← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث. ومن ذلك ما ذكرتم، عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٩] وقد قيل: إن خلق جرم الأرض متقدم على السماء، ودحوها متأخر، وقد ذكر هذا جماعة من أهل العلم، وهذا جمع جيد يجب المصير إليه. وفي حم السجدة، الجواب: أن الخلق ليس عبارة عن الإيجاد والتكوين فقط، بل عبارة عن التقدير أيضا ; والمعنى: قضى أن يحدث الأرض في يومين، بعد إحداث السماء ; والجواب المشهور: أنه خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء بعدها، ثم دحا الأرض ومدها ; والأول أولى، ففي هذا نوع تعارض. ومن ذلك قولكم في الكلام على البسملة: والرحمة إرادة الخير والإحسان لأهله ; وقيل: ترك عقوبة من يستحق العقاب، وإسداء الخير والإحسان إلى من لا يستحقه، فهو على الأول صفة ذات ; وعلى الثاني صفة فعل، انتهى. وهذا هو التأويل المعروف عن بعض أهل البدع، يردون هذه الصفات إلى الإرادة، فرارا مما فهموه، حيث قالوا: إن الرحمة رقة في القلب لا يصلح نسبتها إلى الله تعالى ; فقال لهم أهل السنة: هذه رحمة المخلوق، ورحمة الرب تليق بجلاله، لا يعلم كيف هي إلا هو. ويلزمهم في الإرادة نظير ما فروا منه في الرحمة ; فإن

стр. 5847

الإرادة هي ميل القلب، فإما أن تثبت إرادة تليق بالرب تعالى، وهو الحق في جميع الصفات، وإما أن تقابل بالتأويل وهو الباطل؛ والآفة دخلت على النفاة، من جهة أنهم لم يفهموا من صفات الرب إلا ما يليق بالمخلوق، فذهبوا لينفوا ذلك، ويقابلوه بالتأويلات. قال شيخ الإسلام: إنهم شبهوا أولا فعطلوا آخرا، وأهل السنة والجماعة أثبتوا لله جميع الصفات على ما يليق بجلاله، ونفوا عنه مشابهة المخلوقين، فسلموا من التشبيه والتعطيل. ومن ذلك: أنكم أكثرتم في هذا التفسير من حمل بعض الآيات على المجاز وأنواعه، وقد علمتم أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، حدث بعد القرون المفضلة، ولم يتكلم الرب به ولا رسوله، ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان. والذي تكلم به من أهل اللغة، يقول في بعض الآيات: وهذا من مجاز اللغة ; ومراده: أن هذا مما يجوز في اللغة، لم يرد هذا التقسيم الحادث، ولا خطر بباله، لا سيما وقد قالوا: إن المجاز يصح نفيه، فكيف يليق حمل الآيات القرآنية على مثل ذلك؟ !. وقد أتى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب الإيمان الكبير، بما كفى وشفى، وذكر الآيات التي استدلوا بها، وبعض الأمثلة التي ذكروها ; وأجاب عن ذلك بما إذا طالعه المنصف، عرف الصواب.

стр. 5848

ومن قواعده: أن المجاز لا يدخل في النصوص، ولا يهولنك إطباق المتأخرين عليه، فإنهم قد أطبقوا على ما هو شر منه، والعاقل يعرف الرجال بالحق، لا الحق بالرجال. ومن عرف غربة الإسلام والسنة، لم يغتر بأقوال الناس وإن كثرت ; والله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] الآية، ومن أبلغ الناس بحثا في المعاني، الزمخشري، وله في تفسيره مواضع حسنة. ولكنه معروف بالاعتزال ونفي الصفات، والتكلف في التأويلات الفاسدة، والحكم على الله بالشريعة الباطلة، مع ما هو عليه من مسبة السلف وذمهم، والتنقص بهم، وفي تفسيره عقارب لا يعرفها إلا الخواص من أهل السنة. وقد قال فيه بعض العلماء: ولكنه فيه مقال لقائل ... وزلات سوء قد أخذن المخانقا ويسهب في المعنى القليل إشارة ... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا ويقول فيها الله ما ليس قائلا ... وكان مجافي الخطابة وامقا ويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولا سيما إن أولجوه المضائقا لئن لم تداركه من الله رحمة ... لسوف يرى للكافرين مرافقا والمقصود: أن الاعتماد على أقوال مثل هؤلاء، لا يليق بالمحقق، لا سيما فيما يتعلق بمعرفة الله وتوحيده، وأنت ترى مثل محمد بن جرير الطبري ﵀، وأقرانه ومن

стр. 5849

قبله، ومن يقربه في أزمانه لم يعرج على هذه الأمور، وكذلك المحققون من المتأخرين كابن كثير ونحوه، وكما هو المأثور عن السلف ﵏، وما استنبطوا منه. فنسأل الله تعالى أن يلحقنا بآثار الموحدين، وأن يحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة بمنه وكرمه، والله أعلم. [استفتاء علماء نجد وغيرهم عما نقل من تفسير ثناء الله الهندي وجوابهم] وقال الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف وفقهما الله تعالى، جوابا لعلماء الهند، ما نصه: بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله ناصر الحق ورافعه، وخاذل الباطل وواضعه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من صدق إسراره إعلانه، وواطأ جنانه لسانه ; ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أطلع الله ببعثته صبح الإسلام وأبانه ; ومحق برسالته حالك ليل الشرك وأهانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ما غردت قمرية ببانة، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فقد وقفنا على الكتاب الذي أرسله أبو يحيى محمد شريف الكهريالوي، وأصحابه من أهل الحديث الشريف، من أهل الهند، إلى إمام المسلمين، ورافع ألوية الدين: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود، لا زال للدين ناصرا ; ولأعداء الملة المحمدية كاسرا.

стр. 5850

يطلبون منه استفتاء علماء نجد وغيرهم، فيما شجر بينهم وبين أبي الوفاء ثناء الله، ليرشدوا إلى الصواب في تلك المسائل، التي أخذوها على ثناء الله، وانتقدوها من تفسيره، وتصفحنا النقول التي نقلت من تفسير ثناء الله، بمرسوم عبد الله كميريوري، من مضافات أوتر. فنقول وبالله التوفيق: هذه المواضع المنقولة من تفسير أبي الوفاء ثناء الله، جمهورها، بل كلها خطأ، إلا مواضع يسيرة، ننبه عليها إن شاء الله تعالى ; وأعظمها وأكبرها: ما يتعلق بصفات الله تعالى، كإنكاره حقيقة الاستواء، بتفسيره إياه بالاستيلاء ; أو تنفيذ الأحكام والتدبير، فإنه خطأ وضلال، بل دخول فيما عليه أهل التحريف والتعطيل، من الجهمية والمعتزلة، ونحوهم ممن ضل عن سواء السبيل، وهو خلاف ما عليه أهل السنة. فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة، وقولهم الشامل في هذا الباب: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله ﷺ ، ووصفه به السابقون الأولون، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، لا يتجاوزون القرآن والحديث. وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره ; وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة، مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر، في أن الله

стр. 5851

سبحانه هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء، وهو عال على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء. مثل قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [سورة فاطر آية: ١٠] ، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [سورة آل عمران آية: ٥٥] ، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [سورة الملك آية: ١٦-١٧] ، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٥٨] ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [سورة المعارج آية: ٤] ، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [سورة السجدة آية: ٥] ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [سورة النحل آية: ٥٠] ، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] ، في ستة مواضع ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [سورة غافر آية: ٣٦-٣٧] ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٢] ، ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٤] ، إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة. وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بكلفة، مثل قصة معراج الرسول ﷺ إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله، وصعودها إليه، وقوله في الملائكة

стр. 5852

الذين " يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم، فيسألهم وهو أعلم بهم " ١. وفي الصحيح في حديث: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ "٢ إلى غير ذلك مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية، التي تورث علما يقينيا من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء، كما فطر على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم، في الجاهلية والإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته. ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين ألوف، ولم يقل أحد منهم قط: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء، أو تنفيذ الأحكام والتدبير. والذين أولوا الاستواء بالاستيلاء، إنما حملهم على ذلك سوء أفهامهم ; حيث لم يفهموا من ذلك إلا التشبيه، ظنا منهم أن استواءه تعالى على العرش من جنس استواء المخلوق على ما يستوى عليه من الفلك وبهيمة الأنعام. وخفي عليهم: أن استواء الله على العرش من جنس سائر الصفات الواردة في الكتاب والسنة، كوجوده ﵎ وعلمه وحياته وغير ذلك؛ فكما أن إثبات وجوده تعالى وعلمه وحياته لا يلزم منه مماثلة خلقه في الوجود والعلم والحياة، بل وجوده تعالى وعلمه وحياته

стр. 5853

تليق به وتناسبه وتختص به، فكذلك القول في الاستواء وسائر الصفات. وهذا المحذور الذي زعموه وفروا من أجله من إثبات الاستواء، يلزمهم نظيره فيما ذهبوا إليه من الاستيلاء، أو تنفيذ الأمر والتدبير ; فإنهم إن أثبتوا الاستيلاء من جنس استيلاء المخلوقين وقعوا في نفس ما فروا منه ; وإن قالوا: استيلاء يليق بجلال الله وعظمته، فلأي شيء لم يثبتوا الاستواء ويقولوا استواء يليق بجلاله وعظمته؟ حتى يكونوا قد صدقوا الكتاب والسنة، ووافقوا في الاعتقاد ما أجمعت علية الأمة. ولم يفهم أحد من سلف الأمة وأئمتها من قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الفرقان آية: ٢] ، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [سورة يونس آية:٣] ما يدل على أن الاستواء بمعنى الاستيلاء بوجه من الوجوه. ويقرب من هذا تفسيره العرش في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [سورة هود آية: ٧] وغيرها من الآيات التي ذكر بالملك والحكومة. وتفسيره قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ﴾ [سورة الحاقة آية: ١٧] بأن ذلك كناية عن عظمة كبريائه، فإن هذا إنكار لحقيقة العرش، وإنكار لحملته، ودخول في مسالك المبتدعة المنكرين للصفات، فإنهم إنما أنكروه تذرعا إلى إنكار علو الله سبحانه على خلقه، واستوائه على عرشه. والنصوص من الكتاب والسنة ظاهرة جلية، في إثبات

стр. 5854

العرش ; وهو إجماع أهل السنة والجماعة، كما دلت عليه هذه الآيات الكريمات، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [سورة الزمر آية: ٧٥] وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [سورة غافر آية: ٧] ، وقال ﷺ في الفردوس: " إنها أعلى الجنة، ووسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن " ١. وقال ﷺ " إن الله كتب في كتاب - فهو موضوع عنده فوق العرش -: إن رحمتي تغلب غضبي " ٢، وقال ﷺ : " إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يرفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة العرش" ٣ الحديث ; إلى غير ذلك مما أفاد العلم الضروري، بوجود العرش الذي هو السرير، كما هو المعروف في لغة العرب، وهو الذي فهمه الصحابة عن نبيهم ﷺ ، وتلقاه عنهم أهل العلم؛ وعقائد أهل السنة تنادي بذلك. وكثير منهم يعقد لذلك بابا، ويقول: باب إثبات العرش، ويذكر فيه النصوص الواردة من الكتاب والسنة. والاستدلال على أن العرش ليس هو المعروف عند سلف الأمة وأئمتها بقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ﴾ [سورة غافر آية: ١٦] أظهر في البطلان من أن يحتاج إلى تعريف. وكذلك تفسيره الكتاب المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣٨] ونظائرها، بعلم الله، فجهل وضلال، ولا يتمشى هذا إلا على أصول

стр. 5855

القدرية المنكرين للقدر السابق ; وأما أهل السنة والجماعة فهم برآء إلى الله ﵎، من هذا المذهب الباطل. ونصوص الكتاب والسنة - في إثبات اللوح المحفوظ، والكتاب السابق، الذي كتبت فيه المقادير، وإثبات القلم، وأن الله تعالى لما خلقه قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة - أشهر من أن ينبه عليها. وهكذا قوله في قوله تعالى: ﴿أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [سورة يس آية: ١٢] في صحف أعمال، هو غلط كالذي قبله، وليس في قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٩] التي استدل بها، ما ينافي إثبات اللوح المحفوظ، والكتاب السابق المذكور في تلك الآيات. ونظير ذلك استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [سورة القمر آية: ٥٢] ، بل هذه الآية نظير الآيات الأول في إثبات الكتاب السابق، وكاستدلاله أيضا بقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] وغيرها، كل ذلك لا ينافي ما تقرر فيما تقدم، بإجماع أهل العلم من المفسرين وغيرهم. ومما يدخل في أنواع أهل البدع - كالمنكرين الصفات - تفسيره الكتابة في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٥] بالأمر بكتابة الأحكام، فإنه من تأويل آيات الصفات، وتحريفها عن ظاهرها الذي أريد منها ; وفي

стр. 5856

الحديث: " إن الله خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده " الحديث. ومثله أيضا قوله: إن السدرة التي في قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [سورة النجم آية: ١٤] ليست سدرة حقيقة، والمراد بالمنتهى منتهى مراتب كمال الإنسان، فإنه من أقوال منكري علو الله ﵎، وهو خروج عن ظاهر الآية، وخلاف ما دلت عليه أحاديث الإسراء التي فيها التصريح بالمراد من الآية، وأن ذلك كله حقيقة. وأما تفسيره قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦٠] بإرسال السماء عليهم مدرارا، فهو خلاف ما عليه المفسرون ; والصواب الموافق للحق ما قاله في الطبع الثاني، بقوله في التيه: لدفع الشمس، إلا أنه لم يصرح بالمراد بالغمام ; وقال أيضا في آخر ذلك: لأن بني إسرائيل أقاموا في التيه أربعين سنة في الشمس، فلم يصنع حينئذ شيئا، ورجع التفسير إلى ما في الطبع الأول. وأما تفسيره قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٥٩] بقوله: أي: خالفوا ما أمروا به من التوكل والاستغفار ; فلا ريب أن التفسير الصحيح في ذلك هو ما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ من أنهم دخلوا يزحفون على استاههم، وقالوا: حبة في شعرة، كما في الصحيح عن أبي هريرة مرفوعا وغيره. لكن إن أراد أن التوكل داخل في الأمر بالدخول سجدا

стр. 5857

من طريق اللزوم، فهو صحيح، وكذلك الاستغفار الذي ذكره، هو داخل في الحديث ; لكن قوله في الطبع الثاني: أو دخلوا يزحفون على استاههم إلى آخره، يشعر بالمغايرة، ولا مغايرة على التوجيه السابق. وأما تفسيره الرجز المذكور في قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً﴾ [سورة البقرة آية: ٥٩] بقوله: أي حرمناهم بفسقهم، فغلط ; وذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس: كل رجز في القرآن المراد به العذاب ; قال: وهكذا روي عن مجاهد وأبى مالك، والسدي والحسن وقتادة أنه العذاب. وقال أبو العالية: الرجز الغضب، وقال الشعبي: الرجز إما الطاعون وإما البرد، إلى أن قال: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، وذكر سنده إلى سعد بن مالك، وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت، قالوا: قال رسول الله ﷺ " الطاعون رجز عذاب، عذب به من كان قبلكم " ١، وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان به ; وقوله ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ﴾ [سورة المائدة آية: ٢٦] غير خاف عدم دلالته على أن المراد بالرجز التحريم المذكور، فهذا شيء وذاك شيء آخر. وأما تفسيره قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٧] بقوله، أي: ابتداء لا بعد المنع، وقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٧] أي:

стр. 5858

تنقصون حظوظ أنفسكم بالمجانبة عن النساء، فهو خلاف ما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ . فإن السنة دلت على منع الصائم أولا من النساء ليلة الصيام، ثم أباح الله ذلك وأنزل قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٧] الآية السابقة، كما في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب، قال: لما نزل صوم شهر رمضان، كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، الحديث. فهذا ظاهر في أن الحل المذكور في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ أنه من بعد منع، وظاهر في معنى قوله تعالى: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: بالجماع ليلة الصيام، ليس معناه تنقصون حظوظ أنفسكم بالمجانبة عن النساء. وأما تفسيره قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٦٠] بقوله: أملها، أي: اجعلها مائلة إليك، بحيث إذا تركتها تميل إليك، ﴿ثُمَّ﴾ بعد ميلانها إليك تعودها، و ﴿اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً﴾ أي: واحدا واحدا، فهو إنكار لما ذكره المفسرون من ذبح تلك الطير وتقطيعهن، وخروج عما دلت عليه الآية الكريمة من الآية الباهرة الدالة على قدرة الله تعالى على إحياء الموتى. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ : قطعهن، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير، وأبو مالك وأبو الأسود الدؤلي، ووهب بن منبه، والحسن والسدي وغيرهم.

стр. 5859

وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٦٠] : أوثقهن، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءا ; فذكروا: أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن، ثم قطعهن، ونتف ريشهن، ومزقهن ; وخلط بعضهن ببعض، ثم جزأهن أجزاء، وجعل على كل جبل منهن جزءا، قيل: أربعة أجبل، وقيل سبعة. وقال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده، ثم أمره الله أن يدعوهن، فدعاهن كما أمره الله، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته. وأتينه يمشين سعيا، ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم ﵇، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده، بحول الله وقوته. انتهى. وأما قوله: إن آية: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٦٦] ليست بمنسوخة ; لأن كون الحكم مشروطا بشرط لا يوجد ينافي النسخ، فهو خلاف ما عليه أئمة التفسير، كابن عباس ﵄ وغيره ; وقول من قال: ليست بمنسوخة من أهل العلم لا ينافي ذلك، إذ هو مبني على خلاف في حد النسخ، لا على الوجه الذي ذكره. ونظير هذا إنكاره النسخ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ

стр. 5860

أَيْمَانُكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٣٣] ، وزعمه أن المراد الزوج والزوجة، فإنه غلط خلاف ما جاءت به الآثار ونقل عن أئمة التفسير. وأما تفسيره قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [سورة يونس آية: ٢٦] بقوله: على قدر أعمالهم، ويشمل رؤية الله تعالى، فهذا تفسير حسن، ولا ينافي ما جاء في السنة من تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى. قال الحافظ ابن كثير: يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح، الحسنى في الدار الآخرة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الأِحْسَانِ إِلاَّ الأِحْسَانُ﴾ [سورة الرحمن آية: ٦٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي تضعيف ثواب الأعمال، بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وزيادة على ذلك أيضا، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور، والرضى عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين. وأفضل من ذلك وأعلاه: النظر إلى وجهه الكريم، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقونها بعملهم، بل بفضله ورحمته ; ثم ذكر أحاديث النظر إلى وجه الله وأقوال الصحابة. وقوله في قول الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [سورة الحجر آية: ٧٤] أي: أسقطنا سقف بيوتهم عليهم، هذا من الخطأ الواضح، فإنه خلاف ظاهر اللفظ، وخلاف ما عليه

стр. 5861

المفسرون، فإن قوم لوط - والعياذ بالله - قلبت ديارهم عليهم، فجعل عاليها سافلها. وأما قوله في قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [سورة آل عمران آية: ٣٧] إلى آخره: كانت ﵍ تنسب ما كان عندها إلى الله، لقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [سورة النحل آية: ٥٣] فليس فيه دليل على أن مريم الصديقة كان يأتيها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. فمن المعلوم أن أئمة التفسير، كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والضحاك والسدي، وقتادة والربيع بن أنس، وعطية العوفي وغيرهم، أدرى بمعاني كتاب الله ; وقد جاء عنهم: أنها ﵍ تؤتى بفاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف ; وإثبات كرامات الأولياء من أصول أهل السنة والجماعة. وأما تفسيره النار في قوله تعالى: ﴿بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٣] بقوله، أي: يحرقه الكاهن بالنار، والعجب ممن قيد النار بالسماوي! ليت شعري، من أين أخذ هذا التفسير؟ ! فيقال: ليس ذلك بتقييد، بل تفسير، والألف واللام في النار للعهد الذهني، فيكون المراد: النار المتعارفة بينهم، وجاء عن أئمة التفسير تفسيرها بالنار التي تنزل من السماء. قال ابن كثير: يقول تعالى تكذيبا لهؤلاء، الذين زعموا

стр. 5862

أن الله عهد إليهم في كتبهم أن لا يؤمنوا لرسول حتى يكون من معجزاته: أن من تصدق بصدقة من أمته فتقبل منه أن تنزل نار من السماء تأكلها، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. انتهى. ومما يشهد لذلك ويدل على صحة نزول جنس النار السماوية، الأحاديث الدالة على أن الغنائم فيمن قبل هذه الأمة تنزل عليها نار من السماء فتأكلها، وهذا نظير تفسيره قوله تعالى، ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢٧] أنهما اطلعا بواسطة آدم، أن تقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر. فإنه قد جاءت الآثار هنا: أن هابيل قرب جذعة ; وقابيل: قرب حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها، فنَزلت النار فأكلت قربان هابيل، كما في تفسير ابن جرير، وابن كثير والبغوي وغيرها من التفاسير. وأما تفسيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٨] أنه يوم الموت، فإن الذي دلت عليه الأحاديث كحديث أبي هريرة وأبي ذر اللذين في الصحيحين وغيرهما، وحديث حذيفة عند ابن مردويه، وحديث أبي سعيد عند الترمذي، وحديث صفوان بن عسال، وحديث عبد الله بن مغفل وغيرها، أن المراد بالآيات في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٨] : الآيات العظام التي قرب قيام الساعة، التي هي من أشراطها، كطلوع

стр. 5863

الشمس من مغربها وغير ذلك مما ثبت في الأحاديث. وليس ذلك هو المذكور في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [سورة الفرقان آية: ٢٢] فإن ذلك يوم الاحتضار، كما في تفسير ابن كثير وغيره. وأما تفسيره الوزن في قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [سورة الأعراف آية: ٨] أي: مقدار الأعمال بأي وجه كان ; وتفسيره خفة الموازين بحبوط الأعمال، فهذا إنكار لحقيقة وزن الأعمال الذي دل عليه الكتاب العزيز وسنة رسول الله ﷺ . وأما تفسيره قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [سورة يوسف آية: ٢٦] بقوله: أي: أظهر رأيه، إلى آخره، فليس خطأ محضا، بل هو مبني على أحد القولين في ذلك الشاهد. قال ابن كثير: واختلف في هذا الشاهد، هل هو صغير أو كبير على قولين لعلماء السلف: أحدهما أنه كبير، ذكره ابن عباس والثوري، وابن إسحاق وغيرهم. ثم قال: وقال العوفي عن ابن عباس: كان صبيا في المهد; وكذا روي عن أبي هريرة وهلال بن يساف، والحسن وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، أنه كان صبيا في الدار، واختاره ابن جرير، وروى فيه حديثا مرفوعا عن ابن عباس، وقال: تكلم أربعة وهم صغار، فذكر فيهم شاهد يوسف. انتهى. لكن هذا القول الثاني أظهر للحديث. وأما تفسير قوله تعالى: ﴿ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٧] ،

стр. 5864

وقوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [سورة الواقعة آية: ٣٠] بالنعماء دون حقيقة الظل، فهو ظن منه أن الظل متوقف على الشمس، وليس الأمر كذلك، وليس في نفي الشمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً﴾ [سورة الإنسان آية: ١٣] ما ينافي الظل; نعم: الظل الموقوف على الشمس منفي، ولا يلزم من نفيه نفي ظل آخر غير موقوف على الشمس. وأما قوله في آية: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٢٧] أي: ببركة التوحيد في الحياة الدنيا، لا يزيغون بإغواء المغوي، وفي الآخرة بعد الموت من القبر إلى المحشر، فليس فيه ما ينافي ما وردت به الأخبار، على أن ذلك هو التثبيت عند السؤال في القبر، لكن ينبغي الاقتصار على ما جاءت به السنة، فإن فيه غنية وكفاية. وأما قوله في: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [سورة الإسراء آية: ٧٨] أي: ينبغي أن يشهدها المؤمنون ; فهو خلاف ما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ من أن المراد هو ملائكة الليل والنهار، أو شهود الله وملائكته، إلا أن يراد بذلك تنبيه الآية وإشارتها. وأما تفسيره قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ [سورة الكهف آية: ٦١] بقوله: شقا، كما يسبح الحوت سبحا طبيعيا، وقوله: ﴿عَجَباً﴾ [سورة الكهف آية:٦٣] : تعجب يوشع من سرعته، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [سورة مريم آية: ٩٦] أي: بينهم يوم

стр. 5865

القيامة، ففي ما جاء من السنة في تفسير هذه الآيات غنية في رد ما ذكره، والأحاديث في ذلك معروفة. وأما تفسيره تسبيح الجبال والطير بتذكيره ذلك، فقد رجع عنه في الطبع الثاني، بقوله: تسبيحا مناسبا بشأنها ; فلا مطعن عليه في ذلك حينئذ. وأما قوله، في قوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سورة سبأ آية: ١٠] أي: علمناه إلانة الحديد، فهو خلاف ظاهر الآية، وما نقل عن أئمة التفسير ; وإلانة الحديد لون، وتعليمه صنعة لبوس لون آخر. وأما تفسيره قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات آية: ١٠٧] بأن إبراهيم أمر بأن يذبح الكبش، فكان ظاهره: أنه لم يفد بكبش منزل من السماء ; وهذا خلاف ما ثبت عن ابن عباس وغيره، من أنه فدي بكبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا. وأما تفسيره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [سورة الفرقان آية: ٣٤] بقوله: أي: يسحبون ويجرونـ وقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [سورة الدخان آية: ٢٩] بقوله: أي: لم يترحم عليهم أحد من أهل السماء، ولا من أهل الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة النمل آية: ٨٢] بقوله: أي قامت عليهم الساعة ; وقوله تعالى: ﴿دَابَّةً﴾ بقوله: أن نبعث نبيهم يشهد عليهم، فهذا غلط وخلاف

стр. 5866

قوله ﷺ عندما سئل عن ذلك: " إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه " ١، وخلاف ما روى أبو العالية الموصلي، عن أنس مرفوعا: " ما من عبد إلا وله في السماء بابان، باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه.. ." ٢ الحديث. والأحاديث في الدابة وخروجها قرب قيام الساعة مشهورة، كما روى أحمد ومسلم وأهل السنن - واللفظ لأحمد - عن حذيفة بن أسيد الغفاري مرفوعا: "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة ... " ٣ الحديث. وروى مسلم من حديث عبد الله بن عمر، وقال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعته يقول: " إن أول الآيات خروجا: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى ... " ٤ الحديث، وغيرهما من الأحاديث. وأما قوله في الطبع الثاني: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة النمل آية: ٨٢] أي: إذا شارفت الساعة عليهم بظهور علاماتها، ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ [سورة النمل آية: ٨٢] أية دابة، ومن أية أرض تخرج، فهذا كان رجوعا عن قوله الأول، ولكن فيه شيء. وأما تفسيره البيت المعمور بالمساجد، فهو خلاف ما عليه المفسرون، من أنه البيت الذي في السماء، المذكور في

стр. 5867

أحاديث الإسراء، كما في الصحيحين، من قوله ﷺ : " ثم رفع بي إلى البيت المعمور ... " ١ الحديث، وغيره من الأحاديث ; والله الموفق. وليعلم: أن قد تركنا التنبيه على بعض الآيات التي استشهد بها على بعض ما فسر به، لوضوح عدم دلالتها على مراده، وأنا لم ننبه على تلك الغلطات، إلا نصحا لله ولرسوله، ولكتابه، وللمسلمين، وأنه ينبغي لإخواننا أهل الحديث الهنديين، أن لا يكون قصدهم ذلك، وأن يدعوا هذا الرجل ويعاملوه باللين، لعل الله أن يمن عليه بالرجوع، فإن أصر فلا أسف عليه، ويصير حكمه حكم أمثاله المصرين على البدع، والتحريف لنصوص القرآن، لا سيما نصوص صفات الله، والله أعلم، وصلى الله على محمد. [رسالة إلى ثناء الله الهندي تتعلق بعدم رجوعه عما انتقد في تفسيره] ثم كتبا إلى الشيخ المذكور ما نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين. وصلاته وسلامه على نبيه الأمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين. من محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، ومحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، إلى الأخ أبي الوفاء ثناء الله الهندي، منحنا الله وإياه مزيد الدراية، وجنبنا وإياه طرق الزيغ والغواية، اللهم آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 5868

أما بعد: فالحامل على هذا الكتاب، إهداء السلام إلى حضرتكم، ثم تعريفكم أنه قد صار عندنا من المعلوم، رجوعكم بعد أعوام، عن الأمور التي أخذت عليكم، وانتقدت من تفسيركم، فشكرنا لكم ذلك، ودعونا لكم. لكن وقفنا أثناء هذا العام، في ذي القعدة سنة ١٣٥٠ هجرية، على كتاب أرسله أهل الحديث من أهل الهند، إلى الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود، ذكروا فيه عدم رجوعكم، وإصراركم على تلك الأمور التي انتقدت من تفسيركم، وبطي كتابهم نصوص العبارات التي انتقدت، وطلبوا الإرشاد إلى الصواب في ذلك. فلم يسعنا إلا النطق بالصواب، وبيان الصحيح منها من السقيم، نصحا للخلق، وقياما بما تعبدنا به من بيان الحق، وإرشادا لكم خصوصا، رجاء أن ينفعكم الله بذلك، فتتركوا ما سلكتموه من تلك المسالك; وغير خاف عليكم أن كل ذي دين وإنصاف، أبعد شيء عن الأنفة والاستنكار، ومن أحب الناس إليه، من يعرفه عيبه ويوقفه عليه. وليكن منكم على بال، قول إمام دار الهجرة، مالك بن أنس ﵀: ليس منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر - يعني رسول الله ﷺ ولتحضرك قصة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حين نهى في خطبته عن المغالاة في مهور النساء، فقالت له امرأة: يا أمير المؤمنين، ألم يقل الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾

стр. 5869

[سورة النساء آية: ٢٠] فقال ﵁: أصابت امرأة، وأخطأ عمر. ولم يزل أهل العلم يبينون غلطات من غلط ويردونها، حتى إن بعضهم يرد ذلك، ولو بعد توبة من حدث عنه، خوفا أن يغتر بتلك المقالة ; كما رد موفق الدين ابن قدامة الحنبلي غلطات أبي الوفاء ابن عقيل بعدما تاب منها. والذي نوصيك به وأنفسنا تقوى الله ومراقبته في السر والعلانية، والتوبة إلى الله من تلك الورطات، والرجوع إلى الحق بكتابة في ذلك، حتى يشتهر ذلك عنك ; ويحصل الاتفاق بينك وبين أهل الحديث من الهند وغيرهم. ونوصيك أيضا: بالإكباب على كتب أهل السنة وتفاسيرهم، كالأمهات الست وغيرها من كتب الحديث، وتفسير ابن جرير وابن كثير والبغوي، وغيرها من تفاسير السلف من أهل السنة، الذين لا تروج عليهم أحداثات المحدثين، وتأويلات الجاهلين. جعلنا الله وإياك هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائه، حربا لأعدائه، نحب بحبه من أحبه، ونعادي بعداوته من خالف أمره، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. [أسئلة عن القرآن والأخذ منه والاجتماع لأجل القراءة] [معنى حديث "القرآن ماحل مصدق"] سئل الشيخ: علي بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى، عن قوله: "القرآن ماحل مصدق" ما معناه؟ . فأجاب: مسألتك التي سألت عنها الشيخ، وهي قوله: "القرآن ماحل مصدق" بالحاء، والماحل: نقال العلوم،

стр. 5870

فالقرآن ماحل مصدق، أي: ناقل مصدق، لأنه نقل إلينا أخبار من قبلنا. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، عن حديث: "خذ من القرآن ما شئت لما شئت". فأجاب: ليس هذا بحديث، ولا يصح أن ينسب إلى النبي ﷺ . سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله، عن الاجتماع في رمضان لأجل قراءة القرآن، مع التدبر؟ فأجاب: لا بأس بذلك; بل ورد الحث عليه فيما رواه مسلم في صحيحه، عن النبي ﷺ أنه قال: " ما جلس قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا غشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده " ١ أو كما قال ﷺ . سئل الشيخ: سعيد بن حجي، عن الكلام عند تلاوة القرآن؟ فأجاب: قال النووي ﵀ في كتاب " التبيان ": ويتأكد الأمر باحترام القرآن من أمور; منها: اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القرآن، إلا كلام يضطر إليه، وليمتثل أمر الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٠٤] أي: اسكتوا ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٣٢] ، وعن ابن عمر: أنه كان إذا قرأ القرآن لا يتكلم، حتى يفرغ مما أراد أن يقرأ.

стр. 5871

[معنى تنكيس السور وحكمه] سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، عن تنكيس السور؟ فأجاب: أما صورة تنكيس السور، فمثل أن يقرأ سورة آل عمران قبل سورة البقرة ; وأما تنكيس الآيات، فمثل أن يقول في قراءة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ٢] . [حكم قراءة القرآن بالألحان] وسئل عن قراءة القرآن بالألحان؟ فاجاب: أما قراءة القرآن بالألحان فكرهها العلماء، وقال أحمد ومالك: هي بدعة ; وقال أحمد: يحسن صوته بالقرآن. وقال الشيخ تقي الدين: التلحين الذي يشبه الغناء مكروه، والألحان التي كره العلماء قراءة القرآن بها هي التي تتضمن قصر الحرف الممدود، ومد المقصور، وتحريك الساكن، وتسكين المتحرك، ونحو ذلك ; يفعلون ذلك لموافقة نغمات الأغاني المطربة. ولها عند أهلها أسماء كالبريطي والرومي، والمكي، والإسكندراني ; والمصري، والديباجي، والياقوتي، أسماء مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان، فإن حصل من ذلك تغيير نظم القرآن، كجعل الحركات حروفا، فهو حرام. وسأل رجل الإمام أحمد عن ذلك، فقال للسائل: ما اسمك؟ قال: محمد ; قال: ما يسرك أن يقال: يامو حامد.

стр. 5872

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "اقرؤوا القرآن بلحن العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتاب، وأهل الفسوق، فإنه سيجيء أقوام يرجعون بالقرآن، كترجيع الغناء والرهبانية، لا يجاوز حناجرهم ". وأما تحسين الصوت بالقرآن على غير الوجه المكروه، فمندوب إليه ; قال الإمام أحمد: يحسن صوته بالقرآن ; وقال النبي ﷺ : " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن يجهر به " ١، وفي حديث آخر: " زينوا القرآن بأصواتكم " ٢ وفي حديث آخر: "حسن الصوت زينة القرآن" ومما قال النبي ﷺ لأبي موسى: " لو رأيتني أستمع لقراءتك البارحة " فقال أبو موسى: لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا، أي: حسنته. [حكم من يقرأ القرآن ويتتعتع فيه] سئل الشيخ: عبد الله بن عبد العزيز العنقري، عن الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، هل يدخل في الوعيد الوارد فيمن زاد في القرآن؟ فأجاب: لو قلنا بهذا لانسد باب تعلم القرآن ; وهذا من خرافات الجهال ; بل قد ثبت في الحديث المتفق على صحته، عن النبي ﷺ قال: "من قرأ القرآن وهو ماهر فيه فهو مع السفرة الكرام البررة، ومن قرأ وهو يتتعتع فيه، وهو عليه شاق " وفي رواية " شديد، فله أجران " والزيادة في القرآن الموجبة للعنة، هي التي يتعمدها

стр. 5873

الإنسان، وأما الحديث المسؤول عنه: من قرأ القرآن برأيه، فلا نعلمه حديثا ; والذي يقرأ برأيه هو الذي يحدث قرآنا من عنده ; ولفظ الحديث الصحيح: " من قال في القرآن برأيه ... " ١ الحديث. [حكم قراءة الفاتحة كلما أراد قراءة القرآن] . سئل الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن، عن قراءة الفاتحة كلما أراد القراءة؟ فأجاب: وأما الابتداء بفاتحة الكتاب، كلما أراد تلاوة القرآن، فلا أرى الإنكار على من فعل ذلك، لما ثبت في الحديث الصحيح، من قصة الأنصاري الذي كان يقرأ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية: ١] في كل ركعة يكررها إذا أراد القراءة بغيرها، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " سلوه لم فعل ذلك؟ " فقال: إني أحبها; لأن فيها صفة الرحمن، فقال النبي ﷺ "أخبروه أن الله يحبه "٢. فمن قرأ فاتحة الكتاب أو غيرها بقصد يضاهي هذا ويشابهه، فلا حرج عليه; وأما إن قرأها قبل كل قراءة معتقدا أن الله أمر بذلك، أو أن الرسول ﷺ سنه، فهذا يعرف بالسنة ويخبر بها، وأنها إنما ابتدأ بها القراءة في الصلاة، لا في سائر أحوال التلاوة. [ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم] قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: مما ذكر في الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: فأما الشيطان الإنسي فالمصانعة تدفع شره، وأما الشيطان الجني، فلا يدفعه غير الاستعاذة بالذي خلقه.

стр. 5874

وجمع الله بينهما في ثلاث آيات، قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٩٩-٢٠٠] الثانية: في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١] في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٩٦-٩٧] الثالثة: في حم السجدة، قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة فصلت آية: ٣٤-٣٥-٣٦] . [قول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في البسملة] قال الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏ في: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [سورة الفاتحة آية: ١] في أربعة مواضع، تدل على وجوب توحيد الله وعبادته، وحده لا شريك له. الأول: في متعلق الباء إذا قدر متأخرا، فإنه يفيد الحصر والاختصاص، وتقديره: ﴿بسم الله﴾ أؤلف لا بسم غيره، لأن المشركين يستعينون بأسماء آلهتهم، كالمسيح ومريم، واللات والعزى، ونحو ذلك، والموحد يخص الله سبحانه ويفرده باستعانته، كما يخصه ويفرده بركوعه

стр. 5875

وسجوده، وغير ذلك من عباداته. والموضع الثاني في اسمه ﴿الله﴾ فإنه دال على أنه سبحانه المستحق لأن يعبد، وحده لا شريك له، بما دل عليه من المعنى الموضوع له، وهو علميته على ذي الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، كما فسره به حبر الأمة ابن عباس ; وكلام غيره يدل على ذلك أيضا. والموضع الثالث: في صفته تعالى بـ ﴿الرحمن﴾ فإنه صفة ذات، دلت على أنه تعالى اتصف بغاية الرحمة ومنتهاها، ومن هذا صفته وهذه رحمته، فقصد غيره وعبادة سواه ورجاؤه، من أضل الضلال وأبطل الباطل، وأسفه السفه. وهكذا الاستدلال بجميع صفات الكمال، كالعلم والقدرة، وغير ذلك. الموضع الرابع: في اسمه ﴿الرحيم﴾ فإن معناه: الذي أوصل ويوصل إلى عباده غاية الرحمة ومنتهاها، وكل ما في الموجودات من أنواع النعيم والهداية والخيرات، فمن رحمته وفضله وإحسانه ; فمن هذا فضله بعبيده، وهذه رحمته لهم، هو الذي يستحق ويجب أن يعبد ويقصد، ويرجى ويناب إليه ; والعدول إلى غيره ضلال بعيد، وجهل عظيم، وشرك وخيم ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] . ومن تأمل ما في الكتاب والسنة، من صفات الكمال ونعوت الجلال، فتح له باب عظيم في معرفة الله وحقه،

стр. 5876

ووجوب توحيده، تعالى وتقدس عن أن يكون له شريك.

стр. 5877

سورة الفاتحة قال شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، ﵀ ورضي عنه بمنه وكرمه: اعلم أرشدك الله لطاعته، وأحاطك بحياطته، وتولاك في الدنيا والآخرة: أن مقصود الصلاة وروحها ولبها، هو إقبال القلب على الله تعالى فيها، فإذا صليت بلا قلب فهي كالجسد الذي لا روح فيه. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سورة الماعون آية: ٤-٥] ، ففسر السهو بالسهو عن وقتها - أي إضاعته -، والسهو عن ما يجب فيها، والسهو عن حضور القلب. ويدل على ذلك الحديث الذي في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: " تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا " ١ فوصفه بإضاعة الوقت، بقوله: " يرقب الشمس " ٢ وبإضاعة الأركان بذكره النقر، وبإضاعة حضور القلب بقوله: " لا يذكر الله فيها إلا قليلا " ٣.

стр. 5878

إذا فهمت ذلك، فافهم نوعا واحدا من الصلاة، وهو قراءة الفاتحة، لعل الله أن يجعل صلاتك في الصلوات المقبولة المضاعفة، المكفرة للذنوب. ومن أحسن ما يفتح لك الباب في فهم الفاتحة، حديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة آية:١] قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفاتحة آية:٢.] قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية:٣] قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية:٤] قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة آية:٥] قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل "١ انتهى الحديث. فإذا تأمل العبد هذا، وعلم أنها نصفان: نصف لله، وهو أولها إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٦ – ٧] ونصف للعبد دعاء يدعو به لنفسه ; وتأمل أن الذي علمه هذا هو الله تعالى، وأمره أن يدعو به، ويكرره في كل ركعة، وأنه سبحانه من فضله وكرمه ضمن إجابة هذا الدعاء إذا دعاه بإخلاص وحضور قلب، تبين له ما أضاع أكثر الناس. قد هيؤوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

стр. 5879

وها أنا أذكر لك بعض معاني هذه السورة العظيمة، لعلك تصلي بحضور قلب، ويعلم قلبك ما نطق به لسانك; لأن ما نطق به اللسان ولم يعقد عليه القلب ليس بعمل صالح، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة الفتح آية: ١١] وأبدأ بمعنى الاستعاذة، ثم البسملة، على طريق الاختصار والإيجاز. فمعنى: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم": ألوذ بالله وأعتصم بالله، وأستجير بجنابه من شر هذا العدو، أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، لأنه أحرص ما يكون على العبد، إذا أراد عمل الخير، من صلاة أو قراءة أو غير ذلك، وذلك أنه لا حيلة لك في دفعه إلا بالاستعاذة بالله، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٧] ؛ فإذا طلبت من الله أن يعيذك منه، واعتصمت به، كان هذا سببا في حضور القلب. فاعرف معنى هذه الكلمة، ولا تقلها باللسان فقط، كما عليه أكثر الناس. وأما البسملة: فمعناها: أدخل في هذا الأمر من قراءة أو دعاء أو غير ذلك ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ ، لا بحولي ولا بقوتي، بل أفعل هذا الأمر مستعينا بالله، متبركا باسمه ﵎، هذا في كل أمر تسمي في أوله، من أمر الدين أو أمر الدنيا. فإذا أحضرت في نفسك: أن دخولك في القراءة بالله،

стр. 5880

مستعينا به، متبرئا من الحول والقوة، كان هذا أكبر الأسباب في حضور القلب، وطرد الموانع من كل خير. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ١] : اسمان مشتقان من الرحمة، أحدهما أبلغ من الآخر، مثل: العلام والعليم ; قال ابن عباس: "هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر"، أي: أكثر من الآخر رحمة. وأما الفاتحة، فهي سبع آيات: ثلاث ونصف لله، وثلاث ونصف للعبد ; فأولها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٢] . فاعلم أن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري، فأخرج بقوله: الثناء باللسان، الثناء بالفعل الذي يسمى لسان الحال، فذلك من نوع الشكر. وقوله: على الجميل الاختياري، أي: الذي يفعله الإنسان بإرادته، وأما الجميل الذي لا صنع له فيه، مثل الجمال ونحوه، فالثناء به يسمى مدحا لا حمدا. والفرق بين الحمد والشكر: أن الحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء أكان إحسانا إلى الحامد أو لم يكن، والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور، فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر; لأنه يكون على المحاسن والإحسان; فإن الله يحمد على ما له من الأسماء الحسنى، وما خلقه في الآخرة والأولى. ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [سورة الإسراء آية: ١١١] الآية، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ

стр. 5881

وَالْأَرْضَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] ، إلى غير ذلك من الآيات. وأما الشكر: فإنه لا يكون إلا على الإنعام ; فهو أخص من الحمد من هذا الوجه ; لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ [سورة سبأ آية: ١٣] ، والحمد إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه. والألف واللام في قوله: ﴿الْحَمْدُ﴾ للاستغراق، أي: جميع أنواع الحمد لله لا لغيره، فأما الذي لا صنع للخلق فيه، مثل خلق الإنسان، وخلق السمع والبصر، والسماء والأرض، والأرزاق، وغير ذلك فواضح. وأما ما يحمد عليه المخلوق، مثل ما يثنى به على الصالحين والأنبياء والمرسلين، وعلى من فعل معروفا، خصوصا إن أسداه إليك، فهذا كله لله أيضا، بمعنى أنه خلق ذلك الفاعل، وأعطاه ما فعل به ذلك، وحببه إليه وقواه عليه، وغير ذلك من إفضال الله الذي لو يختل بعضها، لم يحمد ذلك المحمود، فصار الحمد كله لله بهذا الاعتبار. وأما قوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٢] فالله عَلَم على ربنا ﵎، ومعناه: الإله، أي: المعبود، لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣] أي: المعبود في السماوات، والمعبود في الأرض ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [سورة مريم آية: ٩٣] الآيتين. وأما الرب، فمعناه: المالك المتصرف، وأما

стр. 5882

﴿الْعَالَمِينَ﴾ فهو اسم لكل ما سوى الله ﵎؛ فكل ما سواه من ملك ونبي، وإنسي وجني وغير ذلك، مربوب مقهور يتصرف فيه، فقير محتاج، كلهم صامدون إلى واحد لا شريك له في ذلك، وهو الغني الصمد. "" وذكر بعد ذلك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] ، وفي قراءة أخرى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فذكر في أول هذه السورة، التي هي أول المصحف، الألوهية والربوبية والملك ; كما ذكره في آخر سورة في المصحف ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ١-٢-٣] : فهذه ثلاثة أوصاف لربنا ﵎، ذكرها مجموعة في موضع واحد في أول القرآن ; ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد، في آخر ما يطرق سمعك من القرآن، فينبغي لمن نصح نفسه أن يعتني بهذا الموضع، ويبذل جهده في البحث عنه، ويعلم أن العليم الخبير، لم يجمع بينهما في أول القرآن، ثم في آخره إلا لما يعلم من شدة حاجة العباد إلى معرفتها، ومعرفة الفرق بين هذه الصفات ; فكل صفة لها معنى غير معنى الصفة الأخرى، كما يقال: محمد رسول الله، وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم، فكل وصف له معنى غير ذلك الوصف الآخر. إذا عرفت: أن معنى "الله" هو الإله، وعرفت أن الإله هو المعبود، ثم دعوت الله، أو ذبحت له، أو نذرت له،

стр. 5883

فقد عرفت أنه الله، فإن دعوت مخلوقا طيبا أو خبيثا، أو ذبحت له أو نذرت له، فقد زعمت أنه هو الله. فمن عرف أنه قد جعل شمسان، أو تاجا برهة من عمره هو الله، عرف ما عرفت بنو إسرائيل لما عبدوا العجل، فلما تبين لهم ارتاعوا، وقالوا ما ذكر الله عنهم: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٩] . وأما "الرب" فمعناه: المالك المتصرف ; فالله تعالى مالك كل شيء، وهو المتصرف فيه، وهذا حق، ولكن أقر به عباد الأصنام الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كما ذكر الله عنهم في القرآن في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] إلى قوله: ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] . فمن دعا الله في تفريج كربته وقضاء حاجته، ثم دعا مخلوقا في ذلك، خصوصا إن اقترن بدعائه نسبة نفسه إلى عبوديته، مثل قوله في دعائه: فلان عبدك ; أو قول: عبد علي، أو عبد النبي أو الزبير، فقد أقر له بالربوبية. وفي دعائه عليا أو الزبير، بدعائه الله ﵎ وإقراره له بالعبودية، ليأتي له بخير أو ليصرف عنه شرا مع تسمية نفسه عبدا له، قد أقر له بالربوبية، ولم يقر لله بأنه رب العالمين كلهم، بل جحد بعض ربوبيته. فرحم الله عبدا نصح نفسه، وتفطن لهذه المهمات،

стр. 5884

وسأل عن كلام أهل العلم، وهم أهل الصراط المستقيم، هل فسروا السورة بهذا أم لا؟ وأما " الملك " فيأتي الكلام عليه ; وذلك أن قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] وفي القراءة الأخرى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فمعناه عند جميع المفسرين كلهم، فسره الله في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الإنفطار آية: ١٧-١٨-١٩] فمن عرف تفسير هذه الآية، وعرف تخصيص الملك بذلك اليوم، مع أنه سبحانه مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره، عرف أن التخصيص لهذه المسألة الكبيرة العظيمة، التي بسبب معرفتها دخل الجنة من دخلها، وبسبب الجهل بها دخل النار من دخلها. فيا لها من مسألة لو رحل الرجل فيها أكثر من عشرين سنة لم يوفها حقها، فأين هذا المعنى والإيمان بما صرح به القرآن، مع قوله صلى الله ﷺ " يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا "١ من قول صاحب البردة؟ ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تحلى باسم منتقم فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم فليتأمل: من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها، ومن فتن بها من العباد، وممن يدعي أنه من العلماء، واختاروا

стр. 5885

تلاوتها على تلاوة القرآن ; هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٩] وقوله " يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا" ١؟ لا والله! لا والله! لا والله! إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق، وأن فرعون صادق، وأن محمدا صادق على الحق، وأن أبا جهل صادق على الحق. لا والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان فمن عرف هذه المسألة وعرف البردة، ومن فتن بها عرف غربة الإسلام، وعرف أن العداوة واستحلال دمائنا وأموالنا ونسائنا ليس عند التكفير والقتال، بل هم الذين بدؤونا بالتكفير والقتال، بل عند قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وعند قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٧] ، وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] . فهذا بعض المعاني في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] بإجماع المفسرين كلهم، وقد فسرها الله سبحانه في سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [سورة الانفطار آية: ١] كما قدمت لك. واعلم أرشدك الله
следующие страницы →