والواجب على كل أحد أن يتقي الله ما استطاع; وما يظهر لخواص الناس من الفهوم والعلوم، لا يجب على من خفيت عليه، عند العجز عن معرفتها; والتقليد ليس بواجب، بل غايته أن يسوغ عند الحاجة; وقد قرر بعض مشائخ الإسلام أن الشرائع لا تلزم إلا بعد البلوغ وقيام الحجة; ولا يحل لأحد أن يكفّر أو يفسّق بمجرد المخالفة للرأي والمذهب.
وبقي قسم خامس، وهم الذين يكفرون بما دون الشرك من الذنوب، كالسرقة، والزنى وشرب الخمر; وهؤلاء هم الخوارج، وهم عند أهل السنة ضلاّل مبتدعة، قاتلهم أصحاب رسول الله ﷺ لأن الحديث قد صح بالأمر بقتالهم والترغيب فيه، وفيه: أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم.
وقد غلط كثير من المشركين في هذه الأعصار، وظنوا أن من كفر من تلفظ بالشهادتين، فهو من الخوارج; وليس كذلك، بل التلفظ بالشهادتين لا يكون مانعا من التكفير إلا لمن عرف معناهما، وعمل بمقتضاهما، وأخلص العبادة لله، ولم يشرك به سواه؛ فهذا تنفعه الشهادتان.
وأما من قالهما ولم يحصل منه انقياد لمقتضاهما، بل أشرك بالله، واتخذ الوسائط والشفعاء من دون الله، وطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وقرب لهم القرابين، وفعل لهم ما يفعله أهل الجاهلية من المشركين، فهذا لا تنفعه الشهادتان; بل هو كاذب في شهادته، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قالوا
стр. 5532
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة المنافقون آية: ١] .
ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله، هو: عبادة الله، وترك عبادة ما سواه؛ فمن استكبر عن عبادته ولم يعبده، فليس ممن يشهد أن لا إله إلا الله، ومن عبده وعبد معه غيره، فليس هو ممن يشهد أن لا إله إلا الله.
وأما قول السائل في سؤاله: ويعتقد أن أهل "القسم" كلهم كفار معطلون، كاليهود والنصارى، ومن لم يكفرهم فهو كافر; وإذا لقيه أحد من المسلمين وسلم عليه، قال: عليكم، إلى آخر ما قال.
فاعلم: أن أهل "القسم" يخفى حالهم علينا، ولا ندري ما هم عليه من الدين؛ وفيما تقدم من التفصيل كفاية، فالمكفر لهم لا يخرج عن الأقسام المتقدمة، والصحاف قد خلط هنا، وأطال الهذيان; وزعم أن من كفرهم يكفر، ولا يصلى خلفه.
وقد عرفت أن المسألة فيها تفصيل، كما قدمناه، وبه يعرف حكم الصلاة خلفه، وأنها لا تصح خلف من أشرك بالله، أو جحد أسماءه وصفاته لكفره؛ وأهم شروط الصلاة والإمامة، هو: الإسلام، معرفته والعمل به; ومن كفّر المشركين ومقتهم، وأخلص دينه لله، فلم يعبد سواه، فهو أفضل الأئمة وأحقهم بالإمامة، لأن التكفير بالشرك والتعطيل، هو أهم ما يجب من الكفر بالطاغوت.
стр. 5533
وأما من كفّر من ليس من أهل الكفر، لكنه متأول يسوغ تأويله، فهو أيضا من الأئمة المرضيين، إذا تمت له شروط الإمامة، وخطؤه مغفور له بنص الحديث; وأما من يكفر لهوى أو عصبية، أو لمخالفة في المذاهب، أو لأنه يرى رأي الخوارج، فهو فاسق لا يصلى خلفه إذا أمكنت الصلاة مع غيره، إلا إن كان ذا سلطان تخشى سطوته، فيصلى خلفه، كما يصلى خلف أئمة الظلم والجور.
إذا عرفت هذا، فاعلم: أن الصحاف ذكر في جوابه ما لا يتعلق بالسؤال، كمسبته وعيبه من يعيب مشائخه، الذين ذكرهم، وترضى عنهم، كابن كمال، وعبد الله البصري، وحسين الدوسري، وغيرهم ممن ذكر، وحكمه على من عابهم أنه من الجهال المبتدعة، أكلة الحرام، الذين لا هم لهم في الدين، وأنهم ممن قال فيهم صاحب الزبد:
وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن
وأن همهم في جمع الدرهم والدينار، يعملون في تحصيلها أنواع الحيل، بالليل والنهار؛ فهذا الكلام مجرد دعوى، ومسبة ينَزه العاقل نفسه عن مثلها. ويكفي في ردها منعها وتكذيبها.
ويمكن خصم الصحاف أن يقابلها ويعارضها بما هو محق فيه، كقوله: بل أنتم أهل الجهل بما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، لم تعرفوه بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله من صفات الكمال، ونعوت الجلال; ولكنكم أخذتم
стр. 5534
العقيدة عن أفراخ الفلاسفة واليونان، الذين هم من أعظم الخلق مناقضة لما نطق به القرآن، وما وصف به الرب نفسه في كتابه العزيز.
وكذلك أنتم في باب معرفة حق الله وتوحيده، من أضل الناس وأجهلهم، تجعلون عبادة غير الله ودعاءه، والاستغاثة والاستعاذة به، والنذر له، والحب مع الله، توسلا بالصالحين، وتشفعا بهم؛ وقد صرح بهذا أشياخ هذا الصحاف وأشياعه، وكتبوا به إلينا، وإلى شيخنا رحمه الله تعالى.
وعندهم أن الإنسان لا يكفر، ولا يكون مشركا إلا إذا اعتقد التأثير له من دون الله; ولم يفقهوا أن الله حكى عن المشركين في غير موضع من كتابه: أنهم يعترفون له بأنه هو المختص بالإيجاد والتأثير والتدبير، وأن غيره لا يستقل بشيء من ذلك، ولا يشاركه فيه; وحكى عن المشركين أنهم ما قصدوا بعبادة من سواه، إلا القربان والشفاعة، كما ذكر ذلك في غير موضع من كتابه.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٢٨-٢٩.] ، وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ
стр. 5535
بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤-٨٥-٨٦-٨٧-٨٨-٨٩] .
ومثل هذا كثير في القرآن، يخبر فيه تعالى أن المشركين يعترفون بأن الله هو المتفرد بالإيجاد، والتأثير والتدبير.
وقال تعالى في صفة شرك المشركين، وبيان قصدهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، وقال: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢٨] . فأبيتم هذا كله، وقلتم هذا دين الوهابية، ونعم هو ديننا بحمد الله، ورضي الله عن الشافعي، إذ يقول:
يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد خيفها والناهض
إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أنى رافضي
فصل
قال الصحاف: وأنهم إذا سمعوا من يذكر الله جهرا بأنواع الأذكار، ويصلي على النبي ﷺ جهرا، خصوصا على المنار، كما يفعله سائر أهل الأمصار، أنكروا ذلك، ونفروا عنه وفروا; فيقال: أما ذكر الله جهرا بأنواع الأذكار، فلا نعلم أحدا من المسلمين بحمد الله تعالى ينكره، أو ينفر عنه؛ وإطلاق هذه
стр. 5536
العبارة من الكذب البين، والبهت الظاهر الذي لا يمتري فيه من عرف حال من يشير إليهم هذا الرجل.
وليس هذا بعجيب من جرأته وظلمه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٥] . نعم قد أنكروا ما يفعله كثير من جهلة أهل الطرائق المبتدعة، من الاجتماعات على السماع الشيطاني، وقيامهم بين يدي المنشد يميلون ويرقصون.
وبعضهم يذكر الله بمجرد الاسم الظاهر، أو المضمر، ويزعم أن هذا هو ذكر الخواص أهل المعرفة والتحقيق؛ فهؤلاء مبتدعة ضلال، وما فعلوه ليس بذكر شرعي، بل هو دين مبتدع غير مرضي، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] .
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الجاثية آية: ١٨] ، وفي الحديث "إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة "١.
وكل عالم يعرف أن هذا السماع الشيطاني مبتدع، لم يحدث إلا بعد القرون المفضلة؛ وقد أنكره عامة أئمة الإسلام، وأشدهم في ذلك أتباع الإمام مالك بن أنس، الذي ينتسب هذا الرجل إلى مذهبه; وكفى به جهلا وضلالا أن يعيب ما عليه قدماء أئمته، وفضلاؤهم، ونصوصهم موجودة بأيدينا، في
стр. 5537
إنكار هذا السماع الشيطاني، وتضليل فاعله وتفسيقه.
وقد صنف ابن قيم الجوزية، في هذا الذكر المبتدع، كتابا مستقلا، قرر فيه مذاهب الأئمة في حكم هذا السماع، وأنه محرم لا يجوز. وإن كان قصد هذا المعترض خصوص رفع الصوت، بالصلاة على رسول الله ﷺ بعد الأذان، كما يفعله أهل الأمصار، فقد صدق في حكاية إنكار هذا منهم، والنهي عنه؛ وهم لا ينازعون في مشروعية الصلاة على الرسول ﷺ سرا وجهرا، بل يستحبونها، ويوجبونها في الصلاة، ويرون أنها من جملة الأركان فيها، لكنهم يرون أن ما يفعله أهل الأمصار على المنابر بعد الأذان، مبتدع محدث، في القرن الخامس والسادس; وسبب إحداثه رؤيا رآها بعض ملوك مصر، على ما ذكره بعض المؤرخين; وقد أنكره بعض الأئمة، وقالوا: هو بدعة لم يفعله ﷺ مع التمكن من فعله، ولم يفعله أحد من أئمة الهدى بعده، ولا غيرهم من أهل القرون المفضلة.
وقد أُمرنا بالاتباع ونُهينا عن الابتداع، قال ابن مسعود: "اتبعوا ولا تبتدعوا ومن كان منكم مستنا فعليه بأصحاب محمد ﷺ ، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، والقيام بدينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم"، أو كما قال.
وقد تقدم من الآيات والأحاديث، ما يدل لقوله ويشهد
стр. 5538
له، وكتب قدماء أهل المذاهب الأربعة، وجمهور متأخريهم، ليس فيها استحباب هذا، ولا الأمر به; بل فيها ما يدل على منعه، وأن الواجب هو ما شرعه الله ورسوله.
قالوا: وأما الصلاة والسلام عليه سرا بعد الأذان، وسؤال الله له الوسيلة والفضيلة، فهذا مشروع، قد ورد به الخبر، وصح به الأثر، وليس مع من خالفهم من الأدلة، ما يجب المصير إليه؛ وإنما يعيب على من منع البدع، واختار السنن أهل الجهالة والسفاهة الذين ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣] .
ثم إن هذا المفتري الصحاف، أطلق لسانه بالمسبة، وأطال في ذلك ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢٢٧] ؛ وقد قيل في المثل، وقال العي: أنا ذاهب إلى المغرب، فقالت الحماقة: وأنا معك.
وقد ذكر في جوابه من الحشو والكلام الذي لا يقتضيه المقام، ما يدل على قصوره وعجزه وعدم ممارسته لصناعة العلم، كما ذكر قضيته مع راشد بن عيسى في مسألة الهبة، واختلافهما في لزومها، ومسألة العقد على اليتيمة.
فلقد أبدى بذلك ما خفي من جهله، ورب كلمة تقول: دعني; وكلامهم في الهبة ولزومها، كلام غير محقق، والناس مختلفون في الهبة ولزومها، هل هو بالعقد فقط، أو لا بد من القبض؟
وعن بعضهم ما يقتضي التفرقة بين المكيل والموزون
стр. 5539
وغيرهما، واختلف الناس أيضا: هل تبطل بالموت قبل القبض أو لا؟ واختلف القائلون باشتراط القبض، هل يشترط فيما وهبه لزوجته، أو لا يشترط؟
وأدلة هذه الأقوال، ومآخذها، والرد على المخالف، مبسوط في المطولات، ولا غرض لنا في ذكره; وإنما قصدنا: أن حكم هذا الصحاف على أحد الأقوال بالصحة، مع قصوره عن معرفتها، ومعرفة أدلتها؛ والتزامه التقليد، حكم باطل لا يجوز، وما للأعمى ونقد الدراهم! وحكمه على الذي أفتى بخلاف قوله: بأنه ضال عن سبيل الرشاد، حكم باطل، أوجبه ما بينهما من التنافس والعناد.
ومثل هذه المسائل الاجتهادية لا يجوز لأحد أن ينكر فيها على خصمه بمجرد التقليد، وحكاية فروع المذهب; بل لا بد من الدليل على ذلك، من كتاب أو سنة أو إجماع، أو قياس صحيح; ومن كلام شيخ الإسلام: من ترك الدليل ضل السبيل.
وجميع ما ذكره إنما هو مجرد نقل لأقوال بعض المالكية، كالشيخ خليل، وعبد الباقي، وابن عرفة وأمثالهم; وتقليد هؤلاء إنما يسوغ عند الضرورة، والمقلد لهم ولغيرهم، ليس من أهل العلم بالإجماع، كما حكاه ابن عبد البر إمام المالكية، عمن يحفظ قوله من أهل العلم.
فكيف - والحال هذه - يحكم هذا الجاهل، الذي ليس هو من أهل العلم عند أئمة مذهبه وغيرهم، بصحة جوابه، وفساد
стр. 5540
قول خصمه وضلاله؛ وهل يعلم هذا إلا بالنص، من كلام الله، أو كلام رسوله، أو إجماع الأمة؛ فما للمقلد والحكم بالصحة والصواب، وقد جهل نصوص السنة والكتاب، ومن تشبع بما لم يعط، كان كلابس ثوبي زور.
وقوله: فلا شك أن الطاعن في أهل القسم من أهل النار بعيد عن الهدى، وأنه لا يفلح أبدا في الدنيا خاسر أي خاسر، وفي الآخرة إلى النار صائر، إلى آخر عبارته; فهذا الكلام لا يصدر عن عاقل يعرف ما خرج من بين شفيته، نعوذ بالله من الجهل المردي، والهوى المعمي.
وهذه المسبة والحكم على المخالف في هذه المسألة بالنار، مما تقشعر منه جلود الذين آمنوا؛ وما أشبهها بأخلاق أهل المجون، وأصحاب الوقاحة والجنون. وكان ينبغي لنا أن نعد هذه الفتوى من جملة هذيان الضالين، وأن نكف القلم عن إجابة هذا النوع من المفترين، ولكن الضرورة اقتضت؛ فلا إله إلا الله، ما أشد غربة الدين، وما أقل العارفين له والمميزين؟!
كيف يقر مثل هذا بين ظهراني من له عقل يميز به الخبيث من الطيب، ويفرق به بين الآجن والصيب، وأصحاب رسول الله، لم يكفروا من كفرهم من الخوارج الحرورية; وقد "سئل علي ﵁ فقيل له: أكفّارٌ هم؟ فقال: من الكفر فروا". وفي الحديث: "أن رجلا فيمن قبلنا، رأى من يعمل بالمعاصي فاستعظم ذلك، وقال: والله لن يغفر الله لفلان; فقال الله: من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له ".
стр. 5541
وأما قوله: ومن تسمى بالإسلام، وأحب محمدا سيد الأنام، وأحب أصحابه الكرام، واتبع العلماء الأعلام، لا يكفر أحدا من سائر المسلمين، فضلا عن هداتهم في الدين، اللهم إلا أن يكون من الغلاة الذين أسقطوا حرمة لا إله إلا الله، وسوّل لهم الشيطان وأملى لهم، حيث استباحوا دماء المسلمين، إلى آخر رسالته.
فيقال في جوابه: هذا الجاهل يظن أن من أشرك بالله، واتخذ من الأنداد والآلهة، ودعاهم مع الله لتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، يحكم عليه - والحال هذه- بأنه من المسلمين، لأنه يتلفظ بالشهادتين، ومناقضتها لا تضره، ولا توجب عنده كفره؛ فمن كفره فهو من الغلاة الذين أسقطوا حرمة لا إله إلا الله؛ وهذا القول مخالف لكتاب الله، وسنة رسوله، وإجماع الأمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم، ويتوكل عليهم، كفر إجماعا، انتهى.
ومجرد التلفظ من غير التزام لما دلت عليه كلمة الشهادة، لا يجدي شيئا؛ والمنافقون يقولونها، وهم في الدرك الأسفل من النار; نعم إذا قالها المشرك ولم يتبين منه ما يخالفها، فهو ممن يكف عنه بمجرد القول، ويحكم بإسلامه.
стр. 5542
وأما إذا تبين منه وتكرر عدم التزام ما دلت عليه، من الإيمان بالله وتوحيده، والكفر بما يعبد من دونه، فهذا لا يحكم له بالإسلام، ولا كرامة له؛ ونصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة يدل على هذا.
فمن تسمى بالإسلام حقيقة، وأحب محمدا واقتدى به في الطريقة، وأحب أصحابه الكرام، ومن تبعهم من علماء الشريعة، يجزم ولا يتوقف بكفر من سوّى بالله غيره، ودعا معه سواه من الأنداد والآلهة؛ ولكن هذا الصحاف يغلط في مسمى الإسلام، ولا يعرف حقيقته; وكلامه يحتمل أنه قصد الخوارج الذين يكفّرون بما دون الشرك من الذنوب، وحينئذ يكون له وجه، ولكنه احتمال بعيد، والظاهر الأول.
وقد ابتلي بهذه الشبهة، وضل بها كثير من الناس، وظنوا أن مجرد التكلم بالشهادتين مانع من الكفر، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] ، فكفره بدعاء غيره تعالى.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٦] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] .
стр. 5543
فالتكفير بدعاء غير الله، هو نص كتاب الله؛ وفي الحديث " من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار " ١، وفي الحديث أيضا: أن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ٢، وفي رواية: " إلا بحق الإسلام " ٣.
وأعظم حق الإسلام وأصله الأصيل، هو: عبادة الله وحده، والكفر بما يعبد من دونه؛ وهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص، فمن قالها وعبد غير الله، واستكبر عن عبادة الله، فهو مكذب لنفسه، شاهد عليها بالكفر والإشراك.
وقد عقد كل طائفة من أتباع الأئمة، في كتب الفقه بابا مستقلا في حكم المرتد، وذكروا أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان، ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله.
وقد قال تعالى في النفر الذين قالوا في غزوة تبوك بعض القول الذي فيه ذم لرسول الله ﷺ ومن معه من أصحابه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٥-٦٦] ، فكفّرهم بعد إيمانهم بالاستهزاء، ولو كان على وجه المزح واللعب، ولم يمنع ذلك قولهم: لا إله إلا الله.
وكذلك إجماع الأمة على كفر من صدق مسيلمة الكذاب، ولو شهد أن لا إله إلا الله؛ وقد كفّر الصحابة أهل مسجد بالكوفة، بكلمة ذكرت عنهم في احتمال صدق مسيلمة، ولم
стр. 5544
يلتفت أصحاب رسول الله ﷺ إلى أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، لأنه قد وجد منهم ما ينافيها ويناقضها، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور آية: ٤٠] .
وبالجملة: فالذي يقوم بحرمة لا إله إلا الله، هم الذين جاهدوا الناس عليها، ودعوهم إلى التزامها، علما وعملا، كما هي طريقة رسل الله وأنبيائه، ومن تبعهم بإحسان، كشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى.
وأما من أباح الشرك بالله، وعبادة غيره، وتولى المشركين وذب عنهم، وعادى الموحدين وتبرأ منهم، فهو الذي أسقط حرمة لا إله إلا الله، ولم يعظمها ولا قام بحقها، ولو زعم أنه من أهلها القائمين بحرمتها.
وأما ما ساقه هذا الصحاف من كلام شيخه حسين الدوسري، فالخصم يعارضه ويمنعه; وما ذكره ليس بحمد الله من أوصاف أهل التوحيد، ولكنه وصف أهل الشرك والتنديد؛ والذي أنكر الطاعة وعصى ربه في كل ساعة، واتبع هوى نفسه الخداعة، وشذ عن السنة وفارق الجماعة، ووافق المشبهة وأهل الإضاعة، هو: من كانت طريقته عبادة غير الله، والاستغاثة بغير مولاه، وصرف الوجه لغير من خلقه وسواه، وتعبد بغير الذي شرعه الله، على لسان عبده الذي اصطفاه، من أهل التعطيل والتضليل، والإلحاد والتمثيل، الذين اختلفوا في الكتاب، وخالفوا الكتاب، وضلوا عن الصواب.
стр. 5545
وأما قول الصحاف نقلا عن شيخه الدوسري: أما كفروا العلماء؟ أما سفكوا الدماء؟ أما استحلوا المحرمات؟ أما روعوا المسلمين والمسلمات؟ أما أسخطوا رب السماوات؟ أما رجفوا أهل الحرم؟ أما تجاسروا على حجرة النبي ﷺ ؟ فلا أفلح من ظلم.
فالجواب عن هذا، أن يقال: كل عاقل يعرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، يعلم أنه من أعظم الناس إجلالا للعلم والعلماء، ومن أشد الناس نهيا عن تكفيرهم وتنقصهم، وأذيتهم.
بل هو ممن يدين بتوقيرهم وإكرامهم، والذب عنهم، والأمر بسلوك سبيلهم، عملا بقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة التوبة آية: ٧١] الآية، وبقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [سورة الحشر آية: ١٠] الآية.
وبقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٦٢-٦٣] ، فالإيمان والتقوى هما أصل العلم بالله وبدينه وشرعه، فكيف يظن بمسلم فضلا عن شيخ الإسلام أنه يكفر العلماء؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!
والشيخ ﵀، لم يكفّر إلا من كفّره الله ورسوله، وأجمعت الأمة على كفره، كمن اتخذ الآلهة والأنداد لرب
стр. 5546
العالمين، ولم يلتزم ما جاءت به الرسل من الإسلام والدين، أو جحد ما نطق به الكتاب المبين، من صفات الكمال ونعوت الجلال لرب العالمين.
وكذلك من نصب نفسه لنصرة الشرك والمشركين، وزعم أنه توسل بالأنبياء والصالحين، وأنه مما يسوغ في الشرع والدين; فالشيخ وغيره من جميع المسلمين يعلمون أن هذا من أعظم الكفر وأفحشه; ولكن هذا الجاهل يظن أن من زعم أنه يعرف شيئا من أحكام الفروع، وتسمى بالعلم وانتسب إليه، يصير بذلك من العلماء، ولو فعل ما فعل.
ولم يدر هذا الجاهل أن الله كفّر علماء أهل الكتاب، والتوراة والإنجيل بأيديهم، وكفّرهم رسوله لما أبوا أن يؤمنوا بما جاء به محمد ﷺ من الهدى ودين الحق؛ ولا ضير على الشيخ بمسبة هؤلاء الجهال، وله أسوة بمن مضى من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أهل الإيمان والاهتداء.
قال الشافعي ﵀: ما أرى الناس ابتلوا بسب أصحاب رسول الله ﷺ إلا ليزيدهم الله بذلك ثوابا عند انقطاع أعمالهم; وما أحسن ما قيل شعرا:
قدمت لله ما قدمت من عمل ... وما عليك بهم ذموك أو شكروا
عليك في البحث أن تبدي غوامضه ... وما عليك إذا لم تفهم البقر
وقد اعترضت اليهود والنصارى، على عبد الله ورسوله، بالقتال وسفك الدماء، وسبي الذرية، وقالوا: إنما يفعل هذا
стр. 5547
الملوك المسلطون؛ وحكايتهم في ذلك معروفة، مشهورة عند أهل العلم، ويكفي في ذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [سورة النساء آية: ٥١] الآية.
وأما قوله: أما رجفوا أهل الحرم، فلا يخفى أن الذي جرى في الحرمين، في أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، هو: هدم القباب التي أسست على معصية الله ورسوله، وصارت من أعظم وسائل الشرك وذرائعه، وكسروا آلات التنباك، وسائر المنكرات، وألزموا الناس المحافظة على الصلوات في الجماعات، ونهوا عن لبس الحرير، وألزموهم بتعلم أصول الدين، والالتفاف إلى ما في الكتاب والسنة، من أدلة التوحيد وبراهينه.
وقرروا الكتب المصنفة في عقائد السلف، أهل السنة والجماعة، في باب معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وقرروا إثبات ذلك، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تمثيل، وأنكروا على من قال بقول الجهمية في ذلك، وبدعوه وفسقوه؛ فإن كان هذا إرجافا للحرم فحبذا هو، وما أحسن ما قيل:
وعيرني الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
وقد أمر الله تعالى من خاض في مثل هذا أن يتكلم بعلم وعدل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية
стр. 5548
[سورة النساء آية: ١٣٥] ،
وهذا الرجل كلامه جهل محض، وجور ظاهر، وأصله الذي يرجع إليه هو الانتصار للنفس والهوى، لا لنصر الحق والهدى.
وأما التجاسر على حجرة النبى ﷺ ، فكأنه يشير به إلى المال الذي استخرجه الأمير سعود من الحجرة الشريفة، وصرفه في أهل المدينة ومصالح الحرم، وهو ﵀ لم يفعل هذا، إلا بعد أن أفتاه علماء المدينة، من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنبلية.
فاتفقت فتواهم على أنه يتعين ويجب على ولي الأمر إخراج المال الذي في الحجرة، وصرفه في حاجة أهل المدينة، وجيران الحرم، لأن المعلوم السلطاني قد منع في تلك السنة، واشتدت الحاجة والضرورة إلى استخراج هذا المال وإنفاقه؛ ولا حاجة لرسول الله ﷺ إلى إبقائه في حجرته وكنْزه لديه.
وقد حرم كنْز الذهب والفضة، وأمر بالإنفاق في سبيل الله، لا سيما إذا كان المكنوز مستحقا لفقراء المسلمين، وذوي الحاجة منهم، كالذي بأيدي الملوك والسلاطين، فلا شك أن استخراجها على هذا الوجه، وصرفها في مصارفها الشرعية، أحب إلى الله ورسوله من إبقائها واكتنازها؛ وأي فائدة في إبقائها عند رسول الله ﷺ ، وأهل المدينة في أشد الحاجة والضرورة إليها.
وتعظيم الرسول وتوقيره، إنما هو في اتباع أمره، والتزام دينه وهديه. فإن كان عند من أنكر علينا دليل شرعي يقتضي
стр. 5549
تحريم صرفها في مصالح المسلمين، فليذكره لنا. ولم يضع هذا المال أحد من علماء الدين الذين يرجع إليهم، وليس عند هؤلاء إلا اتباع عادة أسلافهم ومشائخهم؛ يعرف هذا من ناظرهم ومارسهم، ودعواهم عريضة، وعجزهم ظاهر.
وقد أطال هذا الصحاف فيما نقله عن شيخه حسين الدوسري، وأكثر فيه من النصيحة، ولا بأس بالنصائح، لمن أراد الحق وتوخاه، ونهى عما يسخطه الرب ولا يرضاه، ولم يلحد في أسمائه ولم يعبد سواه؛ فهذا هو الصادق في نصحه، وقوله الذي أبداه.
بخلاف من توهم الأمر على خلاف ما هو عليه، ولبس الحق بالباطل لديه، واعتقد أن المجاهد لإعلاء كلمة الله، يشار بالذم إليه، فعمل مثل هذا ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور آية: ٣٩-٤٠] .
نسأل الله تعالى أن يمن علينا بالهداية إلى صراطه المستقيم، والفوز لديه بجنات النعيم.
стр. 5550
[رسالة من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى عثمان القاضي، وما بلغه عنه عند قدوم داود العراقي إليه]
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى جناب المكرم، عثمان بن محمد القاضي، وفقه الله لاجتناب المساخط واتباع المراضي، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: بلغنا عنك من عبد الله بن عبد العزيز، كلام حسن، عند قدوم داود العراقي إليكم; وقبله أعرف منك بصيرة في بعض الأمور، ويعجبني كلامك في أشياء من الدين، تلتبس على أكثر الناس، ورجوت لك النجاة من هذه الفتن، بما كنت أسمعه منك ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ٢١] .
فاعلم: أنه لما وقع في آخر هذه الأمة، ما أخبر به نبيها ﷺ من اتباع سنن من قبلها، من أهل الكتاب، وفارس والروم، وتزايدت تلك السنن، حتى وقع الغلو في الدين، وعبدت قبور الأولياء والصالحين، وجعلت أوثانا تقصد من دون الله رب العالمين، عظمها قوم لم يعرفوا حقيقة الإسلام، ولم يشموا رائحة العلم، ولم يحصلوا على شيء من رائحة النبوة، ولم يفقهوا شيئا من أخبار الأمم قبلهم، وكيف كان بدء أمرهم وشركهم، ومنتهى نحلتهم وحقيقة طريقتهم، وهذا الذي عابه القرآن عليهم وذمه..
стр. 5551
وتلطف الشيطان في كيد هؤلاء الغلاة في قبور الصالحين، بأن دس عليهم تغيير الأسماء والحدود الشرعية، والألفاظ اللغوية، فسموا الشرك وعبادة الصالحين توسلا ونداء، وحسن اعتقاد في الأولياء، وتشفعا بهم، واستظهارا بأرواحهم الشريفة; فاستجاب له صبيان العقول، وخفافيش البصائر، وداروا مع الأسماء، ولم يقفوا مع الحقائق.
فعادت عبادة الأولياء والصالحين، ودعاء الأوثان والشياطين، كما كانت قبل النبوة، وفي زمان الفترة حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة، وهذا من أعلام النبوة، كما ذكره غير واحد، ولم يزل ذلك في ظهور وازدياد حتى عم ضرره، وبلغ شرره الحاضر والباد.
ففي كل إقليم، وكل مدينة وقرية، ممن ينتسب إلى الإسلام، ولائج يدعونهم مع الله، ويلتمسون بدعائهم قرب الرب ورضاه، يفزعون إليهم في الشدائد والمهمات، ويلوذون بهم في النوائب والحاجات، وبعضهم لا يرد على خاطره، ولا يلم بباله دعاء الله تعالى، في شيء من ذلك، إلا استشعاره حصول مقصوده، ونجاح مطلوبه، من جهة الأولياء والأنداد.
وقد رأينا وسمعنا من ذلك ما يعز حصره واستقصاؤه، ولو كان يخفى لعرجنا على ذكره وتفصيله، ولكنه أشهر من الشمس في نحر الظهيره.
إذا عرفت هذا وتحققته، فاعلم: أن الله أطلع شمس
стр. 5552
الإيمان به وتوحيده، في آخر هذه الأزمان، على يد من أقامه في هذه البلاد النجدية، داعيا إليه على بصيرة، مذكرا به آمرا بتوحيده وإخلاص الدين له، ورد العباد إلى فاطرهم وبارئهم وإلههم الحق، الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، ينهى عن الشرك به وصرف شيء من العبادة إلى غيره، وابتداع دين لم يأذن به، ولا سلطان، ولا حجة على مشروعيته.
واستدل لذلك، وقرر وألف، وصنف وحرر، وناظر المبطلين، ونازع الغلاة والمارقين، حتى ظهر دين الله على كل دين؛ فتنازع المخالفون أمره، وجحدوا برهان صدقه; فقوم قالوا: هذا مذهب الخوارج المارقين; وطائفة قالت: هو مذهب خامس لا أصل له في الدين; وآخرون قالوا: هو يكفر أهل الإسلام; وصنف نسبوه إلى استحلال الدماء والأموال الحرام; ومنهم من عابه بوطنه، وأنه دار مسيلمة الكذاب.
وكل هذه الأقاويل لا تروج على من عرف أصل الإسلام، وحقيقة الشرك وعبادة الأصنام، وإنما يحتج بها قوم عزبت عنهم الأصول والحقائق، ووقفوا مع الرسوم والعادات، في تلك المناهج والطرائق، و ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ١٠٤] ؛ فهم من شأنه في أمر مريج، وما ذاك إلا أنه أشرقت له شموس النبوة فقصدها; وظهرت له حقائق الوحي والتنْزيل، فآمن بها واعتقدها، وترك رسوم الخلق لم يعبأ بها، ورفض تلك العوائد
стр. 5553
والطرائق الضالة إلى أهلها.
واترك رسوم الخلق لا تعبأ بها ... في السعد ما يغنيك عن دبران
وقد صنف بعض علماء المشركين في الرد عليه، ودفع ما قرره ودعا إليه، واستهوتهم الشياطين، حتى سعوا في آيات الله معاجزين، وقد بدد الله شملهم، وتمزقوا - أيادي سبأ - وذهبت أباطليهم وأراجيفهم حتى صارت هباء.
نعم بقيت من تلك الشبه بقية، بيدي قوم ليس لهم في الإسلام قدم، ولا بالإيمان درية، يتخافتون بينهم ما تضمنته من الشبهة الشركية، ويتواصون بكتمانها كما تكتم كتب التنجيم والكتب السحرية، حتى أتيح لهم رجل من أهل العراق، فألقيت إليه تلك الكتب، فاستعان بها على إظهار أباطيله، وتسطير إلحاده وأساطيره; وزاد على ما في تلك المصنفات، وأباح لغير الله أكثر العبادات.
بل زعم: أن للأولياء تدبيرا وتصريفا مع الله، وأجاز أن يكل الله أمور ملكه وعباده، إلى الأولياء والأنبياء، ويفوض إليهم تدبير العالم، وهذا موجود عندنا بنص رسائله; وشبه على الجهال الذين أعمى الله بصائرهم، أتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، من الإيمان والفهم، بشبهات ضالة.
كقوله: إن دعاء الأموات ونحوه لا يسمى دعاء، وإنما هو نداء، وأن العبادة التي صرفت لأهل القبور، لا تسمى عبادة
стр. 5554
ولا شركا، إلا إذا اعتقد التأثير لأربابها من دون الله تعالى.
وقوله: من قال: لا إله إلا الله، واستقبل القبلة، فهو مسلم، وإن لم يرغب عن ملة عباد القبور، الذين يدعونها مع الله؛ ويكذب على أهل العلم من الحنابلة وغيرهم، ويزعم أنهم قالوا وأجمعوا على استحباب دعاء الرسول بعد موته ﷺ .
ويلحد في آيات الله، وأحاديث رسوله ﷺ ، ونصوص أهل العلم، ويخرجها عن موضوعها، ويتعمد الكذب على الله وعلى رسوله، وعلى العلماء؛ يعرف ذلك من كلامه من له أدنى نهمة في العلم، والتفات إلى ما جاءت به الرسل; ولا يروج باطله إلا على قوم لا شعور لهم بشيء من ذلك; عمدتهم في الدين النظر إلى الصور، وتقليد أهلها.
ومن شبهاته، قوله في بعض الآيات: هذه نزلت فيمن يعبد الأصنام; هذه نزلت في أبي جهل; هذه نزلت في فلان وفلان; يريد - قاتله الله - تعطيل القرآن، عن أن يتناول أمثالهم وأشباههم، ممن يعبد غير الله، ويعدل بربه. ويزعم أن قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [سورة النساء آية: ٥١] دليل على استحباب دعاء الصالحين مع الله; ويظن أن الشرك الذي جاءت الرسل بتحريمه، هو الوسيلة إلى الله، ويحتج على ذلك بما يمج سماعه، ويستوحش منه عوام السلمين بمجرد الفطرة. فسبحان من أضله وأعماه، ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣٣] .
стр. 5555
وهذا الرجل يأنس إلى بلدتكم، ويعتاد المجيء إليها، وله من ملئها وأكابرها من يعظمه ويواليه وينصره؛ وفي هذا من المشاقة والمراغمة ما يوجب الدمار والبوار، ولا تقال معه للمجرم العثار; والواجب علينا وعليك نصحهم، وتذكيرهم بأيام الله فيهم، فقد رأيتم وجربتم، وسمعتم من ذلك ما يطول شرحه، ولا يفيد في هذه الرسالة ذكره، شعرا:
إذا أنت لم يهديك عقلك فانتسب ... لعلك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معد فلتزعك العواذل
وما أحسن قول أخي بني قريظة: أفي كل موطن لا تعقلون؟ ويلزمك تعطي ابن جليدان هذه الرسالة، يقرؤها في مساجد عنيزة، وينصحهم عما يوجب الفرقة والاختلاف، ويزرع العداوة والبغضاء، والله يهدي من يشاء من عباده إلى صراط مستقيم. والإمام فيصل أخبرني أنه كتب فيما مضى أنه لا يقدم القصيم، والذين عزموه اكتبوا أسماءهم نعرضهم على الإمام، ويعرفهم المسلمون، ويحذرهم المؤمنون. والسلام.
стр. 5556
[رسالة من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى أهل عنيزة]
وله أيضا رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى من يصل إليه هذا الكتاب، من أهل عنيزة: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: يجرى عندكم أمور يتألم منها المؤمنون، ويرتاح لها المنافقون؛ ولا بد من النصيحة معذرة إلى الله تعالى، وطلبا لرضاه، وإلا فالحجة قد قامت، وجمهوركم يتجشم ما يأتي، لأسباب لا تخفى; من ذلك قصد المشاقة والمعاندة، بإكرام داود العراقي، مع اشتهاره بعداوة التوحيد وأهله، والتصريح بإباحة دعاء الصالحين، والحث عليه، وغير ذلك مما يطول عده.
ولا بد من تقديم مقدمة ينتفع بها الواقف على هذا; فنقول: لما وقع في آخر هذه الأمة، ما أخبر به نبينا ﷺ من اتباع سنن من قبلنا من أهل الكتاب، وفارس والروم، وتزايدت تلك الفتن، حتى وقع الغلو في الدين، وعبدت قبور الأولياء والصالحين، وجعلت أوثانا تقصد من دون الله رب العالمين; عظمها قوم لم يعرفوا حقيقة الإسلام، ولم يشموا رائحة العلم، ولم يحصلوا على شيء من نور النبوة، ولم يفقهوا شيئا من أخبار الأمم قبلهم، وكيف كان بدء شركهم ومنتهى نحلتهم، وحقيقتهم وطريقتهم، وما هذا الذي عابه القرآن عليهم وذمهم.
وتلطف الشيطان في كيد هؤلاء الغلاة في قبور الصالحين، بأن دس عليهم تغيير الأسماء والحدود الشرعية، والألفاظ
стр. 5557
اللغوية، فسمى الشرك وعبادة الصالحين توسلا ونداء، وحسن اعتقاد في الأولياء، وتشفعا بهم، واستظهارا بأرواحهم الشريفة؛ فاستجاب له صبيان العقول، وخفافيش البصائر، وداروا مع الأسماء ولم يقفوا مع الحقائق؛ فعادت عبادة الأولياء والصالحين، ودعاء الأوثان والشياطين، كما كانت قبل النبوة، وفي أزمان الفترة حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة؛ وهذا من أعلام النبوة، كما ذكره غير واحد.
ولم يزل ذلك في ظهور وازدياد، حتى عم ضرره، وبلغ شرره الحاضر والباد؛ ففي كل إقليم، وكل مدينة وقرية، ممن ينتسب إلى الإسلام، ولائج يدعونهم مع الله، ويلتمسون بدعائهم قرب الرب ورضاه، يفزعون إليهم في المهمات والشدائد، ويلوذون بهم في النوائب، والحاجات، وبعضهم لا يرد على خاطره، ولا يلم بباله دعاء الله تعالى في شيء من ذلك، لاستشعاره حصول مقصوده ونجاح مطلوبه، من جهة الأولياء والأنداد; وقد رأينا وسمعنا من ذلك ما يعز حصره واستقصاؤه، ولو كان يخفى لعرجنا على ذكره وتفصيله، ولكنه أشهر من الشمس في نحر الظهيرة.
إذا عرف هذا وتحقق، فاعلموا أن الله أطلع شمس الإيمان به وتوحيده، في آخر هذه الأزمان، على يد من أقامة الله في هذه البلاد النجدية، داعيا إليه على بصيرة، مذكرا به، آمرا بتوحيده وإخلاص الدين له، ورد العباد إلى فاطرهم وبارئهم وإلههم الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه، ينهى عن
стр. 5558
الشرك به، وصرف شيء من العبادات إلى غيره، وابتداع دين لم يأذن به الله، ولا سلطان ولا حجة على مشروعيته.
واستدل على ذلك وقرر وصنف وحرر، وناظر المبطلين، ونازع الغلاة والمارقين، حتى ظهر دين الله على كل دين، فتنازع المخالفون أمره، وجحدوا برهان صدقه; فقوم قالوا: هذا مذهب الخوارج المارقين; وطائفة قالت: هو مذهب خامس لا أصل له في الدين; وآخرون قالوا: هو يكفر أهل الإسلام; وصنف نسبوه إلى استحلال الدماء والأموال الحرام; ومنهم من عابه بوطنه، وأنه دار مسيلمة الكذاب.
وكل هذه الأقاويل لا تروج على من عرف أصل الإسلام، وحقيقة الشرك وعبادة الأصنام؛ وإنما يحتج بها قوم عزبت عنهم الأصول والحقائق، ووقفوا مع الرسوم والعادات، في تلك المناهج والطرائق، و ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ١٠٤] . فهم من شأنه في أمر مريج، وما ذاك إلا أنه قد أشرقت له شموس النبوة فقصدها; وظهرت له حقائق الوحي والتنْزيل فآمن بها، واعتقدها، وترك رسوم الخلق لم يعبأ بها، ورفض تلك العوائد والطرائق الضالة لأهلها.
واترك رسوم الخلق لا تعبأ بها في السعد ما يغنيك عن دبران
وقد صنف بعض علماء المشركين في الرد عليه، ودفع ما قرره ودعا إليه، واستهوتهم الشياطين، حتى سعوا في آيات
стр. 5559
الله معاجزين، وقد بدد الله شملهم، فتمزقوا - أيادي سبأ - وذهبت أباطيلهم وأراجيفهم، حتى صارت هباء; نعم بقيت لتلك الشبهة بقية، بأيدي قوم ليس لهم في الإسلام قدم، ولا بالإيمان درية، يتخافتون بينهم ما تضمنته تلك الكتب من الشبه الشركية، ويتواصون بكتمانها، كما تكتم كتب التنجيم والكتب السحرية.
حتى أتيح لهم هذا الرجل من أهل العراق، فألقيت إليه تلك الكتب، فاستعان بها على إظهار أباطيله، وتسطير إلحاده وأساطيره، وزاد على ما في تلك المصنفات، وأباح لغير الله أكثر العبادات; بل زعم أن للأولياء تدبيرا وتصرفا مع الله، وأجاز أن يكل الله أمور ملكه وعباده، إلى الأولياء والأنبياء، ويفوض إليهم تدبير العالم، وهذا موجود عندنا بنص رسائله.
وشبه على الجهال الذين أعمى الله بصائرهم، أتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق من الإيمان والفهم، بشبهات ضالة، كقوله: إن دعاء الموتى ونحوه لا يسمى دعاء إنما هو نداء، وأن العبادات التي صرفت لأهل القبور، لا تسمى عبادة ولا شركا، إلا إذا اعتقد التأثير لأربابها من دون الله.
وقوله: من قال لا إله إلا الله، واستقبل القبلة فهو مسلم، وإن لم يرغب عن ملة عباد القبور، الذين يدعونها مع الله، ويكذب على أهل العلم من الحنابلة وغيرهم; ويزعم أنهم قالوا وأجمعوا على استحباب دعاء الرسول ﷺ بعد موته،
стр. 5560
ويلحد في آيات الله وأحاديث رسول الله، ونصوص أهل العلم، ويتعمد الكذب على الله وعلى رسوله، وعلى العلماء؛ يعرف ذلك من كلامه من له أدنى نهمة في العلم، والتفات إلى ما جاءت به الرسل، ولا يروج باطله إلا على قوم لا شعور لهم بشيء من ذلك، عمدتهم في الدين النظر إلى الصور وتقليد أهلها.
ومن شبهاته: قوله في بعض الآيات: هذه نزلت فيمن يعبد الأصنام; هذه نزلت في أبي جهل; هذه نزلت في فلان وفلان; يريد - قاتله الله - تعطيل القرآن عن أن يتناول أمثالهم، وأشباههم ممن يعبد غير الله، ويعدل بربه، ويزعم أن قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [سورة المائدة آية: ٣٥] دليل على استحباب دعاء الصالحين مع الله، ويظن أن الشرك الذي جاءت الرسل بتحريمه، هو الوسيلة إلى الله، ويحتج على ذلك بما يمج سماعه، ويستوحش منه عوام المسلمين بمجرد الفطرة، فسبحان من أضله وأعماه، ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣٣] .
وهذا الرجل يأنس إلى بلدتكم، ويعتاد المجيء إليها، وله من ملئها وأكابرها من يعظمه ويواليه وينصره، ويأخذ عنه ما تقدم من الشبه وأمثالها. ولذلك أسباب، منها: البغضاء ومتابعة الهوى، وعدم قبول ما من الله به من النور والهدى، حيث عرف من جهة العارض; وتأملوا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ
стр. 5561
تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٢٨-٢٩-٣٠] .
وقد أجمع العلماء أن نعمة الله المقصودة هنا، هي بعث محمد ﷺ بالهدى، ودين الحق، اللذين أصلهما وأساسهما: عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الآلهة والأنداد; والكفر بهذه النعمة، هو ردها وجحودها، واختيار دعاء الصالحين، والتعليق على الأولياء والمقربين. فرحم الله امرءا تفكر في هذا، وبحث عن كلام المفسرين من أئمة الدين، وعلم أنه ملاق ربه الذي عنده الجنة والنار.
ثم فيما أجرى الله عليكم من العبر والعضات، ما ينبه من كان له قلب، أو فيه أدنى حياة، قال تعالى لنبيه موسى ﵇: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٥] .
وجماعتكم أعيا المسلمين داؤهم، وعز ما عليه انتقالهم؛ وما أحسن ما قال أخو بني قريظة لقومه: أفي كل موطن لا تعقلون؟ ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤] ، وصلى الله على محمد.
стр. 5562
[رسالة من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى عثمان بن منصور بأنه وصل إليه منه خطان]
وله أيضا عفا الله عنه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الشيخ عثمان بن منصور، أنقذه الله من طوارق الفتن والشرور، ورفع همته عن سفاسف الأمور، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على ما ألبسنا من ملابس فضله التي لا تخلعها الأنداد، وأستزيده من بره، التي ليس لها انقضاء ولا نفاد.
أما بعد: فقد وصل إلينا منك خطان، فأولهما صادف حين الاشتغال بلقى الأحبة والآل، وأما الثاني فبعد أن ألقيت عصا الترحال، وارتاح من ألم شوقه القلب والبال. فبمجرد الوقوف على خطك ومطالعة نقشك، ووشيك، بحثت عن الوجه الذي تدلي به علينا، وعن حقيقة المعنى الذي تشير به إلينا، وما هو اللائق في إجابة أمثالك، وهل يحسن بنا النسج على منوالك، أو نقتصر على موجب: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [سورة النساء آية: ٨٦] ؛ إذ ليس وراءها مزية دينية شرعية، لأكون على بصيرة من أمري، ومعرفة للحقائق قبل اقتداح زندي.
فاخبرني الثقة بالجرح والتعديل، الخبير بما قد شاع عنك من القيل: أن صاحب الخط ينتمي إلى ممارسة العلوم، المنقول منها والمفهوم، غير أنه قد نسب عنه هفوات، إن صحت فهي من عظائم المعضلات، ولم نقف لها على تصحيح يعتمد، ولم نلتفت إلى البحث في متنها والسند، اكتفاء بإعراضه عن الابتهاج
стр. 5563
بهذه الدعوة، ولهذا الأصل والمذاكرة، واستغناء بعدم التفاته إلى المواخاة في الله والموازرة; بل كل الناس لديه إخوان، والضدان عنده يجتمعان، يصاحب أولياء الأوثان، كما يصاحب عابدي الرحمن، ويأنس بالمنقلب على عقبه، كما يأنس بالثابت على الإيمان، مع أنه قد شرح التوحيد وادعى الإتيان بكل معنى موجز سديد.
يوما بحزوى ويوما بالعقيق ... وبال عذيب يوما ويوما بالخليصاء
وتارة تنتحي نجدا وآونة ... شعب الغوير وطورا قصر تيماء
فهو وإن ينتسب إلى الحق، فقد والى من خرج عنه وعق; فقلت له: إيه من رجل لو استقام! وصارم لولا ما عراه من الانثلام! لكني أعلم أن للعلم بركات، وللملك لمات، فأرجو أن يقوده العلم إلى ثمراته، وأن يحول بينه وبين الشيطان وخطواته. ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الحديد آية: ١٧] .
والقلب بين أصبعين من أصابع الرحمن، كما رواه المحدثون من الأعيان، فلعل ميت رجائنا يحييه من يحيي عظام الميت وهي رميم؛ ولهذا أشرت إلى الشيخ الوالد أعز الله قدره، ورفع بوارثة النبيين مجده وفخره، بأن يرد لك الجواب، ويعلمك بالخطب أتى من أي باب، طمعا في الأوبة والفلاح، وحرصا على سلوك سبل الهداية والصلاح، لئلا تتوهم غير ذلك من الأسباب التي تنقل عنك، من الاستطالة في الأعراض والاغتياب.
إذ هي لا يلتفت إليها المؤمن العاقل، ولا يأخذ بها إلا غر
стр. 5564
مماحل; وهي باقية ليوم ترجعون فيه إلى الله، ويجزي كل قائل بما زوره وافتراه; ولعل الله أن يمن برجوعك إلى الحق بعد الشرود، وأن يقضي بصحبتك على توحيد ربنا المعبود فإني أسر بذلك، وأتأسف على تنكب أمثالك؛ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد.
[رسالة من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى عبد العزيز بن إبراهيم]
وقال أيضا رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد اللطيف، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فنحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على عافيته، جعلنا الله وإياك من أهل العافية في الدنيا والآخرة؛ وتذكر أن بعض الناس ينكر ما نسب إلى ابن منصور، من عداوة الدين، وموالاة المشركين، ومسبة أئمة المسلمين، وجعلهم من الخوارج المارقين; وهذا أظهر شيء عند من عرف حال هذا الرجل وجالسه، ونظر في كلامه؛ فإنه يبديه كثيرا لجلسائه، ويذكره في رسائله ومصنفاته، وهوامشه التي يعلق.
والرجل فيه رعونة تمنعه من المداراة والتقية، حتى كتابه الذي يزعم أنه شرح على التوحيد، رأيت فيه من الدواهي والمنكرات، ما لا يحصيه إلا الله؛ من ذلك قوله في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ،
أن ابن العربي المالكي، قال: العبادة هي موافقة القضاء والقدر; وابن عباس يقول: كفر الكافر تسبيح; هذا رأيته
стр. 5565
بخط ابن نصر الله من أهل بلده، في كلامه على كتاب التوحيد.
ولهذه نظائر وأخوات، لا يعرفها إلا من وقف على كلامه من طلبة العلم؛ ونبرأ إلى الله أن نبهت مسلما، وأن نفتري عليه ونؤذيه بغير ما اكتسب; وإنما يظن بهذا حزب الشيطان وجنده من الجاهلين، الذين لم يستضيئوا بنور العلم.
وكتابه الذي وقفنا عليه في هذه الأيام بخط يده، نظر فيه من يعرفه يقينا، من أهل سدير: عبد العزيز بن عيبان وغيره، وعلي بن عيسى من أهل الوشم، وكثير من طلبة العلم; والعامة شهدوا بأنه خطه بيده; ومسبته فيه للتوحيد ومن جاء به، حشو بالزنبيل، وتصريحه بتزكيته أهل الأمصار، ممن عبد القباب والصالحين، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس; والشيخ واتباعه على إفراد الله بالعبادة، عنده خوارج من أهل النهروان.
ويصرح بأن الشيخ ضال مضل، وأنه أجهل من أبي جهل بمعنى لا إله إلا الله، وأنه ضل في تخطئته صاحب البردة، وأن دعاء الرسول وطلب الشفاعة منه بعد موته جائز، وأن الله ابتلى أهل نجد بهذا الرجل; بل ابتلى به جزيرة العرب; وأنه لم يتخرج على العلماء، وأن أهل الأمصار يبنون المساجد والمنار، وأنه أخذ بلدان المسلمين بيت مال له ولعياله، وأنه أتى الأمة من الباب الضيق، وهو: تكفيرها; ولم يأتها من الباب الواسع. ورد مسائل في كشف الشبهة، ومسائل في كتاب التوحيد، ومن الستة المواضع التي تكلم الشيخ عليها من السيرة; وأتى بجهالات وضلالات، ووقاحة ومسبة، لا تصدر ممن يؤمن بالله واليوم الآخر.
стр. 5566
ومن كذب بهذا النقل، فهو مكابر معاند، جاحد للحسيات والمتواترات; والغالب أن هذه المكابرة، لا تقع من محب لما جاء به الشيخ، من توحيد الله ودينه; وإنما يذهب إليها من في قلبه مرض، يتوصل بهذه المكابرة، والمباهتة، إلى رد التوحيد وبغضه وبغض أهله؛ وأكثر هذا الصنف، ليس لهم التفات إلى ما جاءت به الرسل; والغالب عليهم هو الغفلة عن ذلك، والإعراض عنه.
وقد قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٩-٣٠] . واقرأ هذه الرسالة على من ارتاب في أمره، وماحل وجادل في دين الله. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[الجواب المنثور في الرد على ابن منصور وكشف حاله]
وقال أيضا الشيخ عبد اللطيف، قدس الله روحه ١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فاعلم أيها الناظر إلى ما علقته في هذه الأوراق، في كشف حال أهل الشقاق والنفاق، أن عثمان بن منصور،
стр. 5567
بعد مجيئه من البصرة والزبير، وطول إقامته عند مشائخه: ابن سند وابن جديد وابن سلوم، أقبل إلى نجد، فكرهه من كرهه من المسلمين، واغتر به من اغتر به، من المقدمين، لانتسابه إلى العلم، وصار الأئمة يستعملونه في بعض البلاد، لا سيما في سدير; فصار قاضيا به، ومتوليا أمورهم، في الحكم بينهم، والإفتاء، وغير ذلك.
فصار يظهر منه في تلك الحال كراهة التوحيد، ومن قام به ودعا إليه، ويكتب فيهم ما ورد في الخوارج، لزعمه أنهم خرجوا من الإسلام والسنة، لقبولهم دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وخالفوا المشركين، وإنكار ما وقع من الشرك الذي عمت به البلوى، في القرى والأمصار، من عبادة أرباب القبور والطواغيت، والأحجار والأشجار.
فنَزل أهل الشرك وعباد الأوثان، منْزلة الصحابة ﵃، حيث كفرتهم الخوارج بما شجر بينهم، ونزل أهل التوحيد الداعين إلى الإخلاص والتجريد، وإنكار الشرك الأكبر، والغلو والتنديد، منْزلة من خرج على المسلمين، بالقتال والتكفير.
ويظهر منه لبعض الخاصة، من عداوته شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ما يبوح لهم به؛ وفي أعيان المسلمين من يصدق ذلك، وفيهم من لا يصدق.
فلما توفي وعرضت كتبه للبيع، وجد فيها من الطعن على
стр. 5568
شيخ الإسلام بدعوته إلى دين الإسلام، وتأييده لمن عارض هذه الدعوة، في الشبهات والترهات، وأبلغ في الثناء والتمجيد والتأييد، لمن قام في نصرة الشرك بالله، وأن ما وقع من الشرك من الاستغاثة بالأموات والغائبين، أنه مما يحبه الله ويرضاه!!
وله منظومة: في هذا المعنى ١ بالغ فيها من المدح لداود، على ما كتبه من الشبهات والخيالات والضلالات، وجدت في كتبه بخطه; ووجدنا من اعتراضه على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ورده عليه فيما كتبه، في تحريم موادة المشركين، وحاصله: إنكار وجود الشرك، وأن ما ذكرته أيها الشيخ، لا يوجد في الأمة من تحرم موادته أصلا.
فكابر الواقع الذي يشهد به كل أحد، ولا ينكر وجوده وعموم البلوى به، إلا بعض الأفراد الذين طبع الله على قلوبهم، وصاروا دعاة إلى النار، يستحسنون كل شرك وقبيح، وينكرون كل ما هو حق وصحيح.
ثم إنه أتانا من رجل من بريدة نسخة لابن منصور - خطه بيده - أكثر فيها السباب لشيخ الإسلام، والاعتراض عليه فيما دعا إليه من دين المرسلين، الذي افترضه الله على الخلق أجمعين; وهو: إخلاص الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، للكبير المتعال، وإنكار ما ينافي ذلك من الشرك والضلال.
فرحم الله شيخ الإسلام، فلقد أنقذ الله به من الهلاك
стр. 5569
الخلق الكثير، والجم الغفير، وأطبق على الثناء عليه بمقامه هذا جميع أهل نجد، والحجاز وتهامة وعمان، وكثير من علماء الحرمين، ومصر والعراق والشام؛ حتى من أهل المغرب، وبلاد الروم، كلهم أو غالبهم بين من يثني على صاحب هذه الدعوة ويدعو له، ومن ليس كذلك، فلا يظهر منه إنكار.
وكثير منهم عاداه في أول هذه الدعوة، ثم رجع واعترف ; فلله الحمد على دعوته إلى هذا التوحيد، وتأييده بالنصر والظهور، على من ناوأه وناوأ أتباعه، وما ناوأهم أحد إلا وينقلب مدحورا مكسورا، إلى غير ذلك مما يطول عده، من الآيات التي جرت برهانا لصحة هذا الدين، الذي اتفقت عليه في دعوة المرسلين ; فهذا هو الذي أوجب عداوته لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فسلك مسلك أشياخه الثلاثة، في عداوة التوحيد ومن دعا إليه.
ولله در العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى حيث يقول:
فلا بد لكل نعمة من حاسد، ولكل حق من جاحد ومعاند ; ثم ذكر جنس هؤلاء الجاحدين المعاندين، فقال رحمه الله تعالى: اللهم فعياذا بك ممن قصر في الحق اتباعه، وطالت في الجهل وأذى عبادك باعه؛ فهو لجهله يرى الإحسان إساءة، والسنة ذراعة والعرف نكرا، والظلمة نورا ويجزي بالحسنة سيئة كاملة، وبالسيئة الواحدة عشرا.
قد اتخذ بطر الحق وغمط الناس سلما إلى ما يحبه من الباطل
стр. 5570
ويرضاه، ولا يعرف من المعروف، ولا ينكر من المنكر إلا ما وافق إرادته أو خالف هواه، يستطيل على أولياء الرسل وحزبه بأصغريه، ويجالس أهل الغي والجهالة، ويزاحمهم بركبتيه.
قد ارتوى من ماء آجن وتضلع، واستشرف إلى وراثة الأنبياء وتطلع، يركض في ميدان جهل مع الجاهلين، ويبرز عليهم الجهالة فيظن أنه من السابقين، وهو عند الله ورسوله والمؤمنين، عن تلك الوراثة النبوية بمعزل.
وعياذا بك ممن جعل الملامة بضاعته، والعذل نصيحته، فهو دائما يبدي في الملامة، ويعيد ويكرر على العذل، فلا يفيد ولا يستفيد؛ بل عياذا بك من عدو في صورة ناصح، وولي في مسلاخ بعيد كاشح، يجعل عداوته وأذاه حذارا وإشفاقا، وتنفيره وتخذيله إسعافا وإرفاقا.
وإذا كانت العين لا تكاد إلا على أمثالهم تفتح، والميزان بهم يخف ولا يرجح، فما أحرى اللبيب بأن لا يعيرهم من قلبه جزءا من الالتفات، ويسافر في طريق مقصده بينهم سفره إلى الأحياء بين الأموات وما أحسن ما قال القائل:
وفي الموت قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشور
اللهم فلك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك، وأنت حسبنا ونعم الوكيل، انتهى كلامه ﵀.