والشفاعة المثبتة التي دل عليها الاستثناء، وجاءت بها الأحاديث النبوية، نوع آخر غير ما ظنه المشركون; وحقيقتها: أن الله تعالى إذا أراد رحمة عبده ونجاته، أذن لمن شاء في الشفاعة رحمة للمشفوع فيه، وكرامة للشافع، وقيدت الشفاعة المثبتة بقيود:
منها: إذنه تعالى للشافع.
ونكتة هذا القيد وسره صرف الوجوه إلى الله، وإسلامها له، وعدم التعلق على غيره لأجل الشفاعة، ولذلك يساق هذا بعد ذكر التوحيد، وما يدل على وجوب عبادة الله وحده؛ وهذا الموضع لم يفهمه كثير من الناس، ظنوا أن الاستثناء يفيد إثبات الشفاعة مطلقا، وطلبها من غير الله، فعادوا إلى ما ظنه المشركون وقصدوه، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] . ومنها: أنه لا يشفع أحد إلا فيمن رضي الله قوله وعمله، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] ؛ ومن الآيات الخاصة بمن يدعو الملائكة وأمثالهم، قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سورة سبأ آية: ٤٠] الآية، وقال تعالى في شأن المسيح: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٦] .
стр. 5497
فتأمل ما فيها من العلوم، إن كنت من ذوي الألباب والفهوم; منها: أن اتخاذ الأنبياء والصالحين آلهة شرك، ينبغي تنْزيه الرب تعالى عنه; وفيها براءة أولياء الله ممن أشرك بهم. وفيها: أن الرسل ما أمرت الخلق إلا بما أرسلوا به من عبادة الله وحده. وفيها برهان ما جاءت به الرسل من الأمر بالعبادة، وأن الرب الذي عمت ربوبيته جميع خلقه، هو المستحق أن يعبد،
وأن العبد المربوب ولو علت درجته، كعيسى وغيره من الرسل والملائكة، لا يكون شريكا لربه ومالكه، ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [سورة الروم آية: ٢٨] الآية. والقرآن كله يدل على هذا، ولكن من عادة القرآن مراعاة ما تقتضيه الحال، فيطنب في محل الإطناب، ويوجز في محل الإيجاز؛ والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
فظهر: أن آية سورة فاطر التي أوردها، دالة على ما دل عليه سائر الآيات، وأن فيها من العموم المستفاد من الصلة، ما لا يتأتى معه التخصيص، وأن ما تقدم من الآيات دال على ذلك، يعضد مفهوم من أوردها في المنع من دعاء الصالحين.
فصل
وقول العراقي: هذه الآية صحيحة لكن الفهم باطل، مما يدل على جهله المركب، وكثافة فهمه؛ فإن القرآن أغنى وأعلى وأجل وأعظم، من أن يعبر عنه بهذه العبارة، أو يقسم إلى صحيح وغيره، وإنما تستعمل هذه العبارة فيما يقبل القسمة
стр. 5498
من الأحاديث، لأنها تنقسم إلى صحيح وحسن، وضعيف وموضوع، ولا يصحح إلا من يضعف، ولا يحسن إلا من يقبح.
وقد أنكر أبو حنيفة على رجل صار يحسن ما يسمع منه من الروايات، وزجره عن ذلك، وقال: إنما يحسن من يقبح; هذا في السنة ونحوها، فكيف بالقرآن الذي هو كله حق وهدى؟ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٢] .
وقوله: إن الدعاء هو السجود في هذه الآية، وإن نداء الصالحين ليس بعبادة، إلى آخر عبارته، فهذا الكلام نشأ عن جهله باللغة والشرع، وما جاءت به الأنبياء، فإن العبادة تتضمن غاية الخضوع والذل؛ ومنه طريق معبد، إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام، هذا أصلها في اللغة.
وأما في الشرع، فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة; قاله شيخ الإسلام; وقال بعضهم: هي ما أمر به شرعا من غير اقتضاء عقلي، ولا اطراد عرفي; وقال بعضهم: هي فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، ابتغاء وجه الله والدار الآخرة.
فدخل في هذه التعاريف والحدود: جميع أنواع العبادات، فلا يقصد بها غير الله، ولا تصرف لسواه; وهذا الغبي لم يعرف من أفرادها غير السجود.
ودعاء المسألة من أفضل أنواعها وأجلها، كما في حديث النعمان بن بشير: أن رسول الله ﷺ قال: " الدعاء هو العبادة" ١.
стр. 5499
والحصر يقتضي الاختصاص الدعائي، والتمييز على سائر العبادات; قال بعض الشراح، هو كقوله: " الحج عرفة" ١، أي: ركن العبادة الأعظم هو الدعاء.
وفي حديث أنس: " الدعاء مخ العبادة " ٢ ومخ الشيء خالصه ولبه، وكذلك قوله ﷺ : "الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين "، والعماد والعمود ما يقوم به الشيء، ويعتمد عليه جعله عمادا، لأنه لا يقوم إلا به. وأنت ترى كل العبادات الباطنة والظاهرة دالة على الطلب والمسألة، على اختلاف المطلوب والمسؤول، وكان هذا هو الوجه في التعبير بالدعاء دون العبادة، في أكثر موارد القرآن والسنة.
ويشهد لهذا قوله ﷺ : "أفضل الدعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير". وقد سئل ابن عيينة عن معناه، فأنشد قول أمية في عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
قال في القاموس: الدعاء هو الرغبة إلى الله، انتهى; وقال الحسين بن محمد النعمي: الدعاء في الأصل موضوع لأن يكون من فقير عاجز خاضع لغني قادر عزيز قاهر، انتهى; والدعاء يرد في الكتاب والسنة بمعنى الطلب والمسألة، بامتثال الأمر واجتناب النهي; ويرد بمعنى المسألة والطلب بالصيغة القولية.
стр. 5500
وقد فسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] الآية بدعاء العبادة، وبدعاء المسألة، والقولان معروفان، والآية تشمل النوعين، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وذكر أنهما متلازمان؛ فكل عابد سائل، وكل سائل عابد. وقال ﵀: والدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين، دعاء العبادة، ودعاء المسألة وساق جملة من الآيات.
ثم قال: ولفظ الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، وسميت به لتضمنها معنى الدعاء، دعاء العبادة، والمسألة; ثم قال: فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، ولكن إذا جمع بينهما فيراد بالسائل من يطلب بصيغة السؤال، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال، وسمى الذكر دعاء لما فيه من التعريض بالمسألة.
قال: وهذه الصيغة صيغة الطلب والاستدعاء، إذا كانت مما لا يحتاج إليه الطالب، أو ممن يقدر على قهر المطلوب منه ونحو ذلك، فإنها تقال على وجه الأمر، إما لما في ذلك من حاجة الطالب، وإما لما فيه من نفع المطلوب منه؛ وأما إذا كانت من الفقير من كل وجه للغني من كل وجه، فإنها سؤال محض بتذلل وافتقار، انتهى.
قلت: وقد نص على ما ذكره الشيخ من الفرق علماء المعاني، صاحب المفتاح وغيره، وفرقوا في الصيغة الواحدة نظرا للمخاطب، والمخاطب بكسر الطاء، فقالوا: هي من
стр. 5501
الأعلى أمر، ومن المساوي التماس، ومن دونه مسألة وطلب.
وقد فسر قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [سورة الأعراف آية:٥٥] بدعاء المسألة، قاله العلامة ابن القيم; وقال: إنه في هذه الآية أظهر، وذكر أن استعمال الدعاء في العبادة والمسألة من استعمال اللفظ في حقيقته الواحدة، ليس من المشترك، ولا المتواطئ ولا المجاز.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٧] ظاهر في دعاء المسألة، لمناسبة الحال والواقع; وفي حديث عكرمة بن أبي جهل، لما فر يوم الفتح إلى السيف، وركب البحر، جاءتهم ريح عاصف، وظنوا الهلكة أخلصوا الدعاء لله، وصاروا يتواصون بذلك; ويقول بعضهم لبعض: لا ينجي في مثل هذا إلا الله.
فقال عكرمة: إن كان لا ينجي في الشدة إلا هو تعالى، فكذلك لا ينجي في الرخاء إلا هو; وقال: لئن أنجاني الله لأرجعن إلى محمد، ولأضعن يدي في يده، فكان ذلك، وأسلم وحسن إسلامه رضي الله تعالى عنه; والقصة معروفة عند أهل العلم.
وفي الحديث: " دعوة أخي ذي النون، ما دعا بها مكروب إلا فرّج الله عنه "، سماها دعوة، وهي سؤال وطلب، وتوسل بالتوحيد; والعراقي يقول: لا تسمى دعاء، وإنما هي نداء; وهذا رد على رسول الله وتكذيب بآيات الله، وقول على الله بغير علم.
стр. 5502
وفي السنن من حديث حصين بن عبيد الخزاعي: أن النبي ﷺ قال له حين أسلم: " كم كنت تعبد؟ قال: سبعة: واحد في السماء، وستة في الأرض; قال فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء ".
ومن هذا الباب: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٠] الآية؛ وهذا الدعاء ظاهر في دعاء المسألة حال الشدة والضرورة; وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥] الآية. وما زال أهل العلم يستدلون بالآيات التي فيها الأمر بدعاء الله، والنهي عن دعاء غيره، على المنع من مسألة المخلوق ودعائه بما لا يقدر عليه إلا الله؛ وكتبهم مشحونة بذلك، لا سيما، شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، اللذين يزعم هذا العراقي أنه على طريقتهما.
أيها المدعي سليمى سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت من سليمى كواو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو
يوضح هذا: أن ما لا يقدر عليه من الأمور العامة الكلية، كهداية القلوب، ومغفرة الذنوب، والنصر على الأعداء، وطلب الرزق من غير جهة معينة، والفوز بالجنة، والإنقاذ من النار، ونحو ذلك غاية في القصد والإرادة، فسؤاله وطلبه، غاية في السؤال والطلب.
стр. 5503
وفي ذلك من الذل وإظهار الفاقة والعبودية، ما لا ينبغي أن يكون لمخلوق، أو يقصد به غير الله؛ وهذا أحد الوجوه في الفرق بين دعاء المخلوق، فيما يقدر عليه من الأسباب العادية الجزئية، وبين ما تقدم، مع أن سؤال المخلوق قد يحرم مطلقا.
ومسألة المخلوق في الأصل محرمة وإنما أبيحت للضرورة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح آية: ٧-٨] . وثبت عنه ﷺ أنه بايع نفرا من أصحابه، أن لا يسألوا الناس شيئا، فكان أحدهم يسقط السوط من يده، فلا يقول لأحد: ناولنيه.
وقد اشتهر عنه ﷺ أنه منع من تعليق الأوتار والتمائم، وأمر بقطعها، وبعث رسوله بذلك، كما في السنن وغيرها; وقال: " من تعلق شيئا وكل إليه " ١؛ بل نهى عن قول الرجل: ما شاء الله وشئت; وقال لمن قال له ذلك: "أجعلتني لله ندا؟ "، ومنع من التبرك بالأشجار والأحجار.
وقال لأبي واقد الليثي وأصحابه من مسلمة الفتح، لما قالوا له: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط: " قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " ٢.
ونهى عن الصلاة عند القبور، وإن لم يقصدها المصلي، ولعن من فعل ذلك، وأخبر أنهم شرار الخلق عند الله، ونهى عن الذبح لله في مكان يذبح فيه لغيره، حسما لمادة الشرك،
стр. 5504
وقطعا لوسائله وسدا لذرائعه، وحماية للتوحيد وصيانة لجنابه.
فمن المستحيل شرعا وفطرة وعقلا: أن تأتي هذه الشريعة المطهرة الكاملة، بإباحة دعاء الموتى والغائبين، والاستغاثة بهم في المهمات والملمات، كقول النصراني: يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله; أو يا عيسى أعطني كذا وافعل بي كذا.
وكذلك قول القائل: يا علي أو يا حسين، أو يا عباس، أو يا عبد القادر، أو يا عيدروس، أو يا بدوي، أو فلان وفلان، أعطني كذا، أو أجرني من كذا، أو أنا في حسبك أو نحو ذلك، من الألفاظ الشركية التي تتضمن العدل بالله، والتسوية به تعالى وتقدس؛ فهذا لا تأتي شريعة ولا رسالة بإباحته قط، بل هو من شعب الشرك الظاهرة الموجبة للخلود في النار، ومقت العزيز الغفار، وقد نص على ذلك مشائخ الإسلام، حتى ذكره ابن حجر في الأعلام مقررا له:
وتأويل الجاهلين، والميل إلى شبه المبطلين، هو الذي أوقع هؤلاء وأسلافهم الماضين، من أهل الكتاب والأميين، في الشرك بالله رب العالمين; فبعضهم يستدل على شركه بالمعجزات والكرامات، وبعضهم برؤيا المنامات، وبعضهم بالقياس على السوالف والعادات، وبعضهم بقول من يحسن به الظن.
وكل هذه الأشياء ليست من الشرع في شيء، وعند رهبان النصارى، وعباد الصليب، والكواكب، من هذا الضرب
стр. 5505
شيء كثير، وبعضهم أحذق من هذا العراقي وأمثاله، الذين لم يفهموا من العبادة سوى السجود، ولم يجدوا في معلومهم سواه.
فأين الحب والخضوع، والتوكل والإنابة والخوف، والرجاء والرغب والرهب، والطاعة والتقوى، ونحو ذلك من أنواع العبادة الباطنة والظاهرة؟! فكل هذا عند العراقي يصرف لغير الله، ولا يكون عبادة، لأن العبادة السجود فقط.
بل عبارته تفهم أن السجود لا يحرم إلا على من زعم الاستقلال؛ وقد رأينا كثيرا من المشركين، ولم نر مثل هذا الرجل في جهله ومجازفته وبلادته؛ ولولا ما نقصده من انتفاع من اطلع على هذه الرسالة، لم نتعرض لرد شيء من كلامه، لظهور بطلانه.
ويزيد هذا ظهورا، ما جاء في الحديث من قوله: " من سأل الناس وله ما يغنيه، جاءت مسألته خدوشا أو خموشا في وجهه يوم القيامة " ١، وقوله: " لا تزال المسألة بأحدكم، حتى يلق الله وليس على وجهه مزعة لحم " ٢ وقوله: " من نزلت به فاقة، فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك له بالغنى، أو بموت عاجل أو غنى عاجل " ٣.
وقوله: " لا تحل المسألة إلا لثلاثة، لذي غرم مفظع، أو فقر مدقع، أو دم موجع " ٤، هذا في سؤال الخلق ما يقدرون عليه من الأسباب العادية الجزئية، فكيف ترى بما لا يقدر عليه إلا الله، من الأمور العامة الكلية؟! وعلى زعم هذا العراقي، لا يكره
стр. 5506
شيء من ذلك، ولا يمنع منه لمن قصد الصالحين ودعاهم!!
وقولة: على أنها أرباب، يريد به ما مر من أن دعاءها ومسألتها بطريق السبب والشفاعة لا يضر; وقد تقدم رد هذا بما يغني عن إعادته؛ وقد علق الحكم بالكفر، وإباحة الدم والمال، بنفس الشرك وعبادة غير الله، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٦] ، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٣] ، والفتنة الشرك; وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] .
ومن المشتهر عندهم: أن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلة; وهذا الأحمق زاد قيدا، فقال: لا يشرك إلا من قصد واعتقد الاستقلال من دون الله; وفي تلبية المشركين في الجاهلية: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فهؤلاء لم يدعوا الاستقلال، وعلى زعم هذا ليسوا بمشركين!!.
وقوله: وهذا نداء لا دعاء، من أدل الأشياء على جهله، وعدم ممارسته لشيء من العلم; وإن قال: فإن النداء هو رفع الصوت بالدعاء، أو الأمر أو النهي، ويقابله: النجاء، الذي هو المسارة وخفض الصوت، هذا بإجماع أهل اللغة، كما حكاه ابن القيم في نونيته، وشيخ الإسلام في تسعينيته، وليس قسيما للدعاء كما ظنه الغبي، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ
стр. 5507
نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ﴾ [سورة الكهف آية: ٥٢] ، الآية ما فعلوه هو عين ما أمروا به، وكفى بهذه الآية حجة على إبطال قوله.
وقال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [سورة الكهف آية: ٥٢] ، ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ [سورة الكهف آية: ٥٢] ، ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٨٧] ، وقال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [سورة مريم آية: ٢-٣] .
وسمي هذا النداء دعاء في كتابه العزيز، قال عن نوح ﵇: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [سورة القمر آية: ١٠] ، وقال: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣٨] . وفي الحديث: " دعوت أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه ".
وفيه أيضا: " لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا " ١، يعني الشيطان الذي تفلت عليه ﷺ ، وفيه: " ألا أنبئكم بأول أمري وآخره، دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى " ٢.
يشير بدعوة سليمان إلى قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [سورة ص آية: ٣٥] ، الآية وبدعوة إبراهيم إلى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٩] الآية، فسمى هذه المسألة دعوة، والتاء فيها للوحدة.
وقال معاذ رضي الله تعالى عنه، في الطاعون: "إنه ليس برجز، إنه دعوة نبيكم; وموت الصالحين قبلكم، ورحمة ربكم";
стр. 5508
يشير إلى قولة: " اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون " ١.
فانظر هذه النصوص، وما أفادت من إطلاق اسم الدعاء على المسألة والطلب؛ وقد تقدم بعض هذا، وكرر تتميما للفائدة، وربما جر شأن شؤونا.
وأما قول العراقي: إن الشيخ ذكر هذا على سبيل التغليظ والزجر، وله مائة عبارة تنفي ذلك وتخالفه.
فيكفي من هذا العراقي أن يصحح دعواه بعبارة واحدة، ولا نكلفه تصحيح المائة، لأنه أعجز وأقل؛ وقد تقدم التنبيه على كذبه ومجازفته، وأنه وجد كتبا وموادا شتّتت فهمه، وحجبت إدراكه وعلمه، فلم يزدد بها إلا حيرة وشكا; وما أحسن ما قيل:
جهد المغفل في الزمان مضيع ... وإن ارتضى استاذه وزمانه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لا ... يدرى الطريق فلا يزل مكانه
وعبارات الشيخ في هذا الباب، أعنى إنكار الشرك وتكفير أهله، والحكم عليهم بما حكم الله به ورسوله في الدنيا والآخرة، موجود مشهور، لو تتبعناه لعز حصره واستقصاؤه، ولكن نشير لبعضه إلى ما وراءه.
قال ﵀: وما علمت عالما نازع في أن الاستغاثة بالنبي أو غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله، لا تجوز; قال: وعلو درجته ﷺ بعد الموت لا تقتضي أن يسأل، كما لا تقتضي أن يُستفتى؛ ولا يمكن أحد أن يذكر دليلا شرعيا، على أن سؤال
стр. 5509
الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع، بل الأدلة على تحريم ذلك كثيرة.
وقال ﵀: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم، كفر إجماعا. قال البهوتي في شرحه على هذا الموضع: لأنه فعل عباد الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] .
وقال ﵀ بعد أن سرد جملة من الآيات -: وتفصيل القول: أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ، مثل: أن يطلب شفاء مريض من الآدميين والبهائم، ووفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله، أو ما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، وغفران ذنبه، أو دخول الجنة ونجاته من النار، أو أن يتعلم القرآن أو العلم، أو أن يصلح قلبه، أو يحسن خلقه ويزكي نفسه، وأمثال ذلك، فهذه الأمور لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى؛ ولا يجوز أن يقال لملك ولا نبي، ولا شيخ سواء كان حيا أو ميتا: اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشف مريضي، ولا عافني وعاف أهلي ودوابي، وما أشبه ذلك.
ومن سأل ذلك مخلوقا كائنا من كان، فهو مشرك بربه، من المشركين الذين يعبدون الملائكة، والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى المسيح وأمه; قال
стр. 5510
الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٦] الآية، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] . الآية وقال ﵀: وكثير من الناس يقع في الشرك والإفك، جهلا وضلالا من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع; والله قد أرسل جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، بأن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، لا يعبد معه لا ملك ولا نبي ولا صالح، ولا تماثيلهم ولا قبورهم، ولا شمس ولا قمر، ولا كوكب، ولا ما صنع من التماثيل لأجلهم، ولا شيئا من الأشياء.
وبين أن كل ما يعبد من دونه، فإنه يضر ولا ينفع، وإن كان ملكا أو نبيا، وأن عبادته كفر، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ إلى قوله: ﴿مَحْذُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦-٥٧] ؛ بين سبحانه: أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والجن والإنس، لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، وأن هؤلاء المدعوين من الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله، ويرجونه ويخافونه; وكذلك كان قوم من الإنس يعبدون رجالا من الجن، فآمنت الجن المعبودون، وبقي عابدوهم يعبدونهم، كما ذكر ذلك ابن مسعود.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ
стр. 5511
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢] إلى قوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] ؛ بين سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والبشر وغيرهم ليس لهم مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا لهم نصيب فيهما، وليس لله ظهير يعاونه من خلقه.
وهذه الأقسام الثلاثة، هي التي تحصل مع المخلوقين: إما أن يكون لغيره ملك دونه، أو أن يكون شريكا له، أو يكون معينا وظهيرا له؛ والرب تعالى ليس من خلقه مالك، ولا شريك، ولا ظهير له; فلم يبق إلا الشفاعة، وهو دعاء الشافع وسؤاله الله في المشفوع له، فقال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] .
ثم إنه خص بالذكر الملائكة والأنبياء، في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٩] إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] ، بين أن اتخاذهم أربابا كفر.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [سورة المائدة آية: ١٧] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٦] ، وقد بين: أن من دعا المسيح وغيره، فقد دعا ما لا يملك له ضرا ولا نفعا.
وقال لخاتم الرسل: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٠] ، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ
стр. 5512
الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٨] ، الآية وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢١] .
وقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِين َلَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [سورة آل آية: ١٢٧-١٢٨] الآية، وقال ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة القصص آية: ٥٦] ، وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [سورة النحل آية: ٣٧] . انتهى.
وكلامه من هذا المعنى يعز حصره أو يتعذر، وكذلك صاحبه شمس الدين بن القيم، كلامه في هذا الباب أشهر من أن يذكر، وأكثر من أن يحصر، إلا بكلفة ومشقة; وتقدم ١ قوله في المدارج.
وقال أبو الوفاء بن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها هم لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت غيرهم; وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل خطاب الموتى بالحوائج، ودس الرقاع في قبورهم; فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا وتعليق الستور على القبور، اقتداء بمن عبد اللات والعزى; والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، أو لم يعقد على قبره أو قبر أبيه بالآجر، ولم يقل الحمالون على جنازته: أبو بكر وعمر، انتهى.
والمقصود: أن النصوص بهذا المعنى كثيرة شهيرة; والعاقل
стр. 5513
يسير فينظر؛ ويكفي المؤمن أن دعاء الموتى والغائبين، لا يعرف عن أحد من أهل العلم والإيمان، الذين لهم لسان صدق في الأمة، ولم تأت به شريعة من الشرائع; بل المنقول عن جميع الأنبياء يرده ويبطله; فإن الله حكى أدعيتهم وتوجهاتهم، وما قالوه وأمروا به، وندب عباده إلى الاقتداء بهم، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٩٠] .
وقد أجمع المسلمون على ذم البدع وعيبها، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] ، وقال تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٤] .
وفي حديث العرباض بن سارية: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة " ١. وهذا الوجه كاف في الجواب، للاتفاق على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة.
فصل
[دعاء الصالحين والتوجه بهم إلى الله]
قال العراقي: والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [سورة المائدة آية: ٣٥] الآية. قلت: يريد العراقي أن الآية أصل في دعاء الصالحين، والتوجه بهم إلى الله وجعلهم وسائط بين العباد وبين الله،
стр. 5514
ووسائل إليه في قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتهم.
والجواب: أن هذا القول صدر عن جهل بمسمى الوسيلة شرعا، فإن الوسيلة في شرع الله الذي شرعه على ألسن جميع رسله، هي: عبادته وحده لا شريك له، والإيمان به وبرسله، والأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها، كما في البخاري وغيره، من حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في غار، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة، من البر والعفة والأمانة.
وكذلك ما شرع من واجب أو مستحب، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٧] ، وابتغاؤها بالقيام بما أمر به وأحبه، ورضيه من الأعمال الصالحة.
وأما دعاء غير الله فليس وسيلة شرعية، بل هو وسيلة أهل الشرك والجاهلية من أعداء الرسل، في كل زمان ومكان؛ والله لا يأمر بالشرك ولا يرضاه ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٩] . فكيف يتوسل إليه بالشرك به الذي هو أظلم الظلم، وضد القسط، والذي يمنع من إقامة الوجوه له عند المساجد. وهو -أي: الشرك- حقيقة التوسل الذي قصده المشركون، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ
стр. 5515
أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، فهذا قد يسمى توسلا.
فإن لفظ التوسل صار مشتركا، فيطلق شرعا على ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، ويطلق على التوسل بذوات الصالحين، ودعائهم واستغفارهم، ويطلق في عرف عباد القبور، على التوجه إلى الصالحين، ودعائهم مع الله في الحاجات والملمات؛ والمراد بالآية هو الأول، عند أهل العلم والمفسرين.
وأما التوسل بذوات الأنبياء والصالحين بدون طاعتهم، وبدون استغفارهم، فهذا لم يشرع ولا أصل له؛ فإن التوسل بالأنبياء مع معصيتهم، ومخالفتهم في الدين والملة، قد دلت آية سورة التحريم على المنع منه، وعدم الانتفاع بالتعلق والقرابة والنسب، والتوسل بذلك لمن لم يؤمن بما جاؤوا به من الهدى ودين الحق.
وكذلك في الحديث: لما أنزل عليه قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢١٤] ، قال: " يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم. لا أغني عنكم من الله شيئا " ١. وأكبر من هذا: من يدعوهم ويستغيث بهم، ويتقرب إليهم بعبادتهم، على أنها وسيلة له وشفعاء، فإن هذا هو عين الشرك الذي ذمه القرآن وعابه، وإن سمي توسلا.
وأما ما ذكره بعد هذا الكلام، من نسبة الذي ينهى عن
стр. 5516
دعاء غير الله إلى الجهل، وعدم الفهم، فهذا يتناول كل من نهى عن دعاء الأنبياء والصالحين; ومعلوم: أن الرسل نهت عن دعاء غير الله، بما لا يقدر عليه إلا الله، بل وفيما لا تدعو إليه حاجة ولا ضرورة، من جنس المسألة; فلازم كلامه: مسبة الأنبياء وأتباعهم إلى يوم القيامة; فنعوذ بالله من حال أهل الجهالة والسفاهة.
فصل
[الحلف بغير الله]
قال العراقي: إنكم تكفّرون بالحلف بغير الله، ويكفر به السابقون من أهل بلدكم، وهو ليس بشرك ولا كفر; بل: هو مكروه كراهة تنْزيه، للأدلة على ذلك، ولأنه قد ورد أن النبي قال لبعض أصحابه: "لا وأبيك".
ولأن الترمذي ترجم على هذه المسألة بالكراهة، وساق حديث ابن عمر: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ١، وأن هذا يدل على الكراهة، للترجمة، ولأنه ساق الرواية الأخرى عن ابن عمر: " من حلف بغير الله فقد كفر " ٢. وقال بعد: هذا محمول على التغليظ والزجر، كالرياء الذي فسر به قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] .
والجواب أن يقال: في هذا الكلام من الجهل والخلط، ما يتنَزه عنه العاقل فضلا عن العالم; من ذلك، أنه قال: الحلف بغير الله ليس بشرك ولا كفر، ثم ساق حديث ابن عمر: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ٣، ثم قادته المقادير إلى أن نطق بالرواية
стр. 5517
الأخرى: " من حلف بغير الله فقد كفر " ١ فقف، وتأمل هذه العبر.
ثم استدل: بأن الترمذي ترجم بالكراهة، وهو أول من يخالف الترمذي في أكثر ما في سننه، مع أنه لم يفهم كلام الترمذي، ولا حام حول مراده.
ويقال: مسألة الحلف بغير الله، تظاهرت وتواترت النصوص النبوية بالنهي عنها، ودلت على أنه شرك لا يحل، ولا يجوز، كما ذكره أصحاب الكتب الستة، وأهل المساند من حديث أبي هريرة، وعمر وابنه، وابن مسعود وغيرهم، وإنما ساق الترمذي حديث ابن عمر; والترمذي ﵀ أثبت أنه شرك، وجعله كالرياء.
والرياء شرك بالنص والإجماع، وهو من الكبائر، إلا أنه ليس مما ينقل عن الملة ويوجب الردة، للآيات والأحاديث; وكلام الترمذي يدل على هذا، وقد جعله مثل الرياء، وقاسه عليه في الحكم، وحمله على هذا المحمل.
والتأويل: أن الرواية الأخرى التي خرجها عن ابن عمر، فيها تكفير من حلف بغير الله، والحكم بأنه كفر; وأراد الترمذي: أن هذا الكفر ليس هو مما يخرج عن الملة، كالشرك الأكبر، بل كفر دون كفر، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم، كما قاله البخاري في صحيحه، وتسميته هذا كفرا من باب التغليظ، هذا مراده ﵀; وأما كونه شركا محرما، فلم ينفه الترمذي، ولم يتعرض له بتأويل; بل أثبته وقال به، لأنه جعله مثل الرياء.
стр. 5518
وهذا الجاهل اغتر بكونه ترجم بالكراهة، والكراهة في عرف هذا الرجل: إنما تطلق على التنْزيه، هذا وجه ضلالة; ولم يدر أن إطلاقها على كراهة التنْزيه عرف حادث; وأن الكراهة في عرف الكتاب والسنة، وقدماء الأمة، تطلق على التحريم.
قال تعالى: بعد أن ذكر المحرمات المتفق عليها في جميع الكتب السماوية: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٨] ، وفي الحديث: " إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال " ١ وأظن هذا يحمل كل ما تقدم على كراهة التنْزيه.
قال الترمذي ﵀: باب كراهة الحلف بغير الله، وساق بسنده حديث ابن عمر: " من حلف بغير الله فقد أشرك" ٢، وسكت الترمذي على هذا، ولم يتعقبه بتأويل; ثم قال: باب، وساق بسنده الرواية الأخرى عن ابن عمر: " من حلف بغير الله فقد كفر " ٣، وتأول لفظة كفر بأنها على وجه الزجر والتغليط، لأن الحلف بغير الله لا ينقل عن الملة، بل هو كالرياء في عدم الردة، وإن كان شركا.
إذا عرفت هذا فالعراقي دلس، وجعل البابين بابا واحدا، وجعل كلام الترمذي في تأويله لفظة كفر راجعا إلى كلا البابين، وأن الحلف مكروه كراهة تنْزيه; والترمذي لم يتعرض لكونها للتنْزيه.
стр. 5519
وأما قوله: إنكم تكفرون به، وترون أنه كفر، فهو كذب بحت، وفرية ظاهرة; ما قال أحد ممن يعتد به عندنا: إنه كفر مخرج عن الملة; وقد يطلق العالم والمفتي ما أطلقه الرسول ﷺ في مثل هذا، ويقف حيث وقف; ومن أنكر هذا الإطلاق، فقد أنكر على الرسول ﷺ على أن ابن قيم الجوزية قال: قد يكون ذلك شركا أكبر، بحسب ما قام بقلب قائله; وقاله القاضي عياض من المالكية، وهذا ظاهر لا يخفى إذا قصد تعظيم من حلف به، كتعظيم الله.
أما استدلال هذا العراقي على عدم التحريم، بقوله ﷺ : " من حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله " ١، فهذا الاستدلال والفهم ليس بشيء; والحديث دليل على التحريم; والاستدلال به عليه هو عين الفقه عن الله ورسوله، لأنه أمر من حلف بغير الله أن يكفر بتجديد الإسلام، والإتيان بكلمة الإخلاص، التي تضمنت البراءة من الشرك، وإثبات التوحيد.
وقد قال لقريش وغيرهم من عباد الأصنام: " قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا " ٢ وقال لعمه: " قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" ٣، فإذا كان ذاك يدل على الكراهة، فهذا أيضا إنما يدل عليها؛ فسبحان من حال بين قلوب هؤلاء، وبين الفقه عنه، ومعرفة المراد من كلامه وكلام رسوله.
وفي الحديث: إن حسنة التوحيد تمحو الشرك وتكفره، فإن الإسلام يجب ما قبله قال ابن مسعود: "لأن أحلف بالله
стр. 5520
كاذبا، أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقا".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس سره، بعد أن ذكر تحريم الحلف، واستدل له: ومعنى قول ابن مسعود: إن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب، مع أن الكذب محرم بالإجماع. وأما ما حكاه عن شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، أنه قال في مختصر الإنصاف: ويكره الحلف بغير الله، وأن الشيخ استدل للكراهة. فلا يخفى أن العراقي دلس هنا ولبس، فأسقط من العبارة كلام ابن عبد البر، وحكاية الإجماع على التحريم؛ هذا تدليسه.
وأما تلبيسه، فإن الشيخ قال بعد ذلك: وقيل: يجوز; فأخره، وحكاه بصيغة التمريض، وذكر أن القائل استدل لهذا، بأن الله أقسم بمخلوقاته، وبقوله: " أفلح وأبيه إن صدق " ١، وبقوله في حديث أبي العشراء: " أما وأبيك لو طعنت في فخذها أجزأك " ٢، ثم تعقب الشيخ هذا، وذكر: أن أحمد لم يثبت حديث أبي العشراء، واستدل بقوله: " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " ٣، وبحديث ابن عمر: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ٤ وقرر الشيخ أدلة التحريم.
والشيخ ﵀، في كتاب التوحيد، استدل على هذه المسألة، بقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢] ، وترجم بالآية على هذه المسألة، وساق حديث
стр. 5521
ابن عمر، وما روي عن ابن عباس، ومنه "والله وحياتك".
وأما الجواب عن قوله: "أفلح وأبيه" وقوله: "أما وأبيك" فلأهل العلم عنه أجوبة معروفة في محلها; منها: أن هذا ليس من جنس اليمين المقصودة، بل هو مما جرى على ألسنتهم من غير قصد، مثل قوله: "تربت يداك"، "ثكلتك أمك"، "ويح عمار" وهذا الجواب ذكره كثير من الناس; وقيل: إن ذلك منسوخ; واستدل القائل لهذا القول، بما لا يمكن أمثال هذا العراقي نقضه; وبعضهم تكلم في السند، ولم يثبت هذا، كما تقدم عن أحمد في حديث أبي العشراء.
وهذا آخر ما أوردناه; والحمد لله حمدا كثيرا، كما ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله، وعظيم سلطانه; وصلى الله على عبده ورسوله محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
стр. 5522
[الرد على كراسة أنشأها الصحاف لعيب الموحدين ومدح شيوخه المارقين]
وله أيضا، أسكنه الله الفردوس الأعلى:
بسم الله الرحمن الر حيم
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا ﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤٦] .
أما بعد: فإن بعض الإخوان ناولني كراسة أنشأها عبد اللطيف بن عبد المحسن الصحاف، فيها تعرض لعيب الموحدين، وذم لما هم عليه من الملة والدين، ومدح لبعض شيوخه المارقين، وأنهم من جلة العلماء العاملين، الذين لهم لسان صدق في الآخرين; وفيها غير ذلك مما هو مستبين للواقفين عليها والناظرين.
وقد طلب مني من ناولنيها أن أكتب شيئا في بيان ما تضمنته من الأباطيل، مع الاختصار، وترك البسط والتطويل، إلا لإيراد حجة، أو كشف دليل؛ فأسأل الله الإعانة على ذلك، والهداية إلى ما هنالك.
فأما المقدمة التي قدمها الصحاف أمام مقصوده، وجعلها طالعة نثره وعقوده، ففيها من الدلالة على جهلة وقصوره، ما يعرف بأول نظر في جمعه ومسطوره، من ذلك أنه يصف بالعلم
стр. 5523
من ليس من أهله، ويكذب على المعصوم في عزوه ونقله، يحتج في فضل العلم بالضعيف الموضوع، لجهله بما صح من المرسل والمرفوع.
ليست له ملكة في نقد الثابت من المصنوع، يتأول كل حاذق فقيه عند سماع خلطه وما يبديه، حديث عبد الله بن عمرو في قبض العلم ورياسة الغمر. وكلامه من أظهر الأدلة على ما قلناه، عند كل من وقف عليه من أهل الفقه عن الله، فلذلك اكتفينا بالإشارة عن بسط القول والعبارة.
فأما قوله في المقدمة التي مدح بها أشياخه المذكورين في رسالته: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" وقوله: "نظرك إلى وجه العالم، خير لك من ألف فرس تتصدق بها في سبيل الله; وسلامك على العالم، خير لك من عبادة ألف سنة" كذلك قوله: "إن العالم أو المتعلم إذا مر على قرية فإن الله يرفع العذاب عن مقبرة تلك القرية أربعين صباحا" وقوله "إن الله يغفر للعالم أربعين ذنبا قبل أن يغفر للجاهل".
فهذه الآثار ونحوها ليست بشيء عند أهل العلم بالحديث، ولا يحتج بها ويعول عليها من له أدنى تمييز وممارسة; وإنما يلتفت إليها، ويحكيها أهل الجهالة والسفاهة، من القصاصين والكذابين; وأما أهل العلم والدين، فبمجرد النظر إليها، والوقوف عليها، يعرفون أنها من الأخبار الموضوعة المكذوبة، التي لا تروج إلا على سفهاء الأحلام، وأشباه الأنعام.
стр. 5524
وقد ورد في فضل العلم والعلماء، من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية ما ينيف على مائة وخمسين دليلا، كما قرره صاحب مفتاح دار السعادة، وقد مر ﷺ في رهط من أصحابه، وهم سادات العلماء والمتعلمين، على قبرين يعذبان، فشق جريدة ووضعها عليهما، وقال: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " ١، ولم يقل: لمروري ومرور أصحابي عليهما يخفف عنهما، كما زعمه هذا الجاهل.
وكأي من قرية عذبت وأتاها أمر الله بغتة، وأنبياؤهم وعلماؤهم قبل ذلك يدعونهم، وهم ينظرون إلى وجوههم ويخاطبونهم، ويسمعون كلامهم، فما أغنى عنهم ذلك، إذ لم يؤمنوا بآيات الله، وأصابهم من العذاب ها أصابهم; وكان الأولى بهذا الرجل أن لا يخوض فيما لا يدريه، وأن يعطي القوس باريه:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
وأما قوله: إن في الحديث: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، فهذا الحديث لم يثبته الحفاظ من أهل العلم، بل ذكروا أنه موضوع.
قال ابن عبد البر، إمام المغرب في وقته، وحامل لواء المالكية في زمانه: حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعد، أبا عبد الله بن مفرج حدثه، قال: حدثنا محمد بن أيوب الصموت، قال: قال لنا البزاز: وأما ما يروى عن النبي ﷺ : أصحابي كالنجوم; فهذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ .
стр. 5525
وقال ابن القيم الجوزية -بعد أن ذكر طرق هذا الحديث-: لا يثبت شيء منه; ثم قال ما معناه: إن الأخذ بعمومه يقتضي أن الاهتداء يحصل بالاقتداء بكل صحابي، ولو تخالفت أقوالهم وتباينت آراؤهم، وأن الشخص مخير بين الأخذ بالقول وضده.
فيخير في مسألة الجد والإخوة، بين مذهب أبي بكر ومن خالفه، وفي مسألة جعل الطلاق الثلاث واحدة، بين رأي عمر وغيره، وفي مسألة المتوفى عنها زوجها، وبين الاعتداد بالوضع، وتربص أقصى الأجلين، وفي مسألة استرقاق المرتدات، بين مذهب أبي بكر وعمر؛ ويخير في بيع أمهات الأولاد، بين مذهب من يقول: بجوازه كعلي، ومن يقول بمنعه كعمر ومن وافقه.
وبالجملة: فإطلاق هذا يوجب أن الاهتداء يحصل بأحد الضدين، ولا نعلم قائلا به من أهل العلم والإيمان; والحق واحد في نفسه لا يتعدد، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، والخطاب عام لجميع الأمة الصحابة وغيرهم.
وهي نص في أن الاهتداء لا يحصل مع النّزاع والاختلاف، إلا بالرد إلى الله والرسول، لا الاقتداء بأحد من الخلق، كائنا من كان؛ وأما مع عدم النص المخالف، فالاقتداء بمن هدى الله من النبيين هو الواجب، كما قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٩٠] .
стр. 5526
وأما ثناء الصحاف، على مشائخه الستة الذين سماهم، وادعى أنهم من أهل العلم والفضل، وقدمهم على من سواهم، فيقال له: هذه الدعوى، وهذا الثناء، هو بحسب ما عندك وما ظهر لك.
ومن تجاوزت به الغفلة والجهالة، إلى أن يجعل عباد الله الموحدين من أهل الضلالة، الذين يكفّرون أهل لا إله إلا الله، ويجعل عبّاد الأولياء والصالحين الذين يفزعون إليهم بالدعوة من دون رب العالمين، هم أهل لا إله إلا الله، كيف يعرف العلم والإيمان؟! أو يرجع إليه في تحقيق هذا الشأن؟! شعرا:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
وشهادة من لا يعرف العلم أو النحو، أو الهندسة أو الطب مثلا لشخص، بأنه عالم أو نحوي أو مهندس، أو طبيب، شهادة زور، وقول بلا علم; وفي المثل: لا يعرف الفضل إلا ذووه، ولو عرف هذا الرجل الفضل وأهله، والعلم ومحله، لأحجم عن هذا الهذيان; وقد نقل لنا عن بعض هؤلاء الستة، الذين سماهم واختارهم، ما يقتضي - إن صح - بأنه من المعطلة الضالين.
ويقال أيضا: هذه الدعوى قد ادعاها كل أحد لشيخه ومتبوعه، فادعتها الجهمية والقدرية، والخوارج والمعتزلة، والروافض والنصيرية، ونحوهم من كل مبتدع ضال; فكل أحد يدعي أن شيخه وإمامه أولى بالعلم والإيمان من خصومه; والدعاوي المجردة لسنا منها في شيء.
стр. 5527
وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١١١-١١٢] .
فإسلام الوجه لله هو عبادته، والكفر بعبادة من سواه، وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله؛ وهذه الكلمة تتضمن العلم والعمل مع القول، فلا يكتفي ببعض ذلك; بل لا بد من العلم والعمل والشهادة.
وأما الإحسان، فهو: أن تعبد الله بما شرع، لا بالأهواء والبدع; وهذا هو حقيقة شهادة: أن محمدا رسول الله، فإنها تقتضي وتتضمن وجوب متابعته، وتحريم معصيته، وأن السير إلى الله من طريقه ومحجته؛ هذا هو حقيقة اتباع الرسول، والشهادة له بالرسالة; والدين كله يدخل في هذه الجملة الشريفة، وبسط الكلام عليها يستدعي أسفارا.
والسؤال الذي أجاب عنه هذا الرجل في رسالته، يلزم المفتي ويجب عليه التفصيل في جوابه، ولا يجوز له إطلاق القول لأن الحكم يختلف باختلاف الحال; وإطلاق القول بتكفير كل صالح من صلحاء الأمة من غير تعيين، يدخل فيه كل موصوف بهذه الصفة، من حين مبعثه ﷺ إلى يوم الدين؛ وما أظن هذا يقع من عاقل يتصور ما يقول، مسلما كان أو كافرا، سنيا كان أو بدعيا،
стр. 5528
لأن الكافر لا يرى الحكم والإسلام، إذ هي أحكام شرعية لا يقول بها إلا أهل الشريعة; وأما المسلم فلا يتصور أن يكفر صلحاء أهل ملته ودينه؛ وكذلك السني والبدعي، كل منهما يدعي موالاة صلحاء الأمة، ويرى أنهم هم أسلافه وأئمته، وكل طائفة تدعي موالاة الصلحاء، والبراءة من الفساق ونحوهم.
وأما إن كان قصد السائل: من يكفر معينا من هذه الأمة، فعليه أن يعبر بغير هذه العبارة الموهمة; والمجيب عليه أن يستفصل، لأن ترك الاستفصال فيه إيهام; ولا شك أن تكفير بعض صلحاء الأمة ممكن الوقوع; بل قد وقع من الخوارج وغيرهم من أهل البدع.
فيقال حينئذ: إن كان المكفر لبعض صلحاء الأمة متأولا مخطئا، وهو ممن يسوغ له التأويل، فهذا وأمثاله ممن رفع عنه الحرج والتأثيم، لاجتهاده، وبذل وسعه، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة؛ فإن عمر ﵁ وصفه بالنفاق، واستأذن رسول الله ﷺ في قتله، فقال له رسول الله ﷺ " وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ١.
ومع ذلك فلم يعنف عمر على قوله لحاطب: إنه قد نافق; وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٦] ؛ وقد ثبت أن الرب ﵎ قال بعد نزول هذه الآية، وقراءة المؤمنين لها: " قد فعلت ".
стр. 5529
وأما إن كان المكفر لأحد من هذه الأمة، يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان، من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفرا بواحا، كالشرك بالله، وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى أو بآياته أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله، ونحو ذلك، فالمكفر بهذا وأمثاله، مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [سورة النحل آية:٣٦] ، فمن لم يكن من أهل عبادة الله تعالى وإثبات صفات كماله ونعوت جلاله، مؤمنا بما جاءت به رسله، مجتنبا لكل طاغوت يدعو إلى خلاف ما جاءت به الرسل، فهو ممن حقت عليه الضلالة، وليس ممن هدى الله للإيمان به، وبما جاءت به الرسل عنه.
والتكفير بترك هذه الأصول وعدم الإيمان بها، من أعظم دعائم الدين؛ يعرفه كل من كانت له نهمة، في معرفة دين الإسلام.
وغالب ما في القرآن إنما هو في إثبات ربوبيته تعالى، وصفات كماله، ونعوت جلاله، ووجوب عبادته وحده لا شريك له، وما أعد لأوليائه، الذين أجابوا رسله في الدار الآخرة، وما أعد لأعدائه الذين كفروا به وبرسله، واتخذوا من دونه الآلهة والأرباب؛ وهذا بين بحمد الله.
стр. 5530
وقد يصدر التكفير لصلحاء الأمة، من أعداء الله ورسوله، أهل الإشراك به والإلحاد في أسمائه؛ فهؤلاء يكفرون المؤمنين بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويعيبون أهل الإسلام، ويذمونهم على إخلاص الدين، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ ؛ بل قد يقاتلونهم على ذلك، ويستحلون دماءهم وأموالهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [سورة البروج آية: ١٠] .
فمن كفّر المسلمين أهل التوحيد، أو فتنهم بالقتال أو التعذيب، فهو من شر أصناف الكفار، ومن ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِجَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٢٨-٢٩.] . وفي الحديث " من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " ١.
وأما من أطلق لسانه بالتكفير، لمجرد عداوة، أو هوى، أو لمخالفة في المذهب، كما يقع لكثير من الجهال، فهذا من الخطأ البين.
والتجاسر على التكفير أو التفسيق والتضليل، لا يسوغ إلا لمن رأى كفرا بواحا، عنده فيه من الله برهان; والمخالفة في المسائل الاجتهادية التي قد يخفى الحكم فيها على كثير من الناس، لا تقتضي كفرا ولا فسقا; وقد يكون الحكم فيها قطعيا جليا عند بعض الناس، وعند آخرين يكون الحكم فيها مشتبها خفيا; والله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
стр. 5531
والواجب على كل أحد أن يتقي الله ما استطاع; وما يظهر لخواص الناس من الفهوم والعلوم، لا يجب على من خفيت عليه، عند العجز عن معرفتها; والتقليد ليس بواجب، بل غايته أن يسوغ عند الحاجة; وقد قرر بعض مشائخ الإسلام أن الشرائع لا تلزم إلا بعد البلوغ وقيام الحجة; ولا يحل لأحد أن يكفّر أو يفسّق بمجرد المخالفة للرأي والمذهب.
وبقي قسم خامس، وهم الذين يكفرون بما دون الشرك من الذنوب، كالسرقة، والزنى وشرب الخمر; وهؤلاء هم الخوارج، وهم عند أهل السنة ضلاّل مبتدعة، قاتلهم أصحاب رسول الله ﷺ لأن الحديث قد صح بالأمر بقتالهم والترغيب فيه، وفيه: أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم.
وقد غلط كثير من المشركين في هذه الأعصار، وظنوا أن من كفر من تلفظ بالشهادتين، فهو من الخوارج; وليس كذلك، بل التلفظ بالشهادتين لا يكون مانعا من التكفير إلا لمن عرف معناهما، وعمل بمقتضاهما، وأخلص العبادة لله، ولم يشرك به سواه؛ فهذا تنفعه الشهادتان.
وأما من قالهما ولم يحصل منه انقياد لمقتضاهما، بل أشرك بالله، واتخذ الوسائط والشفعاء من دون الله، وطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وقرب لهم القرابين، وفعل لهم ما يفعله أهل الجاهلية من المشركين، فهذا لا تنفعه الشهادتان; بل هو كاذب في شهادته، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قالوا
стр. 5532
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة المنافقون آية: ١] .
ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله، هو: عبادة الله، وترك عبادة ما سواه؛ فمن استكبر عن عبادته ولم يعبده، فليس ممن يشهد أن لا إله إلا الله، ومن عبده وعبد معه غيره، فليس هو ممن يشهد أن لا إله إلا الله.
وأما قول السائل في سؤاله: ويعتقد أن أهل "القسم" كلهم كفار معطلون، كاليهود والنصارى، ومن لم يكفرهم فهو كافر; وإذا لقيه أحد من المسلمين وسلم عليه، قال: عليكم، إلى آخر ما قال.
فاعلم: أن أهل "القسم" يخفى حالهم علينا، ولا ندري ما هم عليه من الدين؛ وفيما تقدم من التفصيل كفاية، فالمكفر لهم لا يخرج عن الأقسام المتقدمة، والصحاف قد خلط هنا، وأطال الهذيان; وزعم أن من كفرهم يكفر، ولا يصلى خلفه.
وقد عرفت أن المسألة فيها تفصيل، كما قدمناه، وبه يعرف حكم الصلاة خلفه، وأنها لا تصح خلف من أشرك بالله، أو جحد أسماءه وصفاته لكفره؛ وأهم شروط الصلاة والإمامة، هو: الإسلام، معرفته والعمل به; ومن كفّر المشركين ومقتهم، وأخلص دينه لله، فلم يعبد سواه، فهو أفضل الأئمة وأحقهم بالإمامة، لأن التكفير بالشرك والتعطيل، هو أهم ما يجب من الكفر بالطاغوت.
стр. 5533
وأما من كفّر من ليس من أهل الكفر، لكنه متأول يسوغ تأويله، فهو أيضا من الأئمة المرضيين، إذا تمت له شروط الإمامة، وخطؤه مغفور له بنص الحديث; وأما من يكفر لهوى أو عصبية، أو لمخالفة في المذاهب، أو لأنه يرى رأي الخوارج، فهو فاسق لا يصلى خلفه إذا أمكنت الصلاة مع غيره، إلا إن كان ذا سلطان تخشى سطوته، فيصلى خلفه، كما يصلى خلف أئمة الظلم والجور.
إذا عرفت هذا، فاعلم: أن الصحاف ذكر في جوابه ما لا يتعلق بالسؤال، كمسبته وعيبه من يعيب مشائخه، الذين ذكرهم، وترضى عنهم، كابن كمال، وعبد الله البصري، وحسين الدوسري، وغيرهم ممن ذكر، وحكمه على من عابهم أنه من الجهال المبتدعة، أكلة الحرام، الذين لا هم لهم في الدين، وأنهم ممن قال فيهم صاحب الزبد:
وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن
وأن همهم في جمع الدرهم والدينار، يعملون في تحصيلها أنواع الحيل، بالليل والنهار؛ فهذا الكلام مجرد دعوى، ومسبة ينَزه العاقل نفسه عن مثلها. ويكفي في ردها منعها وتكذيبها.
ويمكن خصم الصحاف أن يقابلها ويعارضها بما هو محق فيه، كقوله: بل أنتم أهل الجهل بما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، لم تعرفوه بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله من صفات الكمال، ونعوت الجلال; ولكنكم أخذتم
стр. 5534
العقيدة عن أفراخ الفلاسفة واليونان، الذين هم من أعظم الخلق مناقضة لما نطق به القرآن، وما وصف به الرب نفسه في كتابه العزيز.
وكذلك أنتم في باب معرفة حق الله وتوحيده، من أضل الناس وأجهلهم، تجعلون عبادة غير الله ودعاءه، والاستغاثة والاستعاذة به، والنذر له، والحب مع الله، توسلا بالصالحين، وتشفعا بهم؛ وقد صرح بهذا أشياخ هذا الصحاف وأشياعه، وكتبوا به إلينا، وإلى شيخنا رحمه الله تعالى.
وعندهم أن الإنسان لا يكفر، ولا يكون مشركا إلا إذا اعتقد التأثير له من دون الله; ولم يفقهوا أن الله حكى عن المشركين في غير موضع من كتابه: أنهم يعترفون له بأنه هو المختص بالإيجاد والتأثير والتدبير، وأن غيره لا يستقل بشيء من ذلك، ولا يشاركه فيه; وحكى عن المشركين أنهم ما قصدوا بعبادة من سواه، إلا القربان والشفاعة، كما ذكر ذلك في غير موضع من كتابه.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٢٨-٢٩.] ، وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ
стр. 5535
بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤-٨٥-٨٦-٨٧-٨٨-٨٩] .
ومثل هذا كثير في القرآن، يخبر فيه تعالى أن المشركين يعترفون بأن الله هو المتفرد بالإيجاد، والتأثير والتدبير.
وقال تعالى في صفة شرك المشركين، وبيان قصدهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، وقال: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢٨] . فأبيتم هذا كله، وقلتم هذا دين الوهابية، ونعم هو ديننا بحمد الله، ورضي الله عن الشافعي، إذ يقول:
يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد خيفها والناهض
إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أنى رافضي
فصل
قال الصحاف: وأنهم إذا سمعوا من يذكر الله جهرا بأنواع الأذكار، ويصلي على النبي ﷺ جهرا، خصوصا على المنار، كما يفعله سائر أهل الأمصار، أنكروا ذلك، ونفروا عنه وفروا; فيقال: أما ذكر الله جهرا بأنواع الأذكار، فلا نعلم أحدا من المسلمين بحمد الله تعالى ينكره، أو ينفر عنه؛ وإطلاق هذه