← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

مخصوصا بالعلماء المجتهدين، بل عام لكل من له فهم يدرك به معنى الكلام. والتقليد المفضي إلى هذا الإعراض عن تدبر الكتاب والسنة، فيه شبه بمن قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] . وأهل الاجتهاد من العلماء، وإن كانوا معذورين باجتهادهم، إنما هو في معنى أدلة الكتاب والسنة، وينهون عن تقليدهم؛ فالأئمة ﵏ اجتهدوا ونصحوا، قال الإمام الشافعي: إذا جاء الحديث بخلاف قولي، فاضربوا بقولي الحائط، فهو مذهبي. وأما قولكم: الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر. فالأصغر: كيسير الرياء، والحلف بغير الله، وقول الرجل: أنا في حسب الله وحسبك، ولولا الله وأنت، وأن يجاهد ويأمر بالمعروف لطلب رياسة أو مال أو وظيفة، كمن يتعلم العلم لوظيفة المسجد، أو يقرأ القرآن ليسأل الناس به، أو يبيع ختمات أو يحج ليأخذ المال، أو يتصدق ليكثر ماله، أو نحو ذلك، وهذا إنما يتبين بالتمثيل والحد، لا بالعد. وأما الشرك الأكبر فهو اتخاذ الأنداد، من أرباب

стр. 5182

القبور والغائبين، ومخاطبتهم بالحوائج، والذبح لهم، والنذر لهم، واعتقاد أنهم ينفعون ويدفعون، وكاتخاذ الأشجار والأحجار، والأصنام، لجلب الخير، ودفع الضر بها، وغير ذلك؛ وهو كثيرا جدا، وهو أن يرغب إلى شيء، أو يدعوه أو يخافه، أو يرجوه، أو يعكف عند القبر تعظيما له، ونحو ذلك. وأمور الشرك أكبره وأصغره لا تدرك بالعد، لكن الشرك الأكبر يخرج من الملة، ويحبط الأعمال; لأنه أعظم ذنب عصي الله به؛ وهو أظلم الظلم لأن الشرك أخذ حق الله، ووضعه فيمن لا يستحقه. وأما الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائر، " لقول النبي ﷺ لمن رأى في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة; قال: انزعها. فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا " ولا يكفر الشرك أصغره وأكبره، إلا بالتوبة منه قبل الممات؛ والأصغر لا يكفره في الدار الآخرة، إلا كثرة الحسنات; لأن الأصغر لا يحبط إلا العمل الذي وقع فيه خاصة. وأما قولكم في الذهاب إلى المقابر، التي بني عليها القباب، وأوقد فيها المصباح،

стр. 5183

فالجواب: أن رسول الله ﷺ لعن اليهود والنصارى، فقال: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١، وقال: " لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج " ٢. وبناء القباب على القبور وإسراجها، وسيلة إلى عبادتها، والخضوع لها، والتذلل والتعظيم، وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله; وفي الحديث الذي رواه مالك في الموطأ، عن النبي ﷺ أنه قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٣. وأما مسألة: استغاثة الأحياء بالموتى، في طلب الجاه، والسعة للرزق، والأولاد، مثل أن يقول عند القبور: أن تدعو الله في دفع فقرنا، وبسط رزقنا، وكثرة أولادنا، وشفاء مريضنا، لأنكم سلف مستجابو الدعوات عند الله، فالجواب: هذا من الشرك الأكبر، الذي لا يغفره الله، وهذا شرك في الربوبية والإلهية؛ وقد كان شرك المشركين في جاهليتهم، بطلب الشفاعة والقربة. وأما طلب الرزق والأولاد، وشفاء المرضى، فقد أقروا بأن آلهتهم لا تقدر على ذلك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ

стр. 5184

مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] ، فأقروا لله تعالى أنه الخالق الرازق، المدبر لجميع الأمور. وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [سورة النمل آية: ٦٢] ، أي: يفعل ذلك، فأقروا لله بذلك، وصار إقرارهم حجة عليهم في اتخاذهم الشفعاء; وقد قال تعالى في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك؛ فهو المعبود وحده، وهو المستعان. وقد تقدم، ما يبين أن الدعاء مخ العبادة، لأن الله تعالى نهى عن دعوة غيره، وأخبر أن المدعو لا يستجيب لداعيه، وأنه شرك وضلال، وأنه كفر بالله؛ وقد أوضحنا ذلك في الجواب، في إبطال دعوة المدعي جواز الاستمداد بالأموات ١. ومن قال: إن الميت يسمع ويستجيب، فقد ﴿كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣٢] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] ؛ فأخبر تعالى أنه لا أضل

стр. 5185

ممن يدعو أحدا من دون الله، وأخبر أن المدعو لا يستجيب، وأنه غافل عن الداعي ودعوته، وأنه عدوه يوم القيامة. فأهل التوحيد أعداء أهل الشرك في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [سورة يونس آية: ٢٨-٢٩] ، فأخبر تعالى أن آلهتهم تبرأ منهم بين يدي الله ومن عبادتهم، ويستشهدون الله على أنهم في حال دعوتهم لهم غافلون لا يسمعون ولا يستجيبون. وهذا كتاب الله هو الحاكم بيننا وبين جميع من أشرك بالله، من الأولين والآخرين; وليس فعل أحد من الناس - ولو من يظن أنه عالم- يكون حجة على كتاب الله; بل القرآن هو الحجة على كل أحد؛ فلا تغتروا بقول بعضهم: قال فلان، وفعل فلان. وأما السؤال عن "دلائل الخيرات"، فيكفي عن دراستها ما وردت به السنة، " عن النبي ﷺ لما سئل عن كيفية الصلاة؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد " ١ إلخ. وقد قال بعض العلماء، لما قيل له: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحرق دلائل الخيرات، استحسن ذلك، فقال:

стр. 5186

وحرق عمدا للدلائل دفترا ... أصاب ففيها ما يجل عن العد غلو نهى عنه الرسول وفرية ... بلا مرية فاتركه إن كنت تستهدي أحاديث لا تعزى إلى عالم فلا ... تساوي فليسا إن رجعت إلى النقد وأما السؤال عن البردة للبوصيري، والهمزية وأمثالهما في المديح، فالمنكر من ذلك ما كان فيه شرك، كقول صاحب البردة: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك....................... فدعا غير الله، ولاذ به من دون الله; والدعاء مخ العبادة، واللياذ نوع من أنواع العبادة، كالعياذ؛ وقد جاء النبي ﷺ بتغيير ما كان عليه أهل الجاهلية، من الاستعاذة بالجن إذا هبطوا واديا، يقولون: نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [سورة الجن آية: ٦] أي طغيانا. فشرع النبي ﷺ لأمته قصر الاستعاذة على الله وأسمائه وصفاته، فقال في حديث خولة بنت حكيم، وهو في الصحيح: " من نزل منْزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منْزله ذلك " ١. وكذلك قول صاحب البردة:

стр. 5187

إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم وقوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فكل هذا شرك محرم بالكتاب والسنة، فما كان من جنس ذلك، وجب إنكاره، والنهي عنه، وتغييره بطمسه؛ وهذا يتبين بما تقدم من الآيات المحكمات في النهي عن دعوة غير الله، والرغبة إليه، والتوكل عليه، ورجائه. وأما الإجماع، فقد حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقال: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم، ويتوكل عليهم، كفر إجماعا. وأما البدعة المنهي عنها، فكل ما حدث بعد النبي وأصحابه، ولا دل عليه قول من النبي ﷺ ولا فعل، وكذلك أصحابه، الذين هم أحرص الأمة على فعل الخير، فكل ما حدث بعدهم في العبادات، وغيرها من أمور الدين، فهو بدعة، لقول النبي ﷺ لأصحابه في خطبته: " وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة " ١. وبسط القول في هذا يستدعي كتابا ضخما، لكن في أصول الأدلة، ما يكفي المسافر إلى الله على صراطه المستقيم; وكل ما لم يفعله أصحاب رسول الله ﷺ مما حدث بعدهم، فالجواب أن يقال: لو كان خيرا لسبقونا إليه.

стр. 5188

وأما السؤال: عن السفر إلى قبر النبي ﷺ ، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " ١. فالنهي عن شد الرحال إلى غير الثلاثة لفظ عام، يتناول المساجد وغيرها؛ وفحوى الخطاب يدل عليه; لأن غير المساجد من باب أولى. ولكن إذا نوى الإنسان السفر إلى مسجده، حصلت زيارة القبر الشريف تبعا؛ فإنه إذا وصل إلى المسجد، سلم على النبي ﷺ من قرب، فيكون قد أخذ بعموم الحديث، وحصلت له الزيارة، من غير أن يخصها لشد الرحال المنهي عنها. وأما السؤال عن الرسوم، والعادات التي شاعت وذاعت في الأعاجم، سيما في مشائخهم، إذا مرض أحدهم يخفون ويحيطون، فيقرؤون شيئا من الآيات بحساب وأعداد معلومات، فإذا انتهت قالوا: يا قاضي الحاجات، ويا كاشف الكربات، ثم يأتون بالأطعمة النفيسة، فيأكلونها بأجمعهم؟ فالجواب: أن الذي وردت به السنة، دعاء العائد له وحده، من غير تكلف ولا اجتماع; فإن شاء رقاه بما وردت به السنة، كما قال "عبد الله بن مسعود ﵁

стр. 5189

لزوجته، لما نخستها عينها: إنما يكفيك أن تقولي: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما"؛ هذا جنس المشروع. وأما على هذه الكيفية التي ذكرها السائل، فبدعة تجري مجرى ما ذكره الله تعالى، ردا على من ابتدع في دينه، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] . وأما ما ذكره السائل: من أنه إذا مات أحدهم، يتصدقون أقاربه وعشائره، ويذبحون الذبائح، ويطبخون الطعام، ويفرشون الحرير، ويدعون الناس كلهم، الغني والفقير. فليس هذا من دين الإسلام، بل هو بدعة وضلالة، ما أنزل الله بها من سلطان؛ وهذا من جنس ما أحدثه اليهود والنصارى من التغيير والتبديل في شريعتهم، خالفوا به ما جاءت به أنبياؤهم؛ فيجب اجتناب ذلك المأتم، وما في معناه. وأما ما سألت عنه: من شد الرحال إلى مكانات مشرفة للأنبياء والأولياء هل هو ممنوع ومحذور، أم لا؟ فالجواب: لا ريب أن هذا مما نهى عنه النبي ﷺ في الحديث الذي تقدم، وهو قوله: " لا تشد الرحال إلا إلى

стр. 5190

ثلاثة مساجد ". فإذا كان تبركا للمحل المزور، فهو من الشرك، لأنهم قصدوا بذلك تعظيم المزور، كقصد النبي ﷺ أو الولي، لتعود بركته عليهم بزعمهم؛ وهذه حال عباد الأصنام سواء، كما فعله المشركون، باللات والعزى ومناة، فإنهم يقصدونها لحصول البركة بزيارتهم لها، وإتيانهم إليها. وفي الحديث الذي رواه الترمذي، عن أبي واقد الليثي، قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال النبي ﷺ الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٨] ، لتركبن سنن من كان قبلكم ". فجعل التبرك بالأشجار، مثل قول بني إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها؛ وهذا هو جنس عبادة الأشجار والأحجار. وأما قول بعضهم: إن أمور التعظيمات خصصه الله تعالى للذات، وسماه بالعبادة، كالسجود، والركوع، والقيام كقيام الصلاة، والتصدق بالصدقات، والصيام

стр. 5191

باسمه، وقصد السفر إلى بيته من المكانات البعيدات، فهذا من وحي الشيطان وزخرفته، التي ألقاها على ألسن المشركين، فجمع لهم الشرك، وتعظيمه والغلو فيه، والبدع والضلالات، وكل هذا باطل ما أنزل الله به من سلطان ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٣] . وأما سؤاله: عن رجل بنى في جوار قبر صالح، لإفاضة الفيوضات عليه، وإصابة البركات، ورجل جلس مرابطة على قبر صالح، فالجواب: من أخبر هذا المغرور، أن بركة هذا المدفون تفيض عليه؟! وهذا من جنس ما قبله مما زين الشيطان، وأجراه على ألسن المغرورين المفتونين الذين أعرضوا عن كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ولما " قال رجل للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت; قال: أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده " ١. وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". وقد صان الله قبر نبيه ﷺ بأن صار قبره في حجرته، حذرا من هذه الأمور التي نهى عنها، قالت عائشة: "ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا" وقال ﷺ : " إياكم والغلو! فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" ٢.

стр. 5192

والضابط: أن ما كان يفعل مع الميت، من رفع الأصوات على جنازته، والتبرك به وبتربته، والنذر له، وغير ذلك من الشرك، كالذبائح والنذور التي يقصد بها الميت، حرام، وهي مما أهل به لغير الله، كما صرح به القرآن، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . وقد تضمنت هذه الأفعال التي ذكرت، الشرك والبدع، والغلو في الدين، وخالف أهلها، وصادموا ما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، وتوجيه الوجه والقلب إلى الله تعالى، بجميع الإرادات الشرعية، والأحوال الدينية. وقد أبطل الله في كتابه التعلق على غيره، كائنا من كان، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة الحج آية: ٦٢] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] . وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ

стр. 5193

يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [سورة الحج آية: ١١-١٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [سورة الحج آية: ٣١] ، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١٧] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٢٠-٢١] . إذا عرفت ذلك وما في معناه، من الآيات المحكمات، فهذه الشبهات التي اعتمدها كثير من جهلة المشركين كلها باطلة، تصادم كتاب الله وسنة رسوله; وأول من زخرف هذه الشبهات، وزين للجهال التعلق على الأموات: زنادقة الفلاسفة الكفار، الدعاة إلى الخلود في عذاب النار، كابن سينا، والفارابي، فإنهم أدخلوا على كثير ممن ينتسب إلى العلم كثيرا من الفلسفة، وزخرفوا هذه الشبهات، التي صارت في أيدي المشركين، وحاولوا بها إبطال ما في الكتاب والسنة، من توحيد المرسلين، وخالص حق رب العالمين، فإن حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. فمن التفت إلى الأموات، يستمد منهم نفعا، وتبركا

стр. 5194

بهم، فقد اتخذهم أربابا من دون الله، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٩-٨٠] . وقد أخبر تعالى عن عيسى بن مريم، أنه قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ [سورة المائدة آية: ١١٧] الآية؛ وفي الآية دليل على أن من مات فلا اطلاع له على الأحياء، ولا علم له بهم، فكيف يدعو من لا يعلم حاله، ولا يدري ما يفعله وما يقوله؟ وقد تقدم في الآيات المحكمات ما يدل على ذلك، وأن المدعو لا يسمع ولا يستجيب; فما هذه التعلقات الشركية التي هي أضل الضلال، وأمحل المحال، إلا من وحي الشياطين، وزخرفة أعداء المرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٢] . وكل هذه التعلقات على الأموات والغائبين، هي أعمال الشرك من المشركين، قديما وحديثا؛ وهو شرك قوم

стр. 5195

نوح لما صوروا الأصنام على صور صالحيهم، قال من بعدهم: ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم، فعبدوهم; أي: بطلب الشفاعة منهم، واستمداد البركة بهم؛ وهذا هو شرك العالم، وهم في آخر هذه الأمة أشد وأعظم، فاستمسك بأدلة القرآن، وسبيل أهل الإيمان. وقد عرفت أن عبادة الأشجار والقبور والأحجار، بدعائهم لها باستمداد البركة منها في زعمهم، أنه أبطل الباطل، وأمحل المحال، كما دل عليه الكتاب والسنة؛ وهذا الجواب يكفيك عما تقدم، من السؤالات، فكل ما كان يفعل عند القبور من التعظيم لها ولأربابها، وقصدها، والتبرك بها، والدعاء عندها، أو لها، كل هذا شرك وضلال. فتأمل قوله عن خليله ﵇: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٨-٧٩] ، والحنيف هو: المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه. فهذه الأدلة التي ذكرنا، تبطل كل ما تعلق به المشركون، مما كانوا يفعلونه مع العزى ومناة؛ ومن ادعى جواز شيء من ذلك، أو أنه يحتمل الجواز، فيطالب بالدليل من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ على أن هذا

стр. 5196

جائز. ولا يخفى أنه ينافي الإخلاص، لما فيه من الإقبال على غير الله، والرغبة إليه، وجلب النفع والدفع منه، وكل هذا مردود بالآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة، كما ثبت عنه ﷺ في الحديث الصحيح، أنه قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" ١. وكل ما كان يفعل هؤلاء مع الأموات، فليس فيه مستحب، ولا مباح، إلا زيارة القبور من غير شد رحل، لتذكر الآخرة، والاستعداد لما بعد الموت، من الإخلاص والعمل المشروع، من غير تحر لإجابة الدعاء عندها، والصلاة إليها، ولو كانت لله؛ فهذا محرم سدا لذريعة الشرك، وحماية لجناب التوحيد. وأما قولهم في عصمة الأنبياء، فالذي عليه المحققون: أنه قد تقع منهم الصغائر، لكن لا يقرون عليها، وأما الكبائر فلا تقع منهم؛ وكل ما قال رسول الله ﷺ مما ثبت عنه فهو حق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم آية: ٣-٤] ، كذلك تقريراته حق. وأما قول أبي الوفاء ابن عقيل ﵀، فهو حق، وأعظمه خطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع، فيها: يا مولاي افعل كذا وكذا، وأخذ تربتها والتبرك بها، فهذا

стр. 5197

الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ وقد كتبنا الأدلة على الذي يقول بالإمداد من الموتى، فطالعه، وفيه ما يكفي، ويميز الحق من الباطل. وأما ما ذكره ابن عقيل ﵀، من إفاضة الطيب على القبور وشد الرحال إليها، فهو من إفراطهم وغلوهم في الآلهة التي يعبدونها من دون الله؛ وكلامه عندنا مسلّم; لأنه اشتمل على إنكار الشرك، من التعلق بالأموات، واعتقاد أن لهم قدرة على قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، ويخاطبونهم بذلك من قريب وبعيد، لاعتقادهم أن لهم تصرفات، وأنهم يعلمون الغيب، وأن لهم قدرة على ما أرادوا. والقرآن كله من أوله إلى آخره، ينكر ذلك عليهم، ويبين أنه شرك وكفر وضلال، ودليله من الكتاب والسنة، وإجماع أهل السنة والجماعة، مذكور، في الرد على صاحب الاستمداد ١، وأما قول الأئمة الأربعة فذلك مذكور في مذاهبهم، في باب حكم المرتد، في كل مذهب. وأما الرسالة التي أرسلتموها إلينا، فالجواب عليها يصل إليكم، إن شاء الله تعالى، ويظهر بطلانها، بالتمسك بالآيات المحكمات، والوقوف عندها؛ ويكفي في ردها: ما في سورة الفاتحة، في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] من قصر العبادة، والاستعانة على الله دون كل ما سواه؛ فإن غالط،

стр. 5198

فأدلة النهي عن دعوة غير الله وأنها شرك وكفر تكفي المتمسك بها. وذكرنا من الأدلة ما فيه كفاية، ولو تتبعنا ما في كتاب الله وسنة رسوله، من دلائل التوحيد، وكلام السلف والخلف من أهل السنة، لاحتمل مجلدا ضخما أو مجلدات. [رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن في اطلاعه على أشياء في كتب عثمان بن منصور بعد وفاته] وقال أيضا الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، بوأه الله منازل الصديقين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإنا قد اطلعنا على أشياء وجدناها في كتب عثمان بن منصور بعد وفاته. فمن ذلك: منظومة أنشأها في مدح داود بن جرجيس، وتعظيمه بما تصدى له من الرد على المسلمين الموحدين، فاتفقا على تأييد الشرك ونصرته، والإنكار على من دعا إلى توحيد الله بالعبادة، الذي دلت عليه الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة، واعتقدا إسلام عبدة الأوثان، الذين بنوا المساجد والمشاهد على القبور، وعبدوها بأنواع العبادة، فزعما وغيرهما من الدعاة إلى الشرك أن هذا الشرك لا يخرج من فعله عن ملة الإسلام. ووجدنا في كتبه ردا على شيخنا ﵀، لما استدل على تحريم موادة المشركين، بقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] .

стр. 5199

فقال في رده: من هم هؤلاء الذين تقول إن موادتهم تحرم؟ يعني أنه لا وجود لهم، وأن الأمة ليس فيها من تحرم موادته، وشنع على شيخنا في دعوته الناس إلى أن يعبدوا الله وحده، ويتركوا عبادة ما سواه، فبنى أمره على هذا الأصل الفاسد. وكلام هؤلاء يدور على أن هذا الشرك الذي وقع في الأمة، إما جائز، أو مستحب، ومن طالبهم بتركه فقد أخطأ وشق عليهم، وعرضهم لما يكرهونه. وزعم أن شيخنا رحمه الله تعالى شق على الناس فيما نهاهم عنه من الشرك، وأمرهم به من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وعرضهم لحرب الدول; وذكر هذا في رده الذي وجدناه بعد وفاته بخطه في بريدة، أتى فيه من السب والشتم، والكذب والزور على شيخنا، ما يطول عده، ولا تنبغي حكايته. وزعم في رده هذا أنه اجتمع بعبد الله بن سليمان في المدينة المنورة، فاستشاره هل يقدم على المسلمين بنجد أم لا؟ فأشار إليه المذكور أن لا يقدم عليهم، في زعمه أنه أنكر هذه الدعوة، وعد هذا من حججه الواهية؛ وعبد الله بن سليمان هذا قدم نجدا، وقرأ على شيخنا شيخ الإسلام في الاقتضاء، وصار يكتب لأولاده لا يبرح عندهم يكتب الرسائل والكتب؛ فإن كان ما أشار به عليه نصيحة فإنه لم ينصح نفسه بها.

стр. 5200

فقبل عنه بزعمه ما أشار به عليه، فقصد الزبير، والبصرة، فود بالزبير محمد بن سلوم، وابن جديد، وكانا من أهل نجد، فتركاها كراهية لهذه الدعوة، وعداوة لمن دعا إلى التوحيد، ووجد بالبصرة ابن سند، وهو أشد منهما عداوة لكل موحد، وحبا لكل ملحد، فتلقى عن هؤلاء الثلاثة هذه البلوى، التي ابتلي بها من عداوة شيخنا ومن استجاب له. ثم بعد ذلك خرج إلى نجد، فصار يبدر منه ما يدل على انحرافه عن التوحيد، من ذكر أحاديث الخوارج، في زعمه أنهم كفروا من يفعل هذه الأمور الشركية، والخوارج إنما كفّروا بالمعاصي، وهذا كفّر من يقول: اعبدوا ربكم، وأفردوه بالعبادة، واتركوا عبادة ما تعبدونه من دونه، من قبر أو مشهد، أو طاغوت أو شجر أو حجر؛ والنهي عن هذا الشرك، والدعوة إلى التوحيد، هو الذي بالغ في إنكاره على شيخنا ﵀. وهذا الذي أنكره، هو الذي دعت إلى إنكاره وتركه والبراءة منه الرسل، من أولهم إلى آخرهم، ودعا إليه النبي ﷺ كما قال أبو سفيان لهرقل لما سأله عما يأمرهم به النبي ﷺ قال: يقول: " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم " ١. والنبي ﷺ ينادي بهذه الدعوة، وناله ومن استجاب له من قريش، الأذى العظيم، عند إخلاص العبادة لله،

стр. 5201

والدعوة إلى ذلك، وإنكار الشرك في العبادة. وقد أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٥] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٥-٣٦] ، فاستكبروا عن هذه الكلمة، لعلمهم أنها تتضمن ترك عبادة ما كانوا يعبدونه من دون الله. وهذا هو الشرك الذي نهاهم عنه، من عبادة اللات والعزى، ومناة، وغيرها من الأصنام، وكانوا يعبدون الملائكة والصالحين، كما دلت عليه الآيات المحكمات، وليس معهم من الحجة إلا ما ذكر الله عنهم بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٢] الآية، وقول فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [سورة طه آية: ٥١] . فسلك هؤلاء الذين أنكروا على شيخنا التوحيد، مسلك أولئك المشركين، من كفار قريش وغيرهم، سواء بسواء. وسلك من دعا إلى التوحيد، ونفي الشرك، مسلك من اتبع النبي ﷺ في هذا الدين، من السابقين الأولين. والآيات في بيان التوحيد، وما ينافيه من الشرك والتنديد، أكثر من أن تحصى، ولا يقدر مبطل أن يعارض آية منها؛ والقرآن كله من أوله إلى آخره، يدل على هذا التوحيد،

стр. 5202

ونفي الشرك، مطابقة وتضمنا، والتزاما. وقد أخبر النبي ﷺ في ابتداء دعوته أنه لم يتبعه إلا أبو بكر وبلال، كما في حديث عمرو بن عبسة، لما اجتمع به بمكة، وأخبره بما بعثه الله به من التوحيد، قال: فمن معك؟ قال: "حر وعبد". وأخبر النبي ﷺ أن الإسلام يعود غريبا كما بدأ، وقال: " طوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس " ١، وفي رواية: " الذين يصلحون ما أفسد الناس " ٢ وأخبر أنهم النّزاع من القبائل، وأن من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم. وكل هذا الذي أخبر به النبي ﷺ وقع بعد القرون المفضلة، لما حدثت بدعة الجهمية، وظهرت في آخر القرون الثلاثة، وكفرهم من العلماء نحو من خمسمائة أو أكثر؛ لأنهم جحدوا ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال، ونعوت الجلال، على ما يليق بالله تعالى؛ فلم يفهموا من صفات الله، إلا مثل ما يعرفونه من صفات المخلوقين، فشبهوا أولا، وعطلوا ثانيا، فهذا إلحاد منهم في التوحيد العلمي الاعتقادي. وأما الإلحاد في التوحيد العملي، توحيد القصد والطلب، فذلك وقع لما صار لبني بويه الديلمي في المشرق دولة، فأظهروا الغلو في أهل البيت، وبنوا المشهد بزعمهم أنه على قبر أمير المؤمنين علي ﵁، وبنوا

стр. 5203

على قبر الحسين وغيره من قبور أهل البيت. وبالغوا في الغلو، وزخرفة البناء على قبورهم، وعبدوهم بأنواع العبادة، واستجلبوا غيرهم لعبادتهم، وتبعهم على ذلك أهل مصر، بنو عبيد القداح، وزعموا أنهم وجدوا رأس الحسن بعسقلان، فدفنوه بالقاهرة، وبنوا عليه مسجدا عظيما. قال شيخ الإسلام: فلما كان بعد زمن البخاري من عهد بني بويه الديلمي، فشا في الرافضة التجهم، وأكثر أصول المعتزلة، وظهرت القرامطة ظهورا كثيرا، وجرت حوادث عظيمة، وعبدت الأموات في هذا المصر وغيره، حتى ادعوا فيهم التصرف في الكون من دون الله تعالى؛ فما زال هذا الشرك يزداد حتى ملأ الأرض قاصيها ودانيها، وما زال الغرباء ينكرونه، لكنهم أقل القليل لا يسمع لهم، ولا يطاع. وقد قال ﷺ : " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " ١. وفي حديث ثوبان الذي رواه مسلم، وأبو داود وغيرهما: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد فئام

стр. 5204

من أمتي الأوثان. وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎ " ١. وفي الحديث الصحيح الذي جاء من طرق يشد بعضها بعضا، كما قاله العماد بن كثير في تفسيره، وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : " ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، حتى إن كان فيهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك. وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي " ٢. وفي رواية أحمد، وأبي داود: " ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة. وإنه سيخرج في أمتي قوم تتجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله " ٣. وعن أبي الدرداء، قال: " كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء، فقال: هذا أوان يختلس فيه العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء " ٤ رواه الترمذي.

стр. 5205

ومن المعلوم: أن العلم في الكتاب والسنة، اختلس بالإعراض عن الآيات المحكمات، واتباع الأهواء والشبهات، فوقع ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ ؛ وهو علم من أعلام النبوة. ولا يشك في وقوع ما أخبر به في هذه الأمة، إلا منكوس القلب من أعداء الرسل، نسأل الله العفو والعافية، وكيف ينكر ما هو موجود في العيان، مسموع بالآذان؟ ولا يجحد كونه هو الشرك الأكبر، إلا من استحوذ عليه الشيطان. نسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين معرفة الحق وقبوله، ومعرفة الباطل وإنكاره، والثبات على الإيمان. قال شيخ الإسلام، ﵀: وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، ومن أهل الإرادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقته ... إلى آخره. وذكر في كتابه "العقل والنقل": أن أهل الكلام غلطوا في معنى لا إله إلا الله، وظنوا أن معناها: القادر على الاختراع، وهذا من توحيد الربوبية؛ وإنما مدلولها توحيد الإلهية، وهو صرف العبادة لله وحده؛ وهذا الذي ظنوه معنى لا إله إلا الله، قد أقر به مشركو العرب وغيرهم، ولم يجحدوه. وأما الذي جحدوا فهو توحيد الإلهية وهي العبادة، فأبوا أن يخلصوا العبادة لله وحده، وأن يتركوا عبادة ما سواه

стр. 5206

من الأصنام والأوثان، كما تقدم ذلك من قول كفار قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [سورة ص آية: ٥] ، وقال عن قوم هود، لما قال: اعبدوا الله: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٧٠] ، وهذا صريح في أنهم إنما جحدوا توحيد العبادة. واما القدرة على الاختراع، فلم يجحدوه، بل أقروا به لله وحده، كما تقدم، كما دلت على ذلك الآيات المحكمات، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤] إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٩] ؛ وأمثال هذه الآيات كثيرة في القرآن. وبسبب هذا الغلط وقع في الشرك من وقع، كأبي معشر البلخي، والفخر الرازي، ومحمد بن النعمان الشيعي، وثابت بن قرة وغيرهم؛ وبهذا الجهل اشتدت غربة الإسلام، وعاد المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة؛ نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير، وفيه يقول الشاطبي: وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبض على جمر فتنجو من البلا قال العماد بن كثير، في قول الله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ١٠] ، يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاؤوهم

стр. 5207

به، من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت الرسل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ . وهذا يحتمل شيئين: أحدهما: أفي وجوده شك؟ فإن الفطر شاهدة بوجوده، مجبولة على الإقرار به؛ فإن الاعتراف ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فيحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده، ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته: فإنه فاطر السماوات والأرض الذي خلقهما وأبدعهما على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدث والخلق، والتسخير، ظاهر عليها، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء، وإلهه ومليكه. والمعنى الثاني، في قولهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ : أفي إلهيته شك؟ وتفرده بوجوب العبادة له شك؟ وهو الخالق لجميع الموجودات، فلا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له; فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط، التي يظنونها تنفعهم، أو تقربهم إلى الله زلفى. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وهذا الإمام هو من بقايا أهل السنة; وكلام العلماء فيما حدث من الشرك، ومن أنكره كثير. وقد ذكرنا في غير هذا الجواب كلام أبي الوفاء بن

стр. 5208

عقيل، وابن أبي شامة، وابن وضاح، وصنع الله الحلبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ بن عبد الهادي، وابن رجب وغيرهم ممن لا يحصى؛ ومنهم من ابتلي عند إنكاره هذا الأمر، الذي وقع من الشرك والبدع، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، والمقصود: بيان أن ما أخبر به النبي من حدوث الشرك في الأمة، واتباع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فيما غيروا وبدلوا، وافتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين، كل هذا وقع; ومن جهل عثمان أنه اعترض على شيخنا، رحمه الله تعالى، وأنكر قوله في كتاب التوحيد، على قوله ﷺ : " من قال لا إله إلا الله" ١ إلى آخره. قال شيخنا: فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له; بل لا يحرم ماله ودمه، حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه؛ قال هذا المخذول الضال: واغوثاه من هذا الكلام. قلت: وهذا الذي ذكره شيخنا هو معنى لا إله إلا الله مطابقة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾

стр. 5209

[سورة البقرة آية: ٢٥٦] . وهذا لا يشك فيه مسلم - بحمد الله -، ومن شك فيه فلم يكفر بالطاغوت؛ وكفى بهذا حجة على المعترض، وبيانا لجهله بالتوحيد، الذي هو أصل دين الإسلام وأساسه. فرحم الله محمد بن شهاب الزهري، حيث يقول لعبد الملك بن مروان، لما ذكر العلماء في الأمصار، قال: إنما هو دين، من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط. فلقد ساد شيخنا بهذا التوحيد، وبيانه والدعوة إليه. وهذا يبين حال هذا الرجل: أنه لم يعرف لا إله إلا الله؛ ولو عرف معنى لا إله إلا الله، لعرف أن من شك أو تردد في كفر من أشرك مع الله غيره، أنه لم يكفر بالطاغوت. وقد تقدم له من نصرة الشرك وتأييد من نصره، ما يدل على أنه لم يتبين له معنى كلمة الإخلاص، وما دلت عليه من التوحيد، وما نفته من الشرك؛ وهذا ظاهر من قوله: لا يخفى على من له بصيرة في دينه؛ فظهر من حاله فيما وضعه وكتبه أنه يؤيد الشرك، ويوالي أهله، وينكر التوحيد ويعادي أهله؛ وهذا حقيقة ما وجدناه في كتبه بخطوطه، والله أعلم بما آل أمره في آخر حياته، هل راجع الله أم لا. وأما شيخنا ﵀، فقد أقر له بالفضل كل من بلغته دعوته إلى التوحيد، من قريب أو بعيد، وقد خصه

стр. 5210

الله تعالى بمعارضة أهل البدع في بدعتهم، وأهل الشرك في شركهم، وأهل الأهواء في أهوائهم. وألف في دحض أقوالهم، وتزييف أمثالهم، وأجاب عن شبههم الشيطانية، ومعارضتهم النفسانية للشريعة الحنيفية المحمدية، بما منحه الله تعالى من البصائر الرحمانية، والدلائل النقلية، حتى انكشف قناع الحق، وبان - بما جمعه في ذلك وألفه - الكذب من الصدق، حتى لو أن أصحابها أحياء، ووفقوا لغير الشقاء، لأذعنوا له بالتصديق، ودخلوا في الدين العتيق. ولقد وجب على كل من وقف عليها، وفهم ما لديها، أن يحمد الله على حسن توفيقه هذا الإمام، بنصرة الحق بالبراهين الواضحة العظام; ومن أراد اختبار صحة ما قلته، فلينظر بعين الإنصاف العري من الحسد والانحراف، لكن عدم التوفيق وغلبة الهوى، أوقع من أوقع في الضلال ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور آية: ٤٠] . وقد حصل في دعوته مشابهة لما جرى لنبينا محمد ﷺ وإخوانه من المرسلين، من العز والظهور والتمكين، كما قال شيخ الإسلام ﵀: ويستدل بتخصيص الأنبياء، وأتباعهم بالنصر وحسن العاقبة، وتخصيص مكذبيهم بالخزي، وسوء العاقبة، على أنه يأمر ويحب ويرضى ما جاءت به الرسل، ويكره، ويسخط ما كان

стр. 5211

عليه مكذبوهم; لأن تخصيص أحد النوعين بالإكرام والنجاة، والذكر الحسن والدعاء، وتخصيص الآخر بالعذاب والهلاك، وقبح الذكر، واللعنة، يستلزم محبة ما يفعله الصنف الأول، وبغض ما فعله الصنف الثاني، انتهى. وقد جرى مثل هذا في هذه الدعوة - بحمد الله -، وهو أظهر الأدلة على صحة هذه الدعوة، وأنها هي الحق، كما دلت عليه الآيات المحكمات، والبراهين الواضحات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٩٩] . وقال شيخنا أبو بكر، حسين بن غنام ﵀، فيه: لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلو الضلال ويرفع سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى ... وعام بتيار المعارف يقطع فأحيا به التوحيد بعد اندراسه ... وأوهى به من مطلع الشرك مهيع سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه ولا حاذى فناها سميدع وشمر في منهاج سنة أحمد ... يؤيد ويحمي ما تعفى ويرقع يناظر بالآيات والسنة التي ... أمرنا إليها في التنازع نرجع فآثاره فيها سوام سوافر ... وأنواره فيها تضيء وتلمع فلقد أظهر الله دعوته، ونشرها على كثرة من خالفه في الدين، وناوأه، وأقر عينه بهلاك من تصدى لحربه،

стр. 5212

وعاداه؛ فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه أن جعل هذا الشيخ إماما للدين يعرف الناس به، ويدعوهم إليه، ويجاهدهم عليه، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الحديد آية: ٢١] . وقد ابتلي ﵀ في دعوته، بجهلة المنتسبين إلى العلم، لمخالفة ما نشؤوا عليه، واعتقدوه، من الشرك بأرباب القبور، والطواغيت وغيرهم، فإن حالهم وحال أسلافهم، ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عن جنس هؤلاء. فقال: وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها، من محبة أصحابها من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب; ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء به، والإقسام على الله به; فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه. وإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم إلى دعائه، وعبادته وسؤاله الشفاعة من الله، واتخاذ قبره وثنا، تعلق عليه الستور والقناديل، ويطاف به ويستلم، ويحج إليه; فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدا ومنسكا، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم، وأخراهم؛ وكل هذا مما قد علم بالاضطرار من دين

стр. 5213

الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسله، من تجريد التوحيد، وأن لا يعبد إلا الله. فإذا تقرر ذلك، نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منْزلتهم، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، وغضب المشركون واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٥] . وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه، ويأبى الله ذلك ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٤] . انتهى. فهذا الذي ذكره العلامة ابن القيم ﵀، هو حال من أنكر على شيخنا دعوته إلى التوحيد، لتمكن الشرك الأكبر من قلوبهم فاعتقدوه دينا؛ وهذا ظاهر لا خفاء به بحمد الله. وهؤلاء قلبوا مدلول كلمة الإخلاص، فأثبتوا ما نفته من الشرك، وجحدوا ما أثبتته من التوحيد؛ وهم أعداء الرسل بلا ريب، ولهذا استحسنوا قول صاحب

стр. 5214

البردة: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢١٣] . والآيات في هذا المعنى أكثر من أن تحصر. [خطاب الموتى بالحوائج] وقد أجمع العلماء على أن خطاب الموتى بالحوائج، شرك عظيم؛ لا يجوز أن يدعى أحد دون الله كائنا من كان. وقول صاحب البردة: مالي من ألوذ به سواك، قصر اللياذ على العبد دون المعبود، وهو نوع من أنواع العبادة، كالعياذ; فإن العياذ لدفع الشر، واللياذ لجلب الخير، وهذا هو معناه لغة وشرعا واستعمالا. وقوله: عند حلول الحادث العمم، أي: في أشد مقام يحتاج فيه العبد، إلى آخر أبياته; وهذا محض الشرك الذي نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا عبد الله ورسوله" ١. فإذا كان أئمة التابعين، كعلي بن الحسين، والحسن بن علي، أنكروا على من أتى عند فرجة يدعو عند

стр. 5215

قبر النبي ﷺ يدعو الله، ورأوا أن ذلك من اتخاذه عيدا، ولم يفعل ذلك أحد من الخلفاء، ولا من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، فكيف بمن أخلص الدعاء لغير الله تعالى، ولم يجعل الله في مطلبه إذنا ولا رضى؟! وقد نهى الله في كتابه عن اتخاذ الشفعاء في مواضع، وكل شفاعة فيها شرك، فهي منفية كما نفاها القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] الآية، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣] ، وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [سورة الزمر آية: ٤٤] وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] . وأخبر: أن اتخاذ الشفعاء هو دين المشركين، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، فأخبر أن الشفاعة لا تقع لهم على هذا الوجه، وبين أن هذا هو الشرك، بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . فكل من اتخذ له شفيعا فقد ضاهى المشركين في دينهم، وأشرك مع الله غيره.

стр. 5216

وقد أخبر الله تعالى أن المدعو دونه لا يسمع دعاء الداعي، ولا يستجب له، وأن المدعو ينكر ذلك، وأن ذلك شرك عظيم، وضلال مبين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] إلى قوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٦] . فتدبر هذه الآيات وما فيها من البيان، ومعرفة الحق من الضلال؛ وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. وفي هذا كفاية لمن أراد الله به خيرا، وبالله التوفيق. فصل [فصل قد ابتلي أهل الجدل بقلب الحقائق] وقد ابتلي أهل الجدل بقلب الحقائق، من ذلك قوله: إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، لم يعرف من معنى لا إله إلا الله، ما عرفه أبو جهل. قلت: وهذا هو وصف القائل، كما في المثل: رمتني بدائها وانسلت; ومن المعلوم عند القريب والبعيد، والموافق والمخالف أن شيخ الإسلام هو الذي بين للناس ما جهلوه من معنى لا إله إلا الله، فأرشدهم إلى أن هذه الكلمة دلت على أمرين: الأول: نفي الإلهية عن كل ما سوى الله، نفيا عاما بقوله: لا إله، وأوجبت الإلهية لله وحده، بقوله: إلا الله، وهذا الثاني دلالتها عليه دلالة

стр. 5217

مطابقة؛ وهذا هو الإخلاص الذي هو دين الله، الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٢] الآية، وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٩] ، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة البينة آية: ٥] الآية. فكل ما تعبد الله به عباده، من الأعمال الباطنة والظاهرة، فهو من الدين; فأوجب الله على عباده أن تكون أقوالهم وأعمالهم لله وحده، وحرم عليهم أن يصرفوا منها شيئا لغيره، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ [سورة الرعد آية: ٣٦] . فالذي لم يعرف معنى لا إله إلا الله، هو الذي يعتقد أن عبادة أرباب القبور دين يدان الله به، والله تعالى لم يشرع ذلك، بل حرمه أشد التحريم، ونهى عنه بقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥١] الآية؛ فحرم الشرك ونهى عنه. فسبحان من طبع على قلوب المشركين؛ نسأل الله تعالى أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلي به هؤلاء الجهلة الضلال، الذين صادموا الحق بالزور والمحال، والله المستعان. وقد بين الله تعالى معنى لا إله إلا الله في آيات كثيرة من القرآن، أصرح شيء وأبينه، لا يخفى إلا على من امتلأ

стр. 5218

قلبه بمحبة الشرك، وعبادة الأوثان، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [سورة الإسراء آية: ٢٣] فيه معنى: إلا الله. وأمثال هذه الآية كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ؛ فمن لم يوفق لمعرفة هذه الآيات، فلا حيلة فيه. قال أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى، في تفسيره، في قوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [سورة لقمان آية: ٢٠] على قراءة الإفراد، ذكر مجاهد عن ابن عباس: أنه فسرها بالإسلام; وقال مجاهد: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [سورة لقمان آية: ٢٠] قال: "لا إله إلا الله، قال: وعن ابن عباس أيضا: أنها لا إله إلا الله". وقوله: ﴿ظَاهِرَةً﴾ يقول: ظاهرة على الألسن قولا، وعلى الأبدان وجوارح الجسد عملا; قوله: ﴿وَبَاطِنَةً﴾ في القلوب اعتقادا ومعرفة. وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً﴾ [سورة الحج آية: ٨] ، يقول تعالى ذكره: ومن الناس من يخاصم في توحيد الله، وإخلاص الطاعة والعبادة له بغير علم عنده بما يخاصم، ﴿وَلا هُدًى﴾ يقول: ولا بيان يبين به صحة ما يقول، ﴿وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [سورة الحج آية: ٨] ، يقول: ولا بتنْزيل من

стр. 5219

الله تعالى جاء بما يدعي، يبين حقيقة دعواه، وصلى الله على محمد. [في كتب عثمان بن منصور أمورا تتضمن الطعن على المسلمين وتضليل إمامهم] وله أيضا رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما. أما بعد: فإنا قد وجدنا في كتب عثمان بن منصور بخطوطه، أمورا تتضمن الطعن على المسلمين، وتضليل إمامهم شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، ﵀، فيما دعا إليه من التوحيد، وإظهار ما يعتقده في أهل هذه الدعوة، من أنهم خوارج، تنزل الأحاديث التي وردت في الخوارج عليهم. وساق جملة من الأحاديث التي وردت في الحث على قتال الخوارج، منها حديث: " أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم" ١، وما في معناه من الأحاديث التي صحت عنه ﷺ فيهم. فنذكر أولا سبب هذه الفتنة التي وقع فيها وأسرها في نفسه، وظهرت على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، وفي خطوطه، لمن يظن أنه يرى رأيه، أو يسمع منه.

стр. 5220

وذلك أنه لما ظهر هذا الدين بنجد، وانتشر في البادية والحاضرة، طلبت نفسه السفر إلى بلاد الزبير، وفيها أناس كثير من أهل نجد قد أجلاهم عنه كراهة هذا الدين وعداوته، منهم محمد بن سلوم، جلا من سدير بسبب كراهة الإسلام والمسلمين، فاجتمع به وقرأ عليه، وأقام عنده مدة من السنين، فصار معظما عنده. ثم إنه تردد إلى البصرة، واجتمع بابن سند وقرأ عليه، واتخذه له شيخا، وهو من أشد الناس عداوة لهذا الدين ومن دعا إليه، يصرح بسبهم وعداوتهم. ثم إن عثمان بعد ذلك قدم الفرعة من بلد الوشم، فأخرجه أهلها من الصف الأول كراهة له، ولما كان عليه في تلك الحال التي ذكرنا، فهو حقيق بأن يمقت ويهان. ثم إنه سكن سديرا في حال اختلاف أهل نجد، لما ابتلوا به من عساكر مصر، فصارت حالهم، وحال أهل الزبير والشمال واحدا، في الموالاة والمحبة، والإكرام، وصاروا يزوجونهم نساءهم، فصار فيهم قاضيا إلى أن ظهر ما كان يعتقده في أهل الإسلام، لكنه بين مصدق ومكذب؛ فمن كانت له غيرة في الدين، عرف حاله وكرهه، ومن لم يكن كذلك غره جهله. فخذ الجواب عما وجدنا له في كتبه بخطه، فقد تضمنت ورقتة التي وجدناها له ثلاثة أمور:
следующие страницы →