قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا " ١، فكان من يأتي منهم إلى المسجد الأقصى، يصلون فيه، ثم يرجعون، لا يأتون مغارة الخليل ولا غيرها. وكانت مسدودة حتى استولى النصارى على الشام في أواخر المائة الرابعة، وجعلوا ذلك مكان كنيسة، ولما فتح المسلمون البلاد، اتخذه بعض الناس مسجدا، وأهل العلم ينكرون ذلك.
وهذه البقاع وأمثالها لم يكن السابقون الأولون يقصدونها، ولا يزورونها، فإنها محل الشرك; ولهذا توجد فيها الشياطين كثيرا، وقد رآهم غير واحد على صورة الإنسان، يتلون لهم رجال الغيب، فيظنون أنهم رجال من الإنس غائبون عن الأبصار، وإنما هم جن، والجن يسمون رجالا، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [سورة الجن آية: ٦] .
وما حدث في الإسلام من هذه الخرافات وأمثالها ينافي ما بعث الله به محمدا ﷺ من كمال التوحيد، وإخلاص الدين لله وحده، وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان.
ولهذا يوجد من كان أبعد عن التوحيد والإخلاص، ومعرفة الإسلام، أكثر تعظيما لمواضع الشرك; فالعارفون سنة محمد ﷺ أولى بالتوحيد والإخلاص، وأهل الجهل بذلك: أقرب إلى الشرك والبدع; ولهذا يوجد في الرافضة أكثر مما يوجد في غيرهم، لأنهم أجهل من غيرهم، وأكثر شركا
стр. 597
وبدعًا؛ ولهذا: يعظمون المشاهد، ويخربون المساجد، فالمساجد لا يصلون فيها جمعة، ولا جماعة; وأما المشاهد فيعظمونها، حتى يرون زيارتها أولى من الحج.
وكلما كان الرجل أتبع لدين محمد ﷺ ، كان أكمل توحيدا لله وإخلاصا لدينه; وإذا أبعد عن متابعته، نقص عن دينه بحسب ذلك; فإذا كثر بعده عنه، ظهر فيه من الشرك والبدع ما لا يظهر فيمن هو أقرب منه، لاتباع الرسول ﷺ ؛ والله إنما أمر بالعبادة في المساجد، وذلك عمارتها، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ١٨] ، ولم يقل مشاهد الله، وأما نفس بناء المساجد، فيجوز أن يبنيه البر والفاجر، وذلك بناء، كما قال ﷺ " من بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة "١.
ثم كثير من المشاهد أو أكثرها كذب، كالذي بالقاهرة، على رأس الحسين ﵁؛ فإن الرأس لم يحمل إلى هناك، وكذلك مشهد علي، إنما حدث في دولة بني بويه; قال الحافظ وغيره: هو قبر المغيرة بن شعبة; وعلي إنما دفن بقصر الإمارة بالكوفة; ودفن معاوية بقصر الإمارة بدمشق; ودفن عمرو بن العاص بقصر الإمارة بمصر، خوفا عليهم إذا دفنوا في المقابر أن تنبشهم الخوارج.
المسألة الرابعة: أنه إذا كان عملك صوابا ولم يكن خالصا، لم يقبل؛ وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا، لم
стр. 598
يقبل; فلا بد: أن يكون خالصًا، صوابًا، على شريعة محمد ﷺ ولذلك قال سبحانه في علماء أهل الكتاب وعبادهم وقرائهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاًالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٣"١٠٤] ، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [سورة الغاشية آية: ٢"٣"٤] . وهذه الآيات ليست في أهل الكتاب خاصة، بل كل من اجتهد في علم، أو عمل، أو قراءة، وليس موافقا لشريعة محمد ﷺ فهو من الأخسرين أعمالا، الذين ذكرهم الله تعالى في محكم كتابه العزيز، وإن كان له ذكاء، وفطنة، وفيه زهد وأخلاق، فهذا العذر لا يوجب السعادة والنجاة من العذاب إلا باتباع الكتاب والسنة; وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة البدن وقوة الإرادة، فالذي يؤتى فضائل علمية، وإرادة قوية، وليس موافقا للشريعة، بمنزلة من يؤتى قوة في جسمه وبدنه.
وروي في صحيح البخارى عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يخرج فيكم قوم، تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعلمكم مع علمهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئا، وينظر في القدح فلا يرى شيئا، وينظر في الريش فلا يرى شيئا، ويتمارى في الفوق "١.
стр. 599
وروى في صحيح البخاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يأتي في آخر الزمان ناس حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة "١. وقال رسول الله ﷺ : " يكون في آخر الزمان رجال كذابون، يأتون من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم! لا يضلونكم، ولا يفتنونكم! "٢ رواه أبو هريرة.
وقال رسول الله ﷺ : " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل "٣ رواه ابن مسعود ﵁.
وقال رسول الله ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي الله بأمره، وهم على ذلك "٤ رواه معاوية ﵁: وقال ﷺ : " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى "٥ رواه أبو هريرة. ﵁ وعن
стр. 600
ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: " لا يؤمن أحدكم، حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "١.
وقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة، ومعرفة ما أراد بذلك، كما كان عليه الصحابة، والتابعون، ومن سلك سبيلهم فكل ما يحتاج إليه الناس، فقد بينه الله ورسوله، بيانا شافيا كافيا، فكيف أصول التوحيد، والإيمان؟ ثم إذا عرف ما بينه الرسول، نظر في أقوال الناس وما أرادوا بها، فعرضت على الكتاب والسنة، والعقل الصريح الذي هو موافق للرسول، فإنه الميزان مع الكتاب، فهذا سبيل الهدى.
وأما سبيل الضلال والبدع والجهل، فعكسه أن تبدع بدعة بآراء رجال وتأويلاتهم، ثم تجعل ما جاء به الرسول تبعا لها، وتحرف ألفاظه وتأويله على وفق ما أصلوه؛ وهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول، ولا يتلقون منه الهدى، ولكن ما وافقهم منه قبلوه، وجعلوه حجة لا عمدة، وما خالفهم منه تأولوه، كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه، أو فوضوه، كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني.
وكثير منهم إنما ينظر في تفسير القرآن والحديث فيما يقوله موافقة على المذهب; وكثير منهم لم يكن عمدتهم في نفس الأمر اتباع نص أصلا، كالذين ذكرهم الله من اليهود الذين يفترون على الله الكذب، وهم يعلمون;
стр. 601
ثم جاء من بعدهم من ظن صدق ما افترى أولئك، وهم في شك منهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [سورة الشورى آية: ١٤] .
ففي الصحيحين عنه ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ "١. فهذا دليل على أن ما ذم الله به أهل الكتاب، يكون في هذه الأمة من يشبههم فيه، هذا حق قد شوهد، قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سورة فصلت آية: ٥٣] . فمن تدبر ما أخبر الله به رسوله، رأى: أنه قد وقع من ذلك أمور كثيرة.
ومن زاد في الدين بشيء ما فعله الرسول ﷺ وليس عليه الصحابة والتابعون، فكأنما نقص، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم "٢. وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: " ما بال قوم يتنزهون عن شيء أصنعه؟! فوالله إني لأعلمهم، وأشدهم لله خشية "٣.
وعن أنس بن مالك قال: " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج رسول الله ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ؛ فلما أخبروا
стр. 602
كأنهم تقالوها، قالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد; وقال أحدهم: أنا أصوم الدهر ولا أفطر; وقال الآخر: أنا أعتزل النساء ولا أتزوج فجاء النبي ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم: كذا وكذا؟ أما والله، إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي، فليس مني" رواه البخاري ; وقال ﷺ "أنتم أعلم بأمر دنياكم فخذوا به "١.
وعن عائشة أن النبي ﷺ تلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ٢ قال ﷺ : " إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه، ويتركون المحكم، فأولئك الذين سمى الله: أهل الزيغ، فاحذروهم " وعن ابن عمر ﵄، قال: " هاجرت إلى رسول الله ﷺ ، فسمع صوت رجلين اختلفا في آية، فخرج في وجهه الغضب، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه ".
وقال ﷺ : " من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له من الأجر مثل أجور من عمل بها، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن ابتدع بدعة ضلالة لا
стр. 603
يرضاها الله ورسوله، كان عليه من الإثم مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيء "١ رواه بلال بن الحارث المازني ﵁، وروى في صحيح البخاري، ومسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "٢. وروى عن عمر بن الخطاب، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، أصحاب البدع والأهواء من هذه الأمة ".
وعن العرباض بن سارية، قال: " صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح، فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، وقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا; قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة لأميركم، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم، فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة "٣.
وروي في سنن أبي داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وروي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ :
" تفرقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار، إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من عمل بما أنا عليه اليوم، وأصحابي " قال عبد الله
стр. 604
ابن مسعود: "إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها" ورواه جابر مرفوعا إلى رسول الله ﷺ .
وعن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، قال: "مررت بالمسجد، فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي ﵁ فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم; قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله.
وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ . من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم".
قوله: (لا تزيغ به الأهواء) ، يعني: لا يصير بسببه مبتدعا ضالا; وقوله: (لا تلتبس به الألسن) ; أي: لا يختلط به
стр. 605
غيره، بحيث يشبهه، ويلتبس الحق بالباطل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر آية: ٩] .
وقال ﷺ : " إن الدين بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي "١ رواه طلحة عن أبيه عن جده; وقال ﷺ : " من تمسك بسنتي عند فساد أمتي، فله أجر مائة شهيد " رواه أبو هريرة; وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ : " إنكم في زمن من ترك منكم عشر ما أمر الله به هلك، ثم يأتي زمان من عمل بعشر ما أمر الله به نج ا"٢ حديث غريب.
وعن عبد الله بن مسعود، قال: " خط لنا رسول الله ﷺ خطا، ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه، وعن شماله وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣") .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " نزل القرآن على خمسة وجوه: حلال وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال; فأحلوا الحلال; وحرموا الحرام; واعملوا بالمحكم; وآمنوا بالمتشابه; واعتبروا بالأمثال ".
وعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " الأمر ثلاثة: أمر بين غيه، فاجتنبه; وأمر بين رشده، فاتبعه; وأمر اختلف فيه، فكله إلى الله تعالى ".
стр. 606
وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ : "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، مثل الأترجة، طعمها طيب، وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، مثل التمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها ; ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن، مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر; ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن، مثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها "١ فبين أن في الذين يقرؤون القرآن، مؤمنين، ومنافقين.
وإذا كانت سعادة الأولين والآخرين هي باتباع المرسلين فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك أعلمهم بآثار المرسلين، وأتبعهم لذلك؛ فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم، المتبعون لها، هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم: الطائفة الناجية من أهل كل ملة; وهم: أهل السنة والحديث من هذه الأمة.
والرسل عليهم البلاغ المبين ; وقد بلغوا البلاغ المبين ; وخاتم الرسل: محمد ﷺ أنزل الله عليه كتابه، مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه; فهو المهيمن على جميع الكتب; وقد بين أبين بلاغ وأتمه وأكمله، وكان أنصح الخلق لعباد الله، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين؛ فأسعد الخلق، وأعظمهم نعيما، وأعلاهم درجة أعظمهم اتباعا له وموافقة علما
стр. 607
وعملا; والله أعلم.
وقال رحمه الله تعالى:
أصل دين الإسلام وقاعدته: أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه. الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله.
والمخالفون في ذلك أنواع: فأشدهم مخالفة: من خالف في الجميع; ومن الناس من عبد الله وحده، ولم ينكر الشرك، ولم يعاد أهله. ومنهم: من عاداهم ولم يكفرهم. ومنهم: من لم يحب التوحيد ولم يبغضه. ومنهم: من كفرهم وزعم أنه مسبة للصالحين. ومنهم: من لم يبغض الشرك ولم يحبه. ومنهم: من لم يعرف الشرك، ولم ينكره. ومنهم: من لم يعرف التوحيد ولم ينكره.
ومنهم:" وهو أشد الأنواع خطرا" من عمل بالتوحيد، لكن لم يعرف قدره، ولم يبغض من تركه، ولم يكفرهم. ومنهم: من ترك الشرك وكرهه، ولم يعرف قدره، ولم يعاد أهله، ولم يكفرهم; وهؤلاء قد خالفوا ما جاءت به الأنبياء من دين الله ، والله أعلم.
стр. 608
وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه:
بسم الله الرحمن الر حيم
أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر؛ فإن هذه الثلاث عنوان السعادة.
اعلم، أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم: أن تعبد الله مخلصا له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس، وخلقهم لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] . فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته، فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة ; فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٧] . فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها، وأحبط العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار، عرفت: أن أهم ما عليك معرفة ذلك، لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة، وهي الشرك بالله، وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله في كتابه.
стр. 609
القاعدة الأولى: أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون أن الله هو الخالق، الرازق، المحيي المميت، المدبر لجميع الأمور، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] .
القاعدة الثانية: أنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم، إلا لطلب القربة والشفاعة، نريد من الله لا منهم، لكن بشفاعتهم والتقرب إلى الله بهم؛ فدليل القربة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ودليل الشفاعة، قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة، فالشفاعة المنفية هي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٤] . والمثبتة هي التي تطلب من الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله; والشافع مكرم بالشفاعة، والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله، بعد الإذن، والدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
стр. 610
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] .
القاعدة الثالثة: أن النبي ﷺ ظهر على أناس متفرقين في عباداتهم: منهم من يعبد الشمس والقمر ومنهم من يعبد الملائكة; ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين؛ ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار; وقاتلهم رسول الله ﷺ ولم يفرق بينهم; والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [سورة الأنفال آية: ٣٩] .
فدليل الشمس والقمر، قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [سورة فصلت آية: ٣٧] ، ودليل الملائكة قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة سبأ آية: ٤٠"٤١] .
ودليل الأنبياء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ١١٦] ، وقوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] ؛ ودليل الصالحين قوله تعالى:
стр. 611
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦] .
ودليل الأشجار والأحجار، قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [سورة النجم آية: ١٩"٢٠] ، وحديث أبي واقد الليثي، قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة، يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال; رسول الله ﷺ : الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى:، ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ".
القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين، لأن الأولين يخلصون لله في الشدة، ويشركون في الرخاء، ومشركي زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة، والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥] . فعلى هذا: الداعي عابد والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] . والله سبحانه أعلم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 612
[أربع قواعد يميز بها بين المسلمين والمشركين]
وله أيضا رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم
أما بعد: فهذه أربع قواعد ذكرها الله في محكم كتابه، يعرف بها الرجل شهادة أن لا إله إلا الله، ويميز بها بين المسلمين والمشركين; فتدبرها، يرحمك الله; وأصغ إليها فهمك; فإنها عظيمة النفع.
الأولى: أن الله ذكر أن الكفار في زمن رسول الله ﷺ كانوا يقرون أن الله الخالق، الرازق، لا يشاركه في ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل; وأنه لا يرزق إلا هو; وأنه سبحانه منفرد بملك السماوات والأرض; وأن جميع الأنبياء، والمرسلين عبيد له، تحت قهره وأمنه.
فإذا فهم أن هذا مقر به الكفار، ولا يجحدونه، وسألك بعض المشركين عن دليله، فاقرأ عليه، قوله تعالى في حق الكفار: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون َسَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ?قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ?قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ
стр. 613
تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤"٨٩] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] .
القاعدة الثانية: أنهم يعتقدون في الملائكة، والأنبياء، والأولياء، لأجل قربهم من الله تعالى، قال الله تعالى في الذين يعتقدون في الملائكة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة سبأ آية: ٤٠"٤١] . وقال: في الذين يعتقدون في الأنبياء: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ [سورة المائدة آية: ٧٥"٧٦] . وقال في الذين يعتقدون في الأولياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ٥٧] .
القاعدة الثالثة: وهي أن الله العلي الأعلى ذكر في كتابه، أن الكفار ما دعوا الصالحين، إلا لطلب التقرب من الله تعالى، وطلب الشفاعة; وإلا فهم مقرون بأنه لا يدبر الأمر إلا الله كما تقدم، فإذا طلب المشرك الدليل على ذلك، فاقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ
стр. 614
وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، وقال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . فإذا فهمت هذه المسألة، وتحققت: أن الكفار عرفوا ثلاث هذه المسائل، وأقروا بها الأولى: أنه لا يخلق، ولا يرزق، ولا يخفض، ولا يرفع، ولا يدبر الأمر، إلا الله وحده، لا شريك له; الثانية: أنهم يتقربون بالملائكة والأنبياء، لأجل قربهم من الله وصلاحهم; الثالثة: أنهم معترفون أن النفع والضر بيد الله، ولكن الرجاء، من الملائكة والأنبياء للتقرب من الله، والشفاعة عنده.
فتدبر هذا، تدبرا جيدا، واعرضه على نفسك ساعة بعد ساعة; فما أقل من يعرفه من أهل الأرض، خصوصا من يدعى العلم! فإذا فهمت هذا، ورأيت العجب، فاعرف وحقق المسألة الرابعة وهي: أن الذين في زمن رسول الله ﷺ لا يشركون دائما، بل تارة يشركون، وتارة يوحدون ويتركون دعاء الأنبياء والشياطين؛ فإذا كانوا في السراء دعوهم، واعتقدوا فيهم وإذا أصابهم الضر، والألم الشديد، تركوهم، وأخلصوا لله الدين، وعرفوا أن الأنبياء، والصالحين، لا يملكون نفعا، ولا ضرا.
فإذا شك أحد في أن الكفار الأولين كانوا يخلصون لله بعض الأحيان، فاقرأ عليه قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ
[توحيد العبادة]
وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب:
بسم الله الرحمن الر حيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين، وإمام المتقين؛ سألت" رحمك الله" أن أكتب لك كلاما، ينفعك الله به.
فأول ما أوصيك به: الالتفات إلى ما جاء به محمد ﷺ من عند الله ﵎، فإنه جاء من عند الله بكل ما يحتاج إليه الناس، فلم يترك شيئا يقربهم إلى الله وإلى جنته إلا أمرهم به، ولا شيئا يبعدهم من الله، ويقربهم إلى عذابه، إلا نهاهم، وحذرهم عنه; فأقام الله الحجة على خلقه، إلى يوم القيامة; فليس لأحد حجة على الله بعد بعثه محمدا ﷺ ؛ قال الله فيه وفي إخوانه من المرسلين: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٣] إلى قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [سورة النساء آية: ١٦٥] .
فأعظم ما جاء به من عند الله، وأول ما أمر الناس به:
стр. 617
توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين له وحده، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [سورة المدثر آية: ١"٣] ، ومعنى قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٣] أي: عظم ربك بالتوحيد، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له; وهذا قبل الأمر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وغيرهن، من شعائر الإسلام; ومعنى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٢] ، أي: أنذر عن الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له; وهذا قبل الإنذار عن الزنى، والسرقة، والربا، وظلم الناس، وغير ذلك من الذنوب الكبار.
وهذا الأصل هو أعظم أصول الدين، وأفرضها، ولأجله خلق الله الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ، ولأجله أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، ولأجله تفرق الناس بين مسلم وكافر.
فمن وافى الله يوم القيامة وهو موحد لا يشرك به شيئا دخل الجنة; ومن وافاه بالشرك دخل النار، وإن كان من أعبد الناس؛ وهذا معنى قولك: لا إله إلا الله، فإن الإله، هو: الذي يدعى، ويرجى، لجلب الخير، ودفع الشر، ويخاف منه، ويتوكل عليه. فإذا عرفت هذا، فعليك" رحمك الله" بمعرفة أربع قواعد; قلت: تقدم نحوها، فتركناها خشية التكرار.
стр. 618
[أربع قواعد يميز بهن بين مذهب المسلمين ومذهب المشركين]
وقال أيضا رحمه الله تعالى: هذه أربع قواعد من قواعد الدين; يميز بهن المسلم بين مذهب المسلمين من مذهب المشركين.
القاعدة الأولى: أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، المدبر، الضار، النافع; ولم ينفعهم إقرارهم، إذ لم يخلصوا الدعاء لله وحده; والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤"٨٥] ، إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٩] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ الآية [سورة الزمر آية: ٣٨] .
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا
стр. 619
مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ الآية [سورة فاطر آية: ١٣"١٤] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٤] إلى قوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٦] .
القاعدة الثانية: أن هولاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ، ما قصدوا من قصدوا بعبادتهم إلا لأجل التقرب والشفاعة منهم إلى الله، وأنه نزه نفسه عن أن يتخذ من دونه ولي أو شفيع؛ بل أمرنا بالإخلاص، وهو: أن لا يجعل له واسطة: فلا نستغيث، ولا نستعين إلا به; والدليل على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية [سورة الزمر آية: ٣] ، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [سورة يونس آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ الآية [سورة الزمر آية: ٤٤] .
القاعدة الثالثة: أن رسول الله ﷺ أرسل إلى أناس، منهم: من يعبد الأصنام الجمادات، والسحرة، والكهنة، والشياطين; ومنهم: من يعبد الملائكة، والصالحين; فلم يفرق بين الكل، بل قاتلهم جميعا، ولا فرق بينهم، إلى أن
стр. 620
كان الدين كله لله، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ٥٦"٥٧] . وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ الآية [سورة سبأ آية: ٤٠"٤١] ، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٢٨] .
القاعدة الرابعة: أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم النبي ﷺ إذا أصابهم الضر لم يجعلوا لله واسطة، بل يدعونه وحده مخلصين له الدين، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٣٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ الآية [سورة لقمان آية: ٣٢] . وصلى الله على محمد.
стр. 621
[التوجه لغير الله بالدعاء]
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم
اعلم رحمك الله: أن الحنيفية ملة إبراهيم، أن تعبد الله مخلصا له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس، وخلقهم لها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] .
فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة، إلا مع الطهارة; فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٧] .
فمن دعا غير الله، طالبا منه ما لا يقدر عليه إلا الله، من جلب خير، أو دفع ضر، فقد أشرك في عبادة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥"٦] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ
стр. 622
خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣"١٤] .
فأخبر ﵎ أن دعاء غير الله شرك، فمن قال: يا رسول الله! أو: يا عبد الله بن عباس: أو: يا عبد القادر، أو: يا محجوب! زاعما أنه يقضي حاجته إلى الله تعالى، أو أنه شفيعه عنده! أو وسيلته إليه، فهو الشرك الذي يهدر الدم، ويبيح المال، إلا أن يتوب من ذلك؛ وكذلك من ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله، أو توكل على غير الله، أو رجا غير الله، أو التجأ إلى غير الله، أو استغاث بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو أيضا شرك.
وما ذكرنا من أنواع الشرك فهو الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، وهذا الذي قاتل عليه رسول الله ﷺ مشركي العرب، وأمرهم بإخلاص العبادة لله.
ويتضح بمعرفة أربع قواعد: أولها: أن تعلم أن الله هو: الخالق، الرازق، المحيي، المميت، الضار، النافع، المدبر لجميع الأمور; والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ
стр. 623
وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤"٨٩] .
إذا عرفت هذه القاعدة، وأنهم أقروا بهذا، ثم توجهوا إلى غير الله، فاعرف القاعدة الثانية، وهي: أنهم يقولون: ما توجهنا إليهم ودعوناهم، إلا لطلب الشفاعة عند الله، نريد من الله لا منهم، لكن بشفاعتهم; والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] . وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] .
فإذا عرفت هذا، فاعرف القاعدة الثالثة، وهي: أن منهم من تبرأ من الأصنام، وتعلق بالصالحين، مثل عيسى، وأمه، والأولياء; قال الله فيمن اعتقد في عيسى وأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٥"٧٦] ، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية
стр. 624
[سورة التوبة آية: ٣١] .
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٧] . والرسول ﷺ قاتل من عبد الأصنام، ومن عبد الصالحين، ولم يفرق بين أحد منهم، حتى كان الدين كله لله.
القاعدة الرابعة: وهي أن الأولين يخلصون لله في الشدائد، وينسون ما يشركون، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥] . وأهل زماننا يخلصون الدعاء في الشدائد لغير الله؛ فإذا عرفت هذا، فاعرف أن شرك المشركين، الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ أخف من شرك أهل زماننا، لأن أولئك يخلصون لله في الشدائد، وهؤلاء يدعون مشائخهم في الشدة والرخاء; والله أعلم.
[رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى ابن عبيد وغيره يأمرهم بلإخلاص]
وله أيضا، قدس الله روحه:
بسم الله الرحمن الر حيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين; سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، خصوصا: محمد بن عبيد، وعبد القادر العديلي، وابنه، وعبد الله بن سحيم، وعبد الله بن عضيب، وحميدان بن تركي وعلي بن زامل، ومحمد أبا الخيل، وصالح بن عبد الله.
стр. 625
أما بعد: فإن الله ﵎، أرسل محمدا ﷺ إلينا على حين فترة من الرسل، فهدى الله به إلى الدين الكامل، والشرع التام؛ وأعظم ذلك وأكبره، وزبدته، هو: إخلاص الدين، لله، بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك؛ وهو: أن لا يدعى أحد من دونه، من الملائكة، والنبيين، فضلا عن غيرهم; فمن ذلك: أن لا يسجد إلا لله، ولا يركع إلا له; ولا يدعى لكشف الضر إلا هو، ولا لجلب الخير إلا هو، ولا ينذر إلا له، ولا يحلف إلا به، ولا يذبح إلا له؛ وجميع العبادة لا تصلح إلا له وحده لا شريك له؛ وهذا معنى قول لا إله إلا الله ; فإن المألوه هو: المقصود، المعتمد عليه ; وهذا أمر هين عند من لا يعرفه، كبير عظيم عند من عرفه. فمن عرف هذه المسألة، عرف أن أكثر الخلق قد لعب بهم الشيطان، وزين لهم الشرك بالله، وأخرجه في قالب حب الصالحين وتعظيمهم.
والكلام في هذا: ينبني على قاعدتين عظيمتين: الأولى: أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يعرفون الله، ويعظمونه، ويحجون، ويعتمرون; ويزعمون أنهم على دين إبراهيم الخليل; وأنهم يشهدون أنه لا يخلق، ويرزق ولا يدبر إلا الله وحده لا شريك له; كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [سورة يونس آية: ٣١] .
فإذا عرفت أن الكفار يشهدون بهذا كله، فاعرف
стр. 626
القاعدة الثانية وهي: أنهم يدعون الصالحين، مثل الملائكة، وعيسى، وعزير، وغيرهم; وكل من ينتسب إلى شيء من هؤلاء، سماه إلها; ولا يعني بذلك، أنه يخلق، أو يرزق; بل يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . والإله في لغتهم، هو الذي يسمى في لغتنا: فيه السر; والذي يسمونه الفقراء: شيخهم; يعنون بذلك: أنه يدعى، وينفع، ويضر; وإلا فهم مقرون لله بالتفرد بالخلق، والرزق; وليس ذلك معنى الإله، بل الإله المقصود: المدعو، المرجو.
لكن المشركون في زماننا أضل من الكفار الذين في زمن رسول الله ﷺ من وجهين: أحدهما: أن الكفار إنما يدعون الأنبياء والملائكة في الرخاء; وأما في الشدائد، فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ٦٧] . والثاني: أن مشركي زماننا، يدعون أناسا لا يوازنون عيسى والملائكة.
إذا عرفتم هذا، فلا يخفى عليكم ما ملأ الأرض من الشرك الأكبر، عبادة الأصنام، هذا يأتي إلى قبر نبي، وهذا إلى قبر صحابي، كالزبير، وطلحة، وهذا إلى قبر رجل صالح وهذا يدعوه في الضراء، وفي غيبته; وهذا ينذر له، وهذا يذبح للجن، وهذا يدخل عليه من مضرة الدنيا والآخرة، وهذا يسأله خير الدنيا، والآخرة.
стр. 627
فإن كنتم تعرفون أن هذا الشرك من جنس عبادة الأصنام الذي يخرج الرجل من الإسلام، وقد ملأ البر، والبحر، وشاع، وذاع، حتى إن كثيرا ممن يفعله يقوم الليل، ويصوم النهار، وينتسب إلى الصلاح، والعبادة"فما بالكم لم تفشوه في الناس؟ وتبينوا لهم أن هذا كفر بالله، مخرج عن الإسلام.
أرأيتم لو أن بعض الناس، أو أهل بلدة، تزوجوا أخواتهم، أو عماتهم، جهلا منهم، أفيحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتركهم؟ لا يعلمهم أن الله حرم الأخوات، والعمات؟ فإن كنتم تعتقدون أن نكاحهن أعظم مما يفعله الناس اليوم عند قبور الأولياء والصحابة، وفي غيبتهم عنها، فاعلموا أنكم لم تعرفوا دين الإسلام، ولا شهادة أن لا إله إلا الله، ودليل هذا مما تقدم من الآيات التي بينها الله في كتابه; وإن عرفتم ذلك، فكيف يحل لكم كتمان ذلك، والإعراض عنه؟ وقد ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٧] .
فإن كان الاستدلال بالقرآن عندكم هزوا وجهلا، كما هي عادتكم، ولا تقبلونه، فانظروا في: الإقناع، في باب حكم المرتد، وما ذكر فيه من الأمور الهائلة التي ذكر أن الإنسان إذا فعلها فقد ارتد، وحل دمه، مثل: الاعتقاد في الأنبياء والصالحين. وجعلهم: وسائط بينه وبين الله، ومثل الطيران في الهواء، والمشي في الماء، فإذا كان من
стр. 628
فعل هذه الأمور منكم، مثل: السائح الأعرج، ونحوه، تعتقدون صلاحه، وولايته; وقد صرح في الإقناع، بكفره; فاعلموا أنكم لم تعرفوا معنى شهادة: أن لا إله إلا الله.
فإن بان في كلامي هذا شيء من الغلو، من أن هذه الأفاعيل، لو كانت حراما فلا تخرج من الإسلام، وأن فعل أهل زماننا في الشدائد، في البر، والبحر، وعند قبور الأنبياء والصالحين ليس من هذه، بينوا لنا الصواب، وأرشدونا إليه.
وإن تبين لكم أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس، وتعليمه النساء والرجال، فرحم الله من أدى الواجب عليه، وتاب إلى الله، وأقر على نفسه، فإن التائب عن الذنب كمن لا ذنب له; وعسى الله أن يهدينا وإياكم، وإخواننا، لما يحب ويرضى، والسلام.
وقال أيضا: رحمه الله تعالى، بعد كلام له:
وأما النوع الثاني: فهو الكلام في الشرك والتوحيد، وهو المصيبة العظمى، والداهية الصماء; والكلام على هذا النوع، والرد على هذا الجاهل: يحتمل مجلدا، وكلامه فيه، كما قال ابن القيم ﵀: إذا قرأه المؤمن تارة يبكي، وتارة يضحك!!.
стр. 629
ولكن أنبهك منه على كلمتين; الأولى: قوله: إنهما نسبا من قبلهما إلى الخروج من الإسلام، والشرك الأكبر أفيظن أن قوم موسى لما قالوا: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، خرجوا من الإسلام؟ أفيظن أن أصحاب رسول الله ﷺ لما قالوا: اجعل لنا ذات أنواط فحلف لهم أن هذا مثل قول قوم موسى: اجعل لنا إلها، أنهم خرجوا من الإسلام؟ أيظن: أن النبي ﷺ لما سمعهم يحلفون بآبائهم فنهاهم وقال: " من حلف بغير الله فقد أشرك "١ أنهم خرجوا من الإسلام؟ إلى غير ذلك من الأدلة التي لا تحصر، فلم يفرق بين الشرك المخرج عن الملة، من غيره، ولم يفرق بين الجاهل والمعاند.
والكلمة الثانية: قوله: إن المشرك لا يقول: لا إله إلا الله، فيا عجبا من رجل يدعي العلم، وجاء من الشام بحمل كتب، فلما تكلم إذا أنه لا يعرف الإسلام من الكفر; ولا يعرف الفرق بين أبي بكر الصديق ﵁ وبين مسيلمة الكذاب.
أما علم أن مسيلمة يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلي ويصوم أما علم أن غلاة الرافضة الذين حرقهم علي ﵁ يقولونها؟! وكذلك الذين يقذفون عائشة، ويكذبون القرآن; وكذلك الذين يزعمون أن جبرائيل غلط وغير هؤلاء، ممن أجمع أهل العلم على كفرهم; منهم من ينتسب إلى الإسلام،
стр. 630
ومنهم: من لا ينتسب إليه، كاليهود؛ وكلهم يقولون: لا إله إلا الله وهذا بين عند من له أقل معرفة بالإسلام، من أن يحتاج إلى تبيان.
وإذا كان المشركون لا يقولونها، فما معنى: باب حكم المرتد الذي ذكر الفقهاء من كل مذهب؟ هل الذين ذكرهم الفقهاء، وجعلوهم مرتدين، لا يقولونها؟ هل الذي ذكر أهل العلم أنه أكفر من اليهود، والنصارى وقال بعضهم: من شك في كفر أتباعه، فهو كافر; وذكرهم في الإقناع في: باب حكم المرتد; وإمامهم: ابن عربي، أيظنهم لا يقولون: لا إله إلا الله؟! لكن هو أتى من الشام، وهم يعبدون ابن عربي، جاعلين على قبره صنما يعبدونه، ولست أعني أهل الشام كلهم، حاشا وكلا; بل لا تزال طائفة على الحق، وإن قلّت، واغتربت.
لكن العجب العجاب، استدلاله أن رسول الله ﷺ دعا الناس إلى قول: لا إله إلا الله ولم يطالبهم بمعناها، وكذلك أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا بلاد الأعاجم، وقنعوا منهم بلفظها، إلى آخر كلامه. فهل يقول هذا الكلام من يتصور ما يقول؟ !.
فنقول، أولا: هو الذي نقض كلامه وكذبه، بقوله دعاهم إلى ترك عباده الأوثان، فإذا كان لم يقنع منهم إلا بترك عبادة الأوثان، تبين أن النطق بها لا ينفع إلا بالعمل بمقتضاها، وهو: ترك الشرك، وهذا هو المطلوب; ونحن
стр. 631
إنما نهينا عن الأوثان المجعولة على قبر الزبير، وطلحة، وغيرهما، في الشام، وغيره.
فإن قلتم: ليس هذا من الأوثان، وإن دعاء أهل القبور، والاستغاثة بهم في الشدائد، ليست من الشرك، مع كون المشركين الذين في عهد رسول الله ﷺ يخلصون لله في الشدائد، ولا يدعون أوثانهم، فهذا كفر; وبيننا وبينكم كلام العلماء، من الأولين، والآخرين، الحنابلة وغيرهم.
وإن أقررتم أن ذلك كفر وشرك، وتبين أن قول: لا إله إلا الله، لا ينفع إلا مع ترك الشرك، فهذا هو المطلوب، وهو الذي نقول، وهو الذي أكثرتم النكير فيه، وزعمتم أنه لا يخرج إلا من خراسان; وهذا القول، كما في أمثال العامة: لا وجه سمح، ولا بنت رجال; لا أقول صواب، بل خطأ ظاهر، وسب لدين الله; وهو أيضا متناقض، يكذب بعضه بعضا، لا يصدر إلا ممن هو أجهل الناس.
وأما دعواه: أن الصحابة لم يطلبوا من الأعاجم إلا مجرد هذه الكلمة، ولم يعرفوهم بمعناها، فهذا قول من لا يفرق بين دين المرسلين، ودين المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار; فإن المؤمنين يقولونها، والمنافقين يقولونها، لكن المؤمنون: يقولونها، مع معرفة قلوبهم بمعناها، وعمل جوارحهم بمقتضاها، والمنافقون يقولونها من غير فهم لمعناها ولا عمل بمقتضاها; فمن أعظم المصائب وأكبر الجهل من لا يعرف الفرق بين
стр. 632
الصحابة والمنافقين. لكن هذا لا يعرف النفاق، ولا يظنه في أهل زماننا، بل يظنه في زمان رسول الله ﷺ وأصحابه، وأما زمانه فصلح بعد ذلك! وإذا كان زمانه وبلدانه ينزهون عن البدع، ومخرجها من أهل خراسان، فكيف بالشرك والنفاق؟! ويا ويح هذا القائل، ما أجرأه على الله! وما أجهله بقدر الصحابة وعلمهم! حيث ظن أنهم لا يعلمون الناس معنى لا إله إلا الله.
أما علم هذا الجاهل أنهم يستدلون بها على مسائل الفقه، فضلا عن مسائل الشرك; ففي الصحيحين: "أن عمر ﵁ لما أشكل عليه قتال مانعي الزكاة، لأجل قوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها "١ قال أبو بكر: فإن الزكاة من حقها"; فإذا كان منع الزكاة من منع حق: لا إله إلا الله، فكيف بعبادة القبور؟ والذبح للجن؟ ودعاء الأولياء وغيرهم، مما هو دين المشركين؟!.
وصرح الشيخ تقي الدين في: اقتضاء الصراط المستقيم، بأن من ذبح للجن، فالذبيحة حرام من جهتين: من جهة: أنها مما أهل لغير الله به; ومن جهة: أنها ذبيحة مرتد، فهي: كخنزير مات من غير ذكاة; ويقول: ولو سمى الله عند ذبحها، إذا كانت نيته ذبحها للجن، ورد على من قال: إنه إن ذكر اسم الله حل الأكل منها مع
стр. 633
التحريم.
وأما ما سألت عنه، من قوله: اللهم صل على محمد إلى آخره فهذه المحامل التي ذكر غير بعيدة، لو كان الإنكار على الرجل الميت الذي صنفها; والإنكار إنما هو على الخطباء والعامة الذين يسمعون; فإن كان يزعم أن عامة أهل هذه القرى، كل رجل منهم يفهم هذا التأويل، فهذا مكابرة; وإن كان يعرف أنهم ما قصدوا إلا المعاني التي لا تصلح إلا لله، لم يمنع من الإنكار عليهم، ولو تبين أنه شرك لكون الذي قالها أولا، قصد معنى صحيحا.
كما لو أن رجلا من أهل العلم كتب إلى عامية أن نكاح الأخوات حلال ففهموا منه ظاهره، وجعلوا يتزوجون أخواتهم، خاصتهم وعامتهم لم يمنع من الإنكار عليهم، ولو تبين أن الله حرم نكاح الأخوات، لكون القائل أراد الأخوات في الدين، كما قال إبراهيم" ﵇" لسارة: هي أختي; وهذا واضح بحمد الله، ولكن من انفتح له تحريف الكلم عن مواضعه، انفتح له باب طويل عريض.
стр. 634
[رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى علماء الإسلام في الفتنة بالقبور]
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم
من محمد بن عبد الوهاب: إلى من يصل إليه من علماء الإسلام، أنس الله بهم غربة الدين، وأحيا بهم سنة إمام المتقين، ورسول رب العالمين، سلام عليكم معشر الإخوان، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإنه قد جرى عندنا فتنة عظيمة، بسبب أشياء نهيت عنها بعض العوام، من العادات التي نشؤوا عليها، وأخذها الصغير عن الكبير; مثل: عبادة غير الله، وتوابع ذلك، من تعظيم المشاهد، وبناء القباب على القبور، وعبادتها، واتخاذها مساجد، وغير ذلك، مما بينه الله ورسوله غاية البيان، وأقام الحجة، وقطع المعذرة; ولكن الأمر كما قال ﷺ : " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ "١.
فلما عظم العوام قطع عاداتهم; وساعدهم على إنكار دين الله بعض من يدعي العلم، وهو من أبعد الناس عنه" إذ العالم من يخشى الله" فأرضى الناس بسخط الله; وفتح للعوام باب الشرك بالله، وزين لهم، وصدهم عن إخلاص الدين لله; وأوهمهم أنه من تنقيص الأنبياء والصالحين; وهذا بعينه هو الذي جرى على رسول الله ﷺ لما ذكر أن عيسى ﵇ عبد مربوب ليس له من الأمر شيء،
стр. 635
قالت النصارى: إنه سب المسيح وأمه; وهكذا قالت الرافضة لمن عرف حقوق أصحاب رسول الله ﷺ وأحبهم، ولم يغل فيهم، رموه ببغض أهل بيت رسول الله ﷺ .
وهكذا هؤلاء، لما ذكرت لهم ما ذكره الله ورسوله، وما ذكره أهل العلم من جميع الطوائف، من الأمر بإخلاص الدين لله، والنهي عن مشابهة أهل الكتاب من قبلنا، في اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله; قالوا لنا: تنقصتم الأنبياء والصالحين والأولياء; والله تعالى ناصر لدينه، ولو كره المشركون.
وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم من جميع الطوائف، فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله ورسوله، وكتابه ودينه; ولم تأخذه في ذلك لومة لائم.
فأما كلام الحنابلة: فقال الشيخ تقي الدين، ﵀، لما ذكر حديث الخوارج: فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام، من مرق منه، مع عبادته العظيمة، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة، قد يمرق أيضا; وذلك بأمور، منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى كالغلو في بعض المشائخ، كالشيخ عدي، بل الغلو في علي ابن أبي طالب، بل الغلو في المسيح، ونحوه.