الطلبة، وهو مذكور في المختصرات من كتب الحنابلة وغيرهم ; فهذا لم يعرف ما عرفه صبيان المدارس والمكاتب، فالدعوى عريضة، والعجز ظاهر.
وأعجب من هذا، أنه يقول في رسالته: إني رأيت لمن يدعو الصالحين والأولياء، ويناديهم في حاجاته، أدلة صحيحة، ونيات صالحة، ما تخرج عن التوحيد، لأن المقصود التسبب والوسائل لا الاستقلال ; هذا كلامه؛ ومن بلغت به الجهالة والعماية إلى هذه الغاية، فقد استحكم على قلبه الضلال والفساد، ولم يعرف ما دعت إليه الرسل، وسائر الأمم والعباد.
ومن له أدنى نهمة في العلم، والتفات إلى ما جاءت به الرسل، يعرف أن المشركين من كل أمة في كل قرن، ما قصدوا من معبوداتهم وآلهتهم التي عبدوها مع الله، إلا التسبب والتوسل والتشفع، ليس إلا ; ولم يدّعوا الاستقلال والتصرف لأحد من دون الله، ولا قاله أحد منهم سوى فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربه.
وقد قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [سورة النمل آية: ١٤] ؛ فهم في الباطن يعلمون أن ذلك لله وحده، قال تعالى في بيان قصدهم ومرادهم بدعاء غيره: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] الآية، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
стр. 5462
[سورة الزمر آية: ٣] .
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢٨] ، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣] ، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] ، فأخبر تعالى أنهم تعلقوا على آلهتهم، ودعوهم مع الله للشفاعة، والتقريب إلى الله، بالجاه والمنْزلة، وأحبوهم مع الله محبة تأله وتعبد، لنيل أغراضهم الفاسدة، ولم يريدوا منهم تدبيرا ولا تأثيرا، ولا شركة ولا استقلالا.
يوضحه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] إلى قوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤] إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٩] ، وقوله ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ [سورة النمل آية: ٦١] إلى قوله ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ١١١] .
فتأمل هذه الآيات، وما فيها من الحجج والبيانات، تطلعك على جهل هذا العراقي وأمثاله، وأنهم ما عرفوا شرك المشركين، وما كانوا عليه من القصد والدين، ولم يعرفوا ما كان عليه أنبياء الله وأتباعهم من توحيد رب العالمين.
وتأمل كيف استدل على توحيد إلهيته، ووجوب عبادته وحده لا شريك له، بما أقر به الخصم واعترف به، من توحيد ربوبيته واستقلاله بالملك والخلق، والتأثير
стр. 5463
والتدبير؛ وهذه عادة القرآن دائما، يعرج على هذه الحجة، لأنها من أكبر الحجج، وأوضحها وأدلها على المقصود ; فسبحان من جعل كلامه في أعلى طبقات البلاغة والفصاحة، والجلالة والفخامة، والدلالة والظهور ; فأي شبهة بعد هذا تبقى للمماحل المغرور؟!
واعلم: أن دعاء الأموات والغائبين ليس بسبب لما يقصده المشرك ويريده ; بل هو سبب لنقيض قصده وحرمانه، وهلاكه في الدنيا والآخرة ; قال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [سورة الحج آية: ١٢-١٣] لأنه في الحقيقة إنما عبد الشيطان، ودعاه وأطاعه فيما يأمر به، ولذلك تتبرأ الملائكة والصالحون ممن دعاهم، وصرف لهم شيئا من العبادة.
وأيضا: فليس كل سبب يباح ; بل من الأسباب ما هو محرم، وما هو كفر، كالسحر والتكهن ; والغبي يظن أن الدليل يسلم له، إذا أراد السبب لا الاستقلال ; وعباد الكواكب وأصحاب النيرنجيات، ومخاطبات النجوم يرون أنها أسباب، ووسائل نافعة، ويظنونها كالأسباب العادية ١ وعباد القبور والأنفس المفارقة، يرون أن تعلق قلب الزائر، وروحه بروح
стр. 5464
المزور، سبب لنيل مقصوده، وتحصيل نصيب مما يفيض على روح ذلك المزور، كما ذكره الفارابي وغيره من عباد الكواكب والأنفس المفارقة ; وقد قال بعض السلف: ما عبدت الشمس والقمر، إلا بالمقاييس.
فصل
[في ذكر ما استدل به على جواز دعاء الصالحين والرد عليه]
قال العراقي: ومن الأدلة على جواز دعاء الصالحين وندائهم ما ذكر الله عن نبيه سليمان، وقوله لآصف، وقد طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله.
فنقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ١٦] ، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٢] . وقصة آصف من أدلة التوحيد، وآصف توسل إلى الله بتوحيده وإلهيته، وكرر ذلك في دعائه ; وقد قيل: إنه يعرف الاسم الأعظم، فهو طالب من الله راغب إليه سائل له، وسليمان ﵇ آمر ليس بسائل ولا طالب ; وفرق بين الأمر والمسألة، ومن لم يفرق بين الأمرين، ولم يدر حكم المسألتين، فليرجع إلى وراء، وليقتبس نورا من كلام أئمة العلم والهدى.
وقد قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب: " لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك " ١، وهذا من جنس الأسباب العادية؛ فإن الرجل إذا كان معروفا بالصلاح، وإجابة الدعاء، فطلب منه الدعاء أو أمر به، فدعا الله فاستجيب له، لا يكون هو الفاعل للاستجابة، وليس المطلوب منه ما يختص بالله من الفعل، وإنما يطلب منه
стр. 5465
ما يختص به من الدعاء، والتضرع؛ فالآية من أدلة التوحيد، وصرف الوجوه إلى الله، وإقبال القلوب عليه.
فإن آصف توسل إلى الله بتوحيده وربوبيته، وقصده وحده، ولم يقصد سليمان ولا غيره، مع أن سليمان أفضل منه لنبوته ; وفيها: أن الأنبياء لا يسألون ولا يقصدون ; بل ربما صار حصول مقصودهم، ونيل مطلوبهم، على يد من هو دونهم من المؤمنين ; وإن أعظم الوسائل، وأشرف المقاصد، هو: توحيد الله بعبادته، ودعائه وحده لا شريك له، كما فعل آصف.
وفيها: براءة أولياء الله من الحول والقوة، كما دلت عليه القصة، فإنه توضأ وصلى ودعا، فقال في دعائه: يا ذا الجلال والإكرام، قاله مجاهد. وقال الزيادي: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا، لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها، فأي شبهة تبقى مع هذا؟! وأي حجة فيه على أن غير الله يدعى؟!
ثم أخذ العراقي في هذيان وإسهاب، حاصله: أن السبب لا يفعل، وأن الله هو الفاعل؛ ومراده بهذا أن دعاء الأموات والغائبين، من الأولياء والصالحين، يجوز ويسوغ، إذا اعتقد أن الله هو الفاعل؛ وقد مر رد هذا، وتقرير جهل قائله، ومفارقته لما عليه أهل الإسلام
وقد تقدم أن أصل الإسلام وقاعدته، هي: عبادة الله وحده لا شريك له، وإفراده بالقصد والطلب، وأن توحيد الربوبية، واعتقاد الفاعلية له تعالى، لا يكفي في السعاد والنجاة،
стр. 5466
ولا يكون به الرجل مسلما، حتى يعبد الله وحده، ويتبرأ مما سواه من الأنداد والآلهة.
وقد قال النبي ﷺ لوفد عبد القيس: " آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله " ١. وهذا ظاهر بحمد الله، وإن خفي على خفافيش البصائر، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فهاموا من الجهل والضلال، في كل فج عميق، مع انتسابهم إلى العلوم والدفاتر، وتقدمهم في المجالس والمحاضر.
لا عيب في القوم من طول ومن قصر ... جسم البغال وأحلام العصافير
فصل
[في خلق أفعال العباد وما يريد بها والجواب عن ذلك]
قال العراقي: فعند أهل السنة أفعال العبد مخلوقة لله ; وعند المعتزلة: أن المخلوق خالق لأفعاله، ومع هذا فأهل السنة لا يكفرونهم، انتهى.
قلت: يريد العراقي، أن مسألة الأموات والغائبين، ودعائهم في الحوائج والشدائد، مبنية على هذه المسألة، وأن أهل السنة يثبتون ذلك لمن اعتقد أن الله خالق أفعال العباد، وأن من أنكر دعاء الصالحين ونداءهم، فهو من المعتزلة، لأن إنكاره مبني على اعتقاده أن العبد خالق لأفعال نفسه.
والجواب أن يقال: أما هذه المسألة، أعني: خلق أفعال
стр. 5467
العباد، فأهل السنة قائلون بها، لدلالة الكتاب والسنة، والأدلة العقلية والنقلية، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ٩٦] ؛ وقد انعقد الإجماع على هذا. ثم حدث قول القدرية النفاة، في أواخر عصر الصحابة، وأول من اشتهر عنه ذلك: غيلان القدري، ومعبد الجهني.
فأما غيلان: فكان في زمن هشام بن عبد الملك، فناظره الأوزاعي إمام أهل الشام في زمانه، وألزمه الحجة، وحكم بكفره؛ وقتله هشام ; ومعبد الجهني: قتله الحجاج بن يوسف ; وأكثر السلف والأئمة يكفرونه بهذه المقالة، كما هو معروف في محله، وقد قال الإمام أحمد: ناظروهم بالعلم، فإد أقروا به خصموا ; وإن أنكروا كفروا.
وقد حكى الإجماع على كفر من أنكر العلم: شمس الدين ابن قيم الجوزية، وناهيك به علما واطلاعا؛ فنسبته عدم التكفير إلى أهل السنة كذب، جره عدم الحياء ; ثم أي حجة في هذا، على أن الأولياء والصالحين يدعون، بما لا يقدر عليه إلا الله؟!
فمسألة خلق الأفعال، لا تلازم بينها وبين دعاء الأولياء والصالحين بوجه ما، وإنما أتي هذا من جهة ظنه، أن من قال: بأن الله يخلق أفعال العباد، يباح له دعاء الصالحين ; ومن قال: إن العبد يخلق أفعال نفسه، يحرم عليه ذلك، هذا ظن الأحمق، لم يفرق بين مذهب المعتزلة، والقدرية، ودين
стр. 5468
المشركين من العرب والصائبين.
ويذكر أن بعض الأغبياء شكا رجلا إلى أمير من الأمراء، فقال: إنه مرجئ خارجي، رافضي ناصبي، يسب معاوية بن الخطاب، الذي قتل علي بن العاص ; فقال له الوالي: لا أدري على أي شيء من هذا أحسدك؟ على علمك بالمقالات، أو على معرفتك بالأنساب.
قال العراقي: وكان أحمد يصلي خلفهم، وكل السلف.
والجواب أن يقال: سبحان الله! ما أقبح الوقاحة والجراءة، والتمادي في الكذب على الله، وعلى أولى العلم من خلقه!! ما صلى الإمام أحمد خلف قدري قط ; بل أفتى بعض أهل الحديث بمجلسه: أنه لا يصلى خلفهم، فاستحسنه واستصوبه، والمعروف من مذهبه: أن الصلاة لا تصح خلف فاسق باعتقاده، أو فعله.
وقد كذب هذا بانتسابه إليه، والحكم عليه بالصلاة خلف القدرية، وأكثر أهل السنة لا يرون الصلاة خلفهم، كما ذكره صاحب كشف الغمة ; وبعض العلماء يقول: مسألة صلاة الجمعة والجماعة، مبنية على مسألة القول بالتكفير وعدمه، ويرى الصلاة خلف من لم يكفر ببدعته، إذا احتيج إلى ذلك فما حكاه هذا عن أهل السنة، كذب لا مرية فيه، والصواب التفصيل عند بعضهم، والمنع مطلقا عند آخرين.
стр. 5469
فصل
[في قول العراقي: وهذا من باب الكرامة]
قال العراقي: وهذا من باب الكرامة، وتكلم في إثبات الكرامة، وأنها تكون بعد الموت، واستدل بقولة تعالى عن الملائكة: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [سورة فصلت آية: ٣١] ؛ ومراد العراقي: أن دعاء الصالحين والاستشفاع بهم وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله منهم، من جنس الكرامة المثبتة التي أثبتها أهل السنة.
وهذه طامة عظيمة، وغاية في الجهالة والسفاهة، بل هي من جنس احتجاج النصارى على دعاء المسيح وأمه وعبادتهما، ظنوا أن ما حصل للمسيح ولأمه ﵉، من الكرامات والمعجزات، يبيح لهم دعاءهما وعبادتهما؛ وإذا خاطبت النصراني، سرد عليك من المعجزات والكرامات التي أعطيها المسيح، واحتج بها على دعواه.
وعباد القبور يحتجون في هذا الباب، بما لم يثبت؛ وما ثبت فأكثره دون ما أعطيه المسيح; ومع ذلك، فالاحتجاج به على دعائهم، من جنس حجج النصارى، لا يدل على المدعى; بل غايته أن يدل على علو الدرجة، وصدق الرسالة، أو ثبوت الولاية، إذا اقترن به عمل صالح.
وأما الاستدلال بذلك على أنه يدعى ويرجى، ويشفع وينفع، فهذا من دين النصارى والصائبة، وعباد الأصنام; وهذه الشبهة هي التي أوقعت في الشرك جمهور المشركين;
стр. 5470
فإن أصل عبادة الأصنام، هو التعلق على الصالحين، وتصوير صورهم وتماثيلهم; بل عباد الكواكب، دعاهم إلى عبادتها: ما أودع الله فيها من الحكم، والمنافع التي ظهرت آثارها في هذا العالم، كما يعرفه من عرف مذاهب القوم.
وطرد الدليل الذي استدل به العراقي، أن يقال بدعاء كل ذي كرامة ومزية، إذا اعتقد أن الفاعل هو الله، ولا يتوجه الإنكار على النصارى، في قولهم: يا عيسى افعل كذا، يا روح القدس، أعطني كذا، يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله، لأنه من أولي العزم، ومن أكابر أهل الكرامات; والمسلم إذا تصور هذا، ظهر له ما فيه من الجهل والضلال، بمجرد الفطرة ومعرفة الإسلام.
وأما من رزق الفهم فيما جاء به محمد ﷺ ووفق للاستدلال بآيات الله ومخلوقاته التي نصبها شاهدة ودالة على توحيده في ربوبيته وإلهيته، فذلك أكمل إيمانا وأتم علما وإيقانا، يرى كفر من تعلق على غير الله، ودعاه فيما يختص بالله، من أوضح الواضحات، وأبين البينات.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الشورى آية: ٩] ، استدل بعموم قدرته وإيجاده، وإحيائه الموتى، على وجوب توليه بعبادته وحده لا شريك له; والقرآن والسنة يدلان على هذا، ويقررانه بأنواع الدلالات، وألطف التقريرات.
стр. 5471
والآية التي استدل بها، ليس فيها ما يدل على دعواه; بل فيها ما يبطلها ويدحضها; فإن أول الآية نص على وجوب التوحيد، وإفراد الله بالعبادة، والاستقامة عل ذلك، بالتزام حقوقه وواجباته; وتنزل الملائكة، ومخاطبتهم للمؤمنين بهذا الخطاب، وتوليهم له، لا يدل على أنه يفعل ويشفع، وإنما يدل على كرامته وعلو درجته، ونيل مشتهاه ومدعاه في دار الكرامة.
فأين في هذا ما يدل على أنه يدعى في حياته أو بعد مماته؟! وفي الحديث: " من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار " ١، وفي رواية "بغير علم"، وهذا الجاهل يتخبط في الاستدلال بآيات الله، ويحملها على غير محملها، ويتأولها على غير تأويلها، بل على نقيضه وضده؛ فسبحان من طبع على قلبه!
وقد استدل بعض من يدعي العلم، على مسألة تصرف الأولياء، وأنهم يدعون، بقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٩] ، فقال بعض عوام المسلمين: إن كانت القراءة ﵁ ﴿يَرْزُقُون﴾ بفتح الياء فذاك متجه، وإلا فالآية حجة عليك. قال في الفتاوى البزازية من كتب الحنفية، قال علماؤنا: من قال أرواح المشائخ حاضرة تعلم، يكفر; انتهى.
فإن أراد علماء الشريعة، فهو حكاية للإجماع، والإجماع على هذا يعلم بالضرورة من دين الإسلام، وهذا أحد الطرق التي يعرف بها الإجماع.
стр. 5472
وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي، في رسالته في الرد على من زعم: أن الأولياء يدعون، ويتصرفون، على أن ذلك كرامة; قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط; بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفة عقائد الأئمة، وما اجتمعت عليه الأمة; والمقصود: أنه حكى إجماع الأمة على كفر من زعم ذلك.
فصل
واستدل العراقي على دعاء الصالحين، وندائهم بالحوائج، بقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ [سورة النازعات آية: ٥] ، وذكر عن البيضاوي: أنها أرواح الموتى.
والجواب أن يقال: قد حكى البيضاوي أقوالا على هذه الآية، وقدم: أنها الملائكة، وحكى أنها النجوم، وحكى أنها خيل الغزاة، وحكى أنها أنفس الغزاة; وعلى زعم هذا وطرد دليله: كل ما ذكر يدعى مع الله، حتى خيل الغزاة; والبيضاوي لا يقول: بدعاء أحد مع الله; بل ذكر في تفسيره مواضع يعز استقصاؤها، في المنع من ذلك وتحريمه.
ثم هذا القول الذي قاله العراقي: رجوع إلى عبادة الملائكة والنجوم، والأنفس المفارقة، وهذا حقيقة دين الصائبة; أوقع العراقي فيه ظنه أن العبادة لا تكون عبادة وشركا، إلا إذا اعتقد التأثير من دون الله; وهذا الشرط هو الذي أوقعه فيما
стр. 5473
وقع فيه، من تجويز عبادة الملائكة، والنجوم والأنفس المفارقة; وهذه المسألة غلط فيها كثير من الضالين، مع أن الله تعالى وضحها في كتابه، توضيحا كافيا شافيا; وقد تقدم بعض ذلك قريبا.
والشرك جعْل شريك لله تعالى فيما يستحقه، ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع، والتعظيم والخوف والرجاء والإنابة، والتوكل والنسك والطاعة، ونحو ذلك من العبادات; فمتى أشرك مع الله غيره في شيء من ذلك، فهو مشرك بربه، قد عدل به سواه، وجعل له ندا من خلقه، ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شركة في الربوبية، أو استقلالا بشيء منها.
والعجب كل العجب أن مثل هؤلاء يقرؤون كتاب الله ويتعبدون بتلاوته، وربما عرفوا شيئا من قواعد العربية، وهم في هذا الباب: من أضل خلق الله وأبعدهم عن فهم وحيه وتنْزيله; ومن الأسباب المانعة عن فهم كتاب الله: أنهم ظنوا أن ما حكى الله عن المشركين، وما حكم عليهم به، ووصفهم به، خاص بقوم مضوا، وأناس سلفوا وانقرضوا، لم يعقبوا وارثا.
وربما سمع بعضهم قول من يقول من المفسرين: هذه نزلت في عباد الأصنام، هذه في النصارى، هذه في الصائبة، فيظن الغمر أن ذلك مختص بهم، وأن الحكم لا يتعداهم; وهذا من أكبر الأسباب التي تحول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة.
стр. 5474
ثم اعلم: أن قول البيضاوي هنا، قولا لا يلتفت إليه، ولا يعول في الدليل عليه، لأنه صدر عمن لا يرضى، ولا يؤتم به في هذا الشأن، ولا يقتدى، ولم يقله أحد من أئمة التفسير والهدى; بل قد صرحوا بخلافه، كما يعرفه أولو الأحلام والنهى، ونبهوا على أن أصل الشرك، هو سؤال أرواح الموتى; والبيضاوي وأمثاله: إنما يؤخذ عنهم ما شهدت له الأدلة الشرعية، وجرى على القوانين المرضية التي يتلقاها أهل العلم والإيمان، من أحكام السنة والقرآن.
وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: ذهاب الإسلام من ثلاثة: "زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين"، هذا لو سلمنا ثبوت العلم، لمن يحكي مثل هذه الأقوال، وإلا فأين العنقاء لتطلب؟ وأين السمندل ليجلب؟
وأهل التحقيق من المفسرين: على أن المراد بهذه الآية، هم الملائكة، فإسناد التدبير إليهم كإسناد النزع والنشط، والتقسيم والزجر، كما في قوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾ [سورة الذاريات آية: ٤] ، وقوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ [سورة الصافات آية: ٢-٣] ، وليس في هذه الآيات الكريمات ما يدل على دعاء الملائكة وعبادتهم، فإنهم رسل مأمورون مدبرون، كما أن إبلاغ الرسالة من الرسول البشري، لا يدل على دعائه ولا يقتضيه، فكذلك الملائكة، لأنهم رسل بالأوامر الكونية والشرعية.
والقدرة والتدبير، وتسخير المخلوقات، كل ذلك لله وحده;
стр. 5475
وهو من أدلة توحيده وإلهيته، وصرف الوجوه إليه، والإعراض عما سواه، قال تعالى في حق الملائكة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٦-٢٩] .
وقال في شأن جبرائيل وغيره من الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٦٤] ؛ فتأمل ما في هذا القول من كمال العبودية، ومتابعة الأمر، والبراءة من الملكة والحول والقوة، والاعتراف له تعالى بذلك; فاستدل بعموم الربوبية، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٦٤] ثناء عليه تعالى بإثبات العلم، ونفي ما يضاده أو ينافي كماله.
قال تعالى في حق المسيح: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [سورة النساء آية: ١٧٢] ؛ الآية والمقصود: أن تسخير الملائكة وتدبيرها وإرسالها، من أدلة إلهيته تعالى، واستحقاقه لأن يعبد وحده لا شريك له.
ومن العجب: أن هذا العراقي زعم أن للأرواح تدبيرا وتأثيرا في العالم، مستدلا بعبارة رآها في كتاب الروح؛ وهذا غلط فاحش وخطأ واضح؛ فإن ما ذكره العلامة ابن القيم، ليس فيه أنها تدبر وتتصرف، وتجيب من دعاها; وليس فيه إلا مجرد الحكاية: أن روح النبي ﷺ وبعض أصحابه قد رآها بعض الناس عند القتال، وأنها هزمت أهل الشرك، وليس
стр. 5476
فيه أنها تدبر وتتصرف؛ وهذه الرؤيا والقضية الجزئية لا دلالة فيها، علي ما زعمه العراقي بوجه من الوجوه.
وأبلغ من هذا قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الأنفال آية: ٩-١٠] ، فانظر هذه الآية الكريمة، وما فيها من قطع التعلق والالتفات إلى غير الله، مع أن المدد بالملائكة، وقتالهم مشهود محسوس متواتر؛ ولو قال إنسان بجواز دعاء الملائكة وطلب ذلك منهم، والاستغاثة بهم عند الشدائد والحرب، لكان ذلك كفرا، ورجوعا إلى عبادة الملائكة، والأنفس المفارقة.
ومن نظر في كلام هذا الرجل، عرف أنه أجنبي عن العلم، لم يعرف ما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وكيف كان الشرك في الأمم، وإلا فأي تلازم بين ما ذكره، وما أخبر الله به عن مدده بالملائكة، وبين دعائهم والاستغاثة بهم، والاستعانة، والإنابة، في كشف الشدائد والمهمات؟!
والرجل وجد مادة وكتبا شتت فهمه، وحيرت عقله، أراد الاستغناء بها فلم تزده إلا عمى وجهلا، فأضاف إلى ذلك الجرأة في الكذب على الله، وعلى رسله، وعلى أولي العلم من خلقه، كما كذب على الشيخ ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، وزعم أنهما قالا: الأرواح تدبر وتتصرف بعد الموت.
والشيخ ﵀ نص على أن القول بمثل هذا من أقوال
стр. 5477
الفلاسفة والصابئة; قال ﵀: من قال: إن أرواح الموتى تجيب من دعاها، فهذا يشبه قول من يقول: الأرواح بعد المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة، فيقوى تأثيرها; وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة، ومن أخذ عنهم، كابن سينا وأبي حامد وغيرهما; وهذه الأحوال، هي من أصول الشرك، وعبادة الأصنام; وهي من المقاييس التى قال بعض السلف: ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس.
وقال أيضا ﵀ في الكلام على رؤساء المتكلمين -: وقد رأيت في مصنفاتهم، في عبادة الملائكة، وعبادة الأنفس المفارقة أنفس الملائكة وغيرهم، ما هو أصل الشرك.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في "مدارجه": ومن أنواعه - أي: الشرك الأكبر -: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم; فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا عمن استغاث به، أو سأله أن يشفع له عند الله.
[فصل فيما استدل به العراقي على أن أرواح الصالحين تدعى وتدبر]
قال العراقي في استدلاله، على أن أرواح الصالحين تدعى وتدبر: ومن الآيات التي تدل على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [سورة يوسف آية: ٢٤] ، قال المفسرون - منهم البغوي -: رأى يعقوب عاضا على أنملته، يقول: إياك وإياها! فلم يفعل؛ فكان يوسف في مصر، ويعقوب في
стр. 5478
الشام، فهذا نوع من الكرامة، وهي سبب، والقدرة لله.
قلت: يريد العراقي أن مثل هذا يدل على جواز دعاء الصالحين، وندائهم بالحوائج في الغيبة وبعد الممات، لأن هذا كرامة، والكرامة: يدعى صاحبها وينادى.
والجواب أن يقال: عبادة الله وحده لا شريك له، وإفراده بالدعاء والطلب فيما لا يقدر عليه إلا هو، دلت على وجوبها الكتب السماوية، واتفقت عليها الدعوة الرسالية، وهي أصل الدين وقاعدته، لا يعتريها نسخ ولا تخصيص.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [سورة فاطر آية: ٣] ، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [سورة الملك آية: ٢٠-٢١] وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٧] .
فتأمل هذه الآيات ونظائرها، وانظر ما دلت عليه، من اختصاصه تعالى بالخلق والرزق، اللذين هما أصل المخلوقات وقوامها، وانظر كيف استدل بها على وجوب عبادته وطاعته والإيمان به؛ وهل يعارض هذا الأصل بمثل هذه الأوهام الضالة، من شم رائحة العلم، ودرى ما الناس فيه من أمر دينهم؟
стр. 5479
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
هذا لو سلم أن الكرامات سبب، وأن هذا المثال فيه إثبات الكرامة، فكيف والأمر بخلاف ذلك، بإجماع أهل العلم؟! والمقدمتان كاذبتان، لأن الكرامة فعل الله تعالى لا فعل للولي فيها، ولا قدرة له عليها ولا تأثير، وكل من يذكر تعريف الكرامة وحدها، يقول: هي خرق الله العادة لوليه، لحكمة ومصلحة تعود عليه أو على غيره.
وعلى هذا التعريف، لا فعل للولي فيها ولا إرادة، فمن أين يؤخذ أنها سبب يقتضي دعاء من قامت به أو فعلت له؟ ومن أي وجه دلت الكرامة على هذا؟ وأفضل الناس الرسل، والملائكة من أفضل خلق الله، ولهم من المعجزات والكرامات والمقامات ما ليس لغيرهم.
قد جاء عيسى بن مريم بما هو من أفضل المعجزات والكرامات، يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وينبئهم من الغيب ما يأكلون وما يدخرون.
وقد أنكر تعالى على من قصده ودعاه في حاجاته وملماته، وأخبر أن فاعل ذلك كافر بربه، ضال بعبادة غيره; وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] الآية، والأرباب هم المعبودون المدعوون، وسيأتي تحقيق هذا.
стр. 5480
وقال تعالى فيمن عبدوا المسيح: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٦] وسيأتيك أن الدعاء والنداء بما لا يقدر عليه إلا الله، داخل في مسمى العبادة، فتنبه! فأخبر تعالى عن المسيح أنه لا يملك لمن دعاه نفعا ولا ضرا، وإن قل كما يفيده التنكير، وأبطل عبادته وأنكرها أشد الإنكار، ومعجزاته أوضح من الشمس وسط النهار; وقد تقدم أن هذه الشبهة هي التي تعلق بها النصارى في دعائه ودعاء أمه.
ثم اعلم: أن الآية ليس فيها ما يدل على كرامة يعقوب ﵇، إلا حفظه في عقبه، وصيانة ولده; فإن الله يحفظ الرجل الصالح في نفسه وأهله وولده، كما في حديث ابن عباس: " احفظ الله يحفظك " ١، وليس ذلك من جهه المثال وتخصيصه، فإن هذا لا يفيد الكرامة ولا يفهمها; وقد تمثل جبرائيل في صورة دحية الكلبي، وكثيرا ما يتمثل الملك في صورة البشر.
والذي رآه يوسف هو المثال، لا نفس يعقوب وذاته، كما فهمه الغبي، فإن هذا لا يدل عليه كلامهم أصلا; وكرامات يعقوب ﵇ أجل من ذلك وأعظم; وقد يمثل للإنسان من يحب ويأنس به، أو من يجله ويهابه لمصلحة تعود عليه، لا على نفس صاحب المثال; ولذلك نظائر وأشباه في اليقظة والمنام، يعرفها أولو العلم والأفهام.
стр. 5481
تنبيه
[ليست الكرامة من لوازم المنْزلة وعلو الدرجة]
ليست الكرامة من لوازم المنْزلة وعلو الدرجة؛ مشى قوم فوق البحار، ومات عطشا من هو أفضل منهم وأقوى إيمانا; وقد كثرت في القرن الثاني والثالث، وفي القرن الأول من هو أفضل وأجل، ممن وقعت له هذه الخوارق؛ وبسط هذا له محل، والقصد إبطال كلام هذا الضال.
ويقال له: أكثر المفسرين على غير هذا; فمنهم من قال: إن هم يوسف من جنس الخطرات، والواردات التي لا تستقر، وليست بعزم، فتركها والإعراض عنها حسنة، كما دل عليه حديث: " إذا هم العبد بالسيئة فلم يفعلها كتبت له حسنة " ١. ومنهم من قال: البرهان المشار إليه، هو قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٢] ، رأى الآية مكتوبة في السقف. ومنهم من قال: رأى ثلاث آيات هي البرهان. ومنهم من قال: لم يهم يوسف بسوء، لوجوب عصمته حتى قبل النبوة.
وقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [سورة يوسف آية: ٢٤] معلق على عدم الرؤية وقد ثبتت، فلا هم; تقول: هلك زيد لولا عمرو، وهذا معنى ما قال بعضهم: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ هم بها; وهذا يذهب إليه من يقول: بعصمة الأنبياء قبل النبوة; وهو الراجح عند من اعتمد أقوالهم هذا العراقي، فيما وصل إلينا في مسألة علم الغيب لرسول الله ﷺ ، وهذا خالفه ظنا منه أن
стр. 5482
إثبات الكرامة، يقتضي إباحة الدعاء مع الله؛ قال بعض السلف: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري; أي مذهب وافق هواك تمذهبت به.
ومن العجب أن يقول في هذه الرسالة: سلوني سلوني إن أشكل عليكم شيء; وعندي من النسخ وعندي كذا وكذا، ويطري نفسه إطراء لا يصدر عمن له دين وعقل، أو دراية بشيء من الآداب، والنقل، حتى أنشد في مدح نفسه، قول الشاعر
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول
وما أحسن ما قيل:
إني سألت ولكن لم أجد أحدا ... أثنى عليك ومدح النفس تضليل
ومثل هذا لا يحسن ممن له علم وفضل، أو أدب ينتفع به وعقل، فكيف بمن لا يعلم حقيقة الإسلام؟ ولم يعرف منه ما عرفه آحاد العوام؟! وقد اعترض بعض الجهال على شيخ الإسلام، في بعض تقاريره، فأخطأ الإصابة، ولم يتأدب بحضرة تلك العصابة، وقال له الشيخ: لا أدب ولا فضيلة، وأنى لمثل هذا بالفضل والأدب، وقد عدم العلم الذي هو أصل الفضائل والرتب.
فقر الجهول بلا علم إلى أدب ... فقر الحمار بلا رأس إلى رسن
وهذه الدعوى الكاذبة، يمكن كل أحد أن يدعيها، ولكن
стр. 5483
هيهات هيهات، قد حيل بين النفوس الجاهلة وبين أمانيها، لقول أصدق الورى، ومن لا ينطق عن الهوى: " لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال دماء قوم وأموالهم " ١ الحديث.
والله يعلم أني ما رأيت لهذا إصابة قط فيما يدعيه وينفرد به، حتى إنه قال في بدء رسالته وخطبته، في وصف الأرواح: فما تعارف منها في الأزل ائتلف; فزاد في الحديث قوله: في الأزل، وهي زيادة تدل على جهله وكثافة فهمه، فإن الأزل لا وجود للأرواح فيه، فضلا عن أن تتعارف، لأنه اسم لما قبل إيجاد المخلوقات.
[فصل في طلب الشفاعة من الرسول بعد موته عند زيارته]
قال: وقد أجمع الحنابلة وغيرهم، على طلب الشفاعة من الرسول بعد موته عند زيارته.
والجواب أن يقال: هذه دعوى عريضة كبيرة، لا تصدر إلا عن اطلاع كلي، وإحاطة تامة بأقوال أهل العلم، أو عن وقاحة كلية وتهور في الكذب، وإيغال في الافتراء.
ومن المعلوم ضرورة، عند من نظر في كلام هذا من أهل العلم: أنه ليس من القسم الأول، بل هو ممن يجهل الضروريات الإسلامية، والبديهيات الإيمانية اليقينية، مما لا يخفى على عامة المسلمين; فكيف له بمعرفة الإجماع في هذه المسألة؟! والمدعي يطالب بتصحيح دعواه.
стр. 5484
ولكن نتنزل مع هذا، ونكتفي منه بتصحيح ذلك عن واحد فقط، ممن يحتج به من أئمة العلم والفتوى، من أصحاب رسول الله ﷺ أو من بعدهم من التابعين وتابعي التابعين، أو الأئمة الأربعة، أو أصحاب الوجوه والترجيحات في مذاهبهم.
وأما من لا يحتج به من الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فهؤلاء ليسوا بحجة ولا يرجع إليهم بالاتفاق; والآثار والأحاديث دلت على عيبهم وذمهم بما أحدثوه في دين الله، من الأقوال والأفعال، كما في حديث العرباض بن سارية، وغيره من الأحاديث.
وما علمت أحدا من أهل العلم وأئمة الفتوى قال هذا، لا من الصحابة ولا من غيرهم; بل حكى الشيخ الإمام أحمد بن عبد الحليم: الإجماع على المنع من دعائه ﷺ والطلب منه، وقرر أن هذا من شعب الشرك الظاهرة، وسيأتيك بسط كلامه.
وذكر الحنابلة كصاحب الفروع والإقناع وغيرهم، حتى أصحاب المختصرات أن المسلم عند القبر لا يستقبله عند الدعاء، ولا يدعو الله عنده، وهذا منهم صيانة للتوحيد.
وأبو حنيفة قال: لا يستقبله عند السلام عليه ﷺ بل يستقبل القبلة، حكاه شيخ الإسلام; وقد كره مالك للرجل أن يدعو عند القبر الشريف - على صاحبه أفضل الصلاة والسلام -، وذكر أنه يستقبل القبلة عند الدعاء، كما ذكره في المبسوط
стр. 5485
وغيره من كتب المالكية; وفي منسك الإمام أحمد مثل هذا; بل كرهوا للرجل من أهل المدينة أن يأتي القبر الشريف كلما دخل المسجد، لأنه محدث لم يفعله أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال مالك: ولن يصلح آخر هذه الأمة، إلا ما أصلح أولها.
وأما من قدم من سفر، أو أراده من أهل المدينة، فرخصوا له في إتيان القبر الشريف للسلام، لأن ابن عمر كان يفعله; قال ابن أخيه عبيد الله بن عمر بن عاصم: لم يفعله أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إلا ابن عمر; وعبيد الله المصغر، من أفضل آل عمر، ومن أعيان وقته ثقة وزهدا وعلما.
وأما دعاؤه وطلب الشفاعة منه ﷺ بعد موته، فهم مجمعون على المنع منه؛ ولم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم ما يقتضي الجواز والإباحة.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ﵀، والطلب من النبي ﷺ بعد موته، وفي مغيبه، ليس مشروعا قط; ولكن كثيرا من الناس يدعو الموتى والغائبين من الشيوخ وغيرهم، فتتمثل له الشياطين، وتقضي بعض مآربه لتضلهم عن سبيل الله، كما تفعل الشياطين بعباد الأصنام وعباد الشمس والقمر، تخاطبهم وتتراءى لهم؛ وهذا كثير يوجد في زماننا، وغير زماننا، انتهى.
وقال الشيخ ﵀: وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد، إلى زمن الوليد بن عبد الملك،
стр. 5486
لا يدخل أحد إليها، لا لصلاة هناك، ولا لتمسح بالقبر، ولا دعاء هناك، بل هذا جميعه إنما يفعل بالمسجد; وكان السلف إذا سلموا على النبي ﷺ وأرادوا الدعاء، دعوا مستقبلي القبلة، لم يستقبلوا القبر.
وأما وقوف المسلم عليه، فقال أبو حنيفة: ليستقبلوا القبلة أيضا، لا يستقبلوا القبر; وقال أكثر الأئمة: بل ليستقبلوا القبر عند السلام عليه خاصة، ولم يقل أحد من الأئمة أنه يستقبل القبر عند الدعاء، أي: الدعاء الذي يقصده لنفسه، إلا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك، ومذهبه بخلافها؛ واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ ولا يقبله; وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد.
قال طائفة من السلف، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] الآية: هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم; وقد ذكر بعض هذا البخاري في صحيحه، لما ذكر قول ابن عباس; وذكره ابن جرير وغيره عن غير واحد من السلف; وذكره وثيمه وغيره في قصص الأنبياء من عدة طرق. انتهى.
وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي - من أكابر الحنابلة وعلمائهم -: والسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله
стр. 5487
شيئا -يعني النبي ﷺ ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته، ويطلب منه يوم القيامة، لا شفاعة ولا استغفارا. وقال أيضا: والحكاية التي تنسب إلى مالك مع أبي جعفر المنصور، كذب عند أهل المعرفة بالنقل والتصحيح، انتهى.
ومذهب مالك ﵀، المعروف عند أصحابه، يخالف هذه الحكاية المكذوبة، ويردها; قال القاضي عياض: قال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو; ولكن يسلم ويمضي. وقال القاضي إسماعيل في المبسوط: قال مالك: لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبي ﷺ ويدعو; ولكن يسلم على النبي، وعلى أبي بكر، وعمر، ثم يمضي. ولما نقل ابن وهب عن مالك أنه يدعو النبي ﷺ عند القبر، حمله أكابر أصحابة على الصلاة على النبي ﷺ ، وابن عبد البر يقول: لفظ الرواية على ما ذكره ابن القاسم والقعنبي وغيرهما: يصلي على النبي ﷺ هذا لفظ مالك.
وقال بعض المالكية: المراد بالدعاء السلام، بدليل أنه ذكر في رواية ابن وهب نفسه، يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله; وقد تقدم مذهب الحنابلة وأبي حنيفة.
وإذا كان هذا ممنوعا مع أنه دعاء لله، فما ظنك بدعاء الرسول نفسه، وطلب الشفاعة منه ﷺ ؟! فالأول منع منه، لأنه وسيلة وذريعة إلى هذا المحذور، الذي هو السؤال لغير الله، وقصده في الحاجات، ولم يكن في عهد السلف شيء من هذا; وإنما
стр. 5488
حدث أوائله ومباديه بعد القرون المفضلة، وأنكرها أهل العلم والإيمان، محافظة منهم على السنة، وحماية لجناب التوحيد، وطاعة لله ورسوله، وسدا لذرائع الشرك ووسائله.
وقد روى الضياء في المختارة، عن الحسن بن الحسن أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة عند قبر النبي ﷺ فنهاه عن ذلك; قال: ألا أخبركم بحديث سمعته من أبي عن جدي: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم "١، وروى أيضا عن علي بن الحسين زين العابدين.
وهذان الإمامان، هما أفضل أهل البيت في زمانهما; وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة، في سنن أبي داود بلفظ: " لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا قبري عيدا " ٢ الحديث.
فانظر هذه السنة المأخوذة عن أقرب الناس من رسول الله ﷺ نسبا ودارا وتأمل ما دلت عليه من الحكم والفوائد; من ذلك نهيه عن اتخاذ قبره عيدا; والعيد: ما يعتاد مجيئه في وقت مخصوص; وتأمل حكمة ذلك ومقصوده، وما فهمه السلف من النهي عن التردد إلى القبر الشريف كلما دخل المسجد.
وفيه: أن الصلاة والسلام يبلغه وإن بعد المسلم; وفيه: أن الذي يجب له ﷺ من التوقير والتكريم، والصلاة والتسليم مطلوب في كل مكان، وعلى أي حال; وذلك أكمل وأتم ممن يعتاد ذلك عند مجيئه إلى القبر، أو يزيد بالغلو والإطراء فإذا
стр. 5489
بعد عنه فهو من أشد الناس معصية وجفاء.
وفيه: حماية أصل الدين وقاعدته، بصرف الوجوه إلى الله، وإنابة القلوب إليه واعتمادها عليه; ورعاية هذا الأصل من أهم أصول الشريعة، ومدارك الأحكام; وسؤال المخلوق، وصرف الوجه إليه بالمسألة، والطلب في الأمور الكلية العامة، يعود على هذا الأصل بالهدم والقلع; فمن عرف هذا حق المعرفة، ونظر في أدلته وأصوله، تبين له علم السلف، ودقة نظرهم وحسن سياستهم للناس، بما يصلح دينهم ودنياهم.
وقد لعن رسول الله ﷺ اليهود والنصارى، على اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد; وذكر أبو بكر الإمام الأثرم وغيره، من أئمة الحنابلة أن العلة في ذلك، كون الصلاة ونحوها من العبادات عند القبور، وسيلة وذريعة إلى تعظيم أربابها، بما لم يشرع من الغلو، والدعاء وعبادتها مع الله; فكيف والحالة هذه، يقال بجواز طلب الشفاعة من الرسول ﷺ ؟ أو أن ذلك مجمع عليه، كما زعمه هذا المفتري الجاهل بالله تعالى، ومعرفة حقه وحق رسله؟! فنعوذ بالله من الخذلان.
والعلم يدخل قلب كل موفق ... من غير بواب ولا استئذان
ويرده المحروم من خذلانه ... لاتشقنا اللهم بالخذلان
стр. 5490
فصل
[في قول العراقي: والمقصود أن تكفير الناس بمجرد فهم واحد لم يفهمه النبي]
قال العراقي: والمقصود أن تكفير الناس بمجرد فهم واحد من كتاب الله، لم يفهمه النبي ﷺ كقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣] ، وهذه الآية صحيحة، ولكن هذا الفهم باطل، لأن الدعاء المذكور هو السجود على أنها أرباب، وهي الأصنام، وهم كانوا يعبدونها على أنها أرباب لهم، وهي أخشاب وأحجار لا تملك شيئا.
فالذي يستدل بهذه الآية، يقال له: أين مذكور تفسير هذه الآية: أن المراد بها الأنبياء، والشهداء، والأولياء الذين يناديهم المسلم نداء لا عبادة؟ فإن هذا لم يذكر قط في تفسير، ولا في حديث، ولا في أقوال السلف.
نعم: ذكره الشيخ تقي الدين، وقال إنه من باب الزجر والتغليظ والإشارة، لا من باب الحكم على المسلم بالردة، فله أكثر من مائة عبارة تنفي ذلك; والدعاء ليس في كل مكان يراد به العبادة، قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [سورة العلق آية: ١٧-١٨] ، أيقال: إن الله تعالى عبد الزبانية، لأنه دعاهم؟ انتهى كلامه.
وإنما سقناه بحروفه ليعلم المؤمن قدر ما أنعم الله عليه به، من نعمة الإسلام، وما اختصه به من الكرامة ورفع المقام، وليعتبر بما يراه من حال هولاء الضالين، كيف تلاعب بهم الشيطان، وأوصلهم إلى غاية من الجهل والضلال، حجبهم
стр. 5491
بها عن معرفة الله، ودينه وحقه على عبيده، وعن معرفة رسله ومعرفة حقهم، وما يجب لهم، وما يستحيل، وأوهمهم مع ذلك أنهم من أهل العلم بشرعه ودينه، في التحريم والتحليل; وهم كما ترى ليس معهم من الإسلام أصل ولا خبر، ولم يقعوا من ذلك على عين ولا أثر.
فإن حاصل ما قرره هنا: أن الله تعالى لم يحرم عبادة الأنبياء والملائكة، والصالحين ودعاءهم، وإنما حرم اعتقاد الاستقلال من دونه، واعتقاد الربوبية فيها، وأن العبادة هي السجود فقط، مع اعتقاد أنها أرباب، وهي الأصنام والأخشاب والأحجار، لا تملك شيئا، وأن النداء يجوز لأنه ليس بعبادة، وأنه لم يذكر قط كون النداء عبادة وما ذكره الشيخ تقي الدين هو من باب الزجر والإشارة، وله أكثر من مائة عبارة، تنفي كون نداء الأنبياء والصالحين عبادة، ومن فهم من كلام الله تحريم دعاء الصالحين، فهو مخطئ ضال، منفرد بهذا الفهم؛ هذا حاصل كلامه.
فيا ويحه ما أكبر زلته؟! وما أغلظ كفره، وما أشد عداوته لما جاءت به الرسل، واتفقت عليه دعوتهم؟! وهذا النوع هم أعوان إبليس وأنصاره، في كل زمان ومكان، ظهروا للناس في ثياب القراء والعلماء، وهم من أجهل من تحت أديم السماء.
يا فرقة ما خان دين محمد ... وجنى عليه وماله إلا هي
وفي كلام هذا من الكذب على الله، والكذب على رسوله،
стр. 5492
وعلى أولي العلم من ورثته، والقول عليه بغير علم، وتحريف الكلم عن مواضعه، والكذب على اللغة والشرع، ما يعز استيفاء الكلام عليه واستقصاؤه.
فقوله: إن النبي ﷺ لم يفهم من هذه الآية ونحوها تكفير من دعا الأنبياء والصالحين، كذب على الرسول، ونسبة ما لا يليق بآحاد المؤمنين إليه، وهل وقعت الخصومة وجرد السيف، ودعا من دعا من أهل الكتاب إلى المباهلة، وأمر بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، إلا لأجل عبادة الأنبياء والصالحين ودعائهم؟ وهل صورت الأصنام وعبدت، إلا باعتبار من هي على صورته وتمثاله، من الأنبياء والملائكة والصالحين؟
والآيات التى يعبر فيها بالموصول وصلته، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣] ونحوها من الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] ، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] .
فهذه الموصولات في كلام الله وكلام رسوله، واقعة على كل مدعو ومعبود، نبيا أو ملكا أو صالحا، إنسيا أو جنيا، حجرا أو شجرا، متناولة لذلك بأصل الوضع; فإن الصلة كاشفة ومبينة للمراد، وهي واقعة على كل مدعو من غير تخصيص، وهي أبلغ وأدل وأشمل من الأعلام الشخصية والجنسية؛ وهذا هو الوجه في إيثارها على الأعلام، وشرط الصلة أن تكون
стр. 5493
معهودة عند المخاطب، تقول: جاء الذي قام أبوه لمن يعهد قيام الأب، ويجهل النسبة بينه وبين من جاء.
والمعهود عند كل من يعقل من أصناف بني آدم أن الأنبياء والملائكة والصالحين، قد عبدوا مع الله، وقصدهم المشركون بالدعاء في حاجاتهم وملماتهم، كما جرى لليهود والنصارى في عبادة الأنبياء والأحبار والرهبان; وكما جرى لقوم نوح في ود وسواع، ويغوث ويعوق ونسر.
وكما جرى للعرب في عبادة الملائكة، واللات، وهو رجل صالح كان يلت السويق للحاج؛ وهذا أوضح من أن يحتاج لتقرير، وأظهر من أن يتوقف على كشف وتفسير، فإن العربي سليم الذوق والفطرة يعرف بعربيته وفطرته; وجميع المفسرين يقررون هذا بضروب من العبارات والتقريرات، ويفهمها الذكي; ومن خص الأصنام في بعض المواضع، فهو لا يمنع أنها عبدت باعتبار من هي على صورته؛ وقد ذكر هذا ابن كثير في تفسيره، وذكره غيره من أهل العلم.
وقد كذب هذا عليهم، ونسبهم إلى الجهل، كما كذب على الله ورسوله; قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٠] ، وأيضا: فقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ؛ فإن نازع هذا في عموم النفي، فهو على مذهب من قال:
стр. 5494
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٥] ، وإن سلم العموم، وزعم أن دعاء الصالحين ونداءهم، ليس بعبادة ولا دعاء، فقد خرج عن المعقول والمنقول، وأتى بجهالة حمقى، خرج بها عما قاله جميع أئمة العلم والهدى.
وقوله تعالى عن نبيه يوسف: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [سورة يوسف آية: ٣٩] هي من هذا الباب؛ فإن تفرق الآلهة والأرباب، يصدق بعبادة الأنبياء والصالحين؛ ومن نازع في هذا فليس من جملة العقلاء، ولا ممن يعرف الضروريات التي يعرفها الحمقاء، هذا لو لم يرد في عبادة الأنبياء والصالحين والملائكة نصوص خاصة.
وقد جاء في ذلك ما فيه الهدى والشفاء، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية:٨٠] ، والأرباب هنا: هم الآلهة المعبودة، فإن الرب وضع للمعبود، كما وضع للمالك والمربي والخالق، وليس هذا من المشترك ولا من المتواطئ، بل هو من استعمال اللفظ في حقيقته اللغوية والشرعية.
وبهذا يستبين لك خطأ العراقي في قوله: على أنها أرباب; فإنه يريد بهذا القيد أنها لا تكون عبادة إلا مع اعتقاد التدبير والتأثير لها، كما تقدم عنه صريحا; وقال تعالى فيمن عبد الصالحين بطاعتهم من دون الله، وغلا في الأنبياء: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية:٣١] ، الآية
стр. 5495
فسرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم: بطاعتهم في التحليل والتحريم، المخالف لأحكام الله تعالى.
وقال تعالى فيمن عبد الصالحين: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] الآية، وهذه فيمن عبد الصالحين من الجن والإنس، والملائكة، كما فسرها بذلك غير واحد من السلف، ويدل عليه قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٧] ، وقد وصفهم بأنهم لا يملكون كشف الضر، ولا تحويله من حال إلى حال، وإن قل، كما يفيده النكرة في سياق النفي، فبطل دعاؤهم بما لا يقدر عليه إلا الله.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة سبأ آية: ٥٧] الآية، نفى أن يكون لهؤلاء المدعوين ملك في السماوات والأرض، ولو قل، كمثقال ذرة؛ وهذا هو الذي يعبر عنه بالاستقلال.
ونفى أن يكون لهم فيهما شرك ولو قل، كما يفيده قوله: ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢] فإنه يفيد استغراق النفي. ونفى أن يكون له منهم من ظهير يعاونه ويوازره، وإذا بطل الملك والشركة والمعاونة، لم يبق سوى الشفاعة، فنفاها بقوله ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] ؛ فإن هذا يفيد إبطال الشفاعة التي ظنها المشرك، ودعا غير الله لأجلها، وقد دل القرآن على نفيها في مواضع.
стр. 5496
والشفاعة المثبتة التي دل عليها الاستثناء، وجاءت بها الأحاديث النبوية، نوع آخر غير ما ظنه المشركون; وحقيقتها: أن الله تعالى إذا أراد رحمة عبده ونجاته، أذن لمن شاء في الشفاعة رحمة للمشفوع فيه، وكرامة للشافع، وقيدت الشفاعة المثبتة بقيود:
منها: إذنه تعالى للشافع.
ونكتة هذا القيد وسره صرف الوجوه إلى الله، وإسلامها له، وعدم التعلق على غيره لأجل الشفاعة، ولذلك يساق هذا بعد ذكر التوحيد، وما يدل على وجوب عبادة الله وحده؛ وهذا الموضع لم يفهمه كثير من الناس، ظنوا أن الاستثناء يفيد إثبات الشفاعة مطلقا، وطلبها من غير الله، فعادوا إلى ما ظنه المشركون وقصدوه، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] . ومنها: أنه لا يشفع أحد إلا فيمن رضي الله قوله وعمله، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] ؛ ومن الآيات الخاصة بمن يدعو الملائكة وأمثالهم، قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سورة سبأ آية: ٤٠] الآية، وقال تعالى في شأن المسيح: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٦] .
стр. 5497
فتأمل ما فيها من العلوم، إن كنت من ذوي الألباب والفهوم; منها: أن اتخاذ الأنبياء والصالحين آلهة شرك، ينبغي تنْزيه الرب تعالى عنه; وفيها براءة أولياء الله ممن أشرك بهم. وفيها: أن الرسل ما أمرت الخلق إلا بما أرسلوا به من عبادة الله وحده. وفيها برهان ما جاءت به الرسل من الأمر بالعبادة، وأن الرب الذي عمت ربوبيته جميع خلقه، هو المستحق أن يعبد،
وأن العبد المربوب ولو علت درجته، كعيسى وغيره من الرسل والملائكة، لا يكون شريكا لربه ومالكه، ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [سورة الروم آية: ٢٨] الآية. والقرآن كله يدل على هذا، ولكن من عادة القرآن مراعاة ما تقتضيه الحال، فيطنب في محل الإطناب، ويوجز في محل الإيجاز؛ والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
فظهر: أن آية سورة فاطر التي أوردها، دالة على ما دل عليه سائر الآيات، وأن فيها من العموم المستفاد من الصلة، ما لا يتأتى معه التخصيص، وأن ما تقدم من الآيات دال على ذلك، يعضد مفهوم من أوردها في المنع من دعاء الصالحين.
فصل
وقول العراقي: هذه الآية صحيحة لكن الفهم باطل، مما يدل على جهله المركب، وكثافة فهمه؛ فإن القرآن أغنى وأعلى وأجل وأعظم، من أن يعبر عنه بهذه العبارة، أو يقسم إلى صحيح وغيره، وإنما تستعمل هذه العبارة فيما يقبل القسمة
стр. 5498
من الأحاديث، لأنها تنقسم إلى صحيح وحسن، وضعيف وموضوع، ولا يصحح إلا من يضعف، ولا يحسن إلا من يقبح.
وقد أنكر أبو حنيفة على رجل صار يحسن ما يسمع منه من الروايات، وزجره عن ذلك، وقال: إنما يحسن من يقبح; هذا في السنة ونحوها، فكيف بالقرآن الذي هو كله حق وهدى؟ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٢] .
وقوله: إن الدعاء هو السجود في هذه الآية، وإن نداء الصالحين ليس بعبادة، إلى آخر عبارته، فهذا الكلام نشأ عن جهله باللغة والشرع، وما جاءت به الأنبياء، فإن العبادة تتضمن غاية الخضوع والذل؛ ومنه طريق معبد، إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام، هذا أصلها في اللغة.
وأما في الشرع، فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة; قاله شيخ الإسلام; وقال بعضهم: هي ما أمر به شرعا من غير اقتضاء عقلي، ولا اطراد عرفي; وقال بعضهم: هي فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، ابتغاء وجه الله والدار الآخرة.
فدخل في هذه التعاريف والحدود: جميع أنواع العبادات، فلا يقصد بها غير الله، ولا تصرف لسواه; وهذا الغبي لم يعرف من أفرادها غير السجود.
ودعاء المسألة من أفضل أنواعها وأجلها، كما في حديث النعمان بن بشير: أن رسول الله ﷺ قال: " الدعاء هو العبادة" ١.
стр. 5499
والحصر يقتضي الاختصاص الدعائي، والتمييز على سائر العبادات; قال بعض الشراح، هو كقوله: " الحج عرفة" ١، أي: ركن العبادة الأعظم هو الدعاء.
وفي حديث أنس: " الدعاء مخ العبادة " ٢ ومخ الشيء خالصه ولبه، وكذلك قوله ﷺ : "الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين "، والعماد والعمود ما يقوم به الشيء، ويعتمد عليه جعله عمادا، لأنه لا يقوم إلا به. وأنت ترى كل العبادات الباطنة والظاهرة دالة على الطلب والمسألة، على اختلاف المطلوب والمسؤول، وكان هذا هو الوجه في التعبير بالدعاء دون العبادة، في أكثر موارد القرآن والسنة.
ويشهد لهذا قوله ﷺ : "أفضل الدعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير". وقد سئل ابن عيينة عن معناه، فأنشد قول أمية في عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
قال في القاموس: الدعاء هو الرغبة إلى الله، انتهى; وقال الحسين بن محمد النعمي: الدعاء في الأصل موضوع لأن يكون من فقير عاجز خاضع لغني قادر عزيز قاهر، انتهى; والدعاء يرد في الكتاب والسنة بمعنى الطلب والمسألة، بامتثال الأمر واجتناب النهي; ويرد بمعنى المسألة والطلب بالصيغة القولية.
стр. 5500
وقد فسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] الآية بدعاء العبادة، وبدعاء المسألة، والقولان معروفان، والآية تشمل النوعين، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وذكر أنهما متلازمان؛ فكل عابد سائل، وكل سائل عابد. وقال ﵀: والدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين، دعاء العبادة، ودعاء المسألة وساق جملة من الآيات.
ثم قال: ولفظ الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، وسميت به لتضمنها معنى الدعاء، دعاء العبادة، والمسألة; ثم قال: فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، ولكن إذا جمع بينهما فيراد بالسائل من يطلب بصيغة السؤال، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال، وسمى الذكر دعاء لما فيه من التعريض بالمسألة.
قال: وهذه الصيغة صيغة الطلب والاستدعاء، إذا كانت مما لا يحتاج إليه الطالب، أو ممن يقدر على قهر المطلوب منه ونحو ذلك، فإنها تقال على وجه الأمر، إما لما في ذلك من حاجة الطالب، وإما لما فيه من نفع المطلوب منه؛ وأما إذا كانت من الفقير من كل وجه للغني من كل وجه، فإنها سؤال محض بتذلل وافتقار، انتهى.
قلت: وقد نص على ما ذكره الشيخ من الفرق علماء المعاني، صاحب المفتاح وغيره، وفرقوا في الصيغة الواحدة نظرا للمخاطب، والمخاطب بكسر الطاء، فقالوا: هي من