← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فنقول: لا يدعى إلا الله، ولا يستغاث في الشدائد وجلب الفوائد إلا به، ولا يذبح القربان إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يخاف خوف السر إلا منه وحده، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يستعان ولا يستعاذ إلا به، وليس لأحد من الخلق شيء من ذلك، لا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا الأولياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم; فلله حق لا يكون لغيره، وحقه تعالى: إفراده بجميع أنواع العبادة، فلا تأله القلوب محبة، وإجلالا، وتعظيما، وخوفا، ورجاء، إلا الله; فهذه هي الحكمة الشرعية الدينية، والأمر المقصود في إيجاد البرية. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ومعنى يعبدون: يوحدون; والعبادة هي: التوحيد; لأن الخصومة بين الرسل وأممهم، فيه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . فمن دعا غير الله، من ميت، أو غائب، أو استغاث به، فهو مشرك كافر، وإن لم يقصد إلا مجرد التقرب إلى الله، وطلب الشفاعة عنده. وقد دخل كثير من هذه الأمة في الشرك بالله، والتعلق على من سواه، ويسمون ذلك توسلا وتشفعا; وتغيير

стр. 562

الأسماء لا اعتبار به، ولا تزول حقيقة الشيء ولا حكمه بزوال اسمه، وانتقاله في عرف الناس باسم آخر. ولما علم الشيطان أن النفوس تنفر من تسمية ما يفعله المشركون تألها، أخرجه في قالب آخر تقبله النفوس; وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: " ليشربن أناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها "١، وكذلك من زنى وسمى ما فعله: نكاحا; فتغيير الأسماء، لا يزيل الحقائق; وكذا من ارتكب شيئا من الأمور الشركية، فهو مشرك، وإن سمى ذلك توسلا وتشفعا. يوضح ذلك: ما ذكر الله في كتابه عن اليهود والنصارى بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] الآية; وروى الإمام أحمد، والترمذي، وغيرهما: أن عدي بن حاتم، قدم على النبي ﷺ وكان قد تنصر في الجاهلية، فسمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] الآية، قال: يا رسول الله، إنهم لم يعبدوهم، فقال ﷺ : " بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وحللوا لهم الحرام، فذاك عبادتهم إياهم " ٢. وقال ابن عباس، وحذيفة بن اليمان، في تفسير هذه الآية: " إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا "; فهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية، لم يسموا أحبارهم ورهبانهم أربابا ولا آلهة، ولا كانوا يظنون أن فعلهم هذا معهم عبادة

стр. 563

لهم; ولهذا قال عدي: إنهم لم يعبدوهم; وحكم الشيء تابع لحقيقته، لا لاسمه، ولا لاعتقاد فاعله; فهؤلاء كانوا يعتقدون أن طاعتهم في ذلك، ليست بعبادة لهم، فلم يكن ذلك عذرا لهم، ولا مزيلا لاسم فعلهم، ولا لحقيقته وحكمه. يوضح ذلك: ما روى الترمذي، وصححه، عن أبي واقد الليثي، قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط; فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٨] لتتبعن سنن من كان قبلكم ". فهؤلاء ما كانوا يظنون أن الذي طلبوه مما تنفيه لا إله إلا الله، فلم يكن جهلهم مغيرا لحقيقة هذا الأمر وحكمه. ومن كان له معرفة بما بعث الله به رسوله، علم أن ما يفعل عند القبور من دعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، والعكوف عند ضرائحهم، والسجود لهم، والنذر لهم، أعظم وأكبر من فعل الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وأقبح وأشنع من قول الذين قالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.

стр. 564

قال بعض العلماء المحققين، رحمه الله تعالى: فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة، والعكوف عليها، اتخاذ إله، مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به، ودعائه، والدعاء عنده؟ فأي نسبة للفتنة بشجرة، إلى الفتنة بالقبر، لو كان أهل الشرك، والبدع، يعلمون؟ انتهى. ولقد حمى النبي ﷺ جناب التوحيد، وسد الذرائع، التي تفضي إلى الشرك والتنديد، فقال فيما صح عنه ﷺ : " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "١، ونهى عن إيقاد السرج عليها، فقال ﷺ : " لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج " ٢، ونهى أن تتخذ عيدا، ونهى عن البناء عليها، وأمر بتسويتها بالأرض، كما روى مسلم في صحيحه، عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي، ﵁: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته " ٣، ونهى عن تجصيص القبور، وعن الكتابة عليها. فنحن ننكر الغلو في أهل القبور، والإطراء والتعظيم; ونهدم البنايات التي على قبور الأموات، لما فيها من الغلو والتعظيم، الذي هو أعظم وسائل الشرك بالله، وهذه الأمور التي أوجبت عبادتها من دون الله، ابتدعها أناس، أرادوا بها التعظيم، وإظهار تشريفهم، فجاء من

стр. 565

بعدهم، فعبدوهم من دون الله، وقصدوا منهم كشف الملمات، وسألوهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات; واعتقدوا هذا الشرك الوخيم قربة ودينا يدينون به، واشتد نكيرهم على من أنكر ذلك، وحذروا عنه، ورموه بالزور والبهتان; والله ناصر دينه، في كل زمان ومكان، لكنه يمتحن حزبه بحربه مذ كانت الفئتان. ومما نعتقده وندين الله به: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر، خيره وشره; ونؤمن بأسماء الله تعالى، وصفاته; ونثبت ذلك على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل، وننزه الله عما لا يليق بجلاله، تنْزيها بلا تعطيل; ونعتقد أن الله مستو على عرشه، عال على خلقه، وعرشه فوق السماوات; وهو بائن عن مخلوقاته; ولا يخلو مكان من علمه، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، فنؤمن باللفظ ونثبت حقيقة الاستواء، ولا نكيف، ولا نمثل، لأنه لا يعلم كيف هو إلا هو. قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ﵀، وبقوله نقول، وقد سأله رجل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ فأثبت مالك ﵀ الاستواء، ونفى علم الكيفية; وكذلك اعتقادنا في جميع أسماء الرب وصفاته، من الإيمان باللفظ، وإثبات الحقيقة، ونفي علم الكيفية.

стр. 566

والقول الشامل في ذلك: أنا نصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، لا نتجاوز القرآن والحديث; فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] فسبحان من لا سمي له، ولا كفو له، وهو أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا، وأحسن حديثا من خلقه. ونؤمن بما ورد من أن الله تعالى ينْزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: " هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه " ١. ونعتقد أن القرآن كلام الله، منَزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وسمعه جبرائيل من الباري سبحانه، ونزل به على رسول الله ﷺ . ولا نقول بقول الأشاعرة ولا غيرهم من أهل البدع. ونؤمن أن الله فعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بقضائه وقدره، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور. ونؤمن بآيات الوعيد، والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، ولا نقول بتخليد أحد من المسلمين من أهل الكبائر في النار، كما تقول الخوارج والمعتزلة، لما ثبت

стр. 567

عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة أنه يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ وإخراجهم من النار، بشفاعة نبينا محمد ﷺ فيمن يشفع له من أهل الكبائر من أمته، وشفاعة غيره، من الملائكة، والأنبياء. ولا نقف في الأحكام المطلقة، بل نعلم أن الله يدخل النار من يدخلها من أهل الكبائر; وآخرون لا يدخلونها لأسباب تمنع من دخولها: كالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحوها. ونعتقد أن الله يفعل ما يفعله لحكمة وأسباب; وهو ﵎ خالق الأسباب، ومسبباتها; ولا نشهد لشخص معين بجنة ولا نار، لأن حقيقة باطنه، وما مات عليه، لا نحيط به، لكن نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، إلا من شهد له رسول الله ﷺ ؛ ولا نكفر أحدا من أهل الإسلام بذنب دون الشرك، ولا نخرجه عن دائرة الإسلام بارتكاب كبيرة. ونؤمن بما أخبر به النبي ﷺ بما يكون بعد الموت; ونؤمن بفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى أجسادها، فيقوم الناس لرب العالمين، في موقف القيامة، حفاة، عراة، غرلا، وتدنو منهم الشمس، فيلجمهم العرق، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله. ونؤمن بحوض نبينا محمد ﷺ ، ونؤمن بأن الصراط

стр. 568

ينصب على متن جهنم، ويمر الناس على قدر أعمالهم. ونؤمن بشفاعة النبي ﷺ ، وأنه أول شافع، وأول مشفع; ولا ينكرها إلا مبتدع ضال، وأنها لا تقع إلا بعد الإذن والرضى، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٦] ، وهو سبحانه، لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، قال أبو هريرة ﵁ للنبي ﷺ : " من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله، خالصا من قلبه " ١، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص، بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [سورة المدثر آية: ٤٨] . ونؤمن أن الله تعالى خلق الجنة، وأنها موجودة الآن، وأن الله أعدها لمن أطاعه واتقاه، وأن الله خلق النار، وأنها موجودة الآن، وأن الله أعدها لمن كفر به وعصاه. ونؤمن أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم في الجنة كما يرى القمر ليلة البدر، لا يضامون في رؤيته، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة آية: ٢٢] ، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [سورة يونس آية: ٢٦] ، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: " الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجهه تعالى "٢.

стр. 569

نؤمن أن محمدا ﷺ خاتم النبيين، والمرسلين، وأن أفضل أمته أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة، ﵃ أجمعين; ونتولى أصحاب رسول الله ﷺ ، ونترضى عنهم، ونستغفر لهم، ونذكر محاسنهم، وفضائلهم، ونكف عما شجر بينهم، ونترضى عن أمهات المؤمنين، المطهرات المبرآت من كل سوء; وأن فضلاهن عائشة، ونبرأ من قول الرافضة، ونعتقد كفر غلاتهم، ونبرأ من قول الزيدية وغيرهم من أهل البدع. ونرى الجهاد مع كل إمام، برا كان أو فاجرا، منذ بعث الله محمدا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال; ونرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية، ونرى هجر أهل البدع، ومباينتهم; ونرى أن كل محدثة في الدين، بدعة. ونرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل قادر، بحسب قدرته واستطاعته، بيده، فإن تعذر فبلسانه، فإن تعذر فبقلبه، كما في الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " ١. ونعتقد أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان،

стр. 570

واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، كما في الحديث الصحيح: " الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " ١. ونعتقد أن الله أكمل الدين، وأتم نعمته على العالمين، ببعثه محمد الرسول الأمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه، دائما إلى يوم الدين، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . فلما أكمل الله به الدين، وبلغ البلاغ المبين، قبضه الله إليه وتوفاه، واختار له الرفيق الأعلى. ونعتقد أن رتبته ﷺ أعلى رتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنْزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وأما الحياة التي تقتضي العلم والتصرف، والحركة في التدبير، فهي منفية عنه ﷺ . وبالجملة: فعقيدتنا في جميع الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، عقيدة أهل السنة والجماعة، نؤمن بها، ونمرها كما جاءت، مع إثبات حقائقها، وما دلت عليه، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تبديل ولا تأويل.

стр. 571

وأما مذهبنا، فمذهب الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، في الفروع، والأحكام، ولا ندعي الاجتهاد، وإذا بانت لنا سنة صحيحة، عن رسول الله ﷺ عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد، كائنا من كان، بل نتلقاها بالقبول والتسليم، لأن سنة رسول الله ﷺ في صدورنا أجل وأعظم من أن نقدم عليها قول أحد; فهذا الذي نعتقده، وندين الله به، فمن نسب عنا خلاف ذلك، أو تقول علينا ما لم نقل، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وحسابنا وحسابه عند الله، الذي تنكشف عنده السرائر، وتظهر لديه مخبآت الصدور والضمائر ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤] ، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. (رسالة الشيخ محمد بن عبد اللطيف إلى أهل الحجاز في بيان عقيدة أهل نجد) وله: أيضا، وفقه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد اللطيف، إلى من يراه، من عسير، وكافة الحجاز، واليمن، هداهم الله لدين الإسلام. وبعد: فاعلموا أن الذي نعتقده، وندين الله به، وندعو الناس إليه، ونجاهدهم عليه، هو دين الإسلام، الذي أوجبه الله على عباده، وهو حقه عليهم، الذي خلقهم لأجله. فإن الله خلقهم ليعبدوه، ولا يشركوا به في عبادته أحدا من

стр. 572

المخلوقين، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلا عن غيرهما، فمن تعلق على غير الله وصرف له شيئا من أنواع العبادة، فقد اتخذه إلها مع الله، وقد أخبر الله : أنه حرم الجنة على من أشرك معه أحدا غيره، وحرم المغفرة عليه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] الآية. وقال ﷺ : " من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار " ١. ونأمر بهدم القباب، ونهدم ما بني على القبور، ولا يزاد القبر على شبر من التراب وغيره; ونأمر بإقام الصلاة، جماعة في المساجد، ونؤدب من تخلف أو تكاسل عن حضورها، وترك الحضور في المسجد; ونلزم ببقية شرائع الإسلام، كالزكاة، والصوم، والحج للقادر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر; وننهى عن الربا، والزنى، وشرب الخمر، والتتن، وعن لبس الحرير للرجال، وننهى عن عقوق الوالدين، وعن قطيعة الأرحام. وبالجملة: فإنا نأمر بما أمر الله في كتابه، وأمر به رسوله ﷺ ، وننهى عما نهى الله عنه، ونهى عنه رسوله، ولا نحرم إلا ما حرم الله، ولا نحلل إلا ما حلل الله; فهذا الذي ندعو إليه، ومن كان قصده الحق، ومراده الخير، والدخول فيه، التزم ما ذكرنا، وعمل بما قررنا، فيكون له ما لنا،

стр. 573

وعليه ما علينا، ونجاهد من لم يقبل ذلك، ونستعين الله على جهاده، ونقاتله حتى يلتزم ما أمر الله به في كتابه، وأمر به رسوله ﷺ . فإنا - ولله الحمد والمنة - لم نخرج عما في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . ومن نسب عنا خلاف ذلك، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين; وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. (منظومة الشيخ سليمان بن سحمان في بيان ما عليه أهل نجد من الاعتقاد) قال الشيخ: سليمان بن سحمان، قدس الله روحه، ونور ضريحه، بعد سياق جملة من عقائد أهل هذه الدعوة: ذكرت هذه المنظومة، التي تتضمن ما نحن عليه من الاعتقاد، مما خالفنا فيه المشبهون الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وبالجملة: فهذا ما نعتقده، وندين الله به، وندعو الناس إليه، ونجاهد عليه من خالفنا في ذلك، بحول الله وقوته، وهذا نصها: لك الحمد اللهم يا خير سيد ... ويا خير مسؤول مجيب لمجتد لك الحمد كم أوليتنا وحبوتنا ... بفضلك آلاء بغير تعدد لك الحمد كم آويتنا بل نصرتنا ... على كل من عادى لدين محمد وعرفتنا الإسلام دين محمد ... وقد كان مرفوضا لدى كل ملحد وبصرتنا نورا من الحق واضحا ... وجنبتنا أديان كل ملدد

стр. 574

فلله ربي الحمد والشكر والثنا ... على كل ما أولى وأعطاه سيدي وبعد: فإن الله ﷻ ... أبان لنا الإسلام حقا لنهتدي ونشكره لما هدانا إلى الهدى ... وقد صد عنه كل غاو ومعتد فهبوا عباد الله من نومة الردى ... إلى الفقه في أصل الهدى والتجرد ولا تشركوا بالله شيئا وجنبوا ... طرائق أهل الغي من كل ملحد كمن كان يغدو للمقابر زائرا ... ويدعوهم في كل خطب ويجتدي ويرجون غوثا في الشدائد عندما ... يلم بهم من حادث متجدد ويرجون منهم قربة وشفاعة ... إلى الله ذي العرش العظيم الممجد ويطلب منهم كشف كل ملمة ... وفي كل كرب فعل أهل التمرد ويطلب من أهل المقابر كل ما ... يؤمله من كل خطب ومقصد وينسون ربا واحدا جل ذكره ... إلها عظيما قادرا ذا تفرد فيا أيها الراجي سلامة دينه ... عليك بتقوى الله ذي العرش تهتد وإياه فارغب في الهداية للهدى ... لعلك أن تنجو من النار في غد وكن باذلا للجد والجهد طالبا ... وسل ربك التثبيت أي موحد وإن رمت أن تنجو من النار سالما ... وتحظى بجنات وخلد مؤبد وروح وريحان وأرغد حبرة ... وحور حسان كاليواقيت خرد فحقق لتوحيد العبادة مخلصا ... بأنواعها لله قصدا وجرد وأفرده بالتعظيم والخوف والرجا ... وبالحب والرغبى إليه ووحد وبالنذر والذبح الذي أنت ناسك ... ولا تستغث إلا بربك تهتد ولا تستعن إلا به وبحوله ... له خاشيا بل خاشعًا في التعبد ولا تستعن إلا به لا بغيره ... وكن لائذا بالله في كل مقصد

стр. 575

إليه منيبا تائبا متوكلا ... عليه وثق بالله ذي العرش ترشد ولا تدع إلا الله لا شيء غيره ... فداع لغير الله غاو ومعتد وكن خاضعا لله ربك لا لمن ... تعظمه واركع لربك واسجد وصل له واحذر مراءاة ناظر ... إليك وتسميعا له بالتعبد وجانب لما قد يفعل الناس عند من ... يرون له حقا فجاؤوا بمؤيد يقومون تعظيما ويحنون نحوه ... ويومون نحو الرأس والأنف باليد وهذا سجود وانحنا بإشارة ... إليه بتعظيم وذا فعل معتد إلى غير ذا من كل أنواعها التي ... بها الله مختص فوحده تسعد وفي صرفها أو بعضها الشرك قد أتى ... فجانبه واحذر أن تجيء بمؤيد وهذا الذي فيه الخصومة قد جرت ... على عهد نوح والنبي محمد ووحده في أفعاله جل ذكره ... مقرا بأن الله أكمل سيد هو الخالق المحيي المميت مدبر ... هو المالك الرازق فاسأله واجتد إلى غير ذا من كل أفعاله التي ... أقر ولم يجحد بها كل ملحد ووحده في أسمائه وصفاته ... ولا تتأولها كرأي المفند فنشهد أن الله حق بذاته ... على عرشه من فوق سبع ممجد عليه استوى من غير كيف وبائن ... عن الخلق حقا قول كل موحد وأن صفات الله حق كما أتى ... بها النص من آي ومن قول أحمد بكل معانيها فحق حقيقة ... وليست مجازا قول أهل التمرد فليس كمثل الله شيء ولا له ... سمي وقل لا كفو لله تهتد

стр. 576

وذا كله معنى شهادة أنه ... إله الورى حقا بغير تردد فحقق لها لفظا ومعنى فإنها ... لنعم الرجا يوم اللقا للموحد هي العروة الوثقى فكن متمسكا ... بها مستقيما في الطريق المحمدي فكن واحدا في واحد ولواحد ... تعالى ولا تشرك به أو تندد ومن لم يقيدها بكل شروطها ... كما قاله الأعلام من كل مهتد فليس على نهج الشريعة سالكا ... ولكن على آراء كل ملدد فأولها: العلم المنافي لضده ... من الجهل، إن الجهل ليس بمسعد فلو كان ذا علم كثير وجاهلا ... بمدلولها يوما فبالجهل مرتد وثانيها: وهو القبول وضده ... هو الرد فافهم ذلك القيد ترشد كحال قريش حين لم يقبلوا الهدى ... وردوه لما أن عتوا في التمرد وقد علموا منها المراد وأنها ... تدل على توحيده والتفرد فقالوا كما قد قاله الله عنهم ... بسورة ص ١ فاعلمن ذاك تهتد فصارت به أموالهم ودماؤهم ... حلالا وأغناما لكل موحد وثالثها: الإخلاص، فاعلم وضده ... هو الشرك بالمعبود في كل مقصد كما أمر الله الكريم نبيه ... بسورة تنْزيل الكتاب الممجد ورابعها: شرط المحبة، فلتكن ... محبا لما دلت عليه من الهدي وإخلاص أنواع العبادة كلها ... كذا النفي للشرك المفند والدد ومن كان ذا حب لمولاه إنما ... يتم بحب الدين دين محمد

стр. 577

فعاد الذي عادى لدين محمد ... ووال الذي والاه من كل مهتد وأحبب رسول الله أكمل من دعا ... إلى الله والتقوى وأكمل مرشد أحب من الأولاد والنفس بل ومن ... جميع الورى والمال من كل أتلد وطارفه والوالدين كليهما ... بآبائنا والأمهات فتفتدي وأحبب لحب الله من كان مؤمنا ... وأبغض لبغض الله أهل التمرد وما الدين إلا الحب والبغض والولا ... كذاك البرا من كل غاو ومعتد وخامسها: فالانقياد وضده ... هو الترك للمأمور أو فعل مفسد فتنقاد حقا بالحقوق جميعها ... وتعمل بالمفروض حتما وتقتدى وتترك ما قد حرم الله طائعا ... ومستسلما لله بالقلب ترشد فمن لم يكن لله بالقلب مسلما ... ولم يك طوعا بالجوارح ينقد فليس على نهج الشريعة سالكا ... وإن خال رشدا ما أتى من تعبد وسادسها: وهو اليقين، وضده ... هو: الشك في الدين القويم المحمدي ومن شك فليبقى على رفض دينه ... ويعلم أن قد جاء يوما بموئد بها قلبه مستيقنا جاء ذكره ... عن السيد المعصوم أكمل مرشد ولا تنفع المرء الشهادة فاعلمن ... إذا لم يكن مستيقنا ذا تجرد وسابعها: الصدق، المنافي لضده ... من الكذب الداعي إلى كل مفسد وعارف معناها إذا كان قابلا ... لها عاملا بالمقتضى فهو مهتد وطابق فيها قلبه للسانه ... وعن واجبات الدين لم يتبلد وما لم تقم هذى الشروط جميعها ... بقائلها يوما فليس على الهدى

стр. 578

ونشهد: أن المصطفى سيد الورى ... محمد المعصوم أكمل مرشد وأفضل من يدعو إلى الدين والهدى ... رسول من الله العظيم الممجد إلى كل خلق الله طرا وأنه ... يطاع فلا يعصى بغير تردد ونأتي من المأمور ما نستطيعه ... ونجتنب المنهي من كل مفسد وأن الصلاة الخمس فرض وأنها ... عمود لهذا الدين في نص أحمد كذاك زكاة المال فرض وواجب ... على كل ذي مال لدى كل مهتد ومن لا يصلي فهو لا شك كافر ... كما قاله المعصوم أكمل سيد وقد فرض الله الصيام على الورى ... كما هو في نص الكتاب الممجد كذلك حج البيت فرض وواجب ... على مستطيع قادر ذي تزود فهذا هو الإسلام حقا كما أتت ... مبينة أركانه في المعدد ونؤمن بالله العظيم إلهنا ... وأملاكه والرسل من كل أمجد وكتب وباليوم الذي هو آخر ... وبالقدر المقدور حقا لنهتدي فما قدر الرحمن كان كما يشا ... وما لم يقدر لا يكون فقيّد وما كان من خير وشر فكله ... من الله تقديرا بغير تردد وقد بعث الله النبي محمدا ... بإخلاص هذا الدين للمتفرد وتكفير عباد القبور ومن على ... طريقتهم من كل غاو ومعتد فكن سالكا في منهج الحق والهدى ... لتنجو من حر الجحيم المؤبد وهذا اعتقاد للأئمة قبلنا ... ذوي العلم والتحقيق من كل مهتد كمثل الإمام الشافعي وأحمد ... ومالك والنعمان من كل سيد وأصحابهم من كل حبر وجهبذ ... وأتباعهم أهل التقى والتجرد

стр. 579

ونحن على منهاجهم واعتقادهم ... نسير ولا نألو اجتهادا ونقتدى بحول إله العرش ﷻ ... وتوفيقه والله بالخير يبتدي ونبرأ من كل ابتداع مخالف ... لأهل الهدى من قول كل ملدد ومن دين عباد القبور جميعهم ... ومن كل جهمي كفور وملحد ونبرأ من دين الخوارج إذ غلوا ... بتكفيرهم بالذنب كل موحد وظنوه دينا من سفاهة رأيهم ... وتشديدهم في الدين أي تشدد ومن كل دين خالف الحق والهدى ... وليس على نهج النبي محمد فيا أيها الناس اسمعوا وتفطنوا ... جميعا لما قد قلته في المنضد فإن كان حقا واضحا وعلى الهدى ... كما هو معلوم لدى كل مهتد عليه من الحق المبين دلائل ... تلوح وتبدو جهرة للموحد ففيئوا إلى دين الهدى وذروا الهوى ... ولا تتبعوا آراء كل ملدد يرى الدين في أقوال من ضل واعتدى ... وزاغ عن السمحاء من قول أحمد ويا عجبا كيف اطمأنت نفوسكم ... بتغيير دين المصطفى خير مرشد فتأتون بالشرك المحرم جهرة ... ينادى به في كل ناد ومشهد وما منكمو من منكِرٍ ومفند ... لذلك جهرا باللسان وباليد إذا كنتمو من أهل دين محمد ... فكيف استجزتم فعل أهل التمرد وكيف استلذيتم من العيش مطعما ... وما منكمو من منكِر ومفند وكيف لكم طاب المنام وتهدؤوا ... وأنتم ترون الكفر بالله يزدد وكيف لكم قر القرار وأنتمو ... على حالة لا ترتضى للموحد

стр. 580

ألا فأفيقوا وانظروا وتفكروا ... فما مبصر في الدين يوما كأرمد وليس أخو جهل كمن كان عارفا ... ولا آمن في دينه كالمقلد ونحن على ما قد أبنا من الهدى ... نجاهد ما عشنا ونهدي ونهتدي ونبذل في إظهار دين محمد ... نفوسا وأموالا بغير تردد ولو تلفت منا النفوس بأسرها ... وباد جميع المال من كل أتلد وطارفه حتى يفيئوا إلى الهدى ... ويظهر دين الله جهرا لمهتد فإن لم يكن حقا لديكم وواضحا ... وليس على الدين القويم المحمدي فهاتوا دليلا من كتاب وسنة ... ومن قول أصحاب النبي محمد وأتباعهم والتابعين على الهدى ... وكل إمام حافظ ومسدد وحاشا وكلا ما إلى ذاك مسلك ... يجيء به من زاغ عن دين أحمد وما هو إلا في مهامه تائه ... بريء من الإسلام غاو ومعتد ويا من على دين النبي محمد ... ذوي الحق من بدو وسكان أبلد وأعني بذا سكان نجد ومن على ... طريقتهم من كل هاد ومهتد تعالوا بنا نحيي رياضا من الهدى ... ونعمر أركانا لدين محمد عفت وانمحت في كل قطر وموطن ... ولم يبق إلا من على دين أحمد فأنتم على السمحاء باد يقينها ... موضحة معلومة للموحد فعضوا عليها بالنواجذ واصبروا ... فأنتم حماة الدين في كل مشهد وأنتم على الدين الحنيفي والهدى ... وغيركمو لا شك بالجهل مرتد فيا أيها الإخوان جدوا وشمروا ... لنصرة دين الله بالمال واليد

стр. 581

وبيعوا نفوسا في رضى الله واطلبوا ... بذاك خلودا في نعيم مؤبد فما هذه الدنيا بدار إقامة ... سنظعن عنها عن قريب ونفتدي ولكنما دار الإقامة والبقا ... إذا ما بعثنا من قبور وألحد هي الدار في الأخرى فإن كنت حازما ... فإنك ذا فقر بها فتزود فاعدد لها إن كنت بالله مؤمنا ... حنانيك أعمالا لتنجو في غد إذا تم هذا واستبان لديكمو ... وقد كان معلوما بغير تردد فيلزمكم أيضا حقوق كثيرة ... من الدين في الإسلام من قول أحمد وذلك أن توفوا بعهد إمامكم ... على الكره منكم والرضى والتحمد وتعطونه في ذاك سمعا وطاعة ... كما جاء في النص الأكيد المؤيد إذا كان بالمعروف يأمركم به ... وينهى عن الفحشاء من كل مفسد ولو جار في أخذ من المال واعتدى ... بضرب وتنكيل عنيف منكد فلا تخرجوا يوما عليه تعنتا ... تريدون كشفا للظلامة باليد كما فعلت أعني الخوارج إذ غلوا ... وقد مرقوا من دينهم بالتشدد بغير دليل من كتاب وسنة ... ولكن برأي منهمو والتجهد فكانوا كلاب النار يوم معادنا ... ولم يغن عنهم ما أتوا من تعبد ومنها جهاد الكافرين ومن عصى ... وخالف أمر الله من كل معتد وقد كان معلوما من الدين واضحا ... ولا شك في هذا لدى كل مهتد ومنها حقوق المسلمين لبعضهم ... على بعضهم حقا لكل موحد فما مسلم إلا وبالذنب قد أتى ... وقارف أو قد جاء يوما بمؤبد فيعطى الحقوق اللازمات لدينه ... وإسلامه إذ كان للخير ينقد يوالى على هذا وترعى حقوقه ... كما قال هذا كل حبر مسدد

стр. 582

ويحمد من وجه على حسناته ... ويثنى عليه بالجميل ليزدد كما أنه بالفعل للخير والتقى ... يثاب بلا شك لدى كل مهتد ويبغض من وجه على هفواته ... وزلاته من غير بغض مبعد ليقلع عن تلك المعاصي وفعلا ... وينْزجر الباقون عن كل مفسد كما أنه بالسيئات وفعلها ... يعاقب تنكيلا بغير تشدد فمن لم يراع ما ذكرناه لم ين ... على المنهج الأسنى يسير ويقتدي وضاعت حقوق المسلمين لبعضهم ... على بعضهم في الدين دين محمد وصار إلى دين الخوارج إذ غلوا ... ولم يهتدوا يوما إلى قول مرشد وهذا قليل من كثير فمن رد ... من الخير منهاجا إليه ليهتدي فيسأل أهل العلم عن طرق الهدى ... لينجو من حر الجحيم المؤبد ولا يتلق العلم عن كل جاهل ... فيهلك بل يصبو إلى قول ملحد وقال الشيخ: سليمان بن سحمان، رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. أما بعد: فقد اشتملت هذه المنظومة، على ستة مشاهد، ذكرها العلامة ابن القيم، ﵀، في إغاثة اللهفان، في علامة صحة القلب; وختمت ما ذكره الشيخ بذكر ما عليه أهل السنة والجماعة من الاعتقاد، وهذا نصها: بحمد الله نبدأ في المقال ... وذكر الله في كل الفعال فذكر الله يجلو كل هم ... عن القلب السليم على التوال فللقلب السليم إذا تزكى ... علامات هنالك للكمال

стр. 583

علامات لصحة كل قلب ... سليم عن مداخلة الضلال علامات ذكرن بكل نثر ... عن الأعلام واضحة لتال ولكني نظمت لها نظاما ... به أرجو التنافس في الفضال مع الإقرار بالتقصير فيها ... وذكر للعقيدة في المقال علامة صحة للقلب ذكره ... لذي العرش المقدس ذي الجلال وخدمة ربنا في كل حال ... بلا عجز هنالك أو ملال ولا يأنس بغير الله طرا ... سوى من قد يدل إلى المعالي ويذكر ربه سرا وجهرا ... ويدمن ذكره في كل حال ومنها وهو ثانيها إذا ما ... يفوت الورد يوما لاشتغال فيألم للفوات أشد مما ... يفوت على الحريص من الفضال ومنها شحه بالوقت يمضي ... ضياعا كالشحيح ببذل مال وأيضا من علامته اهتمام ... بهم واحد غير انتحال فيصرف همه لله صرفا ... ويترك ما سواه من المقال وأيضا من علامته إذا ما ... دنا وقت الصلاة لذي الجلال وأحرم داخلا فيها بقلب ... منيب خاضع في كل حال تناءى همه والغم عنه ... بدنيا تضمحل إلى زوال ووافى راحة وسرور قلب ... وقرة عينه ونعيم بال ويشق الخروج عليه منها ... فيرغب جاهدا في الابتهال وأيضا من علامته اهتمام ... بتصحيح المقالة والفعال

стр. 584

وأعمال ونيات وقصد ... على الإخلاص يحرص بالك أشد تحرصا وأشدهما ... من الأعمال ثمت لا يبالي بتفريط المقصر ثم فيها ... وإفراط وتشديد لغال وتصحيح النصيحة غير غش ... يمازج صفوها يوما بحال ويحرص في اتباع النص جهدا ... مع الإحسان في كل الفعال ولا يصغى لغير النص طرا ... ولا يعبأ بآراء الرجال فست مشاهد للقلب منها ... علامات عن الداء العضال ويشهد منة الرحمن يوما ... بما أسدى عليه من الفضال ويشهد منه تقصيرا وعجزا ... بحق الله في كل الخلال فقلب ليس يشهدها سقيم ... ومنكوس لفعل الخير قال فإن رمت النجاة غدا وترجو ... نعيما لا يصير إلى زوال نعيما لا يبيد وليس يفنى ... بدار الخلد في غرف عوال فلا تشرك بربك قط شيئا ... فإن الله جل عن المثال إله واحد أحد عظيم ... عليم عادل حكم الفعال رحيم بالعباد إذا أنابوا ... وتابوا من متابعة الضلال شديد الانتقام بمن عصاه ... ويصليه الجحيم ولا يبالي فبادر بالذي يرضى لتحظى ... بخير في الحياة وفي المآل ولازم ذكره في كل وقت ... ولا تركن إلى قيل وقال وأهل العلم جالسهم وسائل ... ولا يذهب زمانك في اغتفال وأحسن وانبسط وارفق ونافس ... لأهل الخير في رتب المعالي فحسن البشر مندوب إليه ... ويكسو أهله ثوب الجمال

стр. 585

وأحبب في الإله وعاد فيه ... وأبغض جاهدا فيه ووال وأهل الشرك باينهم وفارق ... ولا تركن إلى أهل الضلال وتشهد قاطعا من غير شك ... بأن الله جل عن المثال علا بالذات فوق العرش حقا ... بلا كيف ولا تأويل غال علو القدر والقهر اللذان ... هما لله من صفة الكمال بهذا جاءنا في كل نص ... عن المعصوم من صحب وآل وينْزل ربنا في كل ليل ... إلى أدنى السماوات العوالي لثلث الليل ينْزل حين يبقى ... بلا كيف على مر الليالي ينادي خلقه: هل من منيب ... وهل من تائب في كل حال؟ وهل من سائل يدعو بقلب ... فيعطى سؤله عند السؤال؟ وهل مستغفر مما جناه ... من الأعمال أو سوء المقال؟ وتشهد أنما القرآن ... حقا كلام الله من غير اعتلال ولا تمويه مبتدع جهول ... بخلق القول عن أهل الضلال وآيات الصفات تمر مرا ... كما جاءت على وجه الكمال ورؤيا المؤمنين له تعالى ... عيانا في القيامة ذي الجلال يرى كالبدر ١ أو كالشمس صحوا ... بلا غيم ولا وهم خيال وميزان الحساب كذاك حقا ... مع الحوض المطهر كالزلال

стр. 586

ومعراج الرسول إليه حق ... بنص وارد للشك جال كذاك الجسر يبسط للبرايا ... على متن السعير بلا محال فناج سالم من كل شر ... وهاو هالك للنار صال وتؤمن بالقضا خيرا وشرا ... وبالمقدور في كل الفعال وأن النار حق قد أعدت ... لأعداء الرسول ذوي الضلال بحكمة ربنا عدلا وعلما ... بأحوال الخلائق في المآل وأن الجنة الفردوس حق أعدت ... للهداة أولي المعالي بفضل منه إحسانا وجودا ... وتكريما لهم بعد الوصال ١ وكل في المقابر سوف يلقى ... بلا شك هنالك للسؤال نكيرا منكرا حقا بهذا ... أتانا النقل عن صحب وآل وأعمالا تقارنه فإما ... بخير قارنت أو سوء حال فيا فردا بلا ثان أجرني ... وثبتني بعزك ذا الجلال وعاملني بعفوك واغن قلبي ... بفضلك عن حرامك بالحلال ونق القلب من درن الخطايا ... ورشني من فواضلك الجزال ولاطف باللطائف والعنايا ... ضعيفا في جنابك ذا اتكال وجملني بعافية وعفو ... فإن تمنن بعفوك لا أبال وصلى الله ما غنت بأيك ... على الأغصان من طلح وظال تنادي دائما تدعو هديلا ... حمامات على فنن عوال على المعصوم أفضل كل خلق ... وأزكى الخلق مع صحب وآل

стр. 587

(رسالة الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى أبو اليسار الدمشقي وناصر الدين الحجازي) قال الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، وفقه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن، آل فيصل، إلى جناب الأخوين المكرمين: الشيخ الفاضل أبو اليسار الدمشقي، وناصر الدين الحجازي، سلمهما الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فإني أحمد إليكما الله، الذي لا إله إلا هو، على نعمه التي من أجلها: نعمة الإسلام، ونشكره سبحانه، إذ جعلنا من أهلها وأنصارها والذابين عنها; ونسأله أن يصلي على عبده، ورسوله، وحبيبه، وخيرته من خلقه، محمد، وآله وصحبه وحزبه. وغير ذلك: ورد علينا ردكم على عبد القادر الإسكندراني، فرأيناه ردا سديدا، وجوابا صائبا مفيدا، وافيا بالمقصود; فحمدنا الله على ما من به عليكم، من معرفة الحق والبصيرة فيه، وعرضناه على مشائخ المسلمين، فاستحسنوه وأجازوه; فالحمد لله الذي جعل لأهل الحق بقية وعصابة، تذب عن دين المرسلين، وتحمي حماه عن زيغ الزائغين، وشبه المارقين والملحدين; فلربنا الحمد لا نحصي

стр. 588

ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه خلقه. وهذه منة عظيمة، ومنحة جليلة جسيمة، حيث جعلكم الله في هذه الأزمان، التي غلب على أكثر أهلها الجهل والهوى، والإعراض عن النور والهدى، واستحسنوا عبادة الأصنام والأوثان، وصرفوا لها خالص حق الملك الديان، ورأوا أن ذلك قربة ودين يدينون به، ولم يوجد من أزمان متطاولة، من ينهى عن ذلك، أو يغيره; فعند ذلك اشتدت غربة الإسلام، واستحكم الشر والبلاء، وطمست أعلام الهدى، وصار من ينكر ذلك، ويحذر عنه، خارجيا قد أتى بمذهب لا يعرف، لأنهم لا يعرفون إلا ما ألفته طباعهم، وسكنت إليه قلوبهم، وما وجدوا عليه أسلافهم وآباءهم، من الكفر، والشرك، والبدع، والمنكرات الفظيعة؛ فالعالم بالحق، والعارف له، والمنكر للباطل، والمغير له، يعد بينهم وحيدا غريبا. فاغتنموا رحمكم الله الدعوة إلى الله، وإلى دينه وشرعه، ودحض حجج من خالف ما جاءت به رسله، ونزلت به كتبه، من البينات والهدى، وأن تكون الدعوة إلى الله، بالحكمة والموعظة الحسنة، بالحجة والبيان، حتى يمن الله الكريم عليكم بمن يساعدكم على هذا; فإن القيام في ذلك من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، وأفضل الأعمال الصالحات; لا سيما في هذا الزمان، الذي قل

стр. 589

خيره، وكثر شره، قال ﷺ " من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء " ١ وقال لعلي بن أبي طالب ﵁: " فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من حمر النعم " ٢؛ ونحن إن شاء الله من أنصاركم، وأعوانكم. ومن حسن توفيق الله لكم: أن أقامكم في آخر هذا الزمان دعاة إلى الحق، وحجة على الخلق، فاشكروه على ذلك; واعلموا أن من أقامه الله هذا المقام، لا بد أن يتسلط عليه الأعداء بالأذى والامتحان، فليقتد بمن سلف من الأنبياء والمرسلين، ومن على طريقهم من الأئمة المهديين، ولا يثنيه ذلك عن الدعوة إلى الله، فإن الحق منصور، وممتحن، والعاقبة للمتقين في كل زمان ومكان. وهذه ٣ هدية نهديها إليكم، من كلام علماء المسلمين، وبيان ما نحن ومشائخنا عليه، من الطريقة المحمدية، والعقيدة السلفية، ليتبين لكم حقيقة ما نحن عليه، وما ندعو إليه، نحن وسلفنا الماضون; نسأل الله لنا ولكم التوفيق، والهداية لأقوم منهج وطريق، والسلام. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم آخر الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وهو: كتاب التوحيد

стр. 590

المجلد الثاني: (كتاب التوحيد) كتاب التوحيد ... كتاب التّوحيد بسم الله الرحمن الر حيم كتاب التوحيد [أربعة قواعد يتميز بها المسلم من المشرك] قال شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، قدس الله روحه: بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله الذي يستدل على وجوب وجوده ببدائع له من الأفعال، المنزه في ذاته وصفاته عن النظائر والأمثال، أنشأ الموجودات فلا يعزب عن علمه مثقال، أحمده سبحانه وأشكره إذ هدانا لدين الإسلام، وأزاح عنا شبه الزيغ والضلال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة موحد له في الغدو والآصال. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، نبي جاءنا بدين قويم، فارتوينا مما جاءنا به من عذب زلال; اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد وأصحابه الذين هم خير صحب وآل، وسلم تسليما. أما بعد: فقد طلب مني بعض الأصدقاء الذين لا تنبغي مخالفتهم، أن أجمع مؤلفا يشتمل على مسائل أربع،

стр. 591

وقواعد أربع، يتميز بهن المسلم من المشرك. الأولى: أن الذي خلقنا وصورنا لم يتركنا هملا، بل أرسل إلينا رسولا، معه كتاب من ربنا، فمن أطاع فهو في الجنة، ومن عصى فهو في النار، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ [سورة المزمل آية: ١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [سورة النساء آية: ١٣"١٤] . الثانية: أنه سبحانه ما خلق الخلق إلا ليعبدوه وحده، مخلصين له الدين، والدليل على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] . الثالثة: أنه إذا دخل الشرك في عبادتك، بطلت ولم تقبل; وأن كل ذنب يرجى له العفو إلا الشرك، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٥] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [سورة النساء آية: ١١٦] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] .

стр. 592

ومن نوع هذا الشرك: أن يعتقد الإنسان في غير الله: من نجم، أو إنسان أو نبي، أو صالح، أو كاهن، أو ساحر، أو نبات، أو حيوان، أو غير ذلك، أنه يقدر بذاته على جلب منفعة من دعاه أو استغاث به، أو دفع مضرة، فقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة فاطر آية: ٢] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٧] . فإذا تبين في القلب أنه بهذه الصفة، وجب أن لا يستغاث إلا به، ولا يستعان إلا به، ولا يدعى إلا هو; ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٥١] . وقال تعالى موبخا لأهل الكتاب الذين يستغيثون بعيسى وعزير، ﵉، لما أنزل الله عليهم القحط والجوع: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦"٥٧] . وقال تعالى لنبيه: ﷺ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ

стр. 593

كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] . ومن نوع هذا الشرك: التوكل، والصلاة، والنذر، والذبح لغير الله، فقد قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [سورة هود آية: ١٢٣] ، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [سورة الفرقان آية: ٥٨] ، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٢٢] ، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [سورة المائدة آية: ٣] ، إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [سورة المائدة آية: ٣] ، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٢] . ومن نوع هذا الشرك: تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، واعتقاد ذلك، فقد قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، وقال عدي بن حاتم، " يا رسول الله، ما عبدوهم، فقال رسول الله ﷺ : أما أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم؟ وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم؟ قال: بلى; قال: فتلك عبادتهم " وأحبارهم ورهبانهم: علماؤهم وعبادهم; وذلك أنهم اتخذوهم أربابا، وهم لا يعتقدون ربوبيتهم، بل يقولون: ربنا وربهم الله، ولكنهم أطاعوهم في تحليل ما حرم

стр. 594

الله، وتحريم ما أحل الله، وجعل الله ذلك عبادة. فمن أطاع إنسانا عالما، أو عابدا، أو غيره، في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، واعتقد ذلك بقلبه، فقد اتخذه ربا، كالذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. ومن ذلك: " أن أناسا من المشركين، قالوا: يا محمد، الميتة من قتلها؟ قال: الله; قالوا: كيف تجعل قتلك أنت وأصحابك حلالا وقتل الله حراما؟ فنزل قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ١") . ومن نوع هذا الشرك: الاعتكاف على قبور المشهورين بالنبوة، أو الصحبة، أو الولاية، وشد الرحال إلى زيارتها لأن الناس يعرفون الرجل الصالح وبركته ودعاءه، فيعكفون على قبره، ويقصدون ذلك; فتارة يسألونه وتارة: يسألون الله عنده; وتارة يصلون ويدعون الله عند قبره. ولما كان هذا بدء الشرك، سد النبي ﷺ هذا الباب; ففي الصحيحين أنه قال في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "٢، يحذر ما صنعوا. قالت عائشة: (ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا) . وقال: " لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا عليّ حيث كنتم، فإن صلاتكم تبلغني "٣ وقال ﷺ : " لعن الله زائرات

стр. 595

القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج "١ وفي الموطأ عنه ﷺ أنه قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد "٢. وفي صحيح مسلم عن علي، قال: "بعثني رسول الله ﷺ أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا أدع تمثالا إلا طمسته "٣، فأمر بمسح التماثيل من الصور الممثلة على صورة الميت، والتمثال الشاخص المشرف فوق قبره، فإن الشرك يحصل بهذا أو بهذا. "وبلغ عمر ﵁ أن قوما يذهبون إلى الشجرة التي بايع النبي ﷺ أصحابه تحتها، فأمر بقطعها"، "وأرسل إليه أبو موسى: أنه ظهر بتستر قبر دانيال، وعنده مصحف، فيه أخبار ما سيكون، وفيه أخبار المسلمين، وأنهم إذا جدبوا، كشفوا عن القبر، فمطروا. فأرسل إليه عمر، يأمره أن يحفر في النهار ثلاثة عشر قبرا، ويدفنه بالليل بواحد منها، لئلا يعرفه الناس، فيفتنون به". واتخاذ القبور مساجد مما حرم الله ورسوله، وإن لم يبن عليها مسجد، ولما كان اتخاذ القبور مساجد، وبناء المساجد عليها محرما، لم يكن من ذلك شيء على عهد الصحابة والتابعين. وكان الخليل ﵇ في المغارة التي دفن فيها، وهي مسدودة، لا أحد يدخلها، ولا تشد الصحابة الرحال إليه، ولا إلى غيره من المقابر، ففي الصحيحين عنه ﷺ

стр. 596

قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا " ١، فكان من يأتي منهم إلى المسجد الأقصى، يصلون فيه، ثم يرجعون، لا يأتون مغارة الخليل ولا غيرها. وكانت مسدودة حتى استولى النصارى على الشام في أواخر المائة الرابعة، وجعلوا ذلك مكان كنيسة، ولما فتح المسلمون البلاد، اتخذه بعض الناس مسجدا، وأهل العلم ينكرون ذلك. وهذه البقاع وأمثالها لم يكن السابقون الأولون يقصدونها، ولا يزورونها، فإنها محل الشرك; ولهذا توجد فيها الشياطين كثيرا، وقد رآهم غير واحد على صورة الإنسان، يتلون لهم رجال الغيب، فيظنون أنهم رجال من الإنس غائبون عن الأبصار، وإنما هم جن، والجن يسمون رجالا، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [سورة الجن آية: ٦] . وما حدث في الإسلام من هذه الخرافات وأمثالها ينافي ما بعث الله به محمدا ﷺ من كمال التوحيد، وإخلاص الدين لله وحده، وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان. ولهذا يوجد من كان أبعد عن التوحيد والإخلاص، ومعرفة الإسلام، أكثر تعظيما لمواضع الشرك; فالعارفون سنة محمد ﷺ أولى بالتوحيد والإخلاص، وأهل الجهل بذلك: أقرب إلى الشرك والبدع; ولهذا يوجد في الرافضة أكثر مما يوجد في غيرهم، لأنهم أجهل من غيرهم، وأكثر شركا

стр. 597

وبدعًا؛ ولهذا: يعظمون المشاهد، ويخربون المساجد، فالمساجد لا يصلون فيها جمعة، ولا جماعة; وأما المشاهد فيعظمونها، حتى يرون زيارتها أولى من الحج. وكلما كان الرجل أتبع لدين محمد ﷺ ، كان أكمل توحيدا لله وإخلاصا لدينه; وإذا أبعد عن متابعته، نقص عن دينه بحسب ذلك; فإذا كثر بعده عنه، ظهر فيه من الشرك والبدع ما لا يظهر فيمن هو أقرب منه، لاتباع الرسول ﷺ ؛ والله إنما أمر بالعبادة في المساجد، وذلك عمارتها، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ١٨] ، ولم يقل مشاهد الله، وأما نفس بناء المساجد، فيجوز أن يبنيه البر والفاجر، وذلك بناء، كما قال ﷺ " من بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة "١. ثم كثير من المشاهد أو أكثرها كذب، كالذي بالقاهرة، على رأس الحسين ﵁؛ فإن الرأس لم يحمل إلى هناك، وكذلك مشهد علي، إنما حدث في دولة بني بويه; قال الحافظ وغيره: هو قبر المغيرة بن شعبة; وعلي إنما دفن بقصر الإمارة بالكوفة; ودفن معاوية بقصر الإمارة بدمشق; ودفن عمرو بن العاص بقصر الإمارة بمصر، خوفا عليهم إذا دفنوا في المقابر أن تنبشهم الخوارج. المسألة الرابعة: أنه إذا كان عملك صوابا ولم يكن خالصا، لم يقبل؛ وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا، لم

стр. 598

يقبل; فلا بد: أن يكون خالصًا، صوابًا، على شريعة محمد ﷺ ولذلك قال سبحانه في علماء أهل الكتاب وعبادهم وقرائهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاًالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٣"١٠٤] ، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [سورة الغاشية آية: ٢"٣"٤] . وهذه الآيات ليست في أهل الكتاب خاصة، بل كل من اجتهد في علم، أو عمل، أو قراءة، وليس موافقا لشريعة محمد ﷺ فهو من الأخسرين أعمالا، الذين ذكرهم الله تعالى في محكم كتابه العزيز، وإن كان له ذكاء، وفطنة، وفيه زهد وأخلاق، فهذا العذر لا يوجب السعادة والنجاة من العذاب إلا باتباع الكتاب والسنة; وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة البدن وقوة الإرادة، فالذي يؤتى فضائل علمية، وإرادة قوية، وليس موافقا للشريعة، بمنزلة من يؤتى قوة في جسمه وبدنه. وروي في صحيح البخارى عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يخرج فيكم قوم، تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعلمكم مع علمهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئا، وينظر في القدح فلا يرى شيئا، وينظر في الريش فلا يرى شيئا، ويتمارى في الفوق "١.

стр. 599

وروى في صحيح البخاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يأتي في آخر الزمان ناس حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة "١. وقال رسول الله ﷺ : " يكون في آخر الزمان رجال كذابون، يأتون من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم! لا يضلونكم، ولا يفتنونكم! "٢ رواه أبو هريرة. وقال رسول الله ﷺ : " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل "٣ رواه ابن مسعود ﵁. وقال رسول الله ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي الله بأمره، وهم على ذلك "٤ رواه معاوية ﵁: وقال ﷺ : " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى "٥ رواه أبو هريرة. ﵁ وعن

стр. 600

ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: " لا يؤمن أحدكم، حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "١. وقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة، ومعرفة ما أراد بذلك، كما كان عليه الصحابة، والتابعون، ومن سلك سبيلهم فكل ما يحتاج إليه الناس، فقد بينه الله ورسوله، بيانا شافيا كافيا، فكيف أصول التوحيد، والإيمان؟ ثم إذا عرف ما بينه الرسول، نظر في أقوال الناس وما أرادوا بها، فعرضت على الكتاب والسنة، والعقل الصريح الذي هو موافق للرسول، فإنه الميزان مع الكتاب، فهذا سبيل الهدى. وأما سبيل الضلال والبدع والجهل، فعكسه أن تبدع بدعة بآراء رجال وتأويلاتهم، ثم تجعل ما جاء به الرسول تبعا لها، وتحرف ألفاظه وتأويله على وفق ما أصلوه؛ وهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول، ولا يتلقون منه الهدى، ولكن ما وافقهم منه قبلوه، وجعلوه حجة لا عمدة، وما خالفهم منه تأولوه، كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه، أو فوضوه، كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني. وكثير منهم إنما ينظر في تفسير القرآن والحديث فيما يقوله موافقة على المذهب; وكثير منهم لم يكن عمدتهم في نفس الأمر اتباع نص أصلا، كالذين ذكرهم الله من اليهود الذين يفترون على الله الكذب، وهم يعلمون;
следующие страницы →