← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

الله، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا، وأن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته، وخذل الكافرين بمعصيته، ولطف بالمؤمنين ونظر لهم وأصلحهم وهداهم، ولم يلطف بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم، ولو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين. وأن الله تعالى يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم، حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم وأضلهم وطبع على قلوبهم، وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره. ويؤمنون بقضاء الله وقدره، خيره وشره، حلوه ومره، ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، إلا ما شاء الله، كما قال; ويلجئون أمرهم إلى الله، ويثبتون الحاجة إلى الله في كل وقت، والفقر إلى الله في كل حال. ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف، واللفظ؛ من قال: باللفظ، أو بالوقف، فهو مبتدع عندهم؛ لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق. ويقولون: إن الله تعالى يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يُرى القمر ليلة البدر، ويراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين آية: ١٥] ، وأن موسى سأل الله سبحانه

стр. 5812

الرؤية في الدنيا، وأن الله تجلى للجبل فجعله دكا، فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا، بل يراه في الآخرة. ولم يكفّروا أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كنحو الزنى والسرقة، وما أشبه ذلك من الكبائر؛ وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر. والإيمان عندهم، هو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم; والإسلام، هو: أن يشهد أن لا إله إلا الله، على ما جاء في الحديث. والإسلام عندهم غير الإيمان; ويقرون بأن الله مقلب القلوب. ويقرون بشفاعة رسول الله ﷺ ، وأنها لأهل الكبائر من أمته، وبعذاب القبر، وأن الحوض حق، والمحاسبة من الله للعباد حق، والوقوف بين يدي الله حق; ويقرون: بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق، ويقولون: أسماء الله هي الله. ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين، حتى يكون الله تعالى أنزلهم حيث شاء، ويقولون: أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم; ويؤمنون بأن الله تعالى يخرج قوما من الموحدين من النار، على ما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ . وينكرون: الجدل والمراء في الدين، والخصومة في القدر،

стр. 5813

والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، بالتسليم للروايات الصحيحة، ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقات، عدل عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ، ولا يقولون: كيف، ولا لم، لأن ذلك بدعة. ويقولون: إن الله لم يأمر بالشر بل نهى عنه، وأمر بالخير ولم يرض بالشر، وإن كان مريدا له، ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ ويأخذون بفضائلهم، ويمسكون عما شجر بينهم، صغيرهم وكبيرهم. ويقدمون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليا ﵃; ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون، وأنهم أفضل الناس كلهم بعد النبي ﷺ ، ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ : " أن الله ينْزل إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ " ١ كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ . ويأخذون بالكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين، ولا يبتدعون في دينهم ما لم يأذن به الله; ويقرون: أن الله تعالى يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [سورة الفجر آية: ٢٢] ، وأن الله تعالى يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق آية: ١٦] . ويرون العيد والجمعة والجماعةخلف كل إمام، بر

стр. 5814

أو فاجر، ويثبتون المسح على الخفين سنة، ويرونه في الحضر والسفر; ويثبتون فرض الجهاد للمشركين، منذ بعث الله نبيه ﷺ إلى آخر عصابة تقاتل الدجال؛ وبعد ذلك، يرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، وأنه لا يخرج عليهم بالسيف، وأن لا يقاتلوا في الفتنة، ويصدقون بخروج الدجال، وأن عيسى بن مريم يقتله. ويؤمنون بمنكر ونكير، والمعراج، والرؤيا في المنام، وأن الدعاء لموتى المسلمين، والصدقة عنهم بعد موتهم، تصل إليهم; ويصدقون بأن في الدنيا سحرة، وأن الساحر كافر، كما قال الله تعالى، وأن السحر كائن موجود في الدنيا; ويرون الصلاة على كل من مات من أهل القبلة، مؤمنهم وفاجرهم. ويقرون: أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات بأجله، وكذلك من قُتل بأجله، وأن الأرزاق من قبل الله تعالى، يرزقها عباده، حلالا كانت أو حراما، وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه، ويخطيه، وأن الصالحين قد يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات تظهر عليهم، وأن السنة لا تنسخ القرآن، وأن الأطفال أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم وإن شاء فعل بهم ما أراد، وأن الله عالم ما العباد عاملون، وكتب أن ذلك يكون، وأن الأمور بيد الله تعالى. ويرون الصبر على حكم الله، والأخذ بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى الله عنه، وإخلاص العمل والنصيحة للمسلمين;

стр. 5815

ويدينون بعبادة الله في العابدين، والنصيحة لجميع المسلمين، واجتناب الكبائر، والزنى، وقول الزور، والمعصية، والفخر، والكبر والإزراء على الناس والعجب. ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع التواضع والاستكانة، وحسن الخلق وبذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة والنميمة والسعاية، وتفقد المأكل والمشرب. فهذه جملة ما يأمرون به، ويعتقدونه ويرونه؛ وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل. انتهى ما ذكره شيخنا، الشيخ عبد اللطيف، رحمه الله تعالى، وعفا عنه. فإذا عرفت هذا وتحققته، وعلمت أنه لم يخرج ﵀ عن طريقة السلف، وما درج عليه العلماء الأمناء بعدهم، على ما يعتقدونه ويقولونه، بل كان على ما كانوا عليه، من تقرير توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتجريد متابعة رسول الله ﷺ ، وتقديم قوله على قول كل أحد، كائنا من كان، وأنه كان على ما كانوا عليه، من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والأمر بالصبر على البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضى بمر القضاء، وحسن الجوار، والإحسان إلى الأيتام والمساكين وابن السبيل، والنهي عن الفخر والخيلاء والبغي،

стр. 5816

والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمر بمعالي الأخلاق وينهى عن سفسافها، ويأمر بالجهاد على ما أمر الله به ورسوله، والانتهاء عما نهى الله عنه، بالحجة واللسان، والسيف والسنان. وأنه ييرأ إلى الله تعالى، من جميع من خالف أهل الحق، من جميع الفرق الذين خرجت بهم الأهواء وتشعبت، وفرقوا دينهم ﴿وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٣٢] ، وأصول هذه الفرق: ست فرق: الروافض، والخوارج، والمرجئة، والجهمية، والقدرية، والجبرية، وكل فرقة من هذه الفرق تشعبت، على ما ذكره أهل العلم، على اختلاف نحلهم ومللهم، وتشعب آرائهم وأهوائهم. فإذا تحققت ذلك، تبين لك: أن هذا الملحد المفتري الضال، ممن نكب عن طريقة السلف الصالح، وصدف عنها، واتبع غير سبيل المؤمنين، ومن يتبع غير سبيل المؤمنين يوله الله ما تولى، ويصله جهنم وساءت مصيرا. وقد اشتهر وظهر من شأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، من الدعوة إلى الله، والنهي عن الشرك في العبادة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واتباع سبيل المؤمنين، من سلف هذه الأمة وأئمتها، ما شاع وذاع، وملأ الأسماع، انتفع بدعوته الخلق الكثير، والجم الغفير؛ فرحمه الله من إمام، ما أحسن أثره على الناس، وما أسوأ أثر الناس عليه. وما أحسن ما قاله الإمام العالم الرباني: محمد بن أحمد

стр. 5817

الحفظي اليمني، ﵀، في أرجوزة له، ذكر فيها أمر هذه الدعوة، وما حصل في ضمنها من إظهار الدين، ونشره في البلاد والعباد، ونشر أعلام الجهاد، فقال ﵀: الحمد حقا مستحقا أبدا ... لله رب العالمين سرمدا أحمده مهللا مسجلا ... محوقلا محيعلا محسبلا مصليا على الرسول الشارع ... وآله وصحبه والتابعي في البدء والختم وأما بعد ... فهذه منظومة تعد حركني لنظمها الخير الذي ... قد جاءنا في آخر العصر القذي لما دعا الداعي من المشارق ... بأمر رب العالمين الخالق وبعث الله لنا مجددا ... من أرض نجد عالما مجتهدا شيخ الهدى محمد المحمدي ... الحنبلي الأثري الأحمدي فقام والشرك الصريح قد سرى ... بين الورى وقد طغى واعتكرا لا يعرفون الدين والتهليلا ... وطرق الإسلام والسبيلا إلا أساميها وباقي الرسم ... والأرض لا تخلو من أهل العلم وكل حزب فلهم وليجة ... يدعونه في الضيق للتفريجة وملة الإسلام والأحكام ... في غربة وأهلها أيتام دعا إلى الله وبالتهليلة ... يصرخ بين أظهر القبيلة مستضعفا وما له مناصر ... ولا له معاون موازر في ذلة وقلة وفي يده ... مهفة تغنيه عن مهنده كأنها ريح الصبا في الرعب ... والحق يعلو بجنود الرب

стр. 5818

قد أذكرتني درة لعمر ... وضرب موسى بالعصى للحجر ولم يزل يدعو إلى دين النبي ... ليس إلى نفس دعا أو مذهب يعلم الناس معاني أشهد ... أن لا إله غير فرد يعبد محمد نبيه وعبده ... رسوله إليكم وقصده أن تعبدوه وحده لا تشركوا ... شيئا به والابتداع فاتركوا ومن دعا دون الإله أحدا ... أشرك بالله ولو محمدا إن قلتمو نعبدهمو للقربة ... أو للشفاعات فتلك الكذبة فربنا يقول في كتابه ... هذا هو الشرك بلا تشابه هذي معاني دعوة الشيخ لمن ... عاصره فاستكبروا عن السنن فانقسم الناس فمنهم شارد ... مخاصم محارب معاند ما بين خفاش وبين جعل ... شاهت وجوه أهل هذا المثل والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله وصحبه وسلم. آخر الجزء الثاني عشر ويليه الجزء الثالث عشر: "كتاب التفسير" إن شاء الله تعالى

стр. 5819

المجلد الثالث عشر: (تفسير واستنباط لسور وآيات من القرآن الكريم) كتاب تفسير القرآن * ... كتاب تفسير القرآن قال شيخ الإسلام، علم الهداة الأعلام، الشيح: محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب، وأسكنه الجنة بغير حساب. بسم الله الرحمن الر حيم باب فضائل تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه وقول الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة المجادلة آية: ١١] ، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٩] . وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع ١ فيه وهو عليه شاق له أجران "أخرجاه ; وللبخاري عن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " ٢.

стр. 5820

ولمسلم عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان ١، أو كأنهما فرقان من طير صواف، يحاجان لصاحبهما ; اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة ". وله عن النواس بن سمعان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يؤتى بالقرآن يوم القيامة، وأهله الذين كانوا يعملون به، يقدمه سورة البقرة وآل عمران" ٢، وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: "كأنهما غمامتان، أو ظلتان سوداوان بينهما شرق ٣، أو كأنهما فرقان من طير صواف، يحاجان عن صاحبهما ". وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ :" من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " ٤ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح ; وله وصححه عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: " يقال

стр. 5821

لصاحب القرآن: اقرأ وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية " ١. ولأحمد نحوه من حديث أبي سعيد: " ويصعد بكل آية درجة، حتى يقرأ آخر شيء منه " ٢، ولأحمد أيضا عن بريدة مرفوعا: " تعلموا سورة البقرة " ٣ فذكر مثل ما تقدم في الصحيح، في البقرة وآل عمران. وفيه: " وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة، حين ينشق عنه قبره، كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول له: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن، الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتان لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان بم كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن ; ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هَذًّا كان أو ترتيلا " ٤. وعن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: " أهل القرآن هم أهل الله وخاصته " ٥ رواه أحمد والنسائي. باب ما جاء في تقديم أهل القرآن وإكرامهم كان القراء أصحاب مجلس عمر، كهولا كانوا أو شبانا. وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " يؤم القوم

стр. 5822

أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنا " ١. وفي رواية: " سلما، ولا يؤمّنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه " ٢ رواه مسلم. وللبخاري عن جابر: أنه ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، ثم يقول: "أيهما أكثر أخذا للقرآن؟ " ٣ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد. وعن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ قال: " إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان " ٤ حديث حسن رواه أبو داود. باب وجوب تعلم القرآن وتفهمه واستماعه والتغليظ على من ترك ذلك وقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ [سورة الأنعام آية: ٢٥] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٢] ، وقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [سورة طه آية: ١٢٤] . عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان

стр. 5823

منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " ١ أخرجاه. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "ارحموا تُرحموا، واغفروا يغفر الله لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون " ٢ رواه أحمد. باب الخوف على من لم يفهم القرآن أن يكون من المنافقين وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ [سورة محمد آية: ١٦] الآية، وقوله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٩] الآية. عن أسماء: أن رسول الله ﷺ قال: " إنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال أو قريبا من فتنة الدجال، يؤتى أحدكم، فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا ; فيقال: نم صالحا، فقد علمنا إنك لمؤمن ; وأما المنافق

стр. 5824

والمرتاب، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته " ١ أخرجاه. وفي حديث البراء في الصحيح: "إن المؤمن يقول: هو رسول الله، ويقال له: فما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت ٢". باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [سورة البقرة آية: ٧٨] الآية وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [سورة الجمعة آية: ٥] الآية. عن أبي الدرداء قال: " كنا مع النبي ﷺ فشخص بصره إلى السماء فقال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدرون على شيء منه، فقال زياد بن لبيد: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟ " رواه الترمذي وقال: حسن غريب. وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أنزل

стр. 5825

عليه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٤] إلى قوله: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩١] قال: "ويل لمن قرأ هذه الآية ولم يتفكر فيها" رواه ابن حبان في صحيحه. باب إثم من فجر بالقرآن وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٦] ، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٤] الآية. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يخرج في هذه الأمة " ١ ولم يقل منها " قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم وحلوقهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر إلى نصله، إلى رصافه، فيتمارى في فوقه، هل علق به من الدم شيء؟ " ٢ أخرجاه وفي رواية: " يقرؤون القرآن رطبا ". وكان ابن عمر يراهم شرار الخلق، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين ; وللترمذي وحسنه، عن أبي هريرة مرفوعا: "من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار " ٣.

стр. 5826

باب إثم من راءى بالقرآن عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلّمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، فقال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت فيه لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار " ١ رواه مسلم.

стр. 5827

باب إثم من تأكل بالقرآن عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال " اقرؤوا القرآن وابتغوا به وجه الله قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح، يستعجلونه ولا يتأجلونه " ١ رواه أبو داود، وله معناه من حديث سهل بن سعد. وعن عمران: أنه مر برجل يقرأ على قوم، فلما فرغ سأله ; فقال عمران: إنا لله وإنا إليه راجعون، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من قرأ القرآن فليسأل الله ﵎، فإنه سيجيء قوم يقرؤون القرآن يسألون به الناس " ٢ رواه أحمد والترمذي.

стр. 5828

باب الجفاء عن القرآن عن سمرة بن جندب في حديث الرؤيا الطويل، مرفوعا، قال: " أتاني الليلة اثنان فذهبا بي، قالا: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة على رأسه فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان. ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى، فقلت لهما: سبحان الله ما هذا؟ ! قالا: هذا رجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة " ١ وفي رواية: " الذي يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة " ٢ رواه البخاري. ولمسلم عن أبي موسى أنه قال لقراء البصرة: "اتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم"، وعن ابن مسعود قال: " إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، اخترعوا كتابا من عند أنفسهم استحلته ألسنتهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم".

стр. 5829

باب من ابتغى الهدى من غير القرآن وقول الله ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [سورة الزخرف آية: ٣٦] الآيتين، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل آية: ٨٩] الآية. وعن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا بماء يدعى "خما"، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: " أما بعد أيها الناس، إنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول من ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " ١ فحث على كتاب الله ورغب فيه، قال: " وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي " ٢ وفي لفظ " أحدهما هو كتاب الله، حبل من الله، من تبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة " ٣ رواه مسلم. وله عن جابر أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب، يقول: " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة " ٤. وعن سعد بن مالك قال: "نزل على رسول الله ﷺ القرآن، فتلاه عليهم زمانا، فقالوا يا رسول الله: لو قصصت علينا؟ فأنزل الله ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ آية [سورة يونس: ١] الآية.

стр. 5830

فتلاه عليهم زمانا"، رواه ابن أبي الدنيا بإسناد حسن. وله عن المسعودي عن القاسم: "أن أصحاب رسول الله ﷺ ملوا ملة، فقالوا: حدثنا يا رسول الله، فنَزلت: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [سورة الزمر آية: ٢٣] ثم ملوا ملة، فقالوا: حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [سورة الحديد آية: ١٦] " ورواه عبيد عن بعض التابعين، وفيه: "فإن طلبوا الحديث دلهم على القرآن". وكان معاذ بن جبل، يقول في مجلسه كل يوم - قل ما يخطئه أن يقول ذلك -: "الله حكم قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق، والمرأة والصبي، فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره ; فإياكم وما ابتدع! فكل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغه الحكيم، وان المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقوا الحق ممن جاء به ; فإن على الحق نورا"، الحديث رواه أبو داود. وروى البيهقي عن عروة بن الزبير: أن عمر أراد أن يكتب السنن، فاستشار الصحابة، فأشاروا عليه بذلك، ثم استخار الله شهرا، ثم قال: "إني ذكرت قوما كانوا قبلكم، كتبوا كتبا فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا".

стр. 5831

باب الغلو في القرآن فيه: حديث الخوارج المتقدم ; وفي الصحيح عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله ﷺ :" ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة؟ قلت: بلى يا رسول الله، ولم أرد بذلك إلا الخير; قال: فصم صوم داود، فإنه كان أعبد الناس، واقرأ القرآن كل شهر. قلت: يا رسول الله إني أطيق أفضل من ذلك، قال: فاقرأه في كل عشر. قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك; قال: فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك " ١. ولمسلم عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: " هلك المتنطعون " ٢، ولأحمد عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعا: " اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به " ٣. وعن أبي رافع، أن رسول الله ﷺ قال: " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه " ٤ رواه أبو داود والترمذي.

стр. 5832

باب ما جاء في اتباع المتشابه في الصحيح عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] فقال: " إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم" ١ وقال عمر: "يهدم الإسلام زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين"; ولما سأل صبيغ عمر عن " الذاريات " وأشباهها ضربه عمر، والقصة مشهورة. باب وعيد من قال في القرآن برأيه وبما لا يعلم وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٣] إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ، وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " من قال في القرآن برأيه " ٢، وفي رواية " من غير علم، فليتبوأ مقعده من النار " ٣ رواه الترمذي وحسنه ; وعن جندب قال: قال رسول الله ﷺ :" من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ " ٤ رواه أبو داود والترمذي وقال: غريب.

стр. 5833

باب ما جاء في الجدال في القرآن قال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على من يجادل في القرآن، قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سورة غافر آية: ٤] ، وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٦] . عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "جدال في القرآن كفر" ١ رواه أحمد وأبو داود، وإسناده جيد ; وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، سمع رسول الله ﷺ قوما يتمارون في القرآن، فقال: " إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب " ٢. باب ما جاء في الاختلاف في القرآن في لفظه أو معناه وقول الله ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [سورة هود آية: ١١٨-١١٩] الآية، وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٣] الآية، وفي الصحيح عن ابن مسعود قال: سمعت رجلا يقرأ آية سمعت النبي ﷺ يقرأ خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فعرف في وجهه الكراهة، فقال: " كلاكما محسن فلا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا " ٣. وفيه أيضا عن ابن عمر، قال: هجّرت إلى النبي ﷺ

стр. 5834

وسمعت أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب، فقال: " إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب " ١. وفي المسند عنه، من حديث عمرو بن شعيب، قال: كنا جلوسا بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: لم يقل الله كذا وكذا، وقال بعضهم: لم يقل الله كذا وكذا ; فخرج كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: "أبهذا أمرتم أو بهذا بعثتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لم تؤمروا بهذا، فانظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا عنه " ٢. وفي رواية: "خرج وهم يتنازعون في القدر" ٣ وكذا رواه الترمذي من حديث أبي هريرة، وفيه: " خرج ونحن نتنازع في القدرة " ٤ وقال: حسن. باب إذا اختلفتم فقوموا في الصحيح عن جندب، أن رسول الله ﷺ قال: " اقرؤوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفت فقوموا عنه " ٥. ولهما عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: " ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده" ٦ قال: فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وإن عندنا كتاب الله حسبنا ; وقال بعضهم: بل ائتوا بكتاب، فاختلفوا ; فقال رسول الله ﷺ "قوموا عني، ولا ينبغي عند نبي تنازع " ٧.

стр. 5835

ولمسلم عن ابن مسعود: أنه قرأ سورة يوسف، فقال رجل ما هكذا أنزلت، فقال: "أتكذب بالكتاب؟! ?". باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [سورة الكهف آية: ٥٧] الآية قال النبي ﷺ " الكبر بطر الحق وغمط الناس " ١، وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: " من أكبر الذنوب عند الله، أن يقول العبد اتق الله، فيقول عليك بنفسك ". وفي الصحيح عن أبي واقد الليثي قال: " إن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا. فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فاعرض الله عنه " ٢. وقال قتادة في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة لقمان آية: ٦] الآية:

стр. 5836

لعله أن لا يكون أنفق مالا، وبحسب امرىء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق. باب ما جاء في التغني بالقرآن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن " ١، وفي رواية: " لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به " أخرجاه، وعن أبي لبابة أن رسول الله ﷺ قال: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن " ٢ رواه أبو داود بسند جيد، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 5837

[فضل حفظ القرآن] وسئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ﵀، عن فضل حفظ القرآن. فأجاب: أما ما ورد في الفضل في حفظ القرآن، هل المراد حفظه مع فهمه؟ فلا يحضرني جواب يفصل المسألة، ولكن حفظه مع عدم الفهم لا يوجد في زمن النبي ﷺ والخلفاء، إلا أشياء خاصة لا عامة، وأظنه لو وجد في زمانهم لاشتهر، كشهرة الرجل الذي يسمى عندنا: "حمار الفروع" لما ذكر أنه يحفظ الفروع ولا يفهمه ; وقد قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [سورة الجمعة آية: ٥] الآية. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: أن هذه الآية ولو نزلت في أهل التوراة، فالقرآن كذلك لا فرق بينهما، وكذلك ذم

стр. 5838

القراء الذين يقرؤون بلا فهم معنى، وفيهم قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [سورة البقرة آية: ٧٨] ، أي: تلاوة بلا فهم ; والمراد من إنزال القرآن: فهم معانيه والعمل، لا مجرد التلاوة. ١. وقال ابنه الشيخ عبد الله: ثم إنا نستعين على فهم الكتاب بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لدينا: تفسير ابن جرير، ومختصره لابن

стр. 5839

[ما في تفسير محمد صديق من بعض عبارات المتكلمين] قال الشيخ حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حمد بن عتيق، إلى الإمام المعظم، والشريف المقدم١ محمد، الملقب: صديق، زاده الله من التحقيق ; وأجاره في ماله من عذاب الحريق، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: وصل إلينا التفسير ٢ فرأينا أمرا عجيبا، ما كنا نظن أن الزمان يسمح بمثله، في عصرنا وما قرب منه، لما

стр. 5840

في التفاسير التي تصل إلينا من التحريف، والخروج عن طريقة الاستقامة، وحمل كتاب الله على غير مراد الله، وركوب التعاسيف في حمله على المذاهب الباطلة، وجعله آلة لذلك. فلما نظرنا في ذلك التفسير، تبين لنا حسن قصد منشئه، وسلامة عقيدته، وبعده عن تعمد مذهب غير ما عليه السلف الكرام، فعلمنا أن ذلك من قبيل قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ [سورة الكهف آية: ٦٥] ، والحمد لله رب العالمين. وهذا التفسير العظيم وصل إلينا في شعبان، سنة سبع وتسعين ومائتين وألف، فنظرت فيه في هذا الشهر، وفي شوال، فتجهز الناس للحج، ولم أتمكن إلا من مطالعة بعضه، ومع ذلك وقفت فيه على مواضع تحتاج إلى تحقيق، وظننت أن لذلك سببين. أحدهما: أنه لم يحصل منكم إمعان نظر، في هذا الكتاب بعد تمامه، والغالب على من صنف الكتاب كثرة ترداده، وإبقاؤه في يده سنين يبديه ويعيده، ويمحو ويثبت، ويبدل العبارات، حتى يغلب على ظنه الصحة، ولعل الأصحاب عاجلوك بتلقيه قبل ذلك. والثاني: أن ظاهر الصنيع، أنك أحسنت الظن ببعض المتكلمين، وأخذت من عباراتهم، بعضا بلفظه، وبعضا بمعناه، فدخل عليك شيء من ذلك، لم تمعن النظر فيها ; ولهم عبارات مزخرفة تتضمن الداء العضال، وما دخل عليك من ذلك مغفور إن شاء الله، بحسن القصد واعتماد الحق،

стр. 5841

وتحري الصدق والعدل، وهو قليل بالنسبة إلى ما وقع فيه كثير ممن صنف في التفسير وغيره، وإذا نظر السني المنصف، في كثير من التفاسير، وشروح الحديث، وجد ما قلته وما هو أكفر منه. وقد سلكتم في هذا التفسير في مواضع منه، مسلك أهل التأويل، مع أنه قد وصل إلينا لكم رسالة في ذم التأويل مختصرة، وهي كافية ومطلعة على أن ما وقع في التفسير صدر من غير تأمل، وأنه من ذلك القبيل، وكذلك في التفسير من مخالفة أهل التأويل ما يدل على ذلك. وأنا اجتريت عليك، وإن كان مثلي لا ينبغي له ذلك ; لأنه غلب على ظني إصغاؤك إلى التنبيه، ولأن من أخلاق أئمة الدين قبول التنبيه والمذاكرة، وذم الكبر، وإن كان القائل غير أهل ; ولأنه بلغني عن بعض من اجتمع بك، أنك تحب الاجتماع بأهل العلم، وتحرص على ذلك، وتقبل العلم، ولو ممن هو دونك بكثير، فرجوت أن ذلك عنوان التوفيق ; جعلك الله كذلك وخيرا من ذلك. واعلم أرشدك الله أن الذي جرينا عليه، أنه إذا وصل إلينا شيء من المصنفات في التفسير، وشرح الحديث، اختبرنا واعتبرنا معتقده في العلو والصفات والأفعال، فوجدنا الغالب على كثير من المتأخرين أو أكثرهم مذهب الأشاعرة الذي حاصله نفي العلو، وتأويل الآيات في هذا

стр. 5842

الباب، بالتأويلات الموروثة عن بشر المريسي وأضرابه من أهل البدع والضلال ; ومن نظر في شرح البخاري ومسلم ونحوهما، وجد ذلك فيها. وأما ما صنفوا في الأصول والعقائد، فالأمر فيه ظاهر لذوي الألباب ; فمن رزقه الله بصيرة ونورا، وأمعن النظر فيما قالوه، وعرضه على ما جاء عن الله ورسوله، وما عليه أهل السنة المحضة، تبين له المنافاة بينهما، وعرف ذلك كما يعرف الفرق بين الليل والنهار؛ فأعرض عما قالوه، وأقبل على الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة وأئمتها، ففيه الشفاء والمقنع ; وبعض المصنفين يذكر ما عليه السلف، وما عليه المتكلمون، ويختاره ويقرره. فلما اعتبرنا هذا التفسير، وجدناك وافقتهم في ذكر المذهبين ; وخالفتهم في اختيار ما عليه السلف تقرره، وليتك اقتصرت على ذلك، ولم تكبر حجم هذا الكتاب بمذهب أهل البدع، فإنه لا خير في أكثره. وقد يكون لكم من القصد، نظير ما بلغني عن الشوكاني ﵀، لما قيل له: لأي شيء تذكر كلام الزيدية، في هذا الشرح؟ قال ما معناه: لا آمن الإعراض عن الكتاب، ورجوت أن ذكر ذلك أدعى إلى قبوله وتلقيه. وقد قيض الله لكتب أهل السنة المحضة من يتلقاها، ويعتني بها، ويظهرها مع ما فيها من الرد على أهل البدع وعيبهم، وتكفير بعض دعاتهم وغلاتهم، فإن الله ضمن لهذا

стр. 5843

الدين أن يظهره على الدين كله. والمقصود: أن في هذا التفسير مواضع تحتاج إلى تحقيق، ونذكر لك بعض ذلك. فمنه: أني نظرت في الكلام على آيات الاستواء، فرأيتك أطلت الكلام في بعض المواضع، بذكر كلام المبتدعة النفاة، كما تقدم. ومنه: أن في الكلام بعض تعارض، كقولكم في آية يونس: وظاهر الآية يدل على أنه سبحانه إنما استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض; لأن كلمة ثم للتراخي; ثم قلتم في سورة الرعد، وثم هنا لمجرد العطف لا للترتيب، لأن الاستواء عليه غير مرتب على رفع السماوات ; وكذلك قلتم في سورة السجدة: وليست ثم للترتيب، بل بمعنى الواو. فالنظر في هذا من وجهين; أحدهما: أن ظاهره التعارض; الثاني: أن القول بأن ثم لمجرد العطف لا للترتيب في هذه الآيات، إنما يقوله من فسر الاستواء بالقهر والغلبة، وعدم الترتيب ظاهر على قولهم. وأما السلف وأئمة السنة وأهل التحقيق، فقد جعلوا اطراد الآيات في جميع المواضع، دليلا على ثبوت الترتيب; وردوا به على نفاة الاستواء، وأبطلوا به تأويلاتهم، كما هو معروف مقرر في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره; فانظر من أين دخلت عليك هذه العبارات، وقد رأيت للرازي عبارة

стр. 5844

في التفسير تفهم ذلك، فلعلك بنيت على قوله. وهذا الرجل وإن كان يلقب بالفخر، فله كلام في العقائد قد زل فيه زلة عظيمة، وآخر أمره الحيرة ; نرجو أنه تاب من ذلك، ومات على السنة، فلا تغتر بأمثال هؤلاء. قال شيخ الإسلام ﵀: في المحصل، وسائر كتب الكلام المختلف أهلها، مثل كتب الرازي وأمثاله، وكتب المعتزلة والشيعة والفلاسفة ; ونحو هؤلاء، لا يوجد فيها ما بعث الله به رسله، في أصول الدين، بل وجد فيها حق ملبوس بباطل، انتهى من منهاج السنة. قال: وقد قال بعض العلماء في المحصل: محصل في أصول الدين حاصله ... أصل الضلالات والشرك المبين وما من بعد تحصيله جهل بلا دين ... فيه فأكثره وحي الشياطين وهذا من أجل كتبه، فكيف تسمح نفس عاقل أن يعتمد على قول مثل هؤلاء؟ !. ومن ذلك أنكم قلتم في سورة يونس أيضا: استوى على العرش، استواء يليق به، وهذه طريقة السلف المفوضين، وقد تقدس الديان عن المكان، والمعبود عن الحدود، انتهى. فإن كان المراد بالتفويض ما يقوله بعض النفاة، وينسبونه إلى السلف; وهو أنهم يمرون الألفاظ ويؤمنون بها، من غير أن يعتقدوا لها معان تليق بالله; أو أنهم

стр. 5845

لا يعرفون معانيها، فهذا كذب على السلف من النفاة. وإذا قال السلف: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا حقيقة الصفة ; ولو كانوا قد آمنوا باللفظ المجرد، من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله، لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول ; وأمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء لا يكون حينئذ معلوما، بل مجهولا بمنْزلة حروف المعجم. وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى ; وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا ثبتت الصفات ; هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولا نشك أن هذا اعتقادك ; ولكن المراد: أنه دخل عليك بعض الألفاظ من كلام أهل البدع، لم تتصور مرادهم، فانتبه لمثل ذلك. وأما قول القائل: يتقدس الديان عن المكان، فهذا لم ينطق السلف فيه بنفي ولا إثبات، وهو من عبارات المتكلمين، ومرادهم به نفي علو الله على خلقه ; لأن لفظ المكان فيه إجمال يحتمل الحق والباطل، كلفظ الجهة ونحوه، والكلام في ذلك معروف في كتب شيخ الإسلام وابن القيم، فارجع إلى ذلك تجده، ولا نطيل به. وحسب العبد الاقتصار في هذا الباب على ما ورد في الكتاب والسنة، كما قال الإمام أحمد: لا يوصف الله إلا بما

стр. 5846

وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث. ومن ذلك ما ذكرتم، عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٩] وقد قيل: إن خلق جرم الأرض متقدم على السماء، ودحوها متأخر، وقد ذكر هذا جماعة من أهل العلم، وهذا جمع جيد يجب المصير إليه. وفي حم السجدة، الجواب: أن الخلق ليس عبارة عن الإيجاد والتكوين فقط، بل عبارة عن التقدير أيضا ; والمعنى: قضى أن يحدث الأرض في يومين، بعد إحداث السماء ; والجواب المشهور: أنه خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء بعدها، ثم دحا الأرض ومدها ; والأول أولى، ففي هذا نوع تعارض. ومن ذلك قولكم في الكلام على البسملة: والرحمة إرادة الخير والإحسان لأهله ; وقيل: ترك عقوبة من يستحق العقاب، وإسداء الخير والإحسان إلى من لا يستحقه، فهو على الأول صفة ذات ; وعلى الثاني صفة فعل، انتهى. وهذا هو التأويل المعروف عن بعض أهل البدع، يردون هذه الصفات إلى الإرادة، فرارا مما فهموه، حيث قالوا: إن الرحمة رقة في القلب لا يصلح نسبتها إلى الله تعالى ; فقال لهم أهل السنة: هذه رحمة المخلوق، ورحمة الرب تليق بجلاله، لا يعلم كيف هي إلا هو. ويلزمهم في الإرادة نظير ما فروا منه في الرحمة ; فإن

стр. 5847

الإرادة هي ميل القلب، فإما أن تثبت إرادة تليق بالرب تعالى، وهو الحق في جميع الصفات، وإما أن تقابل بالتأويل وهو الباطل؛ والآفة دخلت على النفاة، من جهة أنهم لم يفهموا من صفات الرب إلا ما يليق بالمخلوق، فذهبوا لينفوا ذلك، ويقابلوه بالتأويلات. قال شيخ الإسلام: إنهم شبهوا أولا فعطلوا آخرا، وأهل السنة والجماعة أثبتوا لله جميع الصفات على ما يليق بجلاله، ونفوا عنه مشابهة المخلوقين، فسلموا من التشبيه والتعطيل. ومن ذلك: أنكم أكثرتم في هذا التفسير من حمل بعض الآيات على المجاز وأنواعه، وقد علمتم أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، حدث بعد القرون المفضلة، ولم يتكلم الرب به ولا رسوله، ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان. والذي تكلم به من أهل اللغة، يقول في بعض الآيات: وهذا من مجاز اللغة ; ومراده: أن هذا مما يجوز في اللغة، لم يرد هذا التقسيم الحادث، ولا خطر بباله، لا سيما وقد قالوا: إن المجاز يصح نفيه، فكيف يليق حمل الآيات القرآنية على مثل ذلك؟ !. وقد أتى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب الإيمان الكبير، بما كفى وشفى، وذكر الآيات التي استدلوا بها، وبعض الأمثلة التي ذكروها ; وأجاب عن ذلك بما إذا طالعه المنصف، عرف الصواب.

стр. 5848

ومن قواعده: أن المجاز لا يدخل في النصوص، ولا يهولنك إطباق المتأخرين عليه، فإنهم قد أطبقوا على ما هو شر منه، والعاقل يعرف الرجال بالحق، لا الحق بالرجال. ومن عرف غربة الإسلام والسنة، لم يغتر بأقوال الناس وإن كثرت ; والله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] الآية، ومن أبلغ الناس بحثا في المعاني، الزمخشري، وله في تفسيره مواضع حسنة. ولكنه معروف بالاعتزال ونفي الصفات، والتكلف في التأويلات الفاسدة، والحكم على الله بالشريعة الباطلة، مع ما هو عليه من مسبة السلف وذمهم، والتنقص بهم، وفي تفسيره عقارب لا يعرفها إلا الخواص من أهل السنة. وقد قال فيه بعض العلماء: ولكنه فيه مقال لقائل ... وزلات سوء قد أخذن المخانقا ويسهب في المعنى القليل إشارة ... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا ويقول فيها الله ما ليس قائلا ... وكان مجافي الخطابة وامقا ويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولا سيما إن أولجوه المضائقا لئن لم تداركه من الله رحمة ... لسوف يرى للكافرين مرافقا والمقصود: أن الاعتماد على أقوال مثل هؤلاء، لا يليق بالمحقق، لا سيما فيما يتعلق بمعرفة الله وتوحيده، وأنت ترى مثل محمد بن جرير الطبري ﵀، وأقرانه ومن

стр. 5849

قبله، ومن يقربه في أزمانه لم يعرج على هذه الأمور، وكذلك المحققون من المتأخرين كابن كثير ونحوه، وكما هو المأثور عن السلف ﵏، وما استنبطوا منه. فنسأل الله تعالى أن يلحقنا بآثار الموحدين، وأن يحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة بمنه وكرمه، والله أعلم. [استفتاء علماء نجد وغيرهم عما نقل من تفسير ثناء الله الهندي وجوابهم] وقال الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف وفقهما الله تعالى، جوابا لعلماء الهند، ما نصه: بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله ناصر الحق ورافعه، وخاذل الباطل وواضعه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من صدق إسراره إعلانه، وواطأ جنانه لسانه ; ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أطلع الله ببعثته صبح الإسلام وأبانه ; ومحق برسالته حالك ليل الشرك وأهانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ما غردت قمرية ببانة، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فقد وقفنا على الكتاب الذي أرسله أبو يحيى محمد شريف الكهريالوي، وأصحابه من أهل الحديث الشريف، من أهل الهند، إلى إمام المسلمين، ورافع ألوية الدين: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود، لا زال للدين ناصرا ; ولأعداء الملة المحمدية كاسرا.

стр. 5850

يطلبون منه استفتاء علماء نجد وغيرهم، فيما شجر بينهم وبين أبي الوفاء ثناء الله، ليرشدوا إلى الصواب في تلك المسائل، التي أخذوها على ثناء الله، وانتقدوها من تفسيره، وتصفحنا النقول التي نقلت من تفسير ثناء الله، بمرسوم عبد الله كميريوري، من مضافات أوتر. فنقول وبالله التوفيق: هذه المواضع المنقولة من تفسير أبي الوفاء ثناء الله، جمهورها، بل كلها خطأ، إلا مواضع يسيرة، ننبه عليها إن شاء الله تعالى ; وأعظمها وأكبرها: ما يتعلق بصفات الله تعالى، كإنكاره حقيقة الاستواء، بتفسيره إياه بالاستيلاء ; أو تنفيذ الأحكام والتدبير، فإنه خطأ وضلال، بل دخول فيما عليه أهل التحريف والتعطيل، من الجهمية والمعتزلة، ونحوهم ممن ضل عن سواء السبيل، وهو خلاف ما عليه أهل السنة. فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة، وقولهم الشامل في هذا الباب: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله ﷺ ، ووصفه به السابقون الأولون، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، لا يتجاوزون القرآن والحديث. وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره ; وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة، مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر، في أن الله
следующие страницы →