ومن كذب بهذا النقل، فهو مكابر معاند، جاحد للحسيات والمتواترات; والغالب أن هذه المكابرة، لا تقع من محب لما جاء به الشيخ، من توحيد الله ودينه; وإنما يذهب إليها من في قلبه مرض، يتوصل بهذه المكابرة، والمباهتة، إلى رد التوحيد وبغضه وبغض أهله؛ وأكثر هذا الصنف، ليس لهم التفات إلى ما جاءت به الرسل; والغالب عليهم هو الغفلة عن ذلك، والإعراض عنه.
وقد قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٩-٣٠] . واقرأ هذه الرسالة على من ارتاب في أمره، وماحل وجادل في دين الله. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[الجواب المنثور في الرد على ابن منصور وكشف حاله]
وقال أيضا الشيخ عبد اللطيف، قدس الله روحه ١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فاعلم أيها الناظر إلى ما علقته في هذه الأوراق، في كشف حال أهل الشقاق والنفاق، أن عثمان بن منصور،
стр. 5567
بعد مجيئه من البصرة والزبير، وطول إقامته عند مشائخه: ابن سند وابن جديد وابن سلوم، أقبل إلى نجد، فكرهه من كرهه من المسلمين، واغتر به من اغتر به، من المقدمين، لانتسابه إلى العلم، وصار الأئمة يستعملونه في بعض البلاد، لا سيما في سدير; فصار قاضيا به، ومتوليا أمورهم، في الحكم بينهم، والإفتاء، وغير ذلك.
فصار يظهر منه في تلك الحال كراهة التوحيد، ومن قام به ودعا إليه، ويكتب فيهم ما ورد في الخوارج، لزعمه أنهم خرجوا من الإسلام والسنة، لقبولهم دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وخالفوا المشركين، وإنكار ما وقع من الشرك الذي عمت به البلوى، في القرى والأمصار، من عبادة أرباب القبور والطواغيت، والأحجار والأشجار.
فنَزل أهل الشرك وعباد الأوثان، منْزلة الصحابة ﵃، حيث كفرتهم الخوارج بما شجر بينهم، ونزل أهل التوحيد الداعين إلى الإخلاص والتجريد، وإنكار الشرك الأكبر، والغلو والتنديد، منْزلة من خرج على المسلمين، بالقتال والتكفير.
ويظهر منه لبعض الخاصة، من عداوته شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ما يبوح لهم به؛ وفي أعيان المسلمين من يصدق ذلك، وفيهم من لا يصدق.
فلما توفي وعرضت كتبه للبيع، وجد فيها من الطعن على
стр. 5568
شيخ الإسلام بدعوته إلى دين الإسلام، وتأييده لمن عارض هذه الدعوة، في الشبهات والترهات، وأبلغ في الثناء والتمجيد والتأييد، لمن قام في نصرة الشرك بالله، وأن ما وقع من الشرك من الاستغاثة بالأموات والغائبين، أنه مما يحبه الله ويرضاه!!
وله منظومة: في هذا المعنى ١ بالغ فيها من المدح لداود، على ما كتبه من الشبهات والخيالات والضلالات، وجدت في كتبه بخطه; ووجدنا من اعتراضه على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ورده عليه فيما كتبه، في تحريم موادة المشركين، وحاصله: إنكار وجود الشرك، وأن ما ذكرته أيها الشيخ، لا يوجد في الأمة من تحرم موادته أصلا.
فكابر الواقع الذي يشهد به كل أحد، ولا ينكر وجوده وعموم البلوى به، إلا بعض الأفراد الذين طبع الله على قلوبهم، وصاروا دعاة إلى النار، يستحسنون كل شرك وقبيح، وينكرون كل ما هو حق وصحيح.
ثم إنه أتانا من رجل من بريدة نسخة لابن منصور - خطه بيده - أكثر فيها السباب لشيخ الإسلام، والاعتراض عليه فيما دعا إليه من دين المرسلين، الذي افترضه الله على الخلق أجمعين; وهو: إخلاص الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، للكبير المتعال، وإنكار ما ينافي ذلك من الشرك والضلال.
فرحم الله شيخ الإسلام، فلقد أنقذ الله به من الهلاك
стр. 5569
الخلق الكثير، والجم الغفير، وأطبق على الثناء عليه بمقامه هذا جميع أهل نجد، والحجاز وتهامة وعمان، وكثير من علماء الحرمين، ومصر والعراق والشام؛ حتى من أهل المغرب، وبلاد الروم، كلهم أو غالبهم بين من يثني على صاحب هذه الدعوة ويدعو له، ومن ليس كذلك، فلا يظهر منه إنكار.
وكثير منهم عاداه في أول هذه الدعوة، ثم رجع واعترف ; فلله الحمد على دعوته إلى هذا التوحيد، وتأييده بالنصر والظهور، على من ناوأه وناوأ أتباعه، وما ناوأهم أحد إلا وينقلب مدحورا مكسورا، إلى غير ذلك مما يطول عده، من الآيات التي جرت برهانا لصحة هذا الدين، الذي اتفقت عليه في دعوة المرسلين ; فهذا هو الذي أوجب عداوته لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فسلك مسلك أشياخه الثلاثة، في عداوة التوحيد ومن دعا إليه.
ولله در العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى حيث يقول:
فلا بد لكل نعمة من حاسد، ولكل حق من جاحد ومعاند ; ثم ذكر جنس هؤلاء الجاحدين المعاندين، فقال رحمه الله تعالى: اللهم فعياذا بك ممن قصر في الحق اتباعه، وطالت في الجهل وأذى عبادك باعه؛ فهو لجهله يرى الإحسان إساءة، والسنة ذراعة والعرف نكرا، والظلمة نورا ويجزي بالحسنة سيئة كاملة، وبالسيئة الواحدة عشرا.
قد اتخذ بطر الحق وغمط الناس سلما إلى ما يحبه من الباطل
стр. 5570
ويرضاه، ولا يعرف من المعروف، ولا ينكر من المنكر إلا ما وافق إرادته أو خالف هواه، يستطيل على أولياء الرسل وحزبه بأصغريه، ويجالس أهل الغي والجهالة، ويزاحمهم بركبتيه.
قد ارتوى من ماء آجن وتضلع، واستشرف إلى وراثة الأنبياء وتطلع، يركض في ميدان جهل مع الجاهلين، ويبرز عليهم الجهالة فيظن أنه من السابقين، وهو عند الله ورسوله والمؤمنين، عن تلك الوراثة النبوية بمعزل.
وعياذا بك ممن جعل الملامة بضاعته، والعذل نصيحته، فهو دائما يبدي في الملامة، ويعيد ويكرر على العذل، فلا يفيد ولا يستفيد؛ بل عياذا بك من عدو في صورة ناصح، وولي في مسلاخ بعيد كاشح، يجعل عداوته وأذاه حذارا وإشفاقا، وتنفيره وتخذيله إسعافا وإرفاقا.
وإذا كانت العين لا تكاد إلا على أمثالهم تفتح، والميزان بهم يخف ولا يرجح، فما أحرى اللبيب بأن لا يعيرهم من قلبه جزءا من الالتفات، ويسافر في طريق مقصده بينهم سفره إلى الأحياء بين الأموات وما أحسن ما قال القائل:
وفي الموت قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشور
اللهم فلك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك، وأنت حسبنا ونعم الوكيل، انتهى كلامه ﵀.
стр. 5571
وعلى هذا، يكون هذا الرجل عدوا لمن قام بالتوحيد، لانطباق هذه الأوصاف عليه، ومرجعها عند التأمل إليه. وقد ابتلي شيخنا ﵀ في ابتداء دعوته، بأناس هذا وصفهم، فمنهم من رجع، ومنهم من هلك؛ ولله الحمد والمنة على ظهور هذا الدين، وانتفاع الخلق بهذه الدعوة، وتأييد من قام بها، ودعا إليها من المسلمين.
وبقي هذا الرجل مضمرا لعداوة هذا الدين، ولمن أقر بأنه هو الحق المبين؛ فأصل عقيدته على أصل هو أفسد الأصول، وأبعدها عن المنقول والمعقول، لتضمنه الطعن والتكذيب مما أخبر به النبي الرسول، مما لا بد أن يقع في هذه الأمة، مع إلحاده في مدلول الآيات المحكمات، في بيان الشرك بأنواعه، وإيضاحه، وبيان التوحيد الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه.
فاعتقد هذا الرجل البليد، الذي صار في معتقده بين الناس كالفريد، في شدة عداوته التوحيد، فصرح بأنه لا يوجد في هذه الأمة من ينكر عليه، ولا من يهاجر عنه من أهل الشرك، حتى من كان يعبد القبور والمشاهد، ولا من هو متميز ببيان الإسلام والدعوة إليه يهاجر إليه؛ وهذا جهل عظيم وضلال مبين.
وفيما اعترض به على شيخنا محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: أنه يكفر الأمة بالعموم، وهذا من أعظم البهتان؛ فإن الأمة فيها خير القرون الثلاثة، من الذين هم على الإسلام والإيمان، ونقلوا شرائع الإسلام، وصنفوا في العلوم
стр. 5572
النافعة والأحكام، وأخذت عنهم العلوم الشرعية، والدعوة إلى الملة الإسلامية، وفيهم أصحاب رسول الله وهم الخلق الكثير، والجم الغفير. وتبعهم على ذلك التابعون، فأظهر الله بهم نور الإسلام، وأطفأ بهم الظلم والظلام؛ فأصبحت أعلام الإسلام بهم ظاهرة، وأحكام الشريعة بهم متداولة متكاثرة، فإذا ظهرت فيهم بدعة أنكروها، وإذا استبانت لهم سنة أظهروها.
وقد قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] ، فصاروا خير أمة بثلاثة شروط: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله، وأساسه: إخلاص العبادة لله، والبراءة من عبادة كل ما يعبد من دون الله؛ وهذا الوصف معظم أهله مضوا في خير القرون.
ثم وقع في الأمة بعدها ما وقع، من الشرك والبدع، وأخبر النبي ﷺ أن الأمة بعد القرون الثلاثة، سيحدث فيها من التفرق والاختلاف، ما قد حدث، فوقع من ذلك ما هو كعين اليقين، كما قد اعترف به العلماء، عصرا بعد عصر يزداد ظهورا ويستبين، حتى استحكمت غربة الإسلام، واستبدل الأكثر الباطل بالحق، والحرام بالحلال.
وقد أنكر علماء السنة ما حدث من الشرك والبدع والضلالات، منهم: أبو الوفاء بن عقيل، وأبو شامة، وابن
стр. 5573
وضاح، وصنع الله الحلبي، وغير هؤلاء من علماء السنة، عرفوا ما وقع في الأمة من الشرك، وأنكروه؛ فما زال في الأمة من يدعو إلى التوحيد، وينكر ما وقع من هذا الشرك.
فإذا كان الشرك والكفر قد وقع في خير القرون، فلا بد أن يقع أكثر منه في شرها، فلا تغفل عما وقع من العرب، بعد وفاة النبي ﷺ من خروج الأكثر من باب الإسلام، فجاهدهم أصحاب النبي ﷺ حتى دخلوا من الباب الذي خرجوا منه، وقتل من قتل منهم على ردته وكفره.
وبنو حنيفة لما صدقوا مسيلمة الكذاب، في زعمه أنه نبي، فقاتلهم خالد بن الوليد ﵁ بالصحابة ومن أسلم معه من العرب، واستشهد من استشهد من المسلمين، منهم زيد بن الخطاب، وثابت بن قيس، وسالم مولى أبي حذيفة ﵃. وبنو حنيفة من هذه الأمة بلا ريب وإن كفروا، وقتل مسيلمة ومحكم بن الطفيل، وصالح مجاعة خالدا على بقية بني حنيفة، فأسلموا.
ثم إن الله تعالى جمع أصحاب رسوله وكل من دخل في الإسلام، على جهاد فارس والروم؛ فأول من جاهد الفرس خالد بن الوليد، بعد قتال بني حنيفة ; وأما الروم فأمر على الجنود التي بعثت إليهم يزيد بن أبي سفيان، وأبا عبيدة بن الجراح، فما زالوا يجاهدون حتى فتح الله الشام ومصر والعراق، وما يليها، على المسلمين، وغنمهم خزائن كسرى وقيصر.
стр. 5574
فما زال الأمر كذلك في خلافة عمر وعثمان، حتى جرى على عثمان في خلافته، ما هو مذكور في السير والتاريخ.
والمقصود: بيان كثرة أهل الإيمان، وظهور الإسلام، في تلك القرون المفضلة; فسبحان الله! أيجوز لأحد أن يكفر الأمة، وقد فضلهم الله تعالى بالإسلام والإيمان؟ !
نسبه هذا إلى شيخ الإسلام، الجواب عنه، أن نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! وأما دعوى هذا المفتري أن هذه الأمة لها حكم الإسلام، ولا يوجد فيها ما ينافيه، وليس فيها من تحرم موادته وموالاته لكفره وشركه، فمقتضى هذا القول نبذ الإسلام وراء الظهر، والإيمان بالطاغوت، والاختلاق المخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة، فإنه - والحالة هذه - قد عمي قلبه عن تصور الحق على ما هو عليه، وتصور الباطل على ما هو عليه، ولم يصدق بما أخبر به النبي ﷺ من وقوع الشرك في هذه الأمة؛ فانقلب تصوره، وعاد الضرر عليه، فتعين رد قوله هذا جملة. فنبتدئ ذلك بذكر ابتداء دعوة النبي ﷺ .
فنقول: بعث الله نبيه محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ; فدعا قريشا والعرب إلى ما بعثه الله به، من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وترك ما كان يعبد من دون الله، من شجر أو حجر أو ميت، حتى الأنبياء والملائكة، كما دلت عليه الآيات المحكمات.
فما أجابه إلى ما دعا إليه ابتداء أحد من قومه، سوى أبي بكر الصديق، وخديجة أم المؤمنين، وبلال بن أبي رباح، وعلي
стр. 5575
ابن أيي طالب - وكان إذ ذاك صبيا - كما دل على ذلك حديث: عمرو بن عبسة لما سأل النبي ﷺ فأخبره: "أن الله أرسله بكسر الأصنام، وصلة الأرحام، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء ; قال من معك على هذا؟ قال: حر وعبد" ١ ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، فهذا حاله ﷺ في مبدإ دعوته.
وكان يعرض نفسه على القبائل فيقول: "من يمنعني من أذى قومي؟ "، فلم يجبه إلى ذلك أحد في ابتداء دعوته، وعرض نفسه على أهل الطائف: ابن عبد ياليل، ومن معه من كبارهم، فأغلظوا له القول، ورموه بالحجارة، حتى أدموا قدميه وعقبيه، صلوات الله وسلامه عليه، وفي ذلك يقول أبو قيس صرمة بن أبي قيس:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى حبيبا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
إلى آخر الأبيات.
وقد قال فيما صح عنه ﷺ : " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون إذا فسد الناس، أو يصلحون ما أفسد الناس " ٢، وأخبر أنهم النُّزاع من القبائل، وأن من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم؛ وكل هذا قد وقع بعد القرون المفضلة بلا ريب، كما سيأتي.
والغربة: إنما هي في معرفة ما دعا إليه من التوحيد، والنهي عن ما يضاده من الشرك ; وهذا قد صار مجهولا عند أكثر
стр. 5576
الأمة، حتى من ينتسب إلى العلم، من المتكلمين وأتباعهم ; فلهذا وقع كثير منهم في الشرك، فعاد الإسلام في هذه الأمة غريبا كما بدأ، لعموم البلوى بالشرك، وظهوره في المشارق والمغارب، وبناء المساجد على القبور والمشاهد، وعبادتها بكل ما يعبد به الله من أنواع العبادة.
وهذا لا يقدر أحد على إنكاره، وأنه وقع في الأمة بعد القرون المفضلة، وعمت به البلوى؛ فظن الأكثر أن التوحيد إنما هو توحيد الربوبية، الذي أقر به المشركون، كما في قوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله ﴿تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤-٨٩] ، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية:٣١] ، وهذا هو الذي عند الأشعري وغيره من أمثاله.
وأما توحيد الإلهية، الذي جحده مشركو قريش والعرب ابتداء، فما عرفوا التوحيد، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، فلهذا وقع الأكثر في الشرك الأكبر المنافي لهذا التوحيد، بدعوتهم الأموات في الرغبات والرهبات، والاستغاثة بهم في المهمات؛ فإذا لم ينكر العلماء هذا الشرك، ولا عرفوا الإخلاص الذي هو الدين، الذي شرعه الله للأنبياء والمرسلين، وقعوا في الشرك، وتبعهم على ذلك الخلق الكثير والجم الغفير.
وقد صنفت المصنفات في جواز هذا الشرك، كما ذكره
стр. 5577
شيخ الإسلام عن جماعة ممن ينتسب إلى العلم، كأبي معشر البلخي، والفخر الرازي، وثابت بن قرة، ومحمد بن النعمان، وابن البكري، وابن الأخنائي وغيرهم، فلم ينكر هذا الشرك الذي أخبر النبي ﷺ أنه يقع في أمته إلا الفرقة الناجية، وهم الأقلون عددا، الأعظمون قدرا عند الله وسنذكر بعضهم إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر العلماء المصنفون، في دلائل النبوة ما أخبر به النبي ﷺ من وقوع الشرك في هذه الأمة، وما تبعوا فيه اليهود والنصارى، وعدوا ذلك من المعجزات، ودلائل النبوة، كالحافظ الذهبي وغيره، وهو كذلك.
ولا ينكر ما وقع في هذه الأمة من غربة الإسلام، وما حدث من الشرك والبدع، والجهل العظيم، إلا جاهل مغفل منكوس القلب، لا يتصور الأمور على ما هي عليه؛ وهذا كثير في الأمة، كما ذكر جنسه أبو الوفاء ابن عقيل، وأبو شامة وابن وضاح، وصنع الله الحلبي، والمقريزي وغيرهم.
وقد ذكره في كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، فقال: وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، ومن أهل الإرادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقته ; وكل طائفة تسمي بدعتها توحيدا، كالجهمية، والمعتزلة، والفلاسفة، وأهل الوحدة، وغيرهم من أهل البدع، كما هو موجود في مصنفاتهم، انتهى.
стр. 5578
وهذه الطائفة وفق الله شيخهم الذي دعاهم لما اختلف فيه من الحق، فعرف التوحيد الذي غلطت الطوائف في مسماه، وهو أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وأنكر ما ينافيه من الشرك في العبادة، الذي عمت به البلوى في جميع الأقطار.
ولهذا خصهم الله تعالى دون غيرهم من الناس، بالاسم الذي يسمي الله به المؤمنين من هذه الأمة، فلا ينصرف ذكر المسلمين إلا إليهم، من غير مواطأة ولا اصطلاح ; وإنما هو إلهام من الله تعالى، يجرى لهم على لسان الموافق والمخالف، وذلك من جملة ما يتبين به أنهم أهل الحق، فلا يوجد عندهم وثن يعبد، ولا معبود يقصد بالعبادة، إلا الله تعالى.
وقد كان أهل نجد وغيرهم قبل هذه الدعوة كغيرهم، يعبدون القبور والأشجار والأحجار والجن; ما من قرية إلا إذا اشتكى فيهم أحد، تقربوا للجن بالذبح لهم، ولا ينكر ذلك أحد منهم، بل كان من يستفتى منهم يأمرهم بذلك، والبدع فيهم أكثر؛ فبعد هذه الدعوة، زالت تلك الأمور رأسا، فلم يبق منها شيء؛ وكفى بهذا برهانا على صحة هذا الدين الذي أقامهم الله بالدعوة إليه، والجهاد عليه؛ فلا ينكر ما ذكرناه منهم إلا مباهت ضال مضل.
ونذكر ما أخبر به النبي ﷺ مما وقع في هذه الأمة عموما وخصوصا، من الشرك في العبادة، فمن ذلك: ما في حديث ثوبان، وهو عند مسلم وأبي داود وغيرهما، وفيه: " وإنما أخاف
стр. 5579
على أمتي الأئمة المضلين؛ ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد فئة من أمتي الأوثان. وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله " ١.
وعن معاوية بن أبي سفيان، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم، على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة " ٢ أخرجه أبو داود، وأخرجه الإمام محمد بن نصر في " كتاب الاعتصام " من طرق، وذكر العماد ابن كثير: أن هذا الحديث يروى من طرق كثيرة، تدل على صحته.
فتأمل قوله: " كلها في النار إلا واحدة " ٣. وكل هذا الفرق وجدت في هذه الأمة، ولله در الشاطبي حيث يقول:
وهذا زمان الصبر من لك بالتي
كقبض على جمر فتنجو من البلا
فإذا كان هذا في زمن الشاطبي، في حدود القرن السادس، فما ازداد الإسلام بعده إلا غربة، كما في حديث أنس: "لا يأتي على الناس زمان، إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم "، سمعته من نبيكم ﷺ ، فوقع من الغربة ما يحكي ويشبه ما وقع للنبي ﷺ في أول دعوته، حتى إن من دعا إلى التوحيد، رمي بقوس العداوة؛ فجعلوا التوحيد عندهم أنكر المنكرات، وعبادة القبور من القربات، وهذا غاية الغربة ونهاية الكربة.
стр. 5580
وقد ذكرت فيما كتبه قبل هذه، بعدما حدث من البدع في هذه الأمة كبدعة الرافضة، وما أحدثوا من البناء على القبور وتعظيمها، وبناء المشاهد، والسفر إلى عبادتها، وبذل الأموال في عمارتها، وما يتقربون به إلى سدنتها، والمجاورين لها، كما جرى من بني بويه أهل المشرق بعد القرون المفضلة، وما جرى من بني عبيد القداح بمصر، من عبادتهم لمشهد الحسين؛ زعموا أنهم أتوا برأس الحسين من عسقلان، وبنوا عليه مسجدا عظيما معروفا بالقاهرة، وأجروا له الأوقاف، وصار عندهم أعظم مسجد بالقاهرة، وما كانوا يفعلونه من عبادة أحمد البدوي وما يقع في مولده من فنون الشرك الأكبر، والفساد من بناء المساجد على قبور أهل البيت، والغلو فيها وعبادتها،
وكما يفعلون عند قبر الست زينب، والست نفيسة، وغير ذلك مما يطول عده، من الأوثان التي كانوا يعبدونها من دون الله ; وما كان يفعل عند قبر عبد القادر ببغداد وغيره، وما ذكره أبو شامة عن أهل الشام، وكل بلد قد امتلأت شركا، اللهم إلا أن يوجد من ينكر ذلك في نفسه، مما لا يطلع عليه إلا الله.
فمن الله تعالى بقيام من دعا إلى التوحيد، الذي اندرس وعفت آثاره، وأنكر الشرك الذي عم البلاد وطار غباره، وهو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى؛ فإن الطائفة لم تزل في هذه الأمة على الإسلام والسنة، لكن تقل تارة وتكثر أخرى.
стр. 5581
وما سمعنا بعد شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم والحافظ ابن عبد الهادي، وأصحابهم، ومن أخذ عنهم، كابن رجب، ومن في طبقتهم من أهل السنة، ممن اشتهر عنهم إنكار الشرك الذي عمت البلوى بوقوعه في هذه الأمة، فإنهم أبطلوا ما أبداه أهل الشرك من الشبهات، وبينوا إلحادهم في معنى الآيات المحكمات، وضلالهم عن التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه.
فبقيت مصنفاتهم في ذلك سلاحا للموحدين، على هؤلاء المشركين الملحدين، لكنها قبل ظهور شيخنا، رحمه الله تعالى، بهذه الدعوة، كانت مهجورة لا يلتفت إليها، ولا ينظر إلى ما فيها من الحجة والبيان، والدليل والبرهان، فلعموم الجهل أنزلوها منْزلة كتب البدع عند أهل السنة.
فلما من الله على شيخنا، ﵀ بهذه الدعوة، صارت تلك الكتب مشهورة، وظهرت أنوار الحق، وزالت ظلمات الشرك بالحجج والبراهين، وطلب أهل التوحيد أدلته في مظانها، من كتب العلماء الأعلام، كتفسير أبى جعفر بن جرير، ﵀، وتفسير العماد بن كثير، وأمثالهما.
ففيها من بيان التوحيد، ونفي الشرك ما يشفي العليل ويروي الغليل، مما لا يجهله إلا من عميت بصيرته، وفسدت سريرته، وأشرب الشرك في قلبه، كأمثاله ممن مضى من أعداء الرسل، الذين كذبوهم، مع ظهور الآيات، والبراهين
стр. 5582
والمعجزات ; قال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠١] .
فيجب على من عرف حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنكر ما ينافيه من الشرك، وعادى في الله ووالى فيه أن يشكر الله على هذه النعمة، خصوصا إن تدبر ما في القرآن، من بيان ما جرى من الأمم المكذبة للرسل، وما جرى في هذه الأمة مما أخبر النبي ﷺ بوقوعه، من الشرك والضلال، وما جرى على النبي ﷺ في ابتداء دعوته.
فيا لها نعمة ما أجلها لمن عرف قدرها، ورعاها حق رعايتها، وأحبها وسر بها، ولزم العمل بها وذكرها. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [سورة هود آية: ٨٨] والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، غير مكفي ولا مكفور، ولا مودع، ولا مستغنى عنه، ربنا، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وقد ذكر العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى، حال من حرم الهدى لجهله وإعراضه، وعدم قبوله لما أنزل الله تعالى في كتابه من الهدى والعلم، فقال - بعد كلام له سبق -: والمقصود: أن الإنسان إذا لم يكن له علم بما يصلحه في معاشه ومعاده، كان الحيوان البهيم خيرا منه، لسلامته في المعاد مما يهلكه، دون الإنسان الجاهل.
ومن جهل هذا الرجل، وشدة ضلاله أنه لما ذكر قول
стр. 5583
شيخنا، رحمه الله تعالى، على قوله ﷺ : " من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله " ١ إلى آخره، قال شيخنا: فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده، بل لا يحرم ماله ودمه، حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم دمه وماله ; فقال هذا المخذول الضال: واغوثاه من هذا الكلام!!.
فالجواب، أن نقول: إن من له أدنى مسكة من عقل، يعلم أن هذا الكلام هو معنى كلمة الإخلاص، مطابقة ووضعا؛ فإن الكلمة دلت بوضعها على شيئين، نفي الإلهية عما سوى الله تعالى، نفيا عاما في حق كل معبود سوى الله، وهذا هو الركن الأول من ركني كلمة الإخلاص; الركن الثاني، قوله: إلا الله، فهو المخصوص بالإلهية دون كل ما سواه.
والركن الأول هو الذي منع مشركي قريش والعرب من التلفظ بها، لأنهم أهل اللغة، ويعرفون مدلول الكلام ; فلو تكلموا بها للزمهم أن يتركوا عبادة ما كانوا يعبدونه من الأصنام والأوثان، فتركوا التلفظ بما يلزمهم به من ترك دينهم، فلم ينفوا الإلهية عما كانوا يعبدونه من دون الله، فلذلك تركوا التلفظ بها.
وأما مشركو آخر هذه الأمة، فجهلوا معناها فتلفظوا بها، مع عدم نفيهم لما نفته من الشرك بعبادة الأوثان والأصنام،
стр. 5584
الذي عمت به البلوى في هذه الأعصار والأمصار؛ ولا ينكر وقوعه إلا من أعمى الله قلبه، وأطفى نور بصيرته بالكلية. وكلام شيخنا هذا في معناها كلام بليغ حسن فصيح مبين، ظاهر، مستوف للمعنى الذي دلت عليه كلمة الإخلاص بكماله؛ وهو معلوم من الدين بالضرووة، وهو أصدق الكلام في معنى الكلمة مع اختصاره، وقد ذكر من معناها فيه، ما ذكره بعض العلماء في جزء، كابن رجب وغيره.
ومن المعلوم: أنه لو شك فيما نفتة لا إله إلا الله، من إلهية غير الله، أو تردد، لم يكن نافيا لما نفته، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] الآية؛ بين تعالى أنه لم يستمسك بلا إله إلا الله، إلا إذا كفر بالطاغوت، وهو ما زينه الشيطان من عبادة غير الله، كما ذكره ابن كثير وغيره من المفسرين؛ ونظائرها في القرآن كثير، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] ، وغير ذلك من الآيات المحكمات.
وغاية هذا الرجل: أنه أنكر المعقول والمنقول، ولم يعرف التوحيد الذي بعث الله به كل نبي وكل رسول، ويظن أن التوحيد هو نصرة الشرك والضلال، واعتقاد صحة ما عليه الطغام والجهال، ومن ضل من أرباب البدع والضلال؛ فلا ينكر وقوع ذلك إلا من أشرب قلبه الباطل، فلم يجد الحق فيه مساغا; ولهذا أنكر أصدق الكلام وأبينه، الذي فيه معنى كلمة الإسلام
стр. 5585
بالمطابقة التي هي أبلغ من دلالة التضمن والالتزام.
فحاصل أمره: مخالفة المنقول والمعقول، وعدم قبول ما أخبره به النبي الرسول، ولو عقل لكفاه ما أسنده جابر بن عبد الله ورواه، حيث قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا، وسيخرجون منه أفواجا " ١ رواه الإمام أحمد، ونقله العماد ابن كثير، على قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [سورة النصر آية: ١] إلى آخر السورة.
فكابر هذا وماحل، وكذب الرسول ﷺ وقال: لم يخرج من الإسلام أحد ; وقال في شرحه: وكفر الكافر تسبيح ; فجعل الكفر كالإيمان، ولم يعتقد كونهما نقيضين. فسبحان من طبع على قلوب من شاء بعلمه وحكمته، ووفق لمعرفة دينه من شاء من عباده، بفضله ورحمته، فالحمد لله الذي جعل نار أعداء الشيخ في هذه الدعوة رمادا، وجعل كفرهم بغيا وعنادا.
قال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى: قال محمد بن الفضل الصوفي الزاهد: ذهاب الإسلام على يد أربعة أصناف من الناس: صنف لا يعملون بما يعلمون، وصنف يعملون بما لا يعلمون، وصنف لا يتعلمون ولا يعلمون، وصنف يمنعون الناس من التعلم.
قلت: الصنف الأول: من له علم بلا عمل، فإنه أضر شيء على العامة، فإنه حجة لهم في كل نقيضة ومحنة ; الثاني:
стр. 5586
العابد الجاهل، فإن الناس يحسنون به الظن، لعبادته وصلاحه، فيقتدون به على جهله ; وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعض السلف، في قوله: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، فالناس إنما يقتدون بعلمائهم وعبادهم ; فإذا كان العلماء فجرة، والعباد جهلة، عمت المصيبة، وعظمت الفتنة على الخاصة والعامة.
الصنف الرابع: نواب إبليس في الأرض، وهم الذين يثبطون الناس عن طلب العلم، والتفقه في الدين، فهؤلاء أضر عليهم من شياطين الجن، فإنهم يحولون بين القلب وبين هدى الله وطريقه ; فهؤلاء الأربعة الأصناف، الذين ذكرهم هذا العالم، ﵀، كلهم على شفا جرف هار وعلى سبيل هلكة.
وما يلقى العالم الداعي إلى الله ورسوله ما يلقاه من الأذى والمحاربة، إلا على أيديهم، والله يستعمل من يشاء في سخطه، كما يستعمل من يشاء في مرضاته، إنه خبير بصير؛ ولا ينكشف سر هذه الطوائف، وطرائقهم إلا بالعلم، فعاد الخير بحذافيره إلى العلم وموجبه، والشر بحذافيره إلى الجهل وموجبه، انتهى.
قلت: والبصير يعلم أن ابن منصور، أشبه بالآخرين من هذه الأربعة بلا ريب، فإنه بالغ في نصرة الشرك وعداوة التوحيد، بالزور والبهتان، بكل ما أمكنه من الطغيان؛ فمن ذلك اعتذاره عن صاحب البردة، في أبياته الشركية، وهي قوله:
стр. 5587
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك..............
فقصر اللياذ في ذلك اليوم، الذي قال الله فيه: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٩] ، وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ﴾ [سورة غافر آية: ١٦] ، وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ [سورة النبأ آية: ٣٨] ، فلم يعلق رغبته ورهبته في ذلك اليوم، بمن له الملك كله.
بل علقه على النبي ﷺ الذي لا يشفع إلا إذا أذن له في الشفاعة، في خصوص أهل الإخلاص، فإن النبي ﷺ أخبر: أنه " يأتي فيسجد لربه، ويحمده بمحامد يفتحها عليه، لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه. قال: فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة " ١.
فأخبر أن الله هو الذي يحد له، فنسب الحد إليه تعالى؛ فإذا شفع في إراحة الخلق من ذلك الموقف العظيم للحساب، شفع لأهل الإخلاص في دخول الجنة، وهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم الذين تركوا ما يكره من الأسباب، اعتماداً على الله وتوكلا عليه، فببعدهم عن الشرك استوجبوا الشفاعة لهم بدخول الجنة التي قد وعدهم بدخولها.
ثم بعد ذلك يشفع فيمن أذن الله له أن يشفع فيه، من أهل التوحيد، ممن عليه سيئات، وذلك مقيد بإذن الله ورضاه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] .
стр. 5588
وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨.] .
وما لا يرضاه الله سبحانه، ولا يأذن فيه، فهو منتف، كما نفاه القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥١] .
وصاحب الأبيات لم يجعله في نظمه شفيعا، بل لاذ به من دون الله، واللياذ والعياذ عبادة، لأن العياذ من الشرك، واللياذ لطلب الخير، والعائذ واللائذ، كل منهما داع راج، وراغب، وهذا إذا صرفه لغير الله، فقد صرف العبادة لغير من يستحقها، وكذلك قوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وكل هذا من خصائص الربوبية، لا يصلح منه شيء لملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلا عن غيرهما، ولا يصلح إلا لله. فسبحان الله! كيف تعظم هذه الأبيات وتقبل وهى منافية للتوحيد؟! وقد قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٠] .
والنبي ﷺ أخبر أنه إنما يدعو ربه وحده، فكيف يجوز أن يعامل بما لم يشرعه، ولا يرضاه؟! بل اشتد نهيه عما هو دون ذلك بأضعاف، كقوله: "لا تطروني"، وقوله لمن قال: ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده " ١.
فتبين أن صاحب البردة قد جعل لله ندا في عبادته، في
стр. 5589
تعلق قلبه ورغبته ورهبته بغيره؛ وهذا واضح بحمد الله لمن له بصيرة، ونهمة في معرفة ما بعث الله به رسوله، ودعا إليه من التوحيد والنهي عن الشرك.
ثم إن ابن منصور، قال قولا أبعد شيء من المعقول، تمويها على الطغام، وتضليلا للعوام، الذين لا يميزون ما فسد من الكلام، فقال: إن محمد بن عبد الوهاب، لم يعرف من معنى لا إله إلا الله، ما عرفه أبو جهل.
قلت: وهذا بعينه هو وصف القائل، لا يعدوه بلا ريب، كما قيل: رمتني بدائها وانسلت.
وأما من عرف منها ما عرفه أبو بكر الصديق، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، من معرفة معنى الكلمة نفيا وإثباتا، والقيام بها عملا وجهادا، فشيخنا رحمه الله تعالى قد كمل هذا المقام، الذي وفق الله له سادات الصحابة الكرام، ومن تبعهم من هذه الأمة، ممن دان بالإيمان والإسلام، ودعا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وشهد لله بما شهد به لنفسه، في قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨] ، وأنكر دين أبي جهل أشد الإنكار، وجاهد الناس على تركه، كما جاهدهم سيد المرسلين.
وأما دين أبي جهل، فقد بينه الله في كتابه، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [سورة الصافات
стр. 5590
آية: ٣٥] الآية،
وأبوا أن يتركوا ما نفته لا إله إلا الله، من ترك عبادة الآلهة، ونصروها حتى أثخنهم الله، فقال تعالى عنهم، لما دعاهم النبي ﷺ إلي هذه الكلمة، نفيا وإثباتا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ إلى قوله: ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [سورة ص آية: ٥، ٦] .
وهذه هي طريقة ابن منصور، بل هم أعلم منه بالمعنى، وإن وافقهم في الاعتقاد، حيث لم ينكر ما كان يفعله المشركون في هذه الأزمنة، من بناء المشاهد بأسماء الأموات، وعبادة من بنيت باسمه، وكذلك بناء المساجد على القبور، وعبادتها بالتضرع إليها، وإنزال الحوائج بها، رغبة ورهبة، وخوفا ورجاء، وتوجها إليها بالوجه واللسان والأركان.
فنصر ابن منصور من قال: إنها تدعى وترجى، في كل ما يستغاث به الله، واعتقد أن أهل هذه الأوثان وعبادها، من جملة المسلمين، لأنهم يصلون ويؤذنون، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٨] .
فلم ينفعهم عمل مع الشرك، لكنه لم يعتقده شركا ; وهذا بعينه هو الشرك الذي اعتقده أبو جهل وأمثاله، فعبدوا اللات والعزى، ومناة وهبل، وعبدوا الملائكة أيضا والصالحين، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
وهؤلاء المشركون الذي يعتقد إسلامهم، لم يقتصروا على مقالة أبي جهل في شركه، باتخاذ الأموات والغائبين شفعاء، بل أخلصوا لهم الدعاء، والافتقار والتذلل، والخضوع والتعظيم،
стр. 5591
حتى إنه لو قيل لأحدهم على دعوى عليه: احلف بالله، سارع إلى الحلف، وأما من يدعوه من الأموات، فلا يتجاسر على الحلف به، وهو كاذب تعظيما له.
والمراد: أنهم كانوا يفعلون مع أهل الضرائح أعظم مما كانوا يفعلونه في المساجد ; فلو قيل لهم: لا يدعى إلا الله، ولا يرجى غيره، لشتموا القائل وضربوه، أو قتلوه. فهذا الرجل قد أنكر على شيخنا ﵀، ما أنكره أبو جهل وأصحابه على النبي ﷺ سواء بسواء، ويقول: هؤلاء مسلمون، دعهم يشركون فقد أصابوا في شركهم، وأخطأنا في الإنكار عليهم؛ وهذا هو قول كفار العرب بعينه.
والحمد لله الذي أظهر به نور التوحيد، وأطفأ به من الشرك كثيرا، في جزيرة العرب وغيرها، وأقر عين أهل التوحيد بظهوره، كما أقر عين نبينا بظهوره في حياته. فلله الحمد والمجد والثناء، لا نحصي ثناء عليه، كما أثنى هو على نفسه.
ومن عمي بصره بالكلية، لم ير للشمس نورا، وكذلك من عميت بصيرته لا يرى الحق، ولا يرى له ظهورا؛ فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. اللهم إنا نسألك الاستقامة والثبات، إلى أن نلقاك بالتوحيد الذي هو أساس الإسلام، ورضيته لنا دينا، وقد أكملته بفضلك وإحسانك، لمن وفقته للعلم بما أنزلته في كتابك، وما سنه رسولك.
стр. 5592
وتحقيق ما ذكرناه في هذا التعليق، وتقريره، يتبين ويظهر مما ذكره العلامة ابن القيم، ﵀، وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية: قال العلامة ابن القيم، ﵀، في "إغاثة اللهفان": وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها، من محبة أصحاب القبور، من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب.
ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم أو يسأل بأحد من خلقه. فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى دعائه وعبادته، وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنا تعلق عليه الستور، والقناديل ويطاف به ويستلم ويحج إليه، ويذبح عنده.
فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدا ومنسكا، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم. وكل هذا مما قد علم بالاضطرار، من دين الإسلام: أنه مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ من تجريد التوحيد أن لا يعبد إلا الله.
فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك، فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم من منْزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، وغضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ
стр. 5593
يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٥] .
وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادَوْا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك؛ ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٤] . انتهى.
قلت: فتبين من كلامه أن هذه الأمور، قد وقعت في زمنه رحمه الله تعالى، فلا يجحد وقوع هذا في الأمة، إلا معاند مكابر، معاد لله ولرسوله.
وقال شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى: والذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام؛ وقد ثبت من الطرق المتعددة أن ما يشرك به من دون الله، من صنم ووثن أو قبر، قد يكون عنده شياطين تضل من أشرك به، وأن تلك الشياطين يقضون بعض أغراضهم، إنما يقضونها إذا حصل منهم الشرك، والمعاصي ; ومنهم من يأمر الداعي أن يسجد له، وقد ينهاه عما أمره الله به من التوحيد والإخلاص.
وقد وقع في هذا النوع كثير من الشيوخ الذين لهم نصيب من الدين والزهد والعبادة، لعدم علمهم بحقيقة الدين الذي بعث الله به رسله، طمعت فيهم الشياطين حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة.
стр. 5594
قلت: وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، قد عمت به البلوى قبل ظهور هذا الشيخ بلا ريب، فبلغ من التوحيد وبما وقع من الشرك في هذه الأمة أن أنكروا التوحيد ونصروا الشرك، مثل ما ظهر من حال عثمان بن منصور كما ترى في مبالغته في إنكار الدعوة إلى التوحيد، ونصرته لأهل الشرك على شركهم.
نعوذ بالله من زيغ القلوب، ورين الذنوب على القلوب. ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨] وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وقد جازف في عداوته لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ﵀، وبالغ في الكذب والزور، وذكر عنه ﵀ ضد ما كان متصفا به، من كمال العلم والفهم، والقوة في أمر الله، ومعاني كلام الله وكلام رسوله، واشتغاله بعلم التفسير والحديث، واعتماده على ما صح وثبت واشتهر، فصار علما لأهل الإسلام والإيمان، يرجع إليه في معاني السنة والقرآن ; فقال هذا العدو البغيض من الأكاذيب الكبار ما يكذبه كل عاقل مختار من صديق وعدو بعيدا كان أو جارا.
فقال - وحسيبه الله -: وكفى أنه لم يأخذ ما ذهب إليه عن العلماء، ولم يجلس عند عالم يتعلم منه، وأن أباه نهاه عما بدر منه من ترهات، وقال: ويل للناس منك! وأن أهل البصرة
стр. 5595
أخرجوه، ثم نهاه أخوه، وأن أتباعه لو طلبت منهم طريقا يتصل بها إلى النبي ﷺ لم يجدوها، وأنهم لم يعرفوا ذلك، وأنهم يأخذون عن: حدثني قلبي عن ربي، ونحو هذه الأكاذيب؛ فلو ناقشناه عن جميع ما قال، لاستدعى تطويلا، ولكنا نذكر ما لا بد منه.
فأما قوله: وأن أباه نهاه عما بدر منه من ترهاته، فما أعظم هذه الكلمة في حق هذا الكذوب! من تسميته ما دعا إليه من دعوة الرسل ترهات. الله أكبر! ما أعظمها من زلة وما أكبرها من ضلة!
وأما قوله: إنهم يأخذون عن حدثني قلبي عن ربي، فما أكذبه!
فإنما يأخذون بحمد الله من الآيات المحكمات، وأحاديث الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، وهذا لا ريب فيه بحمد الله؛ وهو إنما يحدثه قلبه عن إبليس وجنوده، زين له عداوة التوحيد، ومحبة الشرك والتنديد، ورد الحق بما أمكنه، ونصرة الباطل بالكذب والبهتان، على أهل العلم والإيمان.
وأما قوله: إنه لم يأخذ ما ذهب إليه عن العلماء، فذلك ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الحديد آية: ٢١] ؛ وكثير من العلماء والمجتهدين لم يأخذوا كل علومهم عمن رووا عنهم، وأكثر علومهم مما يفتح الله عليهم، من الفهم في كتاب الله، وسنة رسوله. فكم من عالم يختار خلاف
стр. 5596
ما اختاره شيخه، وكثير من العلماء يكون أفضل في العلوم من شيوخه، هذا أمر معلوم لا ينكر.
وأما قوله: ولم يجلس عند عالم، فهذا من جملة أكاذيبه، وما يدريك يا ابن منصور عن حاله وعمن أخذ عنه؟ وقد ذكرنا رحلته في طلب العلم إلى البصرة، ثم إلى الأحساء، ثم إلى المدينة المنورة، وجلوسه، وما يورده عليهم فيما خالفت فيه مذاهبهم أهل السنة والجماعة، وحدث رحمه الله تعالى: أنه لم يجد أحدا على مذهب الإمام أحمد في هذه الأماكن، إلا عبد الله بن فيروز في الأحساء ; وأخذ علم الحديث عن علماء المدينة كمحمد حياة السندي، وكان يروي كتب الحديث عنه وعن غيره.
ولا ينازع في رسوخه في فنون العلم، وما دل عليه الكتاب والسنة، إلا عدو مماحل، يحكي عن الأحوال بأضدادها ; ولشيخنا ﵀ كتب تنبئ عن رسوخه في العلم، كاستنباطه على القرآن، وكتاب التوحيد الذي لم يسبقه إلى مثله أحد؛ فلو أن بعض العلماء الراسخين، رام أن يجمع ما أودعه شيخنا في هذا الكتاب من الأحاديث، والآثار، من الصحاح والسنن، والمسانيد وغيرها، لأعجزه ذلك مع حسن الاستدلال، والتراجم.
وقد بلغت رسائله في التوحيد إلى الأمصار، وردوده على من عارضه من الأشرار، فتلقاها العلماء بالقبول والتسليم
стр. 5597
لصحتها، وحسن وضعها، فصارت تباع بغالي الأثمان، في مصر والشام وغيرها؛ وهذا مما لا يجهله من عرفه.
وأما قوله: وإن أباه قد نهاه، فهذا من جملة أكاذيبه، فلو كان قد نهاه لكان العيب في ذلك على الناهي لا على المنهي، لأنه لم يقل لهم إلا: اعبدوا ربكم، أطيعوا ربكم. وكذب على أهل البصرة بقوله: أخرجوه قاتله الله، ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [سورة النحل آية:١٠٥] . وقد نهاه عن ذلك من هو أعظم من أبيه، كأكابر علماء الأحساء وغيرها، فما زاده نهيهم إلا ظهورا لما نهوه عنه، وجهلا لهم في الدين الذي رضية لهم ربهم.
وأما قوله: ثم نهاه أخوه; فلم يحك هذا على وجهه، بل أدرجه في الكذب ; فإن أخاه سليمان تابعه على هذا الدين عددا من الأعوام والسنين، فاتفق له بعد ذلك ما أوجب فتنته ; ولأن أهل حريملاء الذين كان إماما لهم استفزهم الشيطان بكراهتهم للجهاد، لما طلب منهم أن يجاهدوا من أنكر التوحيد، فتابعهم سليمان على فتنتهم فشرد إلى مجمعة سدير.
وبعد هذا، أقر واعترف، واستعظم ما بدر منه من العداوة والجهل بالتوحيد ; فإنهم قد وقفوا له على رسائل في حال فتنته تنبئ عن ارتيابه، ثم آل أمره إلى التوبة، وكتب في ذلك رسالة ذكرناها بلفظها، في ردنا على ابن منصور، وقد شهد له بأنه دعا إلى الحق، ونهى عن الباطل الخلق الكثير، والجم الغفير
стр. 5598
من العلماء والعقلاء، مما لا يتسع هذا المختصر لعدهم، لكن نذكر بعضهم على وجه التمثيل منهم محمد بن إسماعيل، وأولاده وأصحابه.
وأشعاره ومصنفاته في هذا موجودة ; ومنهم النعيمي، رد على من تعرض هذا الشيخ برد حسن، أبلغ فيه ونصح ; ومنهم أبو بكر حسين بن غنام عالم الأحساء؛ وفي الشام جماعة، ومصر جماعة، وفي العراق كذلك؛ ووصلت دعوته إلى الهند والصومال، والأفغان، حتى بلاد الروم والمغرب، وكثير من الناس أقبلوا على قبول هذه الدعوة.
وأنت يا ابن منصور أدبرت على قرب الدار، والأمر أظهر من أن يومى إليه ويشار ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [سورة الرعد آية: ٤٢] . فاعتبر يا من نصح نفسه ما جرى على الرسل ممن كذبهم، فرموهم بالجنون والسحر والكهانة، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٢] ، وقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٣] ، وقالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [سورة الفرقان آية: ٥] ، إلى غير ذلك من آي القرآن المبين.
فلا تخلو الأمة من أمثال هؤلاء المكذبين، الذين دفعوا الحق بالباطل والزور، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٠] ، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] . وصلى
стр. 5599
الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
ولما وصل إلى نجد "مصنف" داود بن جرجيس، في تقرير استحباب دعاء الصالحين من أهل القبور، والاستغاثة بهم، وما اشتمل عليه من الشبه والضلالات، التي يسميها بزعمه حججا وبينات، يرد بها ما دل على عبادة الله وحده لا شريك له، وتجريد التوحيد له، ويسب أهل الإسلام وعلماءهم؛ وقد ملأ مصنفه من الإلحاد والتحريف، والحكايات الضالة، التي هي نوع حكايات النصارى وجهالهم، ومن جنس ما يحتج به الجاهلية من مشركي العرب، إلى غير ذلك من أباطيله.
وقد رد عليه من انتصب لنصر المرسلين، وبيان تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، منهم الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، وابنه الشيخ عبد اللطيف، وغيرهما، مطولا ومختصرا ; فأرغم الله به أنوف المنافقين، وغصت به حلوق الضالين.
أنشأ عثمان بن منصور منظومة ضالة، أثنى فيها على هذا الملحد، ومدح طريقته والتوجد على لقائه، وحثه وتحريضه على مسبة أهل الإسلام وعلمائهم، والرد عليهم، وتسميتهم خوارج وجبرية، وهذا نصها، قال:
خليلاي هلا تنظراني لحاجة ... أقيما فواقا من نهار كما البدر
حتى تنقضي الحاجات مني رسالة ... إلى الجسر من بغداد بالود واليسر
لرد رسوم يستضاء بضوئها ... تفوح عبيرا من أصداغها الشقر
بها بينات واضحات من الهدى ... تحطم منهاج الخوارج الصغر
стр. 5600
وتفصح عن عوب الطغام بمازق ... من الجيش فرسان الدلائل كالبحر
أتينا بها نحت الحديد بمبرد ... على جاهل يهذي بقول ولا يدري
يؤول آيات الكتاب على الذي ... ينادون بالإخلاص والعمل البر
تشعشع أنوارا من الوحي رائقا ... مطرزة بالوشي سابغة الأزر
ومنبعها بيت النبوة يا لها ... صواعق رعد تقذف بالصخر
تأملتها سبرا لها فوجدتها ... جواهر وحي صافية الدر
تبارك ربى ما أجل متونها ... وأرصفها رصفا بقاصمة الظهر
تدمدم جرف الزيغ من بعد ما علا ... وتدحض جور الخارجي والجبر
فضيفتها مني قريضا مروق ... على أنها الحسناء واضحة الثغر
عليها من الوحي المبين دلائل ... يقصر عنها كل مبتدع غمر
يضل ضلال العادلين عن الهدى ... فغم بها غم المعذب في القبر
فمني سلام رائق ما سرى الصبا ... وما هبت النكباء أو غنت القمر
وما هطلت وبل السحاب وما زها ... من النبت زهو القحوياني بالقطر
وما ضحكت زهر الرياض بنورها ... وما هزت الحسناء عطفا لها تجري
وما نفحت عود الخزامى بأجرع ... من الطل مغمور الأجارع والخمر
على سيد السادات روحي ومهجتي ... مثير غرام الود قابل العذر
سمي نبي الله داود ليتني ... تمليت منه الأنس في ساعة العمر
إلى جده جرجيس بالأصل ينتمي ... لبنت رسول الله عالية الخدر
من الخل عثمان التميمي قريضها ... على نقض زيغ من طغام أصدى وكر
سرت من ربى نجد تجر ثيابها ... مغطرفة الأرداف كالنقا المثري
стр. 5601
بأزكى صلاة للنبي مضاعف ... مع الآل والأصحاب ذي العز والفخر
فدم واستقم ما عشت قامعا ... لشيعة جند النهروان ذوي الغدر ١
فرد عليه علماء نجد، منهم الشيخ: عبد الرحمن بن حسن وتقدم. ٢
وهذا جواب الشيخ: عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن، ﵏:
على وجهها الموسوم بالشوم والغدر ... شمائل زيغ لا تزال مدى الدهر
فإن سودتها كف بغي وغادر ... فأقلامنا بالرد أنهارها تجري
رسالة مختال تجر ذيولها ... إلى مهمه قفر من العلم والذكر
هدية عثمان إلى شر صاحب ... إلى الجسر من بغداد بالود واليسر
مؤيدة حزب الضلال وشيعة ... إلى درك النيران أعمالها تسري
بها من صريح الإفك أخبث مورد ... وإن ظنها الجهال من خالص التبر
رأيت بها ما يستباح بمثله ... على ناظم سل المهند والسمر ٣
فتعسا لها منظومة ما أضلها ... وأبعدها عن منهج الرشد والبر
أيوصف بالإيمان يا عابد الهوى ... دعاة إلى باب الجحيم وما تدري
فما أحوج الإنسان في أمر دينه ... إلى ناصح والصمت أجدر بالحر
أترضى بأن يدعى حسين وخالد ... وزيد وما يدعى مع الله في العسر
وتنصر قوما يعدلون بربهم ... مجاهرة في كل بر وفي بحر
стр. 5602
ترى كل موتور ينادي وليجه ... ويسأل ما لا يستطاع من الأمر
يرون صوابا من سفاهة رأيهم ... مناشدة الأموات من ساكني القبر
إذا شب حرب لا ينادى وليدها ... ودارت على كره بقاصمة الظهر
وفر على أعقابه كل فارس ... وضاقت بها في حجرها ربة الخدر
وإن غشيهم موج من اليم زاخر ... وجاشت على علاتها أنة الصدر
فما يرتجى في كشف ذاك وحله ... سوى مشهد بألطف في ساحة القبر
وما تربة الجيلي إلا مناتهم ... ومعقلهم في كل كرب وفي يسر
ينادونه سرا على بعد داره ... أغثنا أغثنا بالإجابة والنصر
ويرجونه في كل أمر وحادث ... على أنه كنْز المواهب والذخر
وإخوانهم في الغي أضحى مقيلهم ... ومجمعهم عند المشاهد في مصر
بدف ومزمار ونغمة شادن ... مع الرقص بالأرداف في الصحو والسكر
وإن شئت أصل الدين تلقاه عندهم ... لأربابهم تحت الصفائح والصخر
دعاء وذبح واستغاثة عابد ... وإخبات ذي فقر وإلحاح ذي عسر
وفي كل مصر مثل مصر وما الذي ... ذكرت بأقصى ما لدى القوم من كفر
أما جعلوا أمر التصاريف ينتهي ... إلى سبعة جحدا لما خط في الذكر
وهذا لعمري في الضلالة غاية ... ومن دونها قول المثلث في السبر
فأين خطاب الأنبياء وقومهم ... وما قد جرى في معرض الأمر والنذر
وأين تقارير الجهابذة الأولى ... لنا نقلوا نص الشريعة كالدر
وأين إلى أين الذهاب وكلما ... على ظهرها يأتيك بالخبر الخبر
حنانيك رب العرش من أن يغرني ... كما غرهم ضرب من الزور والهذر
стр. 5603
وأين تصانيف المذاهب والذي ... تقرر في أبوابها واضح السطر
يعدون كفرا دون ذا ولديهم ... من الله برهان يلوح بلا نكر
على الرغم من أنف المكارم والعلا ... يهاجي إمام الدين نادرة العصر
فيا ويحه إن لم يباشره رحمة ... وعفوا وإلا فالمصير إلى حر
تراه لأهل الحق أضحى معاديا ... على غير ذنب أحدثوه ولا غدر
سوى منهج قد أوضحوه وقرروا ... أدلته بالنص والسنن الغر
وقولهم للخلق نصحا ورحمة ... أنيبوا إلى رب السماوات بالشكر
ولا تعبدوا غير المهيمن إنه ... مليك جليل قد تفرد بالأمر
فإن كان هذا عنده الزيغ والهوى ... ودين فريق النهرواني والجبري
فما صدقت تلك الدعاوى وعودها ... وقد خاب مسعاها فوا ضيعة العمر
على هضبات الشعب من أيمن الحمى ... سلام مشوق لا على جانب الجسر
كروض كساه الوبل وشيا ملونا ... يباكره سحا وأمطاره تجري
ترى ظبيات القاع في ظل نبته ... يروعها نفح الشمال إذا تسري
كأن مرور الريح من فوق زهره ... صرير سهام نبلها أبدا يفري
ففي روضها والشعب أشلاء عالم ... أضاءت له الأخرى بكوكبها الدر
وقد كان منهاج الشريعة طامسا ... وأعلام أصل الدين في ساحة الجر
فجرد عزما لا يضاهى بمثله ... وقام قيام الليث في عزمة الصقر
فزالت بهذا الشيخ عنها غياهب ... وعادت كما قد كان في سالف العصر
تجر به نجد ذيول افتخارها ... إلى منهل صاف من الشرك والكفر
عليه من المولى الكريم تحية ... يباشره روح الرياحين والزهر
стр. 5604
وخير صلاة الله ثم سلامه ... على سيد السادات خاتمة الشعر
ورد عليه أيضا الشيخ: ابن مشرف وغيره
[رسالة من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى محمد بن عمير في بيان ما تضمنه كتاب جلاء الغمة]
وله أيضا ﵀:
بسم الله الرحمن لرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى محمد بن عمير، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
وصلتنا خطوطك ومنظومتك، والله المسؤول أن يمن علينا وعليك بمعرفة الحق بدليله، والدعوة إلى الله وإلى سبيله، وتعرف أنا رأينا من أجناس المعاندين، وأعيان المشركين خلقا كثيرا، ولم ير مثل هذا المفتون في جهله وضلالته، وشناعة معتقده ومقالته.
وقد رأيت كتابه الذي سماه "جلاء الغمة"، ورأيت حشوه من مسبة دين الله، والصد عن سبيله، والكذب على الله وعلى رسوله، وعلى أولي العلم من خلقه، وأئمة الهدى، ما لم نر مثله للمويس، وابن فيروز، والقباني وأمثالهم ممن تجرد لعداوة الدين، ومسبة مشايخ المسلمين.
فابتدأ مصنفه بمسبة الشيخ، وأن الله ابتلى به أهل نجد، وجزيرة العرب، وأنه كفر الأمة عامها وخاصها، وجعل من يبني المساجد ويرفع المنار مشركين أصليين، وأن قوله يتناقض، وأنه أخذ أموال المسلمين، وجعلها فيئا له ولعياله، وأن
стр. 5605
خطاب النبي ﷺ وخطاب الموتى، بطلب الشفاعة وغيرها من المطالب، ليس بشرك؛ ويستدل على ذلك بأحاديث موضوعة، وحكايات مكذوبة.
ويزعم أن من له الشفاعة يوم القيامة، يجوز دعاؤه وطلبه في هذه الحياة الدنيا، ويسوغ التوجه إليه، وأن صاحب البردة قد أحسن وأصاب، ويستدل من جهله على ذلك بأنه رواها عن فلان وفلتان، وهيان بن بيان، وابن حجر وابن حيان، ونحو ذلك من طوائف الشيطان، ويرد بمثل هذا نصوص السنة والقرآن، نعوذ بالله من الجهل والحمق والخذلان؛ وكأن الرجل من رجال الجاهلية الأولى، لم يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء، ولم يدر ما كان عليه السلف الصالح والأولياء.
ويحتج على بطلان دعوة شيخنا بأن بلاده بلاد مسيلمة الكذاب، ولم يدر أنه عاب بذلك أهل الإسلام، ممن سكن مصر والشام والعراق، والحرمين وسائر البلاد الإسلامية، التي سكنها من نازع الله في الربوبية والإلهية.
فيا ويحه إن لم تداركه توبة ... لسوف يرى للمجرمين مرافقا
وله من ركاكة القول، وفهاهة الخطاب، وعدم المعرفة بقواعد الإعراب، ما يوجب تشبيهه بسائمة الأنعام، وثور الدولاب وقد حررت إليك بهذه البطاقة، لتقرأها على الخاصة والجماعة، وتنذر من سمع شيئا من مقالته، أن يغتر بجهالته وضلالته؛ ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤] .