← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

واهتمام الإمام بشرائع الإسلام، ثم ساق الحديث، قال: قال الخطابي في شرح هذا الكلام كلاما حسنا، لا بد من ذكره لما فيه من الفوائد. قال ﵀، مما يجب تقديمه: أن يعلم أن أهل الردة كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة، وعادوا لكفرهم، وهم الذين عنى أبو هريرة بقوله: وكفر من كفر من العرب. والصنف الآخر: فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة، وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام. وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين، من لا يكاد يسمح بالزكاة، ولا يمنعهما، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك، كبني يربوع، فإنهم جمعوا صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر، فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم. وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة عند عمر ﵁ فراجع أبا بكر وناظره، واحتج عليه بقوله ﷺ : " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ فمن قال لا إله إلا الله، فقد عصم نفسه وماله "١. وكان هذا من عمر تعلقا بظاهر الكلام، قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه. فقال له أبو بكر: "الزكاة حق المال"، يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال، معلقة بإيفاء شرائطها؛ والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما، والآخر معدوم، ثم قايسه

стр. 5392

بالصلاة ورد الزكاة إليها؛ وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعا من الصحابة ﵃، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه. فلما استقر عندهم صحة رأي أبي بكر ﵁، وبان لعمر صوابه تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله: "فلما رأيت الله شرح صدر أيي بكر للقتال، عرفت أنه الحق"، يريد انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه نصا ودلالة، انتهى والله أعلم. وقال النووي أيضا: قال الخطابي: ويبين لك أن حديث أبي هريرة مختصر، أن عبد الله بن عمر وأنسا، روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة، ففي حديث ابن عمر، عن رسول الله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا؛ فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم، إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين " ١ انتهى. قلت: وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب، من رواية أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله لا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ٢. وفي استدلال أبي بكر، واعتراض عمر ﵄

стр. 5393

دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله ﷺ ما حفظه ابن عمر وأنس وأبو هريرة، وكان هؤلاء الثلاثة: سمعوا هذه الزيادة في روايتهم في مجلس واحد؛ فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة بها حجة عليه؛ ولو سمع أبو بكر هذه الزيادة لاحتج بها، ولما كان احتج بالقياس والعموم، والله أعلم ; انتهى كلام النووي. وقال النووي في شرح مسلم أيضا: قوله: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله " ١. قال الخطابي: معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان، دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم يقاتلون، ولا يرفع عنهم السيف ; قال: ومعنى حسابهم على الله أي: فيما يسرونه ويخفونه ; قال: ففيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر؛ وهذا قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى ذلك عن أحمد بن حنبل، هذا كلام الخطابي. وذكر القاضي عياض معنى هذا وزاد عليه وأوضحه، فقال: اختصاص عصمة المال والنفس لمن قال: لا إله إلا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد مشركو العرب وأهل الأوثان، ومن لا يوحِّد، وهم أول من دعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفى في

стр. 5394

عصمته بقول: لا إله إلا الله، إذا كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: " وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة " ١. هذا كلام القاضي. قلت: ولا بد من الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى، عن أبي هريرة ﵁: " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به " ٢ انتهى كلام النووي. ولازم قول من قال: إنه لا يجوز قتال من قال: لا إله إلا الله، تخطئة أصحاب رسول الله ﷺ في قتالهم مانعي الزكاة، وإجماعهم على قتال من لا يصلي إذا كانوا طائفة ممتنعين ; بل يلزم من ذلك تخطئة جميع الصحابة في قتال بني حنيفة، وتخطئة علي بن أبي طالب ﵁ في قتال الخوارج. بل لازم ذلك رد نصوص رسول الله ﷺ ، بل رد نصوص القرآن، كما قدمنا التي لا تحصى، ويلزم صاحب هذه المقالة الفاسدة أنه لا يجوز قتال اليهود لأنهم يقولون: لا إله إلا الله؛ فتبين بما قررناه أن صاحب هذا القول مخالف للكتاب والسنة والإجماع. ونذكر بعض ما اطلعنا عليه، من كلام فقهاء المذاهب: ٣ قال الشيخ علي الأجهوري المالكي: من ترك فرضا أخره لبقاء ركعة بسجدتها من غير الضرورة، قتل بالسيف حدًّا على المشهور.

стр. 5395

وقال ابن حبيب وجماعة: ظاهر المذهب: كفره، واختاره ابن عبد السلام. وقال في فضل الأذان: قال المازري: في الأذان معنيان، أحدهما: إظهار شعائر الإسلام، والتعريف بأن الدار دار إسلام، وهو فرض كفاية يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه، إن عجز عن قهرهم على إقامته إلا بقتال ; والثاني: الدعاء إلى الصلاة والإعلام بوقتها. وقال الأبي في شرح مسلم: والمشهور أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر، لأنه شعار الإسلام؛ فقد كان رسول الله ﷺ إن لم يسمع أذانا أغار وإلا أمسك ; وقول المصنف: يقاتلون عليه، ليس القتال عليه من خصائص القول بالوجوب، لأنه نص عن عياض في قول المصنف: والوتر غير واجب، لأنهم اختلفوا في التمالي على ترك السنن، هل يقاتلون عليها؟ والصحيح قتالهم وإكراههم، لأن في التمالي على تركها إماتتها، انتهى. وقال في فضل صلاة الجماعة: صلاة الجماعة مستحبة للرجل في نفسه، فرض كفاية في الجملة، يعني على أهل المصر ; قال: ولو تركوها قوتلوا، كما تقدم، انتهى. وقال الشيخ: أحمد بن حمدان الأذرعي الشافعي، في "كتاب قوت المحتاج، في شرح المنهاج": من ترك الصلاة جاحدا وجوبها، كفر بالإجماع؛ وذلك جار في أي جحود كان مجمع عليه، معلوم من الدين بالضرورة، فإن تركها كسلا قتل

стр. 5396

حدا على الصحيح، والمشهور. أما قتله، فلأن الله تعالى قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] ، ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] ، فدل على أن القتل لا يرفع إلا بالإيمان، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولما في الصحيحين: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها " ١ إلى أن قال في الروضة: تارك الوضوء يقتل على الصحيح، جزم به الشيخ أبو حامد ; وفي "البيان": لو صلى عريانا مع القدرة على السترة، أو صلى الفريضة قاعدا بلا عذر، قتل، إلى أن قال: والصحيح قتله بصلاة واحدة، بشرط إخراجها عن وقت الضرورة. وقال ابن حجر الهيتمي، في "التحفة" في باب: حكم تارك الصلاة: إن ترك الصلاة جاحدا وجوبها، كفر بالإجماع، أو تركها كسلا مع اعتقاد وجوبها، قتل، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] ، وحديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ... " ٢ الحديث؛ فإنهما شرطا في الكف عن القتل والمقاتلة: الإسلام، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لكن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة، ممن امتنعوا وقاتلوا، فكانت فيها على حقيقتها، بخلافها في الصلاة، فإنه لا يمكنه

стр. 5397

فعلها بالمقاتلة، فكانت فيها بمعنى القتل، اهـ. وأما كلام الحنابلة فصرحوا بأن أهل البلد إدا تركوا الأذان والإقامة قوتلوا، أي: قاتلهم الإمام أو نائبه حتى يفعلوهما؛ وكذا قالوا في صلاة الجماعة، يقاتل تاركها؛ وكذا قالوا في صلاة العيد، يقاتل أهل بلد تركوها؛ وكذا قالوا: بقتال مانعي الزكاة، وأن الواحد إذا امتنع من أداء الزكاة، ولم يمكن أخذها منه قهرا، قُتل بعد الاستتابة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين لبعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق ﵁ مانعي الزكاة؛ وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم، بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر ﵃. فاتفق الصحابة ﵃ على القتال على حقوق الإسلام، عملا بالكتاب والسنة، وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله: " تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم " ١، فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام، مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة؛ فمتى كان الدين لغير الله، فالقتال واجب.

стр. 5398

فأيما طائفة ممتنعة، امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال، أو الخمر أو الزنى، أو الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين ومحرماته، التي لا عذر لأحد في جحودها، أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها؛ وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء. وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة، إذا أصروا على ترك بعض السنن، كركعتي الفجر، والأذان، والإقامة، عند من لا يقول بوجوبها، ونحو ذلك من الشعائر، فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها، فلا خلاف في القتال عليها، انتهى. وأيضا: فالمقصود من لا إله إلا الله، البراءة من الشرك وعبادة غير الله ; ومشركو العرب يعرفون المراد منها، لأنهم أهل اللسان ; فإذا قال أحدهم: لا إله إلا الله، فقد تبرأ من الشرك، وعبادة غير الله، فلو قال: لا إله إلا الله، وهو مصر على عبادة غير الله، لم تعصمه هذه، لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٣] أي: شرك، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ أي: عن الشرك ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ

стр. 5399

فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] . وقال النبي ﷺ : " بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له " ١، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٣] أي: الطاعة والعبادة لِلَّهِ وهذا معنى لا إله إلا الله، نسأل الله أن يجعلها آخر كلامنا ; وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. وقال أيضا: رحمه الله تعالى: وأما قوله ﷺ : " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب "٢، فقد يحتج بهذا الحديث من زعم أن هذه الأمور الشركية التي تفعل عند القبور، ومع الجن، مثل سؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والاستعاذة بهم، والتقرب إليهم بالذبح لهم، والنذر لهم، وغير ذلك من أنواع العبادة، ليست عبادة لهم ولا شركا. فيقال أولا: إن النبي ﷺ نسب الإياس إلى الشيطان، ولم يقل: إن الله أيسه؛ فالإياس الصائر من الشيطان لا يلزم تحقيقه واستمراره، ولكن عدو الله لما رأى ما ساءه من ظهور الإسلام في جزيرة العرب وعلوه، يئس من ترك المسلمين دينهم، الذي أكرمهم الله به، ورجوعهم إلى الشرك الأكبر؛ وهذا كما أخبر الله سبحانه عن الكفار، في قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٣] .

стр. 5400

قال المفسرون: لما رأى الكفار ظهور الإسلام في أرض العرب وتمكنه فيها، يئسوا من رجوع المسلمين عن الإسلام إلى الكفر، قال ابن عباس وغيره من المفسرين: يئسوا أن يراجعوا دينهم، قال ابن كثير: وعلى هذا يرد الحديث الثابت في الصحيح، أن رسول الله ﷺ قال: " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم "١، يعني أن إياس الشيطان مثل إياس الكفار، وأن الكل يئس من ارتداد المسلمين وتركهم دينهم، ولا يلزم من ذلك امتناع وجود الكفر في أرض العرب. ولهذا قال ابن رجب على الحديث: يئس أن تجتمع الأمة على الشرك الأكبر ; يوضح ذلك: ما حصل من ارتداد أكثر أهل الجزيرة بعد موت النبي ﷺ ، وقتال الصديق والصحابة لهم، على اختلاف تنوعهم في الردة ; قال أبو هريرة: لما مات النبي ﷺ وكفر من كفر من العرب ; وردة بني حنيفة مشهورة. وقول النبي ﷺ : " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون "٢، معناه: أنه يئس أن يطيعه المصلون في الكفر بجميع أنواعه، لأن طاعته في ذلك هي عبادته، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [سورة يس آية: ٦٠] . ومن استدل بالحديث على امتناع وجود كفر في جزيرة العرب، فهو ضال مضل; فماذا يقول هذا الضال في الذين قاتلهم الصديق ﵁ والصحابة من العرب، وسموهم

стр. 5401

مرتدين كفارا؟! فلازم دعوى هذا الضال: أنه لم يكفر أحد من العرب بعد موته ﷺ ، وأن الصحابة أخطؤوا في قتالهم، والحكم عليهم بالردة. وقد ثبت في الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى " ١، ومكانهما معلوم، وقال ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس عند ذي الخلصة "٢، وهو صنم لدوس، رهط أبي هريرة، بعث رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي وهدمه. وفي الحديث الصحيح من خبر الدجال: أنه لا يدخل المدينة، بل ينْزل بالسبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج منها كل كافر ومنافق؛ فأخبر أن في المدينة إذ ذاك كفارا ومنافقين. ويقال أيضا لهذا المجادل: بيّن لنا الشرك الذي حرمه الله وعظم أمره، فإنه لا يعرفه، أو يفسره بالشرك في الربوبية الذي أقر به المشركون، وحينئذ بينت له أن الشرك في الإلهية، وهو جعل شيء من العبادة لغير الله، كالسجود ودعاء الأموات والغائبين، والذبح لهم والنذر لهم؛ وهذه الأمور كانت تفعل، عند مشاهد شركية، في اليمن والحرمين، ومع الجن في نجد وغيرها من الجزيرة. أيظن هؤلاء المجادلون بالباطل أن العلماء الذين نصّوا على أن هذه الأفعال والأقوال من الشرك الأكبر، أنهم لا يعرفون معنى الحديث الذي أوردتموه؟ أو لا يعرفون الشرك؟ وهذا

стр. 5402

ظاهر - ولله الحمد -؛ ونص العلماء وحكوا الإجماع عليه، وأقاموا عليه أدلة من الكتاب والسنة، فإن كابر وعاند، فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا ; نسأل الله أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [نقل أبيات من البردة والسؤال عن مستصحبها] نقل الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ محمد بن عمر بن سليم، هذه الأبيات من البردة للبوصيرى، وتشطيرها لداود بن جرجيس، وأرسلاها إلى الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، وسألاه: أيتعين نصح مستصحبها؟ أم هجره والتحذير عنه؟ يا خير من يمم العافون ساحت ... فحصلوا من نداه أوفر القس ومن رجاه فما أن خاب حيث أت ... سعيا وفوق متون الأينق الرسم ومنها أيضا: وتشطيرها لداود: فإن لي ذمة منه بتسميتي ... كاسمه ذا مقام السعود سمي شاركته بحروف الاسم حيث غدا ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم أو شافعا لي فيما جنيت غدا ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه ... فيرجعن منه صفر الكف ذا عدم فلا يظن به تخييب ذا أمل ... أو يرجع الجار منه غير محترم ومنها أيضا، لهما: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... عند الزحام إذا ما اشتد بي ندمي

стр. 5403

إن لم تكن لي فمن أرجوه يشفع لي ... سواك عند حلول الحادث العمم ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... وقد وسعت به للرسل والأمم فانظر إلي بعين اللطف لا سيما ... إذا الكريم تحلى باسم منتقم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... حاشاك تبخل عني معدن الكرم وكيف تغفل عن مثلي وتهمله ... ومن علومك علم اللوح والقلم فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الأبيات تتضمن تنْزيل الرسول ﷺ بمنْزلة رب العالمين، إذ مضمونها: أن الرسول ﷺ هو المسؤول المرجو، لكشف أعظم الشدائد، وهو عذاب الآخرة، وأن الدنيا والآخرة من جوده وإفضاله، وأنه يعلم الغيب، وهذه هي خصائص الربوبية والألوهية، التي جعلتها النصارى للمسيح بن مريم. ففيه مصداق قول النبي ﷺ " لتتبعن سنن من كان قبلكم "١، وهؤلاء وإن لم يقولوا إن محمدا هو الله، لكن أثبتوا له خصائص الرب الإله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فانظر قوله: إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم وانظر قول الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥] يا محمد: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الأنعام آية:١٥] . وهذا الضال يزعم أن محمدا ينقذ من شاء من عذاب الله ; وقال تعالى عن صاحب يس: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [سورة يس آية: ٢٣] ، ووازن بينه وبين البيت المذكور.

стр. 5404

وقوله: أو شافعا لي ... إلخ ; فالقرآن يخبر أن من أراده الله بضر، فلا منقذ له ولا شافع، وهذا يزعم أن الرسول ينقذ من عذاب الله، ويشفع فيمن عذبه الله، فأثبت هذين الأمرين الذين نفاهما القرآن ; فأي محادّة للقرآن أعظم من ذلك؟! وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٩] ، ونحو ذلك في القرآن كثير. وقال النبي ﷺ : "يا بني كعب بن لؤي: أنقذوا أنفسكم من النار " ١ إلى أن قال: " يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفكسم من النار. يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا " ٢. وهذا المفتري يزعم أن النبي ﷺ ينقذ من عذاب الله من شاء ; فأي مشاقة لله ورسوله أعظم من هذا؟! وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢١] ، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] ، أي: أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع، ولا دفع ضر، كالمملوك، إلا ما شاء الله مالكي من النفع لي والدفع؛ فكيف يجتمع في قلب عبد: الإيمان بما ذكرنا من الآيات، ونحوها من آي القرآن، وقوله ﷺ لابنته: " أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك من الله شيئا " ٣، كيف يجتمع الإيمان بذلك، والإيمان بقول الضال: إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم ويزعم بعض المتعصبين لهم أن مرادهم بذلك طلب

стр. 5405

الشفاعة، فيقال أولا: طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد موته ممتنع شرعا وعقلا. وأيضا: فالمستشفع يقول للمستشفع به: اشفع لي، ادع الله لي ; لا يقول: أعطني، كما كان الصحابة يقولون للنبي ﷺ في حياته: استسق لنا، استنصر لنا ; لا يقولون: اسقنا أو أغثنا، أو انصرنا على عدونا ; فمن استشفع بالنبي ﷺ أو غيره إلى الله، في جلب رزق أو دفع ضر، أو رفعه، لا يقول ارزقني أو اكشف ضري ; بل يقول: ادع الله لي. وأيضا، فقول الناظم أولا: إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم تم قال: أو شافعا لي ... إلخ ; فعطف الشفاعة على الأخذ باليد والإنقاذ، فالمعطوف غير المعطوف عليه، فهو يقول: إن لم يحصل منك إنقاذ بالفعل، فانزل إلى مرتبة الشفاعة، وحاشاك أن تخيب رجائي فيك؛ وقد أبطل سبحانه هذين الأمرين اللذين تعلق بهما المشركون، كما في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] ، فالولي هو الناصر المعين بالقول ; وهذا كثير في القرآن، يقرر أنه لا ولي من دونه، ولا شفيع من دونه. وأما قوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم فجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي ﷺ وإفضاله، والجود

стр. 5406

هو العطاء والإفضال ; فمعنى الكلام: أن الدنيا والآخرة له ﷺ والله يقول: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [سورة الليل آية: ١٣] ، ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٥] ، وأي غلو أكبر من هذا؟! وكذا قوله: ومن علومك علم اللوح والقلم ; فجعل ما جرى بالقلم السابق في اللوح المحفوظ بعض علوم محمد ﷺ ، والله سبحانه يقول: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٩] . ومقتضى قوله، بل صريح قوله: ومن علومك علم اللوح والقلم، أنه يجوز أن يقال: ومحمد يعلم ذلك ; وأنه يجوز أن يقال: مفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله ومحمد ; وقال سبحانه: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل آية: ٦٥] ، فيجوز عند الناظم أن يقال: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ومحمد ﷺ ، وهذا صريح كلامه، وإن تأوله بعض المتعصبين بتأويلات بعيدة، لا يحتملها اللفظ. وقد قال سبحانه لنبيه: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٠] ، وأن يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] ، فقال ﷺ : " إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن

стр. 5407

يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع " ١؛ والآيات والأحاديث في هذا كثيرة، مع أن هذا لا يحتاج إلى إقامة الأدلة على بطلانه، لأنه معلوم بالاضطرار من دين الرسل كلهم أن الدنيا والآخرة لله وحده، وأنه لا يعلم الغيب إلا هو ; ولقد أحسن القائل: الحق شمس والعيون نواظر ... لكنها تخفى على العميان ويشبه قوله هذا قوله في الهمزية، في مخاطبته النبي ﷺ إلى أن قال: الأمان الأمان إن فؤادي ... من ذنوب أتيتهن هواء فهذه علتي وأنت طبيبي ... وليس يخفى عليك في القلب داء فانظر إلى طلبه الأمان من النبي ﷺ وقوله: وليس يخفى عليك في القلب داء، يزعم أن النبي ﷺ يعلم علل القلوب وأدواءها، وأنه لا يخفى عليه ما في القلوب، وقد قال الله : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠١] . وغير ذلك من أدلة الكتاب والسنة، التي تدل على أنه ﷺ لا يعلم ما في القلوب، إلا ما أطلعه الله عليه، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [سورة فاطر آية: ٢٦-٢٧] ، أي: فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه؛ والله المسؤول المرجو أن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وأن يتوفانا مسلمين غير مغيرين ولا مبدلين، وهو أرحم الراحمين.

стр. 5408

ثم كتب الشيخ لهما: بسم الله الرحمن الر حيم من عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، إلى محمد بن عبد الله، ومحمد بن عمر آل سليم، زادهما الله علما، ووهب لنا ولهما حكما، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والأبيات التي نقلتم كتبنا عليها، ما اتسع له المحل، وبطلان ما تضمنته ظاهر - ولله الحمد - لا يخفى إلا على من أعمى الله بصيرته، ولكن إذا تحققتم بقول الصادق المصدوق ﷺ أن هذه الأمة تتبع اليهود والنصارى فيما أحدثوا، حذو القذة بالقذة، مع قوله ﷺ : " بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ " ١، فإذا صدّق الإنسان بذلك، لم يستنكر ما حدث من الشرك والبدع، وظهور المنكرات، وتضييع شرائع الإسلام، وتعطيل حدود الله، فإذا عرف الإنسان ذلك، وعلم أنه لم يضل اليهود والنصارى إلا علماؤهم، علم أن سبب ضلال هذه الأمة علماؤهم، وفي الحديث المشهور: " علماؤهم شر من تحت أديم السماء، منهم خرجت الفتنة وفيهم تعود ". وقول القائل: لو أن هذا ما يجوز، ما خفي على فلان وفلان، فهذه شبهة باطلة ; وقد روى ابن وضاح، عن عمر ﵁ قال: " أخذ رسول الله ﷺ بلحيتي - وأنا أعرف الحزن في وجهه - فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقلت أجل، إنا لله

стр. 5409

وإنا إليه راجعون، فما ذلك يا رسول الله؟ قال: أتاني جبرائيل، فقال: إن أمتك مفتتنة بعد قليل من الدهر غير كثير، قلت: فتنة كفر؟ أم فتنة ضلالة؟ قال: كل سيكون ; قلت: وأين يأتيهم ذلك، وأنا تارك فيهم كتاب الله؟ قال بكتاب الله يضلون " أي: يتأولونه علي غير تأويله، وزاد " من قبل قرائهم وأمرائهم ". قال محمد بن وضاح: الخير بعد الأنبياء ينقص، والشر يزداد، وقال: "إنما هلك بنو إسرائيل على يد قرائهم وفقهائهم، وستهلك هذه الأمة على أيدي قرائهم وفقهائهم" قال ابن المبارك: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها وقد أخبر الله سبحانه عن اليهود أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، أي: يتأولون كتاب الله على غير ما أراد الله، وقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٧٥] ، وأخبر عنهم أنهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥١] ؛ ولا بد أن يوجد في هذه الأمة من يتابعهم على ما ذمهم الله به. والإنسان إذا عرف الحق من ضده، لم يبال بمخالفة من خالف كائنا من كان، ولا يكبر في صدره مخالفة عالم ولا عابد، لأن هذا أمر لا بد منه؛ وما أخوفني على من عاش أن يرى أمورا

стр. 5410

عظيمة لا منكر لها، والله المستعان، والاستغاثة بالنبي ﷺ صدرت من كثير من المتأخرين، ممن يشار إليهم بالعلم. وقد صنف رجل - يقال له ابن البكري - كتابا في الاستغاثة بالنبي ﷺ ، وردّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجلد، بيّن فيه بطلان ما ذهب إليه، وبيّن أنه من الشرك. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد طاف هذا - يعني ابن البكري - على علماء مصر، فلم يوافقه منهم أحد، وطاف عليهم بجوابي الذي كتبته، وطلب منهم معارضته، فلم يعارضه أحد منهم، مع أن عند بعضهم من التعصب ما لا يخفى، ومع أن قوما كان لهم غرض وجهل بالشرع، قاموا في ذلك قياما عظيما، واستعانوا بمن له غرض من ذي سلطان، مع فرط عصبيتهم، وكثرة جمعهم، وقوة سلطانهم، ومكايدة شيطانهم. قال رحمه الله تعالى: والاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته، موجودة في كلام بعض الناس، مثل يحيى الصرصري، ومحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم صلاح، لكن ليسوا من أهل العلم ; بل جروا على عادة، كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد، ويدعوه ; انتهى. والمقصود: أن نوع الشرك من الاستغاثة بالنبي ﷺ وغيره، جرى في زمان الشيخ، والشر يزيد " لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه " ١ والله المستعان ; وفي هذه الأزمنة يقال: العجب ممن نجا كيف نجا؟ ليس العجب ممن هلك كيف هلك؟

стр. 5411

وقول من يقول: استعملها من هو أعلم منا، وأعرف بكلام العرب، فبئست الحجة الواهية، والله سبحانه لم يأمرنا باتباع من رأيناه أعلم منا، وإنما أوجب علينا عند التنازع، الرد إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] خاصة في أصول الدين، بأنه لا يجوز التقليد فيها بإجماع العلماء، ولأن أدلته - ولله الحمد - ظاهرة. ولم يقل الله سبحانه: إذا تنازعتم فاتبعوا ما عليه أكثر الناس، ولا ما عليه بلد من البلدان؛ وأكثر الناس اليوم خصوصا طلبة العلم، خفي عليهم الشرك. وشيخ الرجل المذكور يجوز الاستغاثة بالأموات، فكيف بالنبي ﷺ ؟! وكلامه صريح لا يحتمل تأويلا، كقوله: ومنقذي من عذاب الله والألم; نسأل الله السلامة. وابن عجلان أقل الأحوال هجره، وأما النصيحة فلا تفيد في مثله، وأمره هذا: إن وصل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، أو فيصلا، أو ابن سعود الأدنى، فأخاف على نفسه، ولو كان له عقل ما أظهر مثل هذا الأمر، الذي يجر عليه شرا، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [اعتراض بعض المبطلين على الشيخ أبا بطين والرد عليه] ثم اعترض بعض المبطلين، فرد اعتراضه، وهذا نصه:

стр. 5412

بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﷺ تسليما. أما بعد: فإني لما كتبت كلمات يسيرة على الأبيات التي في البردة، وزيادة البغدادي المتضمنة للغلو في النبي ﷺ ، وبينت بعض ما اشتملت عليه من الباطل، وجد ورقة فيها اعتراض على ما كتبته، وهو اعتراض ظاهر البطلان، لكن لغلبة الجهل قد يحصل به تلبيس على الجهال. فطلب مني بعض الإخوان تعقب اعتراضات هذا المبطل، وبيان فسادها، فأجبته لما رأيت من تمكن الجهل، في قلوب أكثر الناس، خاصة والتوحيد الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، وبه أرسل جميع الرسل، وأنزل به جميع الكتب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. من ذلك أني ذكرت أن ما تضمنته هذه الأبيات، وهي قوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك................... إلى قوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم

стр. 5413

وقوله: إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ومنقذي من عذاب الله والألم وما قبل هذه الأبيات، وما بعدها، ذكرت أن هذا يشابه غلو النصارى في المسيح ﵇، قال المعترض: حاشاه من ذلك ... إلخ. فنقول: مقتضى هذه الأبيات، إثبات علم الغيب للنبي ﷺ ، وأن الدنيا والآخرة من جوده، وتضمنت الاستغاثة به ﷺ من أعظم الشدائد، ورجاه لكشفها، وهو الآخذ بيده في الآخرة، وإنقاذه من عذاب الله ; وهذه الأمور من خصائص الربوبية والألوهية، التي ادعتها النصارى في المسيح ﵇. وإن لم يقل هؤلاء إن محمدا هو الله، أو ابن الله، ولكن حصلت المشابهة للنصارى في الغلو الذي نهى عنه ﷺ بقوله: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله "١، والإطراء هو المبالغة في المدح، حتى يؤول إلى أن يجعل للممدوح شيء من خصائص الربوبية والألوهية. وقول المعترض: إن مراد الناظم من هذه الأبيات طلب الشفاعة: فنقول أولا: هذه الألفاظ صريحة في الاستغاثة بالنبي ﷺ كقوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك ... إلخ. أي: وإلا فأنا هالك، والنبي ﷺ يقول في دعائه " لا ملجأ منك إلا إليك " ٢ وقوله:

стр. 5414

إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم أو شافعا ... إلخ، أي: وإلا هلكت ; وأي لفظ في الاستغاثة أبلغ من هذه الألفاظ؟ وعطف الشفاعة على ما قبلها بحرف "أو" في قوله: أو شافعا لي، صريح في مغايرة ما بعدها لما قبلها، وأن المراد مما قبلها طلب الإغاثة بالفعل والقوة، فإن لم يكن فبالشفاعة. وقول المعترض يحتمل أن العطف هنا للتفسير، وهذا من جهله، فإن عطف التفسير إنما يكون بالواو، لا بغيرها من حروف العطف، ذكره ابن هشام وغيره ; ومحل عطف التفسير إذا عطف لفظا على لفظ معناهما واحد، مع اختلاف اللفظ، كما ذكره من قول الشاعر: وألفى قولها كذبا ومينا، والمين هو الكذب. وأما قول الناظم: ومنقذي من عذاب الله والألم، أو شافعا لي ... إلخ ; فمعنى الإنقاذ غير معنى الشفاعة، قال الله تعالى عن صاحب يس: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ [سورة يس آية: ٢٣] . ولم يقل أحد من المفسرين: إن عطف الإنقاذ على الشفاعة من عطف التفسير ; بل فسروا الإنقاذ بالنصر، والمظاهرة بالفعل، وفسروا الشفاعة بالمعاونة بالجاه؛ وهذا ظاهر، لكن لأجل تخبيط هذا الجاهل الأحمق، أوجب بيان جهله وغلطه.

стр. 5415

ومن كلام ابن القيم ﵀ على هذه الآية، قال بعد كلام سبق: فإن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته دائما، وإذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضر، لم يكن لهذه الآلهة من القدرة، ما تنقذني بها من ذلك الضر، ولا من الجاه والمكانة عنده ما تشفع لي إليه، لأتخلص من ذلك الضر، فبأي وجه تستحق العبادة؟ إني إذا لفي ضلال مبين، إن عبدت من هذا شأنه ; انتهى. ونقول أيضا: أنه إذا خوطب الرسول أو غيره من الأموات والغائبين، بلفظ من ألفاظ الاستغاثة، أو طلب منه حاجة، بنحو قول: أغثني، أو أنقذني، أو خذ بيدي، أو اقض حاجتي، أو أنت حسبي، ونحو ذلك، يتخذه واسطة بينه وبين الله في ذلك. فهذا شرك العرب الذين بعث الله إليهم النبي ﷺ كما وضحه الله سبحانه في كتابه في مواضع، مخبرا عنهم أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، ولم يقولوا: إن آلهتهم تحدث شيئا، أو تدبر أمرا من دون الله ; قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] الشرك في الألوهية، إذا اعترفتم بالربوبية: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤-٨٥] الآيات.

стр. 5416

والآيات في هذا كثيرة، يحتج عليهم سبحانه بإقرارهم بتوحيد الربوبية، على إشراكهم في توحيد الألوهية، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٦] ، فسر إيمانهم في هذه الآية، بإقرارهم بتوحيد الربوبية ; وهو: أنهم إذا سئلوا من خلق السماوات والأرض؟ ومن ينزل المطر وينبت النبات، ونحوه؟ قالوا: الله ; ومع ذلك يعبدون غيره. وفسر إيمانهم في الآية: بإخلاصهم الدعاء لله في الشدائد، كما في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥] ، ونحو ذلك من الآيات، ويشركون في الرخاء بدعاء غيره ; فهذه نصوص القرآن صريحة في أنهم يعترفون بتوحيد الربوبية اعترافا جازما، وأنهم ما أرادوا من آلهتهم إلا الشفاعة عند الله. وأما من ظن أن مدعوه ومسؤوله يحدث شيئا من دون الله، ويدبر أمرا من دون الله؛ فهذا شرك في توحيد الربوبية والألوهية معا، ولم يدع ذلك أحد من المشركين، الذين بعث الله إليهم محمدا ﷺ ، وإنما أرادوا من آلهتهم الشفاعة إلى الله، الذي بيده الضر والنفع، بجاههم ومنْزلتهم عنده، كما أخبر الله عنهم بذلك. [جواب ابن تيمية في المراد بالواسطة] وسئل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، ﵀ ورضي عنه، عن رجلين تناظرا، فقال أحدهما: لا بد لنا من

стр. 5417

واسطة بيننا وبين الله، فإنا لا نقدر عليه إلا بذلك ; فأجاب ﵀ ... إلى أن قال: فإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله، في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد، ونصرهم، وهداهم، يسألون ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء، وشفعاء يجتلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار. لكن الشفاعة لمن يأذن الله، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] ، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] ، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢-٢٣] . وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦-٥٧] ، قال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار، يدعون المسيح وعزيرا والملائكة والأنبياء، فبين لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف

стр. 5418

الضر عنهم ولا تحويله، وأنهم يتقربون إليه ويرجون رحمته، ويخافون عذابه. وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] ، فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، كفر ; فمن جعل الملائكة وسائط بينه وبين الله يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين ... إلى أن قال: فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالحجاب الذين يكونون بين الملك وبين رعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، وأن الله إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون الملوك حوائج الناس، لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا ; وفي القرآن من الرد على هؤلاء، ما لا تتسع له هذه الفتوى، فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان ; كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء

стр. 5419

والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى، حيث قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] . وقد بين الله هذا التوحيد في كتابه، وحسم مواد الإشراك به، حيث لا يخاف أحد غير الله، ولا يرجو سواه، ولا يتوكل إلا عليه، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] ، وقال: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٨] ، وقال: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٧٥] ، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [سورة النور آية: ٥٢] ، فبين أن الطاعة لله والرسول، وأما الخشية والتقوى فلله وحده ; انتهى ملخصا. وقال ﵀ في الرسالة السنية - بعد كلام سبق - فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ لا أريده. أو يقول: إذا ذبح شاة باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له، أو لقبره، أو يدعوه، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي، أو ارحمني، أو انصرني، أو أغثني، أو اجبرني، أو توكلت عليك، أو أنا في حسبك، أو أنت حسبي، ونحو هذه الأقوال والأفعال، التي هي من خصائص الربوبية، التي لا تصلح إلا لله، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب فإن تاب وإلا قتل. فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد

стр. 5420

وحده، ولا يجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الشمس والقمر، والمسيح وعزير والملائكة، واللات والعزى ومناة، وغير ذلك، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق، وتنبت النبات، وتنزل المطر. وإنما كانوا يعبدونهم، أو تماثيلهم، أو قبورهم، يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة ; انتهى. فليتأمل مريد نجاة نفسه، ما ذكره شيخ الإسلام ﵀، يتبين له حقيقة الشرك، الذي أرسل الله الرسل من أولهم إلى آخرهم، ينهون عنه، وأنه الذي يسميه بعض الناس مجازا في هذه الأزمنة تشفعا وتوسلا، وبعض الضّلاّل يسميه مجازا; يعني بذلك أن استغاثتهم بالمقبورين والغائبين، وسؤالهم قضاء حاجاتهم، وتفريج الكربات على سبيل المجاز، وأن الله هو المقصود في الحقيقة. وهذا معنى قول المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، لأنهم لم يكونوا يعتقدون أن آلهتهم تدبر شيئا من دون الله، وإنما يستجلبون النفع، ويستدفعون الضر بجعلها وسائط بينهم وبين الله الذي بيده الضر والنفع ; ولهذا يخلصون لله الدعاء في الشدائد، لاعتقادهم أن آلهتهم

стр. 5421

لا تغني عنهم شيئا من دون الله، وأنها لا تضر ولا تنفع. وقد لبس الشيطان على كثير من الناس، خاصة ممن ينتسب إلى طلب العلم بأن السكوت عن الكلام في هذا الباب، هو الدين والورع، فتولد من ذلك الإعراض عن الاعتناء بهذا الأمر الذي هو أصل الدين، حتى صار جاهلا به، ثم آل الأمر ببعض هؤلاء إلى استحسان الشرك، والنفرة من ذكر التوحيد. ولم يدر هذا المتورع الورع الشيطاني أن أفرض العلوم، معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته، ومعرفة حقه على عباده، الذي خلق الجن والإنس لأجله، وهو توحيد الألوهية، الذي أرسل به جميع الرسل، وأنزل به جميع الكتب ; قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة محمد آية: ١٩] ، وقال: ﴿أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ﴾ [سورة هود آية: ١٤] ، أي: واعلموا أن لا إله إلا هو. وقال: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٥٢] ، فبين سبحانه أن من الحكمة في إنزال القرآن، ليعلم الله بما فيه من الحجج والبراهين، أنه هو المستحق للألوهية وحده، ففرض على عباده العلم بأنه لا إله إلا هو وحده، وأخبر أنه ضمن كتابه من الأدلة والبراهين ما يدل على ذلك. فيتعين على كل مكلف معرفة معنى لا إله إلا الله، الذي هو

стр. 5422

أصل الأصول، وأوجب العلوم؛ وفي الصحيح عن النبي ﷺ : " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " ١، فرتب دخول الجنة، على العلم بأنه لا إله إلا الله؛ وهذا يبين معنى أحاديث أخر، كقوله ﷺ : " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة " ٢، و " من قال لا إله إلا الله صدقا من قلبه، دخل الجنة " ٣، وغير ذلك من الأحاديث، وأن المراد من هذه الأحاديث ونحوها، العلم بأن لا إله إلا الله. وهذه الأمور التي انتشرت في أكثر الأمصار، من الاستغاثة بالمقبورين في تفريج الكربات، وسؤالهم قضاء الحاجات، والتقرب إليهم بالنذور، والذبائح، وغير ذلك من أنواع القربات، من لم يعرف أن هذا تأله لغير الله، وشرك عظيم تنفيه لا إله إلا الله، فهو لم يعلم أن لا إله إلا الله حقيقة العلم. وزعم المعترض أننا بإنكارنا ما تضمنته الأبيات المشار إليها، من الغلو فيه ﷺ ، متنقصون لجنابه صلوات الله وسلامه عليه؛ فهذا قوله مثل قول النصارى لما قال النبي ﷺ إن عيسى عبد الله مربوب، قالوا: إنه يسب المسيح وأمه، ووشوا به عند النجاشي؛ وهذا ما يلقيه الشيطان على ألسنة المشركين قديما وحديثا، إذا قال الموحدون: إن آلهتكم باطلة، وإنها لا تستحق شيئا من العبادة، اشمأزوا من ذلك، وزعموا أن من سلبهم ذلك، فقد هضم مراتبهم، وتنقصهم. فلهم نصيب من قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ

стр. 5423

قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٥٢] ، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [سورة غافر آية: ١٢] . وقد أحسن القائل، رحمه الله تعالى، وهو ابن القيم: قالوا تنقصتم رسول الله وا ... عجبا لهذا البغي والعدوان أنتم تنقصتم إله العرش والقـ ... ـرآن والمبعوث بالقرآن ونظير هذا قول أعداء المسيـ ... ـح من النصارى عابدي الصلبان إنا تنقصنا المسيح بقولنا ... عبد وذلك غاية النقصان وكذاك أشباه النصارى من غلوا ... في دينهم بالجهل والطغيان صاروا معادين الرسول ودينه ... في صورة الأحباب والإخوان فانظر إلى تبديلهم توحيده ... بالشرك والإيمان بالكفران وانظر إلى تجريده التوحيد من ... أسباب كل الشرك بالرحمن اجمع مقالتهم وما قد قاله ... واستدع بالنقاد والوزان عقل وفطرتك السليمة ثم زن ... هذا وذا لا تطغ في الميزان فهنا تعلم أيما حزبينا هو الـ ... ـمنتقص المنقوص ذو العدوان رامي البريء بدائه ومصابه ... فعل المباهت أوقح الحيوان كمعير للناس بالزغل الذي هو ... ضربه فاعجب لذا البهتان يا فرقة التنقيص بل يا أمة الـ ... ـدعوى بلا علم ولا عرفان والله ما قدمتم يوما مقا ... لته على التقليد للإنسان تبا لكم ماذا التنقص بعد ذا ... لو تعرفون العدل من نقصان

стр. 5424

والله أمركم عجيب معجب ... ضدان فيكم ليس يتفقان تقديم آراء الرجال عليه مع هذا ... الغلو فكيف يجتمعان كفرتم من جرد التوحيد جهـ ... ـلا منكم بحقائق الإيمان لكن تجردتم لنصر الشرك والبـ ... ـدع المضلة في رضى الشيطان والله لم نقصد سوى التجريد للتـ ... ـوحيد ذاك وصية الرحمن ورضى رسول الله منا، لا غلو ... المشرك أصل عبادة الأوثان ولقد نهى ذا الخلق عن إطرائه ... فعل النصارى عابدي الصلبان ولقد نهانا أن نصير قبره ... عيدا حذار الشرك بالرحمن ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمه وثنا من الأوثان فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران حتى غدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان ولقد غدا عند الوفاة مصرحا ... باللعن يصرخ فيهم بأذان أعن] الأولى جعلوا القبور مساجداً ... وهم اليهود وعابدو الصلبان والله لولا ذاك أبرز قبره ... لكنهم حجبوه بالحيطان قصدوا إلى تسنيم حجرته ليمـ ... ـتنع السجود له على الأذقان قصدوا موافقة الرسول وقصده التـ ... ـجريد للتوحيد للرحمن فلينظر المنصف وليتأمل، فالأمر كما قال ﵀: أمركم عجيب معجب ; وهذا حال غلاة زماننا، تشابهت قلوبهم فتشابهت أقوالهم، جمعوا بين الضدين: الغلو، والتنقص ; فجعلوا للنبي ﷺ خصائص الربوبية والألوهية، بل جعلوها لمن دون الرسول، وبدَّعوا من جرد التوحيد، بل كفروهم.

стр. 5425

وضموا إلى هذا الغلو: التنقص للنبي ﷺ بحيث أنهم لا يلتفتون إلى سنته، ولا يعبؤون بها إذا خالفت ما عليه مشائخهم، ويقولون: مشائخنا أعلم منا، وفرضنا التقليد ; ويعيبون على من قدم سنة النبي ﷺ على من خالفها، وينسبونه إلى الجهل وتنقص العلماء ; وهم مع ذلك مخالفون لإمام المذهب الذي ينتسبون إليه، ولأتباعه من علماء مذهبه، ولسائر الأئمة في النهي عن تقليدهم. وضموا إلى ذلك موالاة أعداء أئمة المذهب الذين ينتحلونه من المعطلة، بزعمهم أنهم أهل الحق والسواد الأعظم، فجمعوا بين الغلو في أهل مذهبهم لا سيما متأخريهم، وبين تنقصهم؛ بحيث زعموا أن مخالفيهم في الأسماء والصفات والإيمان، وغير ذلك، هم أهل الحق الذين لا تجوز مخالفتهم، كما جمعوا بين الغلو والتنقص في جانب الرسول، صلوات الله وسلامه عليه. قال المعترض: وأما استدلالكم على أن النبي لا يشفع بقوله سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] ، قال: والآية نزلت في الكفار؛ وجميع ما في القرآن من نفي الشفاعة، فهو في حق الكفار، انتهى. أما نسبته إلينا، أنا نقول: إن النبي ﷺ لا يشفع، فلا يحتاج إلى جواب، لأنه يعلم هو وأصحابه أنا لا ننفي شفاعته ﷺ بإذن الله ; بل هو صاحب الشفاعة العظمى، وله ﷺ شفاعات

стр. 5426

غيرها؛ والأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والمؤمنون يشفعون، لكن لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. وسيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه، لا يبدأ بالشفاعة أولا، بل يسجد لربه ويحمده بمحامد يفتحها عليه، حتى يقال له: يا محمد، ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع ; قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [سورة يونس آية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] . وهذا من عظمته سبحانه وجلاله وكبريائه، أن لا يتجاسر أحد أن يشفع عنده حتى يؤذن له؛ والقرآن صرح بنفي الشفاعة عن الكفار مطلقا، ونفاها عن غيرهم بغير إذنه؛ ونحن إنما ننفي الشفاعة الشركية التي نفاها القرآن، وهو أن أحدا يشفع عنده بغير إذنه. وأما قول هذا الضال: إن قوله سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] في الكفار خاصة، يعني: فلعصاة المسلمين ولي من دونه وشفيع، والولي هو الناصر، والشفيع ذو الجاه؛ وهذا القول كفر ظاهر، حيث جعل قوله سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] خاصا بالكفار، أي: فلغيرهم - على زعمه - ولي من دونه، وشفيع ; فأي كفر أعظم من هذا وأبين منه؟! وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، والله سبحانه يقول مخاطبا لجميع الناس: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [سورة السجدة آية: ٤]

стр. 5427

وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] في هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله، ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] ، وقال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٠] ، يخبر سبحانه أنه ليس لمن عصاه ولي ينصره من دونه ولا يشفع بغير إذنه. وزعم المعترض أن "من" في قول الناظم: من جودك الدنيا وضرتها، ومن ... إلخ: أنها لبيان الجنس، وهذا الجاهل الأحمق، يتحذلق عند أصحابه بما لا يعرفون، ليظنوا أن عنده علما، وهو لا يميز بين "من" التي لبيان الجنس والتي للتبعيض، و "من" في الموضعين للتبعيض بلا شك. والذين يتكلمون على معاني الحروف، ذكروا علامة "من" التي للتبعيض صحة حلول بعض محلها، وعلامة التي لبيان الجنس صحة حلول الذي محلها، كما في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [سورة الحج آية: ٣٠] أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، والتي لبيان الجنس لا يبدأ بها، ومن في هذين الموضعين لا يصح حلول الذي محلها، بل يصح حلول بعض موضعها، فالمعنى بعض جودك الدنيا وضرتها، وبعض علومك علم اللوح والقلم ; أي: فالدنيا وضرتها بعض جودك وعلم اللوح والقلم بعض علمك. والمقصود: بيان بطلان تحذلق هذا الجاهل، وإلا فكلام

стр. 5428

الناظم باطل على كل حال ; وعلى زعم الجاهل: أنها لبيان الجنس، فالمعنى: جودك الدنيا وضرتها، وعلومك هي علم اللوح والقلم، لا تنقص عنها بل هي عينها ; وصرح المعترض بدعواه أن النبي ﷺ يعلم الغيب، حتى مفاتح الغيب الخمس ; والناظم آل به المبالغة في الإطراء، الذي نهى عنه رسول الله ﷺ إلى هذا الغلو، والوقوع في هذه الزلقة العظيمة. ونحو ذلك قوله في الهمزية، في خطابه للنبي ﷺ : الأمان الأمان إن فؤادي ... من ذنوب أتيتهن هواء فهذه علتي وأنت طبيبي ... وليس يخفى عليك في القلب داء فطلب الأمان من النبي ﷺ ، وشكا إليه علة قلبه ومرضه من الذنوب، فتضمن كلامه سؤاله من النبي ﷺ مغفرة ذنبه، وصلاح قلبه؛ ثم صرح بأنه لا يخفى عليه في القلب داء، أي: فهو يعلم ما احتوت عليه القلوب. وقد قال الله سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠١] ، وقال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٦٠] ، وخفي عليه ﷺ أمر الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٠٧] ، الآيات حتى جاءه الوحي، وخفي عليه ﷺ أمر أهل الإفك، حتى أنزل الله القرآن ببراءة أم المؤمنين ﵂؛ وهذا في حياته، فكيف بعد موته؟! وهذا يقول: وليس يخفى

стр. 5429

عليك في القلب داء، يعنى: أنه يعلم ما في القلوب. والله سبحانه يقول: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة آل عمران آية:١٥٤] ، وقال النبي ﷺ : " إنما أنا بشر، وإنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع؛ فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ". ثم كابر المعترض، فصرح بقوله: إن النبي ﷺ يعلم الغيب حتى مفاتح الغيب الخمس، وزعم أن عامة العلماء قالوا ذلك؛ فانظر إلى هذه الجراءة العظيمة في الكذب على الله وعلى رسوله، وعلى عامة العلماء، بقوله: إن عامة العلماء قالوا: إن الله لم يتوف نبيه ﷺ حتى علمه ما كان وما يكون، وعلمه كل شيء حتى الخمس. وقد قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٠] ، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] ، أي: لو كنت أعلم الغيب لكنت على خلاف ما أنا عليه من استكثار الخير، واجتناب السوء والمضار، حتى لا يمسني شيء منها، ولم أكن غالبا مرة، ومغلوبا أخرى في الحروب. وقال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ

стр. 5430

إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل آية: ٦٥] ، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٩] . وعلى قول هذا الأفاك، يجوز أن يقال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل آية: ٦٥] ومحمد، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٩] ومحمد. وبيان ذلك: أنه لو كان أهل قرية لا يحفظ أحد منهم سورة البقرة مثلا إلا زيد ; قالوا: لا يحفظ أحد منا سورة البقرة إلا زيد، ثم علمها زيد عمراً، وقالوا: لا يحفظ أحد منا سورة البقرة إلا زيد وعمرو، كان كلاما مستقيما صحيحا؛ ما أعظم جراءة هذا الخبيث على هذه الفرية العظيمة؟! مع أن له سلف ضلال وكفر في هذه الدعوى. حكى شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀، في رده على الذي جوز الاستغاثة بالنبي ﷺ ، وذكر عن بعض أهل زمانه: أنه جوز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كل ما يستغاث فيه بالله، وصنف فيه مصنفا، وكان يقول: إن النبي ﷺ يعلم مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله. قلت: ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂، قالت: "من حدثكم أن محمدا يعلم ما في غد، فقد كذب، ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] " لفظ البخاري ; ولفظ مسلم: "من زعم أن محمدا يخبر بما في غد، فقد أعظم الفرية على الله، ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] "، ومرادها ﵂ نفي ذلك في حياته،"
следующие страницы →