والله ما قال منا واحد أبدا ... بأنه كان جسما إن ذا لجفا
كما يقول هشام إذ يقول له ... سبحانه وفرة تبا لمن جنفا
فلا نقول بهذا القول نثبته ... أو نبتغي النفي فالقولان قد نسفا
بل نثبت الذات والأوصاف كاملة ... كما به الله والمعصوم قد وصفا
ولم نشبه كأهل الزيغ حين بغوا ... واستبدلوا بضياء الحق ما انخسفا
إن المشبهة الضلال حيث غلوا ... قد شبهوا ربهم لما أتوا سرفا
بخلقه في مقالات لها ابتدعوا ... راموا بذلك إثباتا فصار سفا
ولم نعطل كجهم والذين على ... منواله نسجوا ممن طغى فهفا
فإنهم زعموا أن لا إله لهم ... على السماوات فوق العرش قد عرفا
فليس داخل ذي الأكوان خالقهم ... أيضا ولا خارجا منها فوالهفا
كلا ولا هو أيضا تحتها أبدا ... ولا مباينها من فوقها فنفا
ولا محايث بل لا يمنة أبدا ... ولا شمالا لقد جاؤوا بذا جنفا
ولا أماما ولا خلفا فقد كفروا ... بالله خالقهم جحدا له سرفا
هذا هو العدم المحض الذي عرفت ... كل الخلائق إلا من هفا وجفا
ونحن لم نعد آيات مبينة ... ونص ما قاله المعصوم حيث شفا
إن الإله له الأوصاف كاملة ... حقيقة بمعانيها كما وصفا
فإن يكن وصفنا لله خالقنا ... بكل أوصافه لم نبتدع جنفا
كفرا وجهلا وتجسيما ومنقصة ... فليشهدوا أننا قلناه غير خفا
وأن ذلك دين الله قال به ... من كان بالعلم والإنصاف متصفا
كمالك وابن إدريس وثالثهم ... أعني ابن حنبل والنعمان من شرفا
стр. 5777
وكالبخاري ويحيى والذين مضوا ... كابن المبارك وابن الماجشون قفا
ومسلم والعقيلي في عقائدهم ... والتابعين لهم ممن سما وصفا
وكل أهل الحديث العاملين به ... العالمين بما قد قاله الحنفا
وكل حبر فقيه عالم ثقة ... يدري الحقائق لا يبغى لها خلفا
على الصراط السوي المستقيم مضوا ... ما خالفوا من لهم في الدين قد سلفا
إلا أناسا إلى جهم قد انتسبوا ... ما منهم بالهدى من كان متصفا
كانوا لبشر وجهم في عقائدهم ... من أعظم الناس فيما أحدثا كلفا
أو آخرين أولي علم ومعرفة ... لكن دهاهم من التأويل ما صرفا
وأحسنوا الظن فيما قلدوه عمى ... عن رؤية الحق لما أن بدا وضفا
ظنوه لله تنْزيها وما صدقوا ... لما اجتروا ونفوا أوصافه سرفا
والله ما لأبي بكر ولا عمر ... ولا لعثمان من قد أكملوا الشرفا
ولا علي ولا للتابعين لهم ... كانوا لهم تبعا في الدين حيث صفا
فصل
والاستواء فمعقول حقيقته ... لا يمتري فيه إلا بعض من خلفا
من الأشاعر الغالين أو فرق ... من شيعة الجهم ممن ضل وانحرفا
والكيف من ذاك مجهول وممتنع ... فاربأ بنفسك عن تكييف ما سجفا
لكنما السلف الأبرار قد ذكروا ... تفسير معنى استوى قولا شفى وكفى
ففسروا ذاك باستقراره وكذا ... بالارتفاع وباستعلائه شرفا
وبالصعود على العرش العظيم فخذ ... تفسير أعلم خلق الله من سلفا
حكاه عنهم وفي التفسير قرره ... حقا أبو جعفر ما قال ذاك خفا
стр. 5778
أعني إمام الورى دينا ومعرفة ... محمد بن جرير من كفى وشفا
وبعده الحبر والبحر الخضم حكى ... في كتبه ذاك واستقصى لها طرفا
من كان بالعلم والإنصاف متصفا ... وللهدى من أعادي الدين منتصفا
أعني به الحجة ابن القيم الثقة ... الحبر الإمام ومن بالعلم قد عرفا
وليس تفسيرهم معنى استوى بعلا ... أو استقر على تفسير من سلفا
معناه تكييف ما لا نستطيع له ... إدراك كنه وذا تأويل من جنفا
لكنما ذاك معقول حقيقته ... والكيف قد كان مجهولا كما وصفا
وليس يلزم من لفظ استقر بأن ... يكون جسما كما قد قال من صدفا
فاترك أقاويل جهم والذين غووا ... واستحدثوا بدعا صاروا بها هدفا
يرميهم بالهدى والعلم من حسنت ... في الدين منهم مساع عند من عرفا
وأنت سوف ترى من شؤم بدعتكم ... ما قد يسيء وما تلقى به الدنفا
فقل لطاغية البحرين أبد لنا ... علما مبينا عن الأمجاد كان شفا
إن الذي أثبت الأوصاف كاملة ... حقائقا ومعان قد أتى سرفا
مجسم خارجي قد أتى بدعا ... إن كنت ويحك ذا علم بمن سلفا
وما يقولونه في الله خالقهم ... والله ما منهم من يبتغي الجنفا
وقل لطاغية البحرين هات لنا ... على ابتداعك نصا وافق النصفا
عن الأئمة أو عن عالم ثقة ... من صحبهم حيث كانوا كلهم حنفا
دع من نحا نحو جهم في ضلالته ... لكن عن السادة الأمجاد من خلفا
ومن على نهجهم قد كان متبعا ... ممن نحا نحوهم في دينهم وقفا
والله ما كنت فيما قلت مقتديا ... أو المقلد فيما وافقوا السلفا
стр. 5779
لكن بجهم وبشر كنت مقتديا ... مقلدا لهما فيما بدا وخفا
ومن نحا نحو جهم من أشاعرة ... والماتريدية الضلال من عرفا
بالابتداع وبالأهواء حيث غلوا ... في الدين واتبعوا الجهمي حيث هفا
فانظر بعلم أهاتان الفرقتان على ... نهج الرسول النبي المجتبى شرفا
أو صحبه بعده والتابعين لهم ... أو الأئمة من كانوا لنا سلفا
أم أنت في غمرة عن نهج سنتهم ... للماتريدية الغالين منصرفا
والأشعرية أعني من بغوا وغلوا ... في الدين منهم بما قد خالفوا الحنفا
تحض أتباعك الغوغا وتندبهم ... إلى اتباع غواة قد أتوا جنفا
تبا وسحقا لمن يدعو إلى بدع ... تدعو الى النار من يهفو ومن زهفا
لو كان يعلم هذا الوغد حيث غوى ... ما قد جناه لأبدى اللهف والأسفا
وسوف يلقى غدا إن لم يتب ندما ... وغبّ ما قد جنى من شؤم ما اقترفا
يذم أهل التقى والدين من سفه ... ومن شقاوته لما ارتضى السرفا
يذم من أظهر التوحيد وانتشرت ... أنواره وعلت من بعد ما انخسفا
والناس في ظلمة من قبل دعوته ... لا يعرفون من الإسلام ما انكشفا
وبان بل ظهرت أعلامه وعلت ... لله در إمام أظهر الشرفا
والناس في غمرة في الجهل قد غرقوا ... وفي الضلالة هاموا فوا لهفا
على أناس وأقوام قد انهمكوا ... لم يعرفوا الحق لما أن بدا وضفا
والله لو كان يدري عن جهالته ... ما فاه بالزور يوما أو به هتفا
والله لو كان يدري عن غباوته ... ما اعتاض عن ساطع التوحيد ما انعسفا
والله لو كان يدري عن حماقته ... لم ينتصب جهرة بين الورى هدفا
стр. 5780
بل سولت نفسه أمرا ففاه به ... وقام منتصرا للكفر منتصفا
كقول هذا الغوي المفتري كذبا ... إنا خوارج هل يدري وهل عرفا
ما قالت الفئة البعدى التي مرقت ... لما غلت وتعدت طورها سرفا
أم كان فدما جهولا كاذبا أشرا ... ما نال علما ولا حلما ولا شرفا
إن الخوارج قوم كفّروا سفها ... من قد أتى بذنوب هفوة وجفا
فكفرت أمة التوحيد من عمه ... عن رؤية الحق إذ لم تعرف النصفا
وخلدت في لظى بل أنكرت سفها ... شفاعة المصطفى ويل لمن صدفا
والحق كالشمس لا تخفى دلائله ... إلا على جاهل بالعلم ما اتصفا
لكننا نحن كفّرنا الذين غلوا ... في الدين وانتحلوا الإشراك والسرفا
وأشركوا الأنبياء والصالحين ومن ... يدعونه غير ربي جهرة وخفا
فيما به الله مختص وليس له ... في ذاك شرك فهل كنا وهم ألفا
إن كان تكفير من يدعو وليجته ... مع المهيمن من يدعونه الحنفا
رأي الخوارج كالقوم الذين غلوا ... في الدين وانتحلوا الإشراك والجنفا
فقد كفانا العنا من رد شهبته ... إذ كان ليس بذي علم ولا عرفا
ولا اعتنى بعلوم الناس حيث غدوا ... في دينهم شيعا قد خالفوا السلفا
وإن أمتنا حقا قد افترقت ... سبعين زادت ثلاثا ليس فيه خفا
وإنها كلها في النار داخلة ... إلا من استن بالمعصوم والخلفا
والآل والصحب حقا وهي واحدة ... قد صح هذا عن المعصوم من شرفا
стр. 5781
فصل
وقول هذا الغوي المبتغي جنفا ... من قول أهل الردى ممن بغى وهفا
والله خال عن الست الجهات فذا ... قول يقول به من للإله نفا
أما الجهات التي ستا لها ذكروا ... فالله بالفوق منها كان متصفا
وسائر الخمس لم يوصف بها فإذا ... عنها ننْزهه إذ نتبع الصحفا
لكنما علمه سبحانه أبدا ... لم يخل منه مكان عند من عرفا
وهذه لفظة بدعية خرجت ... من ضئضئ الجهم في من ضل وانحرفا
ما قال ذاك أبو بكر ولا عمر ... ولا الصحابة من كانوا لنا سلفا
ولا الأئمة يوما في عقائدهم ... لكنهم قلدوا الجهمي حيث هفا
لا يعبدون إلها واحدا صمدا ... فوق السماوات بالفوقية اتصفا
لا يعبدون سوى المعدوم حيث نفوا ... ربا على العرش باستعلائه عرفا
ففخرنا بعروج المصطفى عنت ... إن لم يكن ربنا بالفوق متصفا
فمن بنى هذه السبع الطباق ومن ... علا العرش واستعلى كما وصفا
فرفعنا لأكف نحوه سفه ... إن لم يكن فوقنا يا من بغوا جنفا
وبالضرورة والمعقول في فطن ... حتى البهائم ترنوا نحوه الطرفا
يا أمة لعبت بالدين وانحرفت ... عن منهج السنة الغراء والخلفا
والآل والصحب ثم التابعين لهم ... وعن أئمتنا الأمجاد والحنفا
لقد ضللتم وأضللتم بزخرفكم ... قوما طغاما بما لفقتم خرفا
سفا سطا وأكاذيبا مزخرفة ... يدري بها كل من يدري ومن عرفا
стр. 5782
فصل
وقول هذا الغوي المفتري كذبا ... المرتدي برداء الزور غير خفا
وأنه منكر فيها زيارته ... يعني بذاك رسول الله من شرفا
فهذه فرية منهم ومعضلة ... لسنا نقول بقول قد حوى الجنفا
بل إنها من خصال الخير فاضلة ... نرجو بها عند معبود الورى زلفا
وتلك من فاضل الأعمال إن صدرت ... ولم يشبْها غلو منهمُ وجفا
لكننا نمنع الشد الذي وردت ... فيه الأحاديث بالمنع الذي وصفا
فلا نشد رحالا في زيارته ... بل نقصد المسجد المخصوص من عرفا
وخص بالفضل من أجل الصلاة به ... ومن هناك نزور المصطفى زلفا
نزوره لو على الأجفان من وله ... ونسكب الدمع من أجفاننا شغفا
منكسين رؤوسا عند موقفنا ... مستحضرين هناك القدر والشرفا
كأنما المصطفى حي نشاهده ... نغض صوتا وطرفا أن نجيء جفا
مستقبلين له عند السلام له ... ولا نمس له قبرا ولا شرفا
ولا نطوف به سبعا نشبهه ... بالبيت أو نمسح الأركان والزلفا
وننثني بعد هذا نحو قبلتنا ... ندعو الإله كما يدعونه الحنفا
وندعُ للمصطفى المعصوم سيدنا ... لا ندعُه كالذي يدعونه هرفا
ومرة بالتياع واحتراق جوى ... في كل ذلك قد يدعونه لهفا
ويطلبون من المعصوم ينقذهم ... من العذاب وأن يرخي لهم كنفا
وأن يجيرهمُ من كل معضلة ... ويكشف السوء واللأواء والقشفا
وكل ذلك شرك لا خفاء به ... يدري ويعرفه أهل التقى الحنفا
стр. 5783
وقد رووا ثم أخبارا ملفقة ... موضوعة من رواها كلهم ضعفا
فلا تكن رافعا رأسا بها أبدا ... فإنها لا تفيد المبتغي النصفا
كقولهم في حديث لا ثبات له ... ولا غناء به في قول من عرفا
معناه من حج ثم انصاع منصرفا ... ولم يزرني فهذا قد عصى وجفا
وقولهم في حديث لا ثبات له ... معناه إذ لم يكن في النظم مؤتلفا
من زارني بعد موتي وافدا وجبت ... له الشفاعة مني من عرى وحفا
وحر نار تلظى والحساب ومن ... هول هناك يقول المرء وا لهفا
ذكرت ذلك بالمعنى الذي قصدوا ... من لفظه ذلك الموضوع حيث هفا
فإن يكن عندكم علم ومعرفة ... يخالف الحق مما خط أو وصفا
فأبرز ورد ترى والله أجوبة ... مثل الصواعق تردي من غلا وجفا
وتنصر الحق والتوحيد حيث علت ... منه المعالم في الآفاق والسدفا
وتقمع الأحمق الزنديق عن زهف ... يعلو بذلك أو يبدي به زخفا
فمن أراد نزالا منكم فغدا ... نلقى على قلبه من ردنا رضفا
ومن يكن مبغضا أو كارها فإذا ... نعلي على قلبه الأوصاب والطخفا
والحمد لله حمدا دائما أبدا ... مباركا فيه كم أعطى وكم لطفا
ثم الصلاة على المعصوم سيدنا ... والآل والصحب من قد أكملوا الشرفا
ما انهل ودق وماض البرق في سحب ... أو ناح طير على الأغصان أو هتفا
стр. 5784
فصل
ونذكر ههنا: ما قاله الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، في معنى الاستواء، وأنه العلو والارتفاع، قال رحمه الله تعالى: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه:
منها: انتهاء شباب الرجل وقوته; فيقال إذا صار ذلك: قد استوى الرجل; ومنها: استقامة ما كان فيه أود من الأمور والأسباب، يقال منه: استوى لفلان أمره إذا استقام له بعد أود، من قول الطرماح بن حكيم:
طال على رسم مهده أبده ... وعفى واستوى به بلده
يعني استقام به، ومنها: الإقبال على الشيء بالفعل، كما يقال: استوى فلان على فلان بما يكرهه ويسوؤه، بعد الإحسان إليه; ومنها: الاحتياز والاحتواء، كقولهم: استوى فلان على المملكة، بمعنى احتوى عليها وحازها; ومنها: العلو والارتفاع، كقول القائل: استوى فلان على سريره، يعني به علوه عليه، وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٩] علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته، وخلقهن سبع سماوات.
والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب، في تأويل قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٩] ، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع، هربا عند نفسه، من أن يلزمه بزعمه، إذا تأوله بمعناه المفهوم، كذلك أن يكون إنما علا وارتفع، بعد
стр. 5785
أن كان تحتها، إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله، المستكره.
ثم لم ينجح مما هرب منه، فيقال: زعمت أن تأويل قوله: ﴿اسْتَوَى﴾ [سورة البقرة آية: ٢٩] أقبل، أو كان مدبرا عن السماء فأقبل إليها؛ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك قيل: علا عليا، علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا، إلا لزم في الآخر مثله.
ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لأثبتنا عند فساد قول كل قائل في ذلك، قولا لأهل الحق فيه مخالفا؛ وفيما بينا منه ما يشرف بذي الفهم، على ما فيه الكفاية، إن شاء الله تعالى; انتهى: كلام الإمام محمد بن جرير، رحمه الله تعالى.
وأما تفسيره: بالاستقرار، وبالصعود، والارتفاع، والعلو، فقد ذكره ابن القيم، رحمه الله تعالى، في الكافية الشافية، وذكر الإجماع عليه عن علماء أهل السنة، الذين هم القدوة وبهم الأسوة، فقال رحمه الله تعالى:
هذا وسادس عشرها إجماع أهـ ... ـل العلم أعني حجة الأزمان
من كل صاحب سنة شهدت له ... أهل الحديث وعسكر القرآن
لا عبرة بمخالف لهم ولو ... كانوا عديد الشاء والبعران
إن الذي فوق السماوات العلى ... والعرش وهو مباين الأكوان
هو ربنا سبحانه وبحمده ... حقا على العرش استوى الرحمن
стр. 5786
فاسمع لذا أقوالهم واشهد عليـ ... ـهم بعدها بالكفر والإيمان
واقرأ تفاسير الأئمة ذاكري الـ ... إسناد فهي هداية الحيران
وانظر إلى قول ابن عباس بتفـ ... ـسير استوى إن كنت ذا عرفان
وانظر إلى أصحابه من بعده ... كمجاهد ومقاتل حبران
وانظر إلى الكلبي أيضا والذي ... قد قاله من غير ما نكران
وكذا رفيع التابعي أجلهم ... ذاك الرياحي العظيم الشان
كم صاحب ألقى إليه علمه ... فلذاك ما اختلفت عليه اثنان
فليهن من قد سبه إذ لم يوا ... فق قوله تحريف ذي البهتان
فلهم عبارات عليها أربع ... قد حصلت للفارس الطعان
وهي استقر وقد علا وكذلك ار ... تفع الذي ما فيه من نكران
وكذاك قد صعد الذي هو رابع ... وأبو عبيدة صاحب الشيبان
يختار هذا القول في تفسيره ... أدرى من الجهمي بالقرآن
والأشعري يقول تفسير استوى ... بحقيقة استولى من البهتان
هو قول أهل الاعتزال وقول أتـ ... ـباع لجهم وهو ذو بطلان
في كتبه قد قال ذا من موجز ... وإبانة ومقالة ببيان
وكذلك البغوي أيضا قد حكا ... عنهم بمعالم القرآن
وانظر كلام إمامنا هو مالك قد ... صح عنه قول ذي إتقان
في الاستواء وأنه المعلوم لـ ... ـكن كيفه خاف على الأذهان
وروى ابن نافع الصدوق سماعه ... منه على التحقيق والإتقان
الله حقا في السماء وعلمه ... سبحانه حقا بكل مكان
فانظر إلى التفريق بين الذات والمـ ... ـعلوم عم جميع ذي الأكوان
стр. 5787
ذا ثابت عن مالك من رده ... فلسوف يلقى مالكا بهوان
وكذاك قال الترمذي بجامع ... عن بعض أهل العلم والإيمان
الله فوق العرش لكن علمه ... مع خلقه تفسير ذي إيمان
وكذاك أوزاعيهم أيضا حكى ... عن سائر العلماء في البلدان
من قرنه والتابعين جميعهم ... متوافرين وهم أولو العرفان
إيمانهم بعلوه سبحانه ... فوق العباد وفوق ذي الأكوان
وكذاك قال الشافعي حكاه عنه ... البيهقي وشيخه الرباني
حقا قضى الله الخلافة ربنا ... فوق السماء لأصدق العبدان
حب الرسول وقائم من بعده ... بالحق لا فشل ولا متوان
فانظر إلى المقضي فى ذي الأرض ... لكن في السماء قضاء ذي السلطان
وقضاؤه وصف له لم ينفصل ... عنه وهذا واضح البرهان
وكذلك النعمان قال وبعده ... يعقوب والألفاظ للنعمان
من لم يقر بعرشه سبحانه ... فوق السماء وفوق كل مكان
ويقر أن الله فوق العرش لا ... يخفى عليه هواجس الأذهان
فهو الذي لا شك في تكفيره ... لله درك من إمام زمان
هذا الذي في الفقه الأكبر عندهم ... وله شروح عدة لبيان
وانظر مقالة أحمد ونصوصه ... في ذاك تلقاها بلا حسبان
فجميعها قد صرحت بعلوه ... وبالاستوا والفوق للرحمن
وله نصوص واردات لم تقع ... لسواه من فرسان هذا الشأن
إذا كان ممتحنا بأعداء الحدـ ... ـث وشيعة التعطيل والكفران
وإذا أردت نصوصه فانظر إلى ... ما قد حكى الخلال ذو الإتقان
стр. 5788
وكذاك إسحاق الإمام فإنه ... قد قال ما فيه هدى الحيران
وابن المبارك قال قولا شافيا ... إنكاره علم على البهتان
قالوا له ما ذاك نعرف ربنا ... حقا به لنكون ذا إيمان
فأجاب نعرفه بوصف علوه ... فوق السماء مباين الأكوان
وبأنه سبحانه حقا على الـ ... ـعرش الرفيع فجل ذو السلطان
وهو الذي قد شجع ابن خزيمة إذ ... سل سيف الحق والعرفان
وقضى بقتل المنكرين علوه ... بعد استتابتهم من الكفران
وبأنهم يلقون بعد القتل فو ... ق مزابل الميتات والأنتان
فشفى الإمام العالم الحبر الذي ... يدعى إمام أئمة الأزمان
ولقد حكاه الحاكم العدل الرضى ... في كتبه عنه بلا نكران
وحكى ابن عبد البر في تمهيده ... وكتاب الاستذكار غير جبان
إجماع أهل العلم أن الله فو ... ق العرش بالإيضاح والبرهان
وأتى هناك بما شفى أهل الهدى ... لكنه مرض على العميان
وكذا على الأشعري فإنه ... في كتبه قد جاء بالإحسان
من موجز وإبانة ومقالة ... ورسائل للثغر ذات بيان
وأتى بتقرير استواء الرب فو ... ق العرش بالإيضاح والبرهان
وأتى بتقرير العلو بأحسن التـ ... ـقرير فانظر كتبه بعيان
والله ما قال المجسم مثل ما ... قد قاله ذا العالم الرباني
فارموه ويحكمو بما ترموا به ... هذا المجسم يا أولى العدوان
أولا فقولوا إن ثم حزازة ... وتنفس الصعداء من حران
فسلوا الإله شفاء ذا الداء العضا ... ل مجانب الإسلام والإيمان
стр. 5789
وانظر إلى حرب وإجماع حكى ... لله درك من فتى كرمان
وانظر إلى قول ابن وهب أوحد الـ ... ـعلماء مثل الشمس في الميزان
وانظر إلى ما قال عبد الله في ... تلك الرسالة مفصحا ببيان
من أنه سبحانه وبحمده ... بالذات فوق العرش والأكوان
وانظر إلى ما قاله الكرخي في ... شرح لتصنيف امرئ رباني
وانظر إلى الأصل الذي هو شرحه ... فهما الهدى لملدد حيران
وانظر إلى تفسير عبد ما الذي ... فيه من الآثار في ذا الشان
وانظر إلى تفسير ذاك الفاضل الثبـ ... ـت الرضي المتضلع الرباني
ذاك الإمام ابن الإمام وشيخه ... وأبوه سفيان فرازيان
وانظر إلى النسائي في تفسيره ... هو عندنا سفر جليل معان
واقرأ كتاب العرش للعبسي وهـ ... ـو محمد المولود من عثمان
واقرأ لمسند عمه ومصنف ... أتراهما نجمين بل شمسان
واقرأ كتاب الاستقامة للرضي ... ذاك ابن أصرم حافظ رباني
واقرأ كتاب الحافظ الثقة الرضي ... في السنة العليا فتى الشيباني
ذاك ابن أحمد أوحد الحفاظ قد ... شهدت له الحفاظ بالإتقان
واقرأ كتاب الأثرم العدل الرضي ... في السنة الأولى إمام زمان
وكذا الإمام ابن الإمام المرتضى ... حقا أبا داود ذي العرفان
تصنيفه نظما ونثرا واضح ... في السنة المثلى هما نجمان
واقرأ كتاب السنة الأولى الذي ... أبداه مضطلع من الإيمان
ذاك النبيل ابن النبيل كتابه ... أيضا نبيل واضح البرهان
стр. 5790
وانظر إلى قول ابن اسباط الرضي ... وانظر إلى قول الرضي سفيان
وانظر إلى قول ابن زيد ذاك حمـ ... ـاد وحماد الإمام الثاني
وانظر إلى ما قاله علم الهدى ... عثمان ذاك الدارمي الرباني
في نقضه والرد يا لهما كتا ... با سنة وهما لنا علمان
هدمت قواعد فرقة جهمية ... خرت سقوفهم على الحيطان
وانظر إلى ما في صحيح محمد ... ذاك البخاري العظيم الشأن
من رده ما قاله الجهمي بالنـ ... ـقل الصحيح الواضح البرهان
وانظر إلى تلك التراجم ما الذي ... في ضمنها إن كنت ذا عرفان
وانظر الى ما قاله الطبري في الشـ ... ـرح الذي هو عندكم سفران
أعني الفقيه الشافعي اللالكا ... ئي المسدد ناصر الإيمان
وانظر إلى ما قاله علم الهدى التيـ ... ـمي في إيضاحه وبيان
ذاك الذي هو صاحب الترغيب والتـ ... ـرهيب ممدوح بكل لسان
وانظر إلى ما قاله في السنة الـ ... ـكبرى سليمان هو الطبراني
وانظر إلى ما قاله شيخ الهدى ... يدعى بطلمنكيهم ذو شان
وانظر إلى قول الطحاوي الرضي ... وأجره من تحريف ذي بهتان
وكذلك القاضي أبو بكر هو ابـ ... ـن الباقلاني قائد الفرسان
قد قال في تمهيده ورسائل ... والشرح ما فيه جلي بيان
في بعضها حقا على العرش استوى ... لكنه استولى على الأكوان
وأتى بتقرير العلو إبطال الـ ... ـلام التي زيدت على القرآن
من أوجه شتى وذا في كتبه ... باد لمن كانت له عينان
стр. 5791
وانظر إلى قول ابن كلاب وما ... يقضي به لمعطل الرحمن
اخرج من العقل الصحيح ونقله ... من قال قول الزور والبهتان
ليس الإله بداخل في خلقه ... أو خارج عن جملة الأكوان
وانظر إلى ما قاله الطبري في التـ ... ـفسير والتهذيب قول معان
وانظر إلى ما قاله في سورة ال ... أعراف مع طه ومع سبحان
وانظر إلى ما قاله البغوي في ... تفسيره والشرح بالإحسان
في سورة الأعراف عند الاستوا ... فيها وفي الأولى من القرآن
وانظر إلى ما قاله ذو سنة ... وقراءة ذاك الإمام الداني
وكذاك سنة الأصبهاني أي هو الشـ ... ـيخ الرضي المستل من حيان
وانظر إلى ما قاله علم الهدى ... أعني أبا الخير الرضي النعمان
وكتابه في الفقه وهو بيانه ... يبدي مكانته من الإيمان
وانظر إلى السنن التي قد صنف ... العلماء بالآثار والقرآن
زادت على المائتين منها مفردا ... أوفى من الخمسين في الحسبان
منها لأحمد عدة موجودة ... فينا رسائله إلى الإخوان
واللاء في ضمن التصانيف التي ... شهرت ولم تحتج إلى حسبان
فكثيرة جدا فمن يك راغبا ... فيها يجد فيها هدى الحيران
أصحابها هم حافظو الإسلام لا ... أصحاب جهم حافظو الكفران
وهم النجوم لكل عبد سائر ... يبغي الإله وجنة الحيوان
وسواهم والله قطاع الطـ ... ـريق أئمة تدعو إلى النيران
ما في الذين حكيت عنهم آنفا ... من حنبلي واحد بضمان
بل كلهم والله شيعة أحمد ... فأصوله وأصولهم سيان
стр. 5792
وبذاك في كتب لهم قد صرحوا ... وأخو العماية ما له عينان
أتظنهم لفظية جهلية ... مثل الحمير تقاد بالأرسان
حاشاهم من ذاك بل والله هم ... أهل العقول وصحة الأذهان
وانظر إلى تقريره لعلوه ... بالنقل والمعقول والبرهان
عقلان عقل بالنصوص مؤيد ... ومؤيد بالمنطق اليونان
والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان
أفتقذفون أولاء بل أضعافهم ... من سادة العلماء كل زمان
بالجهل والتشبيه والتجسيم والتبـ ... ـديع والتعطيل والبهتان
يا قومنا الله في إسلامكم ... لا تفسدوه لنخوة الشيطان
يا قومنا اعتبروا بمصرع من خلا ... من قبلكم في هذه الأزمان
لم يغن عنهم كذبهم ومحالهم ... وقتالهم بالزور والبهتان
كلا ولا التدليس والتلبيس عنـ ... ـد الناس والحكام والسلطان
وبدا لهم عند انكشاف غطائهم ... ما لم يكن للقوم في حسبان
وبدا لهم عند انكشاف حقائق الإ ... يمان أنهم على البطلان
ما عندهم والله غير شكاية ... فأتوا بعلم وانطقوا ببيان
ما يشتكي إلا الذي هو عاجز ... فاشكوا لنعذركم إلى القرآن
ثم اسمعوا ماذا الذي يقضي لكم ... وعليكم فالحق في القرآن
لبّسْتُمُ معنى النصوص وقولنا ... فغدا لكم في الحق تلبيسان
من حرف النص الصريح فكيف لا ... يأتي بتحريف على إنسان
стр. 5793
يا قوم والله العظيم أسأتم ... بأئمة الإسلام ظن الشاني
ما ذنبهم ونبيهم قد قال ما ... قالوا كذاك منْزل القرآن
ما الذنب إلا للنصوص لديكم ... إذ جسمت بل شبهت صنفان
ما ذنب من قد قال ما نطقت به ... من غير تحريف ولا عدوان
هذا كما قال الخبيث لصحبه ... كلب الروافض أخبث الحيوان
لما أفاضوا في حديث الرفض عنـ ... ـد القبر لا يخشون من إنسان
يا قوم أصل بلائكم ومصابكم ... من صاحب القبر الذي تريان
كم قدم ابن أبي قحافة بل غدا ... يثني عليه ثناء ذي شكران
ويقول في مرض الوفاة يؤمكم ... بعدي أبو بكر بلا روغان
ويظل يمنع من إقامة غيره ... حتى يرى في صورة الغضبان
ويقول لو كنت الخليل لواحد ... في الناس كان هو الخليل الداني
لكنه الأخ والرفيق وصاحبي ... وله علينا منة الإحسان
ويقول للصديق يوم الغار لا ... تحزن فنحن ثلاثة لا اثنان
الله ثالثنا وتلك فضيلة ... ما حازها إلا فتى عثمان
يا قوم ما ذنب النواصب بعد ذا ... لم يدهكم إلا كبير الشان
فتفرقت تلك الروافض كلهم ... قد أطبقت أسنانه الشفتان
وكذلك الجهمي ذاك رضيعهم ... فهما رضيعا كفرهم بلبان
ثوبان قد نسجا على المنوال يا ... عريان لا تلبس فما ثوبان
والله شر منهما، فهما على ... أهل الضلالة والشقا علمان
стр. 5794
فصل
إذا تأملت هذا وعرفت أنه إجماع أهل العلم الذين هم الحجة، وهم القدوة وبهم الأسوة، فمن المحال أن يكون من بعدهم من الخالفين المحجوبين الناقصين المسبوقين، الحيارى المتهوكين المخالفين لطريقة السلف، أعلم وأحكم من هؤلاء السابقين الذين هم ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى، ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحى من يطلب المقابلة.
فإذا عرفت هذا تبين لك أن هذا الضال المضل إنما سلك مسلك هؤلاء المتأخرين الحيارى المتهوكين، الذين أخذوا عقائدهم عن أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود والنصارى والصابئين، وأشكالهم وأشباههم من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم.
وتبين لك أيضا أن شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، كان على طريقة السلف الماضين، والأئمة المهتدين، فيما يقولونه ويعتقدونه؛
стр. 5795
ولكن هذا الرجل من أعداء الله، الذين قاموا في عداوة هذا الدين ومن قام به، واتبع ﴿أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٧] ، لأنهم -، والعياذ بالله - قد انهمكوا في الشبهات، وتلقوها عن أهل الجهل والضلالات، فانقلبت لديهم الحقائق والتبست عليهم المعارف بالشقاشق.
وهذا الضرب من الناس - والعياذ بالله - إن أنصفتهم لم يقبل طبعهم الإنصاف، وإن طلبته منهم فأين الثريا من يد الملتمس؛ قد انتكست قلوبهم، وعمى عليهم مطلوبهم، رضوا بالأماني وابتلوا بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بزعمهم بحار العلم لكن بالدعاوي الباطلة وشقاشق الهذيان.
ولا والله ابتلت من وشله أقدامهم، ولا زكت به قلوبهم وأحلامهم، أتعبوا نفوسهم وحيروا من اقتدى بهم من الناس، فبقوا في حيرة وتشكيك والتباس، وضيعوا الأصول فحرموا الوصول؛ وما أحسن ما قال قتادة في مثل هؤلاء: والله ما آسى عليهم، ولكن آسى على من أهلكوا.
إذا تم هذا واستبان تبين لكل منصف عدوان هؤلاء الضلال وبهتهم، وأنهم إنما أخذوا بأقوال قوم، قد شرقوا بهذه الدعوة المحمدية، فأخذوا ينفرون الناس ويصدونهم عن دين الله ورسوله بالترهات الباطلة، والتمويهات العاطلة.
فإن أردت الوقوف على حقيقة ما عليه شيخ الإسلام،
стр. 5796
وعلم الهداة الأعلام، وما كان عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته، فهذا كلام شيخنا: الشيخ عبد اللطيف ﵀، تقف عليه، إن شاء الله تعالى، وبه الكفاية، قال رحمه الله تعالى:
فصل ١
ونقصّ عليك شيئا من سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ونذكر طرفا من أخباره وأحواله، ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره، فلا يروج عليه تشنيع من استحوذ عليه الشيطان، وأغواه، وبالغ في كفره واستهواه، فنقول:
قد عرف واشتهر واستفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته، ومصنفاته المسموعة المقروءة عليه، وما ثبت بخطه وعرف واشتهر من أمره، ودعوته، وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته، أنه على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين أهل الفقه والفتوى، في باب معرفة الله وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحت بها الأخبار النبوية، وتلقاها أصحاب رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، يثبتونها ويؤمنون بها ويمرونها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
стр. 5797
وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين وتابعيهم، من أهل العلم والإيمان وسلف الأمة وأئمتها، كسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وطلحة بن عبيد الله، وسليمان بن يسار وأمثالهم.
ومن الطبقة الأولى: كمجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وابن سيرين، وعامر الشعبي، وجنادة بن أبي أمية، وحسان بن عطية، وأمثالهم.
ومن الطبقة الثانية: علي بن الحسين، وعمر بن عبد العزيز، ومحمد بن مسلم الزهري، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وابن الماجشون، وكحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومحمد بن إدريس، وإسحاق بن إبراهيم، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري، وإخوانهم وأمثالهم، ونظائرهم من أهل الفقه والأثر، في كل مصر وعصر.
وأما توحيد العبادة والإلهية، فلا خلاف بين أهل الإسلام، فيما قاله الشيخ وثبت عنه، من المعتقد الذي دعا إليه؛ يوضح ذلك أن أصل الإسلام وقاعدته: شهادة أن لا إله إلا الله؛ وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان، وهذا الأصل لا بد فيه من العلم والعمل والإقرار، بإجماع المسلمين.
ومدلوله: وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة
стр. 5798
من عبادة ما سواه، كائنا من كان؛ وهذا هو الحكمة التي خلقت لها الإنس والجن، وأرسلت لها الرسل، وأنزلت بها الكتب؛ وهي تتضمن كمال الذل والحب، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم، هذا ودين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين.
فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، وهو يتضمن الاستسلام لله وحده، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦.] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] .
وقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧-٢٨] .
وقال تعالى عنه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٧٥-٧٦-٧٧] .
وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] .
وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٤٥] . وذكر
стр. 5799
عن رسله نوح، وهود وصالح وشعيب، وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] .
وقال عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاًهَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [سورة الكهف آية: ١٣-١٤-١٥] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، في موضعين.
قال ﵀: والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها، يدخل فيه شرك عباد القبور، وعباد الأنبياء والملائكة والصالحين؛ فإن هذا هو شرك جاهلية العرب، الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد ﷺ فإنهم كانوا يدعونها، ويلتجئون إليها، ويسألونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها، لتقربهم إلى الله.
كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [سورة يونس آية: ١٨] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
стр. 5800
[سورة الزمر آية: ٣] .
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢٨] .
قال ﵀: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء، والأولياء والصالحين، والملائكة، شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣٨] .
فهم معترفون بهذا مقرون به لا ينازعون فيه، ولذلك حسن موقع الاستفهام، وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر ولا يمسك الرحمة; ولا يخفى ما في التنكير من العموم والشمول، المتناول لأقل شيء وأدناه من ضر أو رحمة.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤] إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٩] .
وقال تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٦] ، ذكر فيه السلف، كابن عباس وغيره، إيمانهم هنا بما أقروا به، من ربوبيته وملكه، وفسر شركهم بعبادة غيره.
стр. 5801
قال رحمه الله تعالى: وقد بين القرآن في غير موضع، أن من المشركين من أشرك بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالأصنام؛ وقد رد عليهم جميعهم، وكفر كل أصنافهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] .
وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ، الآية [سورة التوبة آية: ٣١] .
وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ الآية [سورة النساء آية: ١٧٢] ؛ ونحو ذلك في القرآن كثير; وبه يعلم المؤمن أن عبادة الأنبياء والصالحين، كعبادة الكواكب والأصنام، من حيث الشرك والكفر بعبادة غير الله.
قال رحمه الله تعالى: وهذه العبادات التي صرفها المشركون لآلهتهم، هي أفعال العبد الصادرة منه، كالحب والخضوع والإنابة والتوكل، والدعاء والاستعانة والاستغاثة، والخوف والرجاء والنسك والتقوى، والطواف ببيته رغبة ورجاء، وتعلق القلوب والآمال بفيضه ومدده، وإحسانه وكرمه.
فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلها; بل هي لب سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها، وكل عمل يخلو منها، فهو خداج مردود على صاحبه؛ وإنما أشرك وكفر من كفر من
стр. 5802
المشركين، بقصد غير الله بهذا، وتأليهه لذلك.
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١٧] .
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٤٣] .
وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الآية [سورة الفرقان آية: ٣] .
وحكى عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٩٧-٩٨] ؛ ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والتدبير والتأثير، وإنما كانت التسوية في الحب والخضوع، والتعظيم والدعاء، ونحو ذلك من العبادات.
قال ﵀: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم، ممن يعبد الأولياء والصالحين، نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية؛ وما عدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة، لا نكفر بها، ولا نحكم على أحد من أهل القبلة، الذين باينوا عباد الأوثان والأصنام والقبور، بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه.
وغلاة الجهمية والقدرية والرافضة ونحوهم ممن كفرهم السلف، لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى من سلف هذه الأمة، ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج، وقالته في أهل الذنوب من المسلمين.
стр. 5803
قال ﵀: ومجرد الإتيان بلفظ الشهادة، من غير علم بمعناها، ولا عمل بمقتضاها، لا يكون به المكلف مسلما; بل هو حجة على ابن آدم، خلافا لمن زعم أن الإيمان مجرد الإقرار، كالكرامية، ومجرد التصديق كالجهمية.
وقد أكذب الله المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة، وأسجل على كذبهم، مع أنهم أتوا بألفاظ مؤكدة بأنواع من التأكيدات، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة المنافقون آية: ١] .
فأكدوا بلفظ الشهادة و (إِنَّّّّّّّّ) المؤكدة، واللام والجملة الإسمية، فأكذبهم، وأكد تكذيبهم بمثل ما أكدوا به شهادتهم سواء بسواء، وزاد التصريح باللقب الشنيع، والعلم البشع الفظيع; وبهذا تعلم أن مسمى الإيمان لا بد فيه من الصدق والعمل.
ومن شهد أن لا إله إلا الله وعبد غيره، فلا شهادة له، وإن صلى وزكى وصام، وأتى بشيء من أعمال الإسلام؛ قال تعالى لمن آمن ببعض الكتاب، ورد بعضا: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٨٥] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ الآية [سورة النساء آية:-١٥١ ١٥٠] .
стр. 5804
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ الآية [سورة المؤمنون آية: ١١٧] .
والكفر نوعان: مطلق، ومقيد. فالمطلق: أن يكفر بجميع ما جاء به الرسول ﷺ ، والمقيد: أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول ﷺ ؛ حتى إن بعض العلماء، كفر من أنكر فرعا مجمعا عليه، كتوريث الجد أو الأخت، وإن صلى وصام؛ فكيف بمن يدعو الصالحين، ويصرف لهم خالص العبادة ولبها؟! وهذا مذكور في المختصرات من كتب المذاهب الأربعة; بل كفروا ببعض الألفاظ التي تجري على ألسن بعض الجهال، وإن صلى وصام، من جرت على لسانه.
قال ﵀: والصحابة كفّروا من منع الزكاة، وقاتلوهم، مع إقرارهم بالشهادتين، والإتيان بالصلاة، والصوم والحج. قال ﵀: وأجمعت الأمة على كفر بني عبيد القداح مع أنهم يتكلمون بالشهادتين، ويبنون المساجد في قاهرة مصر وغيرها، وذكر أن ابن الجوزي صنف كتابا في وجوب غزوهم وقتالهم، سماه: "النصر على مصر".
قال: وهذا يعرفه من له أدنى إلمام بشيء من العلم والدين، فتسمية عباد القبور مسلمين، لأنهم يصلون ويصومون، ويؤمنون بالبعث، مجرد تعمية على العوام وتلبيس، لينفق شركهم، ويقال بإسلامهم وإيمانهم، ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون.
стр. 5805
وأما مسائل القدر والجبر، والإرجاء، والإمامة والتشيع، ونحو ذلك من المقالات والنحل، فهو أيضا فيها على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الهدى والدين، يبرأ إلى الله مما قالته القدرية النفاة، والقدرية المجبرة، وما قالته المرجئة والرافضة، وما عليه غلاة الشيعة والناصبة.
ويوالي جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، ويكف عما شجر بينهم، ويرى أنهم أحق الناس بالعفو عما يصدر منهم، وأنهم أقرب الخلق إلى مغفرة الله وإحسانه، لفضائلهم وسوابقهم وجهادهم، وما جرى على أيديهم من فتح القلوب بالعلم النافع، والعمل الصالح، وفتح البلاد، ومحو آثار الشرك، وعبادة الأوثان والنيران، والأصنام والكواكب، ونحو ذلك مما عبده جهال الأنام.
ويرى البراءة مما عليه الرافضة، وأنهم سفهاء الأحلام، ويرى أن أفضل الأمة بعد نبيها: أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي، ﵃ أجمعين.
ويعتقد: أن القرآن الذي نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، وخاتم النبيين، كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ويبرأ من رأي الجهمية، القائلين بخلق القرآن، ويحكي تكفيرهم عن جمهور السلف، أهل العلم والإيمان.
ويبرأ من رأي الكلابية، أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، القائلين بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفس الباري، وأن ما
стр. 5806
نزل به جبرائيل حكاية أو عبارة عن المعنى النفسي; ويقول: هذا من قول الجهمية; وأول من قسم هذا التقسيم هو ابن كلاب، وأخذ عنه الأشعري وغيره كالقلانسي.
ويخالف الجهمية، في كل ما قالوه، وابتدعوه في دين الله، ولا يرى ما ابتدعه الصوفية من البدع والطرائق المخالفة لهدي رسول الله وسنته، في العبادات والخلوات، والأذكار المخالفة للمشروع.
ولا يرى ترك السنن والأخبار النبوية لرأي فقيه، ومذهب عالم خالف ذلك باجتهاده؛ بل: السنة أجل في صدره وأعظم عنده، من أن تترك لقول أحد كائنا من كان; قال عمر بن عبد العزيز: "لا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله ﷺ "؛ نعم عند الضرورة وعدم الأهلية، والمعرفة بالسنن والأخبار، وقواعد الاستنباط والاستظهار، يصار إلى التقليد، لا مطلقا، بل فيما يتعسر ويخفى.
ولا يرى إيجاب ما قاله المجتهد، إلا بدليل تقوم به الحجة من الكتاب والسنة، خلافا لغلاة المقلدين; ويوالي الأئمة الأربعة، ويرى فضلهم وإمامتهم، وأنهم في الفضل والفضائل في غاية رتبة، يقصر عنها المتطاول; ويوالي كافة أهل الإسلام وعلمائهم من أهل الحديث والفقه والتفسير، وأهل الزهد والعبادة.
ويرى المنع من الانفراد عن أئمة الدين، من السلف
стр. 5807
الماضين، برأي مبتدع، أو قول مخترع، فلا يحدث في الدين ما ليس له أصل يتبع، وما ليس من أقوال أهل العلم والأثر.
ويؤمن بما نطق به الكتاب، وصحت به الأخبار، وجاء الوعيد عليه، من تحريم دماء المسلمين، وأموالهم وأعراضهم، ولا يبيح من ذلك إلا ما أباحه الشرع، وأهدره الرسول ﷺ . ومن نسب إليه خلاف هذا، فقد كذب وافترى، وقال ما ليس له به علم، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله، من المفترين.
وأبدى ﵀ من التقارير المفيدة، والأبحاث الفريدة، على كلمة الإخلاص والتوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، ما دل عليه الكتاب المصدق، والإجماع المستنير المحقق، من نفي استحقاق العبادة والإلهية عما سوى الله، وإثبات ذلك لله سبحانه، على وجه الكمال، المنافي لكليات الشرك وجزئياته، وأن هذا هو معناها وصفا ومطابقة، خلافا لمن زعم غير ذلك من المتكلمين، كمن يفسر ذلك بالقدرة على الاختراع، أو بأنه تعالى غني عما سواه، مفتقر إليه كل ما عداه؛ فإن هذا لازم المعنى، إذ الإله لا يكون إلا قادرا غنيا عما سواه، وأما كون هذا هو المعنى المقصود بالوضع، فليس كذلك؛ والمتكلمون خفي عليهم هذا، وظنوا أن تحقيق توحيد الربوبية والقدرة، هو الغاية المقصودة، والفناء فيه هو تحقيق التوحيد، وليس الأمر كذلك.
بل هذا لا يكفي في الإيمان، وأصل الإسلام، إلا إذا
стр. 5808
أضيف إليه واقترن به توحيد الإلهية، وإفراد الله بالعبادة، والحب والخضوع والتعظيم، والإنابة والتوكل والخوف والرجاء، وطاعة الله، وطاعة رسوله؛ هذا أصل الإسلام وقاعدته.
والتوحيد الأول، توحيد الربوبية والخلق والإيجاد، وهو الذي بني عليه توحيد العمل والإرادة؛ وهو دليله الأكبر، وأصله الأعظم، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٣] إلى آخر الآيات. قال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى:
إن كان ربك واحدا سبحانه ... فاخصصه بالتوحيد مع إحسان
أو كان ربك واحدا أنشاك لم ... يشركه إذ أنشاك رب ثان
فكذاك أيضا وحده فاعبده لا ... تعبد سواه يا أخا العرفان
وهذه الجملة منقولة عن السلف، والأئمة من المفسرين، وغيرهم من أهل اللغة، إجمالا وتفصيلا.
وقد قرر ﵀، على شهادة أن محمدا رسول الله، من بيان ما تستلزمه هذه الشهادة، وتستدعيه وتقتضيه، من تجريد المتابعة، والقيام بالحقوق النبوية، من الحب والتوقير، والنصرة والمتابعة والطاعة، وتقديم سنته ﷺ على كل سنة وقول، والوقوف معها حيث ما وقفت، والانتهاء حيث انتهت، في أصول الدين وفروعه، باطنة وظاهرة، خفية وجلية، كلية وجزئية، ما ظهر به فضله، وتأكد علمه ونبله، وأنه سباق غايات، وصاحب آيات، لا يشق غباره، ولا تدرك في البحث
стр. 5809
والإفادة آثاره، وأن أعداءه ومنازعيه، وخصومه في الفضل وشائبيه، يصدق عليهم المثل السائر، بين أهل المحابر والدفاتر، شعرا:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا إنه لذميم
وله ﵀، من المناقب والمآثر، ما لا يخفى على أهل الفضل والبصائر; ومما اختصه الله به من الكرامة: تسلط أعداء الدين، وخصوم عباد الله المؤمنين على مسبته، والتعرض لبهته وعيبه; قال الشافعي ﵀: ما أرى الناس ابتلوا بشتم أصحاب رسول الله ﷺ إلا ليزيدهم الله بذلك ثوابا عند انقطاع أعمالهم.
وأفضل الأمة بعد نبيها: أبو بكر وعمر، وقد ابتليا من طعن أهل الجهالة، والسفاهة بما لا يخفى؛ وما حكيناه عن الشيخ، حكاه أهل المقالات، عن أهل السنة والجماعة مفصلا، وهذه عبارة أبي الحسن الأشعري، في كتابه: "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين".
قال أبو الحسن الأشعري: جملة ما عليه أصحاب الحديث، وأهل السنة: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون من ذلك شيئا، والله تعالى إله واحد، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن
стр. 5810
النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور،
وأن الله تعالى على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص آية: ٧٥] ، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٤] ، وأن له عينين بلا كيف، وأن له وجها جل ذكره، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن آية: ٢٧] ، وأن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج.
وأقروا: أن لله تعالى علما، كما قال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٦] ، وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [سورة فاطر آية: ١١] ، وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك كما نفتة المعتزلة، وأثبتوا لله القوة، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [سورة فصلت آية: ١٥] .
وقالوا: إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الإنسان آية: ٣٠] ، وكما قال المسلمون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن; وقالوا: إن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله الله، أو يكون أحد يقدر على أن يخرج عن علم الله، وأن يفعل شيئا علم الله أنه لا يفعله.
وأقروا: أنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد يخلقها
стр. 5811
الله، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا، وأن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته، وخذل الكافرين بمعصيته، ولطف بالمؤمنين ونظر لهم وأصلحهم وهداهم، ولم يلطف بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم، ولو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين.
وأن الله تعالى يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم، حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم وأضلهم وطبع على قلوبهم، وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره.
ويؤمنون بقضاء الله وقدره، خيره وشره، حلوه ومره، ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، إلا ما شاء الله، كما قال; ويلجئون أمرهم إلى الله، ويثبتون الحاجة إلى الله في كل وقت، والفقر إلى الله في كل حال.
ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف، واللفظ؛ من قال: باللفظ، أو بالوقف، فهو مبتدع عندهم؛ لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق. ويقولون: إن الله تعالى يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يُرى القمر ليلة البدر، ويراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين آية: ١٥] ، وأن موسى سأل الله سبحانه
стр. 5812
الرؤية في الدنيا، وأن الله تجلى للجبل فجعله دكا، فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا، بل يراه في الآخرة.
ولم يكفّروا أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كنحو الزنى والسرقة، وما أشبه ذلك من الكبائر؛ وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر.
والإيمان عندهم، هو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم; والإسلام، هو: أن يشهد أن لا إله إلا الله، على ما جاء في الحديث. والإسلام عندهم غير الإيمان; ويقرون بأن الله مقلب القلوب.
ويقرون بشفاعة رسول الله ﷺ ، وأنها لأهل الكبائر من أمته، وبعذاب القبر، وأن الحوض حق، والمحاسبة من الله للعباد حق، والوقوف بين يدي الله حق; ويقرون: بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق، ويقولون: أسماء الله هي الله.
ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين، حتى يكون الله تعالى أنزلهم حيث شاء، ويقولون: أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم; ويؤمنون بأن الله تعالى يخرج قوما من الموحدين من النار، على ما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ .
وينكرون: الجدل والمراء في الدين، والخصومة في القدر،
стр. 5813
والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، بالتسليم للروايات الصحيحة، ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقات، عدل عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ، ولا يقولون: كيف، ولا لم، لأن ذلك بدعة.
ويقولون: إن الله لم يأمر بالشر بل نهى عنه، وأمر بالخير ولم يرض بالشر، وإن كان مريدا له، ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ ويأخذون بفضائلهم، ويمسكون عما شجر بينهم، صغيرهم وكبيرهم.
ويقدمون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليا ﵃; ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون، وأنهم أفضل الناس كلهم بعد النبي ﷺ ، ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ : " أن الله ينْزل إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ " ١ كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ .
ويأخذون بالكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين، ولا يبتدعون في دينهم ما لم يأذن به الله; ويقرون: أن الله تعالى يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [سورة الفجر آية: ٢٢] ، وأن الله تعالى يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق آية: ١٦] .
ويرون العيد والجمعة والجماعةخلف كل إمام، بر
стр. 5814
أو فاجر، ويثبتون المسح على الخفين سنة، ويرونه في الحضر والسفر; ويثبتون فرض الجهاد للمشركين، منذ بعث الله نبيه ﷺ إلى آخر عصابة تقاتل الدجال؛ وبعد ذلك، يرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، وأنه لا يخرج عليهم بالسيف، وأن لا يقاتلوا في الفتنة، ويصدقون بخروج الدجال، وأن عيسى بن مريم يقتله.
ويؤمنون بمنكر ونكير، والمعراج، والرؤيا في المنام، وأن الدعاء لموتى المسلمين، والصدقة عنهم بعد موتهم، تصل إليهم; ويصدقون بأن في الدنيا سحرة، وأن الساحر كافر، كما قال الله تعالى، وأن السحر كائن موجود في الدنيا; ويرون الصلاة على كل من مات من أهل القبلة، مؤمنهم وفاجرهم.
ويقرون: أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات بأجله، وكذلك من قُتل بأجله، وأن الأرزاق من قبل الله تعالى، يرزقها عباده، حلالا كانت أو حراما، وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه، ويخطيه، وأن الصالحين قد يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات تظهر عليهم، وأن السنة لا تنسخ القرآن، وأن الأطفال أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم وإن شاء فعل بهم ما أراد، وأن الله عالم ما العباد عاملون، وكتب أن ذلك يكون، وأن الأمور بيد الله تعالى.
ويرون الصبر على حكم الله، والأخذ بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى الله عنه، وإخلاص العمل والنصيحة للمسلمين;
стр. 5815
ويدينون بعبادة الله في العابدين، والنصيحة لجميع المسلمين، واجتناب الكبائر، والزنى، وقول الزور، والمعصية، والفخر، والكبر والإزراء على الناس والعجب.
ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع التواضع والاستكانة، وحسن الخلق وبذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة والنميمة والسعاية، وتفقد المأكل والمشرب.
فهذه جملة ما يأمرون به، ويعتقدونه ويرونه؛ وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل. انتهى ما ذكره شيخنا، الشيخ عبد اللطيف، رحمه الله تعالى، وعفا عنه.
فإذا عرفت هذا وتحققته، وعلمت أنه لم يخرج ﵀ عن طريقة السلف، وما درج عليه العلماء الأمناء بعدهم، على ما يعتقدونه ويقولونه، بل كان على ما كانوا عليه، من تقرير توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتجريد متابعة رسول الله ﷺ ، وتقديم قوله على قول كل أحد، كائنا من كان،
وأنه كان على ما كانوا عليه، من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والأمر بالصبر على البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضى بمر القضاء، وحسن الجوار، والإحسان إلى الأيتام والمساكين وابن السبيل، والنهي عن الفخر والخيلاء والبغي،