنها الخليل بمعناها، وهو إفراد الله بالعبادة، ونفيه عن كل ما سواه؛ فدلالتها على معنى لا إله إلا الله، دلالة مطابقة. وهذه ملة الخليل ﵇، وملة إخوانه من المرسلين، قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] الآية.
وأخبر تعالى عن ابن ابن ابنه يوسف بن يعقوب، ﵈، أنه قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ
стр. 5175
مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ٣٨] ، فبين أن ملة آبائه نفي الشرك، والبراءة منه، وأن أكثر الناس ليسوا على تلك الملة، ثم بين التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده، بقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] الآية.
وقد دعا النبي ﷺ أهل الكتاب وغيرهم، إلى معنى لا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] .
فأصل الملة دين الإسلام، ومعنى لا إله إلا الله في هاتين الكلمتين ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً و﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، وقوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] . فهذا المنهي عنه، هو الواقع من كثيرين، اتخذوا بعضهم من الأموات أربابا من دون الله، يدعونهم، ويرجونهم، ويستغيثون بهم في المهمات، ويرغبون إليهم في كشف الكربات؛ هذا وهم رفات أموات، لا يسمعون، ولا يستجيبون.
ولما دعا رسول الله ﷺ المشركين إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، أخبر تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٥-٣٦] . فترك الآلهة والبراءة من
стр. 5176
عبادتها، قد دلت عليه لا إله إلا الله دلالة تضمن، كما في هذه الآية.
وقال في السورة بعدها عن المشركين، لما دعاهم رسول الله ﷺ إلى التوحيد قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٥] . فهذا الذي عجب منه المشركون، هو دين الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه: أن العبادة والتأله حق الله على عباده، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة النحل آية: ٥١] ؛ فقصر الرهبة عليه بتقديم المعمول لأنها نوع من أنواع العبادة; قال شيخ الإسلام: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة، انتهى.
فالعبادة بجميع أنواعها مقصورة على الله دون كل ما سواه، كما في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، وفي قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٦] . والقرآن كله من أوله إلى آخره، في تقرير معنى لا إله إلا الله؛ فهي كلمة الإخلاص، وكلمة التقوى والعروة الوثقى.
ولا يتمسك بها إلا من كفر بالطاغوت وآمن بالله كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] . قال الإمام مالك ﵀، وغيره:
стр. 5177
الطاغوت ما عُبد من دون الله.
فانظر، يا من عرفه الله دين المرسلين، وما ينافيه من دين المشركين، إلى تلاعب الشيطان بأكثر الجهال، وكيف سلبوا أنوار شرف العلوم، حتى زين لهم الشيطان سلب حقيقة معنى لا إله إلا الله، فقنعوا منها بلفظها دون المعنى الذي وضعت له، من نفي الشرك بالله، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، فوقعوا بذلك الجهل والغرور، في أعظم ذنب وأكبر محظور، وصرفوا معظم المحبة ومخ العبادة لأرباب القبور، وزادوا على ذلك الشرك، حتى اعتقدوا لها التدبير، وصرفوا لها التأثير.
والربوبية والإلهية، لا تصلح بجميع أفرادها، إلا للملك العظيم القدير، الذي ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة التغابن آية: ١] ، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٨] ، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] .
وصلى الله على محمد النبي البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه، ومن اتبعهم ممن اعتصم بالله، وهو مولاه، فنعم المولى ونعم النصير، وسلم تسليما.
стр. 5178
[رسالة من عبد الرحمن بن حسن إلى عبد الله بن محمد في نصرهم بالحجة والبيان]
وله أيضا رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ عبد الله بن محمد: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وما ذكرت من أنا ننصركم، فبلدكم بعيد لا يستطاع الوصول إليه، وأما نصرتكم بالحجة والبيان، فالله تعالى قد قال في كتابه: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٣٣] .
والخصومة بينكم وبين الضد، في عبادتهم غير الله من الأموات، الذين لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٦] .
وقد كان جل عبادتهم لهم في الرغبات والرهبات، بالدعاء والاستغاثة، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، و (أحدا) نكرة في سياق النهي، تعم كل مدعو من دون الله، كالأنبياء ومن دونهم.
وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يعبد ربه وحده بالدعاء، وغيره من أنواع العبادة، قال الله تعالى آمرا نبيه ﷺ أن يدعو أمته أن يخلصوا الدعاء لربهم وخالقهم، فقال
стр. 5179
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [سورة الرعد آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] .
فبين تعالى أنه المستحق لدعوة الحق، وأن الذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء؛ فإن دعوة غيره ضلال والضلال ضد الهدى، وكفّرهم بذلك، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] ، فكفّر من يدعو غيره في هاتين الآيتين.
وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥-٦] ، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٤] .
فهذه الآيات تقصم ظهر المشرك الملحد؛ فمن تمسك بها غلب خصمه المشرك، كما قال شيخنا ﵀: والعامي من الموحدين، يغلب ألفا من علماء هؤلاء الشياطين.
стр. 5180
وما ذكرت من أنهم يأتون بفتاوى من علماء مكة، فليس مع من عارض أدلة التوحيد، إلا شبهات شياطين؛ وقد كتبنا نسخة في هذا المعنى، ردا على من زعم أن الاستمداد بالأموات جائز، وفيها كفاية لأهل الحق.
وأما ما سألتنا عنه: فيمن أنكر الحكم برجحان العمل بالحديث الصحيح في مقابلة المذهب الملتزم، فهذا من محدثات الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] .
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ؛ وهذا أصل عظيم من أصول الدين. قال العلماء ﵏: كل يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ ؛ وهذا قول الإمام مالك ﵀.
وهذا القول الذي يقوله هؤلاء يفضي إلى هجران الكتاب والسنة، وتبديل أحكام النصوص، كما فعل أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
والكتاب والسنة شفاء وهدى لمن أصغى إليهما، ومن طلب الحق منهما ناله وفهمه، وقد قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة ص آية: ٢٩] والأمر بتدبره والتذكر ليس
стр. 5181
مخصوصا بالعلماء المجتهدين، بل عام لكل من له فهم يدرك به معنى الكلام. والتقليد المفضي إلى هذا الإعراض عن تدبر الكتاب والسنة، فيه شبه بمن قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] .
وأهل الاجتهاد من العلماء، وإن كانوا معذورين باجتهادهم، إنما هو في معنى أدلة الكتاب والسنة، وينهون عن تقليدهم؛ فالأئمة ﵏ اجتهدوا ونصحوا، قال الإمام الشافعي: إذا جاء الحديث بخلاف قولي، فاضربوا بقولي الحائط، فهو مذهبي.
وأما قولكم: الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر.
فالأصغر: كيسير الرياء، والحلف بغير الله، وقول الرجل: أنا في حسب الله وحسبك، ولولا الله وأنت، وأن يجاهد ويأمر بالمعروف لطلب رياسة أو مال أو وظيفة، كمن يتعلم العلم لوظيفة المسجد، أو يقرأ القرآن ليسأل الناس به، أو يبيع ختمات أو يحج ليأخذ المال، أو يتصدق ليكثر ماله، أو نحو ذلك، وهذا إنما يتبين بالتمثيل والحد، لا بالعد.
وأما الشرك الأكبر فهو اتخاذ الأنداد، من أرباب
стр. 5182
القبور والغائبين، ومخاطبتهم بالحوائج، والذبح لهم، والنذر لهم، واعتقاد أنهم ينفعون ويدفعون، وكاتخاذ الأشجار والأحجار، والأصنام، لجلب الخير، ودفع الضر بها، وغير ذلك؛ وهو كثيرا جدا، وهو أن يرغب إلى شيء، أو يدعوه أو يخافه، أو يرجوه، أو يعكف عند القبر تعظيما له، ونحو ذلك.
وأمور الشرك أكبره وأصغره لا تدرك بالعد، لكن الشرك الأكبر يخرج من الملة، ويحبط الأعمال; لأنه أعظم ذنب عصي الله به؛ وهو أظلم الظلم لأن الشرك أخذ حق الله، ووضعه فيمن لا يستحقه.
وأما الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائر، " لقول النبي ﷺ لمن رأى في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة; قال: انزعها. فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا "
ولا يكفر الشرك أصغره وأكبره، إلا بالتوبة منه قبل الممات؛ والأصغر لا يكفره في الدار الآخرة، إلا كثرة الحسنات; لأن الأصغر لا يحبط إلا العمل الذي وقع فيه خاصة.
وأما قولكم في الذهاب إلى المقابر، التي بني عليها القباب، وأوقد فيها المصباح،
стр. 5183
فالجواب: أن رسول الله ﷺ لعن اليهود والنصارى، فقال: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١، وقال: " لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج " ٢.
وبناء القباب على القبور وإسراجها، وسيلة إلى عبادتها، والخضوع لها، والتذلل والتعظيم، وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله; وفي الحديث الذي رواه مالك في الموطأ، عن النبي ﷺ أنه قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٣.
وأما مسألة: استغاثة الأحياء بالموتى، في طلب الجاه، والسعة للرزق، والأولاد، مثل أن يقول عند القبور: أن تدعو الله في دفع فقرنا، وبسط رزقنا، وكثرة أولادنا، وشفاء مريضنا، لأنكم سلف مستجابو الدعوات عند الله،
فالجواب: هذا من الشرك الأكبر، الذي لا يغفره الله، وهذا شرك في الربوبية والإلهية؛ وقد كان شرك المشركين في جاهليتهم، بطلب الشفاعة والقربة.
وأما طلب الرزق والأولاد، وشفاء المرضى، فقد أقروا بأن آلهتهم لا تقدر على ذلك، كما قال تعالى:
﴿قُلْ
стр. 5184
مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] ، فأقروا لله تعالى أنه الخالق الرازق، المدبر لجميع الأمور.
وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [سورة النمل آية: ٦٢] ، أي: يفعل ذلك، فأقروا لله بذلك، وصار إقرارهم حجة عليهم في اتخاذهم الشفعاء; وقد قال تعالى في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك؛ فهو المعبود وحده، وهو المستعان.
وقد تقدم، ما يبين أن الدعاء مخ العبادة، لأن الله تعالى نهى عن دعوة غيره، وأخبر أن المدعو لا يستجيب لداعيه، وأنه شرك وضلال، وأنه كفر بالله؛ وقد أوضحنا ذلك في الجواب، في إبطال دعوة المدعي جواز الاستمداد بالأموات ١.
ومن قال: إن الميت يسمع ويستجيب، فقد ﴿كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣٢] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] ؛ فأخبر تعالى أنه لا أضل
стр. 5185
ممن يدعو أحدا من دون الله، وأخبر أن المدعو لا يستجيب، وأنه غافل عن الداعي ودعوته، وأنه عدوه يوم القيامة.
فأهل التوحيد أعداء أهل الشرك في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [سورة يونس آية: ٢٨-٢٩] ، فأخبر تعالى أن آلهتهم تبرأ منهم بين يدي الله ومن عبادتهم، ويستشهدون الله على أنهم في حال دعوتهم لهم غافلون لا يسمعون ولا يستجيبون.
وهذا كتاب الله هو الحاكم بيننا وبين جميع من أشرك بالله، من الأولين والآخرين; وليس فعل أحد من الناس - ولو من يظن أنه عالم- يكون حجة على كتاب الله; بل القرآن هو الحجة على كل أحد؛ فلا تغتروا بقول بعضهم: قال فلان، وفعل فلان.
وأما السؤال عن "دلائل الخيرات"، فيكفي عن دراستها ما وردت به السنة، " عن النبي ﷺ لما سئل عن كيفية الصلاة؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد " ١ إلخ. وقد قال بعض العلماء، لما قيل له: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحرق دلائل الخيرات، استحسن ذلك، فقال: