غيرها؛ والأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والمؤمنون يشفعون، لكن لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه.
وسيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه، لا يبدأ بالشفاعة أولا، بل يسجد لربه ويحمده بمحامد يفتحها عليه، حتى يقال له: يا محمد، ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع ; قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [سورة يونس آية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] .
وهذا من عظمته سبحانه وجلاله وكبريائه، أن لا يتجاسر أحد أن يشفع عنده حتى يؤذن له؛ والقرآن صرح بنفي الشفاعة عن الكفار مطلقا، ونفاها عن غيرهم بغير إذنه؛ ونحن إنما ننفي الشفاعة الشركية التي نفاها القرآن، وهو أن أحدا يشفع عنده بغير إذنه.
وأما قول هذا الضال: إن قوله سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] في الكفار خاصة،
يعني: فلعصاة المسلمين ولي من دونه وشفيع، والولي هو الناصر، والشفيع ذو الجاه؛ وهذا القول كفر ظاهر، حيث جعل قوله سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [سورة السجدة آية: ٤] خاصا بالكفار، أي: فلغيرهم - على زعمه - ولي من دونه، وشفيع ; فأي كفر أعظم من هذا وأبين منه؟! وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، والله سبحانه يقول مخاطبا لجميع الناس: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [سورة السجدة آية: ٤]
стр. 5427
وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] في هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله، ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] ، وقال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٠] ، يخبر سبحانه أنه ليس لمن عصاه ولي ينصره من دونه ولا يشفع بغير إذنه.
وزعم المعترض أن "من" في قول الناظم: من جودك الدنيا وضرتها، ومن ... إلخ: أنها لبيان الجنس، وهذا الجاهل الأحمق، يتحذلق عند أصحابه بما لا يعرفون، ليظنوا أن عنده علما، وهو لا يميز بين "من" التي لبيان الجنس والتي للتبعيض، و "من" في الموضعين للتبعيض بلا شك.
والذين يتكلمون على معاني الحروف، ذكروا علامة "من" التي للتبعيض صحة حلول بعض محلها، وعلامة التي لبيان الجنس صحة حلول الذي محلها، كما في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [سورة الحج آية: ٣٠] أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، والتي لبيان الجنس لا يبدأ بها، ومن في هذين الموضعين لا يصح حلول الذي محلها، بل يصح حلول بعض موضعها، فالمعنى بعض جودك الدنيا وضرتها، وبعض علومك علم اللوح والقلم ; أي: فالدنيا وضرتها بعض جودك وعلم اللوح والقلم بعض علمك.
والمقصود: بيان بطلان تحذلق هذا الجاهل، وإلا فكلام
стр. 5428
الناظم باطل على كل حال ; وعلى زعم الجاهل: أنها لبيان الجنس، فالمعنى: جودك الدنيا وضرتها، وعلومك هي علم اللوح والقلم، لا تنقص عنها بل هي عينها ; وصرح المعترض بدعواه أن النبي ﷺ يعلم الغيب، حتى مفاتح الغيب الخمس ; والناظم آل به المبالغة في الإطراء، الذي نهى عنه رسول الله ﷺ إلى هذا الغلو، والوقوع في هذه الزلقة العظيمة.
ونحو ذلك قوله في الهمزية، في خطابه للنبي ﷺ :
الأمان الأمان إن فؤادي ... من ذنوب أتيتهن هواء
فهذه علتي وأنت طبيبي ... وليس يخفى عليك في القلب داء
فطلب الأمان من النبي ﷺ ، وشكا إليه علة قلبه ومرضه من الذنوب، فتضمن كلامه سؤاله من النبي ﷺ مغفرة ذنبه، وصلاح قلبه؛ ثم صرح بأنه لا يخفى عليه في القلب داء، أي: فهو يعلم ما احتوت عليه القلوب.
وقد قال الله سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠١] ، وقال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٦٠] ، وخفي عليه ﷺ أمر الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٠٧] ، الآيات حتى جاءه الوحي، وخفي عليه ﷺ أمر أهل الإفك، حتى أنزل الله القرآن ببراءة أم المؤمنين ﵂؛ وهذا في حياته، فكيف بعد موته؟! وهذا يقول: وليس يخفى
стр. 5429
عليك في القلب داء، يعنى: أنه يعلم ما في القلوب.
والله سبحانه يقول: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة آل عمران آية:١٥٤] ، وقال النبي ﷺ : " إنما أنا بشر، وإنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع؛ فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ".
ثم كابر المعترض، فصرح بقوله: إن النبي ﷺ يعلم الغيب حتى مفاتح الغيب الخمس، وزعم أن عامة العلماء قالوا ذلك؛ فانظر إلى هذه الجراءة العظيمة في الكذب على الله وعلى رسوله، وعلى عامة العلماء، بقوله: إن عامة العلماء قالوا: إن الله لم يتوف نبيه ﷺ حتى علمه ما كان وما يكون، وعلمه كل شيء حتى الخمس.
وقد قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٠] ، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] ، أي: لو كنت أعلم الغيب لكنت على خلاف ما أنا عليه من استكثار الخير، واجتناب السوء والمضار، حتى لا يمسني شيء منها، ولم أكن غالبا مرة، ومغلوبا أخرى في الحروب.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ
стр. 5430
إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل آية: ٦٥] ، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٩] . وعلى قول هذا الأفاك، يجوز أن يقال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل آية: ٦٥] ومحمد، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٩] ومحمد.
وبيان ذلك: أنه لو كان أهل قرية لا يحفظ أحد منهم سورة البقرة مثلا إلا زيد ; قالوا: لا يحفظ أحد منا سورة البقرة إلا زيد، ثم علمها زيد عمراً، وقالوا: لا يحفظ أحد منا سورة البقرة إلا زيد وعمرو، كان كلاما مستقيما صحيحا؛ ما أعظم جراءة هذا الخبيث على هذه الفرية العظيمة؟! مع أن له سلف ضلال وكفر في هذه الدعوى.
حكى شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀، في رده على الذي جوز الاستغاثة بالنبي ﷺ ، وذكر عن بعض أهل زمانه: أنه جوز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كل ما يستغاث فيه بالله، وصنف فيه مصنفا، وكان يقول: إن النبي ﷺ يعلم مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله.
قلت: ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂، قالت: "من حدثكم أن محمدا يعلم ما في غد، فقد كذب، ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] " لفظ البخاري ; ولفظ مسلم: "من زعم أن محمدا يخبر بما في غد، فقد أعظم الفرية على الله، ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [سورة لقمان آية: ٣٤] "، ومرادها ﵂ نفي ذلك في حياته،"
стр. 5431
فكيف بعد الموت؟! مع أنه لا يحتاج في بيان بطلان هذا القول إلى أكثر من حكايته ; قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ [سورة النساء آية: ٥٠] . وأما قول الله سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [سورة الجن آية: ٢٦-٢٧] والمعنى عند جميع المفسرين: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [سورة الجن آية: ٢٧] ، فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه، ليكون معجزة له، وليس خاصا بنبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام.
وقول المعترض: إن الشيخ تقي الدين أثنى على الصرصري في نظمه المشهور الذي فيه التوسل بالنبي ﷺ ، يعني بالتوسل الاستغاثة، فقد كذب على الشيخ وافترى؛ وكتابه الذي صنفه في الرد على من جوز الاستغاثة به ﷺ معروف موجود.
قال ﵀: والاستغاثة به ﷺ موجودة في كلام بعض الناس، مثل يحيى الصرصري، ومحمد بن النعمان؛ وهؤلاء لهم صلاح، لكن ليسوا من أهل العلم، بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه، انتهى ; قلت: والبوصيري ليس معروفا بالعلم.
قال المعترض: ومراد الناظم بقوله: إن من جودك الدنيا وضرتها، أن الله أعطاه خير الدارين، قال: وكيف ينكر تصرفه في إعطاء أحد بإذن الله تعالى؛ واستشهد لذلك بالكذب الذي عزاه لشرح الإقناع، أن النبي ﷺ يقطع أرض الجنة، وأنكر
стр. 5432
على من ينكر تصرفه ﷺ بقوله: وكيف ينكر تصرفه ... إلخ ; فهذا إنكار منه على من ينكر تصرفه ﷺ وتعجب منه، يقتضي إثبات التصرف له ﷺ في خيري الدنيا والآخرة، بالإعطاء والمنع، وأن الله جعل له ذلك خصوصا في الآخرة، بإدخاله الجنة من يشاء.
فيا سبحان الله! ما أعظم جراءة هذا على الكذب على الله تعالى!! وهذه دعوى عظيمة يطلب منه إقامة البينة على صحتها، كما قال سبحانه عن قول الذين: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١١١] أي: حجتكم وبينتكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣] ؛ فإن كل قول لا دليل عليه مردود على قائله ; ومن المعلوم: أنه لا دليل له على ذلك، ولا شبهة.
ونصوص القرآن والسنة كثيرة، دالة على بطلان هذه الفرية العظيمة، قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] أي: يوم الجزاء والحساب؛ وتخصيصه الملك بذلك اليوم لا ينفيه عما عداه، لأنه تقدم أول السورة أنه رب العالمين، والرب هو المالك المتصرف، وذلك عام في الدنيا والآخرة.
وإنما أضيف إلى يوم الدين، لأنه لا يدعي أحد هناك شيئا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة هود آية: ١٠٥] ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ [سورة النبأ آية:
стр. 5433
٣٨] .
قال ابن عباس ﵄: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] يقول: لا يملك أحد معه في ذلك اليوم حكما، كملكهم في الدنيا".
وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [سورة الفرقان آية: ٢٦] وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة غافر آية: ١٦] ، وقال: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٣] ، وقال: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٩] .
وقال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود آية: ١٢٣] ، أي: ليس أحد من الخلق أمر معه ذلك اليوم، مع أن الأمر كله له سبحانه، في الدنيا والآخرة، كما قال ﴿قل إن الأمر كله لله﴾ : [سورة آل عمران آية: ١٥٤] ؛ واختصاصه سبحانه بالتفرد بالأمر في ذلك اليوم، قال المفسرون، معناه: أنه لا يملك أحد في ذلك اليوم شيئا، كما ملكهم في الدنيا.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [سورة البقرة آية: ٤٨] وقال: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [سورة الدخان آية: ٤١-٤٢]
وهذا المفتري يزعم أن الله سبحانه جعل لنبيه محمدا التصرف في ذلك اليوم، فيكون شريكا له في الأمر، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ; وقال النبي ﷺ لأقرب الناس إليه عمه العباس، وعمته صفية وابنته فاطمة: " أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من الله شيئا " ١، وقال ﷺ : " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قالوا ولا أنت يا رسول
стр. 5434
الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته " ١؛ والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وقول المعترص: ورد في الحديث: "لولا حبيبي محمد، ما خلقت سمائي ولا أرضي، ولا جنتي ولا ناري"، فيقال أولا: هذا حديث باطل؛ هؤلاء الذين صنفوا في معجزاته وفضائله ﷺ ، كصاحب الشفاء وغيره، أين ذهب عنهم هذا الحديث، فلم يذكروه؟ مع أنه لا حجة فيه للمبطل.
ونبينا محمد ﷺ هو خليل الله وحبيبه، وأقرب الناس إليه وسيلة، وأعظمهم عنده منْزلة، صلوات الله وسلامه عليه، دائما إلى يوم الدين ; وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٢٨] والله سبحانه قد بين في كتابة الحكمة من خلق السماوات والأرض وما بينهما، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [سورة الطلاق آية: ١٢] ، فأخبر سبحانه أنه إنما خلق السماوات والأرض، وما احتويا عليه من آياتة وعجائب مصنوعاته، ليستدل بذلك على كمال قدرته وسعة علمه.
وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [سورة هود آية: ٧] ، فنبه على الحكمة في ذلك، وهو: أنه ليبلو عباده أيهم أحسن عملا، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية:
стр. 5435
٥٦] ،
فأخبر سبحانه بالحكمة في خلقه الجن والإنس، وهي: أنه إنما خلقهم ليعبدوه وحده.
وقال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [سورة النجم آية: ٣١] ، فأعلمنا سبحانه أنه إنما خلق هذه المخلوقات للحكم التي ذكرها، لا لأجل أحد من خلقه.
وقد ذكرت في الجواب على الأبيات، بعض كلام النسفي في تفسيره، على قوله سبحانه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [سورة الأعراف آية: ١٨٨] ، قال: هو إظهار للعبودية، وبراءة مما يختص بالربوبية من علم الغيب، أي: أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع، ولا دفع ضر، كالمملوك إلا ما شاء الله مالكي، من النفع لي، ودفع الضر عني، ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] أي: لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير، واجتناب السوء والمضار، حتى لا يمسني شيء منها، ولم أكن غالبا مرة، ومغلوبا أخرى في الحروب، انتهى.
فاستعظم المعترض لفظ: أنا عبد ضعيف، وقال: ما هذه الجراءة والتنقص لجناب حبيب الملك الوهاب! فانظر إلى "الشفاء" تجده حكى كفر من قال مثل هذه الكلمة، انتهى.
أقول: ما الذي منع هذا الأحمق، من نقل ما في الشفاء لأصحابه، ليتحفهم به وليحتجوا به، وهو أتحفهم وأضلهم
стр. 5436
بالكذب الصريح، ونذكر - إن شاء الله- بعض ما ذكره صاحب الشفاء، من المبالغة في سد الذرائع إلى الغلو في النبي ﷺ .
ونحن نشهد الله، وملائكته وجميع خلقه أننا نعتقد أن جميع أهل السماوات والأرض عبيد له مربوبون، فقراء إليه ضعفاء لديه، لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا، وأنه لا غناء لأحد منهم عنه طرفة عين، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [سورة مريم آية: ٩٣] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر آية: ١٥] .
وقال سيد ولد آدم ﷺ في الدعاء المشهور: " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. أنت ربي ورب المستضعفين. إلى من تكلني "، ومن دعائه ﷺ : " وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي، تكلني إلى ضيعة وعورة، وذنب وخطيئة؛ وإني لا أثق إلا برحمتك " ١.
ومن دعائه: " اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول وبك أصول، وبك أقاتل " ٢. وفي الدعاء المأثور في عرفة: " أنا البائس الفقير المستغيث المستجير "، والبائس الذي اشتد به البؤس، وهو شدة الفقر ; وأظن في هذا الجاهل أنه لو يقال: إن النبي ﷺ غني عن ربه، لم يستعظم هذا القول.
وذكرنا في الجواب الحديث المشهور الذي فيه: " علماؤهم شر من تحت أديم السماء، منهم خرجت الفتنة، وفيهم تعود "
стр. 5437
قال المعترض: هل ورد هذا الحديث، في أهل العراق؟ فهم كفار مجوس على عهد النبي ﷺ ، أو فيما يأتي؟ فهذا شناعة على عامة العلماء، ومنهم الإمام أحمد وأبو حنيفة ; وإن كان ورد في حق أهل الحرمين، فهذا ظاهر البطلان، إذ هي مهبط الوحي، ومنبع الإيمان.
فانظر إلى هذه الوقاحة، هل قلنا إن هذا الحديث خاص ببلد معين؟! وإنما مقتضى الحديث: الإخبار بما يحدث في الأمة، من تغير الدين، وأن سبب ذلك علماء السوء، ولا يختص هذا ببلد معين؛ فمن اتصف بصفة علماء السوء الذين يلبسون الحق بالباطل، ويفترون على الله الكذب، تناوله الذم، في أي زمان ومكان.
والله سبحانه لم يأمر عباده عند الاختلاف، بالرد إلى أهل بلد، ولا إلى ما عليه أكثر الناس، ولا إلى شخص غير الرسول، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، وشيء نكرة في سياق الشرط، فيعم كل شيء حصل فيه النِّزاع، من أصول الدين وفروعه؛ ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، وهذا خطاب لجميع الناس، إلى آخر الزمان; وأجمع العلماء على أن الرد إلى الله، هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول، الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد مماته.
قال ابن كثير ﵀، في الآية: هذا أمر من الله تعالى،
стр. 5438
بأن كل شيء تنازع فيه المسلمون من أصول الدين وفروعه، أن يرد المتنازع فيه من ذلك، إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٠] ، فما حكم به كتاب الله وسنة نبيه، وشهدا له بالصحة فهو الحق، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [سورة يونس آية: ٣٢] .
ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، فدل على أن من لم يتحاكم في محل النّزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس بمؤمن بالله واليوم الآخر ; وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، والرجوع في فصل القضاء إليهما، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] أي: وأحسن عاقبة ومآلا، انتهى.
ومن المحال أن يأمر الله سبحانه بالتحاكم إلى ما لا يفصل النِّزاع. ويحكى عن بعض الضلال، أنه يقول: نحن مقلدون، ولسنا داخلين تحت حكم هذه الآية ونحوها فيقال له: يلزمك هذا في جميع خطاب القرآن، كقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة الأنفال آية: ١] ، ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] ، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٥] ، وغير ذلك من خطاب القرآن بالأوامر والنواهي ; فمن زعم أنه ليس داخلا في ذلك ولا معنيا به، فلا شك في كفره.
ومن أعظم مكائد الشيطان لكثير من الناس، خصوصا من ينتسب إلى علم: أن حال بينهم وبين تدبر القرآن وتفهمه،
стр. 5439
خصوصا فيما تضمنه من أدلة التوحيد، وسائر أصول الدين التي لا يجوز التقليد فيها عند عامة العلماء ; فإذا علم أنه لا يجوز التقليد فيها، تعين معرفة أدلتها من الكتاب والسنة.
والله سبحانه قد بين ذلك غاية البيان، والنبي ﷺ بين للناس ما نزل إليهم من ربهم ; قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل آية: ٤٤] ، ثم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأئمة الهدى بعدهم، تكلموا في ذلك بما يكفي ويشفي.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] ، قال ابن كثير ﵀: يخبر سبحانه أن في القرآن آيات محكمات ; أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخرى فيها اشتباه في الدلالة، على كثير من الناس، أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه، وحكّم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، انتهى.
وروي عن ابن عباس ﵄ قال: "المحكمات، قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات [سورة الأنعام آية: ١٥١] .
وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، وآيات بعدها"، يعني: أن هذه الآيات ونحوها من المحكم ; وقال ابن عباس أيضا: "التفسير على أربعة أنحاء: تفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء،
стр. 5440
وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير لا يعلمه إلا الله".
ومن أعظم ما فتن به الشيطان في هذه الأزمنة المتأخرة أكثر العامة، بل كثيرا من ينتسب إلى علم الاغترار بالأكثر، فيقول أحدهم: هذه الأمور التي تنكرونها مما يفعل عند القبور، من دعاء أصحابها، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات والنذر، والذبائح لهم، منتشر مشتهر في أمصار المسلمين، وكذلك القصائد المتضمنة للاستغاثة بالنبي ﷺ كما في البردة، ونظم الصرصري وغيرهما، متداول مستعمل لا ينكرونه، وهذا كلام فلان في قصيدته، وشرحها فلان وفلان، وتداولها العلماء ; وهذه هي الشبهة العظيمة التي قامت بقلوبهم، فلا يصغون إلا إليها، ولا يعولون إلا عليها، كأنهم لم يسمعوا بنبي مرسل ولا بكتاب منْزل.
فيقال أولا: هؤلاء أصحاب موسى الكليم الذين صحبوه، فضلهم الله على عالمي زمانهم، وآتاهم الكتاب والحكمة، قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلها، قال سبحانه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٨] .
وكذلك الذين قالوا لنبينا - من أصحابه - اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ "الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً
стр. 5441
كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٨] ، لتركبن سنن من كان قبلكم" ١.
فهؤلاء خفي عليهم أن الذي طلبوه بقولهم: اجعل لنا ذات أنواط، أنه من التأله لغير الله، ومن الشرك الذي حرمه الله ; وكذلك قول بني إسرائيل ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٨] ، خفي عليهم قبح ما طلبوه، وأنه من الشرك الذي ينهى عنه موسى ﵇ ; فإذا كان قد خفي على المذكورين، فلا يستبعد خفاؤه على من دونهم.
ويقال أيضا لمن يحتج بأكثر الناس، وأن الحق ما هم عليه خاصة: إذا كان المحتج ممن ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد ; والحنابلة أكثر الناس في هذه الأزمان، مخالفون لما عليه الإمام أحمد وأصحابه، في كثير من صفات الرب سبحانه، منها: صفة علو الرب سبحانه فوق سماواته، واستوائه على عرشه، فأكثر الناس اليوم لا يثبتون هذه الصفة، ويبدعون من أثبتها ويضللونهم، وبعضهم يكفرهم، ويخصون الحنابلة بذلك،
لأن مذهب الإمام أحمد وأصحابه: إثبات صفة علو الرب، واستوائه على عرشه حقيقة، من غير تكييف ولا تمثيل، وعلى ذلك سائر أئمة الإسلام، وكلامهم معروف في تضليل من لم يثبت هذه الصفة، وأكثرهم صرح بكفرهم.
ومن ذلك: مسألة كلام الرب سبحانه، أكثر الناس اليوم يقولون: كلامه سبحانه هو المعنى النفسي، وأن حروف القرآن
стр. 5442
مخلوقة; ومذهب أحمد وأصحابه وسائر الأئمة: أن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه، وليس شيء منه مخلوقا، ويضللون من قال بخلق الحروف؛ وخلاف الحنابلة مع هؤلاء معروف، ذكرنا هاتين المسألتين على سبيل المثال، وإلا فكثير الناس اليوم على خلاف ما عليه السلف في أكثر الصفات.
وكذلك في الإيمان، فجمهور الناس في هذه الأزمان، يقولون: الإيمان هو التصديق، ويقولون: الأعمال ليست من الإيمان، وإن سميت إيمانا في بعض الأحاديث، فعلى سبيل المجاز ; ومذهب أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ; وكثير من السلف كفروا من قال: إن الإيمان هو التصديق فقط.
إذا عرف ذلك، تبين للمحتج بأكثر - إن كان على مذهب الإمام أحمد وأصحابه، وجميع أهل السنة في إثبات الصفات - أن حجته حجة داحضة واهية، وعلم أن أهل الحق هم الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا، وقد روى ابن وضاح، عن علي ابن أبي طالب ﵁ قال: "تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله؛ فإنه سيأتي من بعدكم زمان ينكر فيه تسعة أعشارهم".
ويشهد لذلك قول النبي ﷺ : " تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة" ١، وقال: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء " ٢.
стр. 5443
وقال عبد الله بن مسعود ﵁ لعمرو بن ميمون: "أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا ; قال: إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة ; الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك ; وفي طريق أخرى: إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله ".
والله سبحانه علم ما يحدث في الأمة من الاختلاف والتنازع، وأوجب عليهم عند التنازع، الرد إلى كتابه وسنة نبيه، فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، والنبي ﷺ أمر الأمة عند الاختلاف، بالرد إلى سنته، وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، فقال: " إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ " ١.
وقول بعض الناس: لو كان ما تقولون حقا، لكان غيركم أولى به منكم، يشابه قول الكفار: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [سورة الأحقاف آية: ١١] ، ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٣] فقال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٣] ، وقال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [سورة القصص آية: ٦٨] ، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٥] .
والميزان العدل هو: الكتاب والسنة، وعليه تعرض أقوال
стр. 5444
الناس وأعمالهم، فما شهد له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال. ونحن نتحقق: أن في أمصار المسلمين كثيرا ينكرون هذه الأمور الشركية، كما قد سمعنا من بعض من لقينا، وبلغنا عن بعض من لم نلق، لكن صارت الغلبة لضدهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما قول المعترض: لو أن عبارات العلماء، مثل البيضاوي والقسطلاني وغيرهما، تجدي لديكم شيئا لذكرناها، ولكنها تمحى بلفظة واحدة، وهي أنهم كفار، انتهى.
فهلا ذكر لأصحابه من كلام من ذكر، وغيرهم ما ينشطهم؟ وهو قد غرهم بما افتراه من الكذب على الله، وعلى رسوله، وعلى علماء الأمة؛ فما الذي يمنعه من ذكر الصدق لهم، ليزدادوا يقينا في باطلهم؟!
وأما افتراؤه علينا أننا نكفر علماء المسلمين فهو قد افترى على الله الكذب، وعلى رسوله، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٥] . ونحن ندعوا للمسلمين عموما ولعلمائهم خصوصا، فنقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحشر آية: ١٠] ، ومع ذلك نقول كما أوصونا به: كل يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ .
ولهم زلات ; وفي الحديث المشهور: " اتقوا زلة العالم ".
стр. 5445
فإذا تبين لنا زلة من أحد منهم، لم نتابعه عليها وندعوا له ; وقد قال ابن عباس ﵄: "أخشى أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال الله ورسوله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر".
وقال أحمد بن حنبل ﵀: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] ، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع ما قلبه شيء من الزيغ فيهلك، انتهى.
وليعلم أننا لا نجترئ على تكفير من وجدنا في كلامه ألفاظا شركية، كصاحب البردة وأمثاله ; وهذه زلات عظيمة ربما لو نبهوا عليها لتنبهوا، ولا نسب الأموات وقد أفضوا إلى ما قدموا ; ونسأل الله أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.
وأنكر المعترض قولنا: إن طلب الدعاء من النبي ﷺ ممتنع عقلا وشرعا، فقال: ومن أين لكم هذا الامتناع؟ وما دليله من العقل والسماع؟ جوابه: أما امتناعه عقلا: فلأن النبي ﷺ ميت، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣٠] ، وقال أبو بكر ﵁: "من كان يعبد محمدا فإن محمدا بشر قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ; وقال: أما الموتة التي
стр. 5446
كتبت عليك فقد متّها، ولن يجمع الله عليك موتتين".
ومقتضى قول من يقول: إنه ﷺ حي في قبره، كحياته حين كان على وجه الأرض، أن الله يجمع عليه موتتين، لأنه قد قام الدليل القاطع أنه عند النفخ في الصور، لا يبقى أحد حيا؛ والعقل الصحيح يمنع طلب الدعاء من الميت، ولم يرد حديث صحيح بأنه ﷺ حي في قبره ; لكن نقطع أن الأنبياء أعلى رتبة من الشهداء؛ وقد أخبر الله عن الشهداء: أنهم أحياء عند ربهم يرزقون ; فالأنبياء أولى بذلك، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٩] ؛ ومع ذلك فالشهداء داخلون تحت قوله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٥] ؛ وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣٠] ، فهذا الموت المثبت غير الموت المنفي.
فالموت المثبت هو فراق الروح البدن، والمنفي زوال الحياة بالجملة عن الروح والبدن ; فلو جاء إنسان إلى الشهيد بعد خروج روحه، وهو على وجه الأرض، لا يتحرك ولا ينطق، يطلب منه أن يدعو الله، لأنكر ذلك ذوو الفطرة السليمة، والعقل الصحيح ; فكيف إذا صار في بطن الأرض؟ فهو في تلك الحالتين، حي حياة الله أعلم بحقيقتها، مع القطع بأنها ليست كحياته لما كان على وجه الأرض قبل القتل.
стр. 5447
وثبت عن النبي ﷺ أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، تسرح حيث شاءت من الجنة، وهم مع ذلك أحياء ; وصح عن النبي ﷺ أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه. وفي سنن أبي داود عنه ﷺ : " ما من مسلم يسلم علي، إلا رد الله علي روحي، حتى أرد ﵇ "١، فهذا يدل على أن روحه ﷺ ليست في جسده دائما ; بل هي في أعلى عليين، ولها اتصال بجسده أحيانا، الله أعلم بحقيقته.
وليس ذلك الرد - أعني: رد الروح - خاصا به ﷺ ؛ بل ثبت عنه ﷺ أنه قال: " ما من مسلم يمر بقبر أخيه، كان يعرفه في الدنيا، فسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد ﵇ " هذا وروحه في الجنة، كما تقدم في الحديث ; فأرواح الشهداء، بل وعامة المؤمنين في الجنة، ولها اتصال بأجسادهم في بعض الأحيان، لا يعلم صفته إلا الله؛ وأمر البرزخ وأحكامه على خلاف ما يشاهد في الدنيا.
وأما امتناع طلب الدعاء منه بعد موته شرعا؛ فلأن الصحابة ﵃، وهم أعلم بالله وبرسوله ممن بعدهم، لا يأتون إلى قبره ﷺ يطلبون منه أن يدعو لهم، ويستسقي لهم، ويستنصر لهم، لعلمهم أن هذا ممتنع بعد موته ; ولم يأت أحد منهم يستفتيه في قبره، في مسائل كثيرة أشكلت عليهم.
قال عمر ﵁:"ثلاث وددت أني سألت رسول الله
стр. 5448
صلى الله عليه وسلم عنها"، واستسقى بالعباس ولم يأت إلى قبره ﷺ ليستسقي لهم ; وكان الناس يجيئون إلى أم المؤمنين عائشة يستفتونها عند قبره ﷺ ، وهو مع ذلك يسمعهم، ويجيبهم لو سألوه على مقتضى زعم الغلاة، هذا من المحال ; بل نهوا عن تحري دعاء الله عند قبره ﷺ .
ولما رأى علي بن الحسين ﵀ رجلا، كان يجيء إلى فرجة، كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: "ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي، عن رسول الله ﷺ ؟ قال: لا تتخذوا قبري ١ عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم " فرأي علي بن الحسين ﵀: أن ذلك من اتخاذه عيدا.
وروى سهل بن أبي سهيل، قال: "رآني الحسن بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ﵁ عند القبر، فناداني، وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء ; فقلت: لا أريده ; فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلم ; ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا. لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء " ٢") .
стр. 5449
قال شيخ الإسلام، ﵀: فهذا علي بن الحسين، أفضل أهل بيت النبي ﷺ من التابعين، نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ ، واستدل بالحديث الذي سمعه من أبيه الحسين، عن جده علي، وهو أعلم بمعناه من غيره ; فبين: أن قصده للدعاء ونحوه، اتخاذ له عيدا، وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن، شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه، عند غير دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا.
فانظر هذه السنة، كيف مخرجها من أهل المدينة، وأهل البيت ﵃ الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب، وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا له أضبط.
قال ﵀: ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كرهوا قصد دعاء الله عند قبره ﷺ فكيف بدعائه نفسه؟! وكان أحدهم إذا سلم على النبي ﷺ وأراد أن يدعو الله، استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر.
ونص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة إذا سلم على النبي ﷺ وأراد أن يدعو الله، لأن الدعاء عبادة ; وفي الترمذي وغيره " الدعاء هو العبادة " ١؛ فجرد السلف العبادة لله، ولم يفعلوا عند القبور إلا ما أذن فيه رسول الله ﷺ من السلام على أصحابها، والاستغفار لهم، والترحم عليهم.
стр. 5450
وما أحسن ما قال مالك بن أنس ﵀: لن يصلح آخر هذه الأمة، إلا ما أصلح أولها ; ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوا من البدع والشرك.
وقال شيخ الإسلام: ودعاء الميت من الشرك، سواء طلب منه أن يفعل، أو طلب منه أن يسأل الله ; وذكر القاضي عياض في "الشفاء" عن مالك ﵀، أنه كره أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ : قال القاضي، والأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له، لإضافته إلى قبر النبي ﷺ لقوله ﷺ : " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١، فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر، والتشبه بفعل أولئك، قطعا للذريعة وسدا للباب.
وفي المبسوط عن مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي ; وقال: لا بأس لمن قدم من سفر، أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه، ويدعو له، ولأبي بكر وعمر.
فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر، ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة، أو في الأيام المرة والمرتين، أو أكثر عند القبر، فيسلمون ويدعون ساعة.
فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه
стр. 5451
واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغنى عن أول هذه الأمة وصدرها، أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر، أو أراده، انتهى.
فانظر إلى ما ذكر عن علي بن الحسين، وما روي عن الحسن بن الحسن مما قدمناه، وإلى قول الإمام مالك: يكره إلا لمن جاء من سفر، أو أراده ; هل هذا تنقص منهم له ﷺ ؟ أو سد للذريعة عن الغلو الذي نهى عنه ﷺ ؟
وفي أثناء كلام شيخ الإسلام ﵀، قال: وكل ما سوى الله يتلاشى عند ذكر توحيده، والنبي ﷺ أعظم الناس تقريرا لما يقال على هذا الوجه، وإن كان هو المسلوب، كما قالت عائشة ﵂ لما أخبرها ببراءتها - "والله لا أقوم إليه ولا أحمده، ولا أحمد إلا الله"; وفي لفظ "بحمد الله لا بحمدك" ; فأقرها النبي ﷺ وأبوها على ذلك ; لأن الله أنزل براءتها بغير فعل أحد.
قال حبان، قلت لابن المبارك: إني لأستعظم هذا القول ; قال: ولت الحمد أهله ; وفي الحديث الذي رواه أحمد: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد ; قال: "عرف الحق لأهله" ١، وكان يعلم أصحابه تجريد التوحيد، فقال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء محم د" ٢ وقال له رجل: ما شاء الله وشئت ; فقال: " أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده " ٣.
стр. 5452
وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله " ١، وقال: " يا أيها الناس ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله" ٢ وقال: " لا تتخذوا قبري عيدا " ٣، وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ٤.
وقد قال سبحانه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٢٨] ، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٥٤] ، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الجن آية: ٢١-٢٢] ، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢١-٢٢] ، أي: لن أجد من دونه من ألتجئ إليه وأعتمد عليه.
وقال لابنته فاطمة، وعمه العباس، وعمته صفية: "لا أملك لكم من الله شيئا " ٥ وفي لفظ " لا أغني عنكم من الله شيئا" ٦، فعظم ذلك على المشركين بشيوخهم وآلهتهم، وأبوا ذلك كله، وادعوا لشيوخهم ومعبوديهم خلاف هذا كله.
وزعموا أن من سلبهم ذلك، فقد هضم مراتبهم، وتنقصهم ; وهم قد هضموا جناب الإلهية غاية الهضم، وتنقصوه، فلهم نصيب من قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٥] . ونسأل الله أن يهدينا وإخواننا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين
стр. 5453
والشهداء والصالحين وحسن أولئك وفيقا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
[رسالة الشيخ عبد اللطيف في الرد على أوراق أرسلها الملا داود]
قال الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، قدس الله روحه، ونور ضريحه:
بسم الله الرحمن الر حيم
الحمد لله الذي يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، أرسل الرسل وأنزل الكتب، لتأصيل الأصول وتحقيق الحقائق، فقامت حجة الله على المكلفين من الخلائق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مخلص لله صادق، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المبعوث بأحسن الملل والطرائق، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الذين قاموا بجهاد كل كافر ومنافق.
أما بعد: فقد وقفت على أوراق أرسلها الملا داود بن سليمان الجرجيس، العاني، العراقي، إلى بعض أصحابنا، فرأيت فيها من الصد عن سبيل الله، والدعوة إلى عبادة الأولياء والصالحين، ودعائهم، والحث عل قصدهم في الملمات والشدائد، والإلحاد في آيات الله، وتحريف الكلم عن مواضعه، ما لا يسع السكوت عليه.
فإن الله تعالى قد بعث محمدا بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأمر يجهاد الكفار والمنافقين
стр. 5454
بالحجة والبيان، كما أمر بجهادهم باليد والسنان، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٥٢] ، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] .
وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [سورة الحج آية: ٧٨] ، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود آية: ١١٦] .
قال ابن كثير: يقول تعالى: فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات، والفساد في الأرض؟ وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة هود آية: ١١٦] أي: قد وجد منهم من هذا الضرب قليل، وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غِيَرِه، وفجأة نقمته ; ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة: أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ [سورة هود آية: ١١٦] أي: استمروا على ما هم فيه من المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك حتى فجأهم العذاب ; وقال أبو السعود: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [سورة هود آية: ١١٦] من الرأي والعقل، أولوا فضل وخير، وسميا بها، لأن الرجل إنما يستبقي مما يخرجه عادة أجوده وأفضله، ومن قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا، انتهى.
وقد ينتفع بهذا من أراد الله هدايته، واستعماله فيما يرضيه،
стр. 5455
من توحيده وطاعته، ولو سبق منه رده والصد عنه ; قال الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [سورة الممتحنة آية:٧] الآية. وما أحسن ما قيل:
أبن وجه نور الحق في صدر سامع ... ودعه فنور الحق يسري ويشرق
سيؤنسه يوما وينسى نفاره ... كما نسي التوثيق من هو مطلق
فصل
[في قول العراقي: إني وجدي ووالدي بيت علم والرد عليه]
فصل قال العراقي في رسالته: اعلم: أني وجدي ووالدي بيت علم، وعقيدتنا عقيدة السلف؛ وليس الآن في بغداد من هو على مذهب الإمام أحمد غيري، وأنا تابع لأقوال الشيخين ابن تيمية وابن القيم.
والجواب أن يقال: مذهبك وعقيدتك وما أنت عليه قد اشتهر، وعرف من رسائلك، وسمع منك شفاها، ونقله العدول، ولم يزل يتواتر من وقت قدومك الجبل والقصيم، واجتماعك بالشيخ عبد الله أبا بطين؛ وما وقع بينكما من المناظرة في مسمى العبادة، وغيرها، كل ذلك وصل إلينا، وتواتر لدينا، واستفاض استفاضة تورث علما ضروريا: أنك داعية إلى دعاء الصالحين والأولياء، وندائهم بالحوائج، والاستغاثة بهم في الملمات والشدائد، وأن ذلك لديك مستحب وارد، وأن من كفّر من يعبد الصالحين فهو مخطئ ضال، وأنه لا يكفر ولا يشرك إلا من دعاهم استقلالا، وزعم أنهم الفاعلون المدبرون؛
стр. 5456
وأما على وجه الجاه والشفاعة، فذلك عندك ليس بشرك ولا كفر. كل هذا ثبت لدينا قبل هذه الرسالة الأخيرة، فلما وقفنا على ما فيها، وتأملنا خافيها وباديها، إذا هي على المذهب الذي حكينا، والطريقة التي عرفنا وروينا؛ بل فيها من الزيادة في الكذب على الله، وكتابه، والكذب على أهل العلم في نقل مذاهبهم، وتحريف كلامهم، ما لا يصدر عمن تصور الإسلام وعرفه، وآمن بالله واليوم الآخر؛
بل لا يصدر عمن له عقل يحسن أن يعيش به. فنعوذ بالله من الجهالة والعمى، والضلال عن سبيل الإيمان والهدى ; ونسبة هذا إلى الإمام أحمد وإلى الشيخين، كنسبة اليهودية والنصرانية إلى إبراهيم، أو إلى محمد ﷺ ، وخواص أصحابه وأهل ملته.
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء أبعد منْزل
والمؤمن يعرف هذا بمجرد إيمانه، ولا يختص بمعرفته أولوا العلم. وأما تبرئتك نفسك من الحلف بغير الله، فمسألة الحلف لو سلمت لك البراءة منها، دون ما أنت عليه بكثير؛ فإن من استحب دعاء غير الله، وألحد في آياته، وصد عن سبيله، أعظم إثما، وأكبر جرما ممن يحلف بغيره.
وأما ما زعم العراقي من أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فالمعروف في عرفه هو دعاء الصالحين، ونداؤهم بالحوائج، وهذا عند الله ورسوله، وعند أولي العلم من خلقه، أكبر الكبائر على الإطلاق، كما في حديث ابن مسعود قال: " قلت يا رسول
стр. 5457
الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ١.
وهذا العراقي صرح بأنه يجوز نداؤهم، أعني: نداء الأنبياء والصالحين، بل والجمادات، كما هو مشهور عنه ; لكن يسميه توسلا، خالف المشركين في التسمية، لا في الحقيقة، فيدعو الغير ويرجوه في كل مطلوب، على وجه الجاه والتسبب؛ وهذا حقيقة الشرك والتنديد، والمنكر في عرفه هو النهي عن هذا، وعن تكفير أهله.
ولهذا صرح في هذه الرسالة بأنه ينصح عن تكفير هذا الضرب من الناس، ويزعم أن لهم نيات صالحة، ومقاصد صحيحة؛ فظهر أنه رأس من دعا إلى المنكر، وسعى في هدم المعروف، ومحو آثاره ; وأي معروف يبقى مع دعاء غير الله؟! وأي منكر يزجر عنه وينهى، لو كانوا يعلمون؟! قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٣-١٠٤] .
وأصل الإسلام وقاعدته: أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع; وهذا وأمثاله من أجهل الناس بهذا الأصل، وأضلهم عن هذا السبيل ; بل هم من أعظم الناس صدا عنه وردا له، وعيبًا لأهله، والمخلص الداعي إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له، عندهم خارجي مبتدع، كما صرح به في رسالته الأولى، وزعم أن هذا دين الخوارج، وأن من كفر
стр. 5458
بدعاء غير الله، فهو ممن يكفّر أهل القبلة بالذنوب ; وأكثر هؤلاء لا يقتصرون على نسبة أهل التوحيد إلى الخوارج والمبتدعة، بل يصرحون بتكفيرهم، واستحلال دمائهم وأموالهم، والله المستعان.
قال العراقي: ولكنا لا نكفر الناس بهذه الأشياء، لأنا اطلعنا على كتاب الله وسنة رسوله، وكذا وكذا.
فيقال: أبعد الخلق عن كتاب الله وسنة رسوله، هم أهل الاعتقادات الباطلة، وأهل الغلو في الأنبياء والأولياء والصالحين؛ وهم أضل خلق الله عما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وإن ورثوا الكتاب ودرسوه؛ فإن الوراثة والدراسة والاطلاع نوع، والعلم به والإيمان والعمل، ومعرفة حقائقه ونصوصه نوع آخر.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ [سورة الأنعام آية: ٢٥] الآية، وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [سورة الجمعة آية: ٥] الآية. وفي الحديث الذي في وصف الخوارج "يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم؛ هم شر قتلى تحت أديم السماء"، فالعلم والكتاب إذا لم يخلص إلى القلوب، فهو حجة على ابن آدم.
ويقال: كتاب الله وسنة رسوله، وأقوال أهل العلم، صريحة متوافرة متظاهرة، على تكفير من دعا غير الله، وناداه بما لا يقدر عليه إلا الله، قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا
стр. 5459
لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] ، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] الآية.
والقرآن كله دال على هذا المعنى، مقرر له، وإن اختلفت الطرق والأوجه في بيانه والتنبيه عليه؛ فكيف ينسب جواز دعاء غير الله، وعدم تكفير فاعله إلى القرآن، أو إلى السنة؟! وهل يقول هذا من يعرف ما جاءت به الرسل، ويتصوره، فضلا عمن يؤمن به؟! والمشركون الأولون يعترفون للرسل وأتباعهم أنهم دعاة إلى التوحيد، وإخلاص العبادة والدعاء لله، وإنما نازعوا في تصديقهم وقبول ما جاؤوا به.
وهذا الذي يزعم أنه اطلع على كتاب الله، لم يعرف منه ما عرفه أولئك المشركون ; فالإسلام في هذه الأوقات أغرب منه في أول ظهوره، والدعوة إليه، مع كثرة من يقرأ القرآن، وينسخه ويطبع المصاحف وكتب العلم؛ فسبحان من قلوب العباد بيده، يصرفها بقدرته وحكمته، ويدبرها بعلمه ومشيئته. شعر:
ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الدواء وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
وما أحسن ما قال مجاهد، ﵀، في قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٤] قال: حتى يتركه لا يعقل.
стр. 5460
وأما قوله: إن الشيخ أحمد بن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، لا يكفران أحدا من أهل القبلة.
فيقال: لو عرف هذا، من أهل القبلة في هذا الموضع، ومن المراد بهذه العبارة، لما أوردها هنا محتجا بها، على دعاء غير الله، وعدم تكفير فاعله؟! ومن أعرض عن كلام أهل العلم، ورأى أن من صلى، وقال: لا إله إلا الله، فهو من أهل القبلة، وإن ظهر منه من الشرك والترك لدين الإسلام ما ظهر، فقد نادى على نفسه بالجهالة والضلالة، وكشف عن حاصله من العلم والدين، بهذه المقالة.
وقد أنكر الإمام أحمد ﵀، قول القائل: لا نكفر أهل الذنوب ; وهذا يزعم أنه على مذهب الإمام أحمد ; ومقصود من قالها: إنما هو البراءة من مذهب الخوارج الذين يكفرون بمجرد الذنوب، وهذا وضع كلامهم في غير موضعه، وأزال بهجته، لأنه تأوله في أهل الشرك ودعاء الصالحين، فالتبس عليه الأمر، ولم يعرف مراد من قال هذا من السلف.
وهذا الفهم الفاسد مردود بكتاب الله وسنة رسوله، وبإجماع أهل العلم ; وقد عقد الفقهاء من أرباب المذاهب، بابا مستقلا في هذه المسألة، وذكروا حكم المرتد من أهل القبلة، وقرروا من المكفرات أشياء كثيرة دون ما نحن فيه، وجزموا بأن العصمة بالتزام الإسلام ومبانيه، ودعائمه العظام; لا بمجرد القول والصلاة، مع الإصرار على المنافي ; وهذا يعرفه صغار
стр. 5461
الطلبة، وهو مذكور في المختصرات من كتب الحنابلة وغيرهم ; فهذا لم يعرف ما عرفه صبيان المدارس والمكاتب، فالدعوى عريضة، والعجز ظاهر.
وأعجب من هذا، أنه يقول في رسالته: إني رأيت لمن يدعو الصالحين والأولياء، ويناديهم في حاجاته، أدلة صحيحة، ونيات صالحة، ما تخرج عن التوحيد، لأن المقصود التسبب والوسائل لا الاستقلال ; هذا كلامه؛ ومن بلغت به الجهالة والعماية إلى هذه الغاية، فقد استحكم على قلبه الضلال والفساد، ولم يعرف ما دعت إليه الرسل، وسائر الأمم والعباد.
ومن له أدنى نهمة في العلم، والتفات إلى ما جاءت به الرسل، يعرف أن المشركين من كل أمة في كل قرن، ما قصدوا من معبوداتهم وآلهتهم التي عبدوها مع الله، إلا التسبب والتوسل والتشفع، ليس إلا ; ولم يدّعوا الاستقلال والتصرف لأحد من دون الله، ولا قاله أحد منهم سوى فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربه.
وقد قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [سورة النمل آية: ١٤] ؛ فهم في الباطن يعلمون أن ذلك لله وحده، قال تعالى في بيان قصدهم ومرادهم بدعاء غيره: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] الآية، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
стр. 5462
[سورة الزمر آية: ٣] .
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢٨] ، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣] ، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] ، فأخبر تعالى أنهم تعلقوا على آلهتهم، ودعوهم مع الله للشفاعة، والتقريب إلى الله، بالجاه والمنْزلة، وأحبوهم مع الله محبة تأله وتعبد، لنيل أغراضهم الفاسدة، ولم يريدوا منهم تدبيرا ولا تأثيرا، ولا شركة ولا استقلالا.
يوضحه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] إلى قوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤] إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٩] ، وقوله ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ [سورة النمل آية: ٦١] إلى قوله ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ١١١] .
فتأمل هذه الآيات، وما فيها من الحجج والبيانات، تطلعك على جهل هذا العراقي وأمثاله، وأنهم ما عرفوا شرك المشركين، وما كانوا عليه من القصد والدين، ولم يعرفوا ما كان عليه أنبياء الله وأتباعهم من توحيد رب العالمين.
وتأمل كيف استدل على توحيد إلهيته، ووجوب عبادته وحده لا شريك له، بما أقر به الخصم واعترف به، من توحيد ربوبيته واستقلاله بالملك والخلق، والتأثير
стр. 5463
والتدبير؛ وهذه عادة القرآن دائما، يعرج على هذه الحجة، لأنها من أكبر الحجج، وأوضحها وأدلها على المقصود ; فسبحان من جعل كلامه في أعلى طبقات البلاغة والفصاحة، والجلالة والفخامة، والدلالة والظهور ; فأي شبهة بعد هذا تبقى للمماحل المغرور؟!
واعلم: أن دعاء الأموات والغائبين ليس بسبب لما يقصده المشرك ويريده ; بل هو سبب لنقيض قصده وحرمانه، وهلاكه في الدنيا والآخرة ; قال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [سورة الحج آية: ١٢-١٣] لأنه في الحقيقة إنما عبد الشيطان، ودعاه وأطاعه فيما يأمر به، ولذلك تتبرأ الملائكة والصالحون ممن دعاهم، وصرف لهم شيئا من العبادة.
وأيضا: فليس كل سبب يباح ; بل من الأسباب ما هو محرم، وما هو كفر، كالسحر والتكهن ; والغبي يظن أن الدليل يسلم له، إذا أراد السبب لا الاستقلال ; وعباد الكواكب وأصحاب النيرنجيات، ومخاطبات النجوم يرون أنها أسباب، ووسائل نافعة، ويظنونها كالأسباب العادية ١ وعباد القبور والأنفس المفارقة، يرون أن تعلق قلب الزائر، وروحه بروح
стр. 5464
المزور، سبب لنيل مقصوده، وتحصيل نصيب مما يفيض على روح ذلك المزور، كما ذكره الفارابي وغيره من عباد الكواكب والأنفس المفارقة ; وقد قال بعض السلف: ما عبدت الشمس والقمر، إلا بالمقاييس.
فصل
[في ذكر ما استدل به على جواز دعاء الصالحين والرد عليه]
قال العراقي: ومن الأدلة على جواز دعاء الصالحين وندائهم ما ذكر الله عن نبيه سليمان، وقوله لآصف، وقد طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله.
فنقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ١٦] ، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٢] . وقصة آصف من أدلة التوحيد، وآصف توسل إلى الله بتوحيده وإلهيته، وكرر ذلك في دعائه ; وقد قيل: إنه يعرف الاسم الأعظم، فهو طالب من الله راغب إليه سائل له، وسليمان ﵇ آمر ليس بسائل ولا طالب ; وفرق بين الأمر والمسألة، ومن لم يفرق بين الأمرين، ولم يدر حكم المسألتين، فليرجع إلى وراء، وليقتبس نورا من كلام أئمة العلم والهدى.
وقد قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب: " لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك " ١، وهذا من جنس الأسباب العادية؛ فإن الرجل إذا كان معروفا بالصلاح، وإجابة الدعاء، فطلب منه الدعاء أو أمر به، فدعا الله فاستجيب له، لا يكون هو الفاعل للاستجابة، وليس المطلوب منه ما يختص بالله من الفعل، وإنما يطلب منه
стр. 5465
ما يختص به من الدعاء، والتضرع؛ فالآية من أدلة التوحيد، وصرف الوجوه إلى الله، وإقبال القلوب عليه.
فإن آصف توسل إلى الله بتوحيده وربوبيته، وقصده وحده، ولم يقصد سليمان ولا غيره، مع أن سليمان أفضل منه لنبوته ; وفيها: أن الأنبياء لا يسألون ولا يقصدون ; بل ربما صار حصول مقصودهم، ونيل مطلوبهم، على يد من هو دونهم من المؤمنين ; وإن أعظم الوسائل، وأشرف المقاصد، هو: توحيد الله بعبادته، ودعائه وحده لا شريك له، كما فعل آصف.
وفيها: براءة أولياء الله من الحول والقوة، كما دلت عليه القصة، فإنه توضأ وصلى ودعا، فقال في دعائه: يا ذا الجلال والإكرام، قاله مجاهد. وقال الزيادي: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا، لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها، فأي شبهة تبقى مع هذا؟! وأي حجة فيه على أن غير الله يدعى؟!
ثم أخذ العراقي في هذيان وإسهاب، حاصله: أن السبب لا يفعل، وأن الله هو الفاعل؛ ومراده بهذا أن دعاء الأموات والغائبين، من الأولياء والصالحين، يجوز ويسوغ، إذا اعتقد أن الله هو الفاعل؛ وقد مر رد هذا، وتقرير جهل قائله، ومفارقته لما عليه أهل الإسلام
وقد تقدم أن أصل الإسلام وقاعدته، هي: عبادة الله وحده لا شريك له، وإفراده بالقصد والطلب، وأن توحيد الربوبية، واعتقاد الفاعلية له تعالى، لا يكفي في السعاد والنجاة،