وَالْأَرْضَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] ،
إلى غير ذلك من الآيات.
وأما الشكر: فإنه لا يكون إلا على الإنعام ; فهو أخص من الحمد من هذا الوجه ; لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ [سورة سبأ آية: ١٣] ، والحمد إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه.
والألف واللام في قوله: ﴿الْحَمْدُ﴾ للاستغراق، أي: جميع أنواع الحمد لله لا لغيره، فأما الذي لا صنع للخلق فيه، مثل خلق الإنسان، وخلق السمع والبصر، والسماء والأرض، والأرزاق، وغير ذلك فواضح.
وأما ما يحمد عليه المخلوق، مثل ما يثنى به على الصالحين والأنبياء والمرسلين، وعلى من فعل معروفا، خصوصا إن أسداه إليك، فهذا كله لله أيضا، بمعنى أنه خلق ذلك الفاعل، وأعطاه ما فعل به ذلك، وحببه إليه وقواه عليه، وغير ذلك من إفضال الله الذي لو يختل بعضها، لم يحمد ذلك المحمود، فصار الحمد كله لله بهذا الاعتبار.
وأما قوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٢] فالله عَلَم على ربنا ﵎، ومعناه: الإله، أي: المعبود، لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣] أي: المعبود في السماوات، والمعبود في الأرض ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [سورة مريم آية: ٩٣] الآيتين.
وأما الرب، فمعناه: المالك المتصرف، وأما
стр. 5882
﴿الْعَالَمِينَ﴾
فهو اسم لكل ما سوى الله ﵎؛ فكل ما سواه من ملك ونبي، وإنسي وجني وغير ذلك، مربوب مقهور يتصرف فيه، فقير محتاج، كلهم صامدون إلى واحد لا شريك له في ذلك، وهو الغني الصمد. ""
وذكر بعد ذلك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] ، وفي قراءة أخرى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فذكر في أول هذه السورة، التي هي أول المصحف، الألوهية والربوبية والملك ; كما ذكره في آخر سورة في المصحف ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ١-٢-٣] : فهذه ثلاثة أوصاف لربنا ﵎، ذكرها مجموعة في موضع واحد في أول القرآن ; ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد، في آخر ما يطرق سمعك من القرآن، فينبغي لمن نصح نفسه أن يعتني بهذا الموضع، ويبذل جهده في البحث عنه، ويعلم أن العليم الخبير، لم يجمع بينهما في أول القرآن، ثم في آخره إلا لما يعلم من شدة حاجة العباد إلى معرفتها، ومعرفة الفرق بين هذه الصفات ; فكل صفة لها معنى غير معنى الصفة الأخرى، كما يقال: محمد رسول الله، وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم، فكل وصف له معنى غير ذلك الوصف الآخر.
إذا عرفت: أن معنى "الله" هو الإله، وعرفت أن الإله هو المعبود، ثم دعوت الله، أو ذبحت له، أو نذرت له،
стр. 5883
فقد عرفت أنه الله، فإن دعوت مخلوقا طيبا أو خبيثا، أو ذبحت له أو نذرت له، فقد زعمت أنه هو الله.
فمن عرف أنه قد جعل شمسان، أو تاجا برهة من عمره هو الله، عرف ما عرفت بنو إسرائيل لما عبدوا العجل، فلما تبين لهم ارتاعوا، وقالوا ما ذكر الله عنهم: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٩] .
وأما "الرب" فمعناه: المالك المتصرف ; فالله تعالى مالك كل شيء، وهو المتصرف فيه، وهذا حق، ولكن أقر به عباد الأصنام الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كما ذكر الله عنهم في القرآن في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] إلى قوله: ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] . فمن دعا الله في تفريج كربته وقضاء حاجته، ثم دعا مخلوقا في ذلك، خصوصا إن اقترن بدعائه نسبة نفسه إلى عبوديته، مثل قوله في دعائه: فلان عبدك ; أو قول: عبد علي، أو عبد النبي أو الزبير، فقد أقر له بالربوبية. وفي دعائه عليا أو الزبير، بدعائه الله ﵎ وإقراره له بالعبودية، ليأتي له بخير أو ليصرف عنه شرا مع تسمية نفسه عبدا له، قد أقر له بالربوبية، ولم يقر لله بأنه رب العالمين كلهم، بل جحد بعض ربوبيته. فرحم الله عبدا نصح نفسه، وتفطن لهذه المهمات،
стр. 5884
وسأل عن كلام أهل العلم، وهم أهل الصراط المستقيم، هل فسروا السورة بهذا أم لا؟ وأما " الملك " فيأتي الكلام عليه ; وذلك أن قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] وفي القراءة الأخرى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فمعناه عند جميع المفسرين كلهم، فسره الله في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الإنفطار آية: ١٧-١٨-١٩] فمن عرف تفسير هذه الآية، وعرف تخصيص الملك بذلك اليوم، مع أنه سبحانه مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره، عرف أن التخصيص لهذه المسألة الكبيرة العظيمة، التي بسبب معرفتها دخل الجنة من دخلها، وبسبب الجهل بها دخل النار من دخلها.
فيا لها من مسألة لو رحل الرجل فيها أكثر من عشرين سنة لم يوفها حقها، فأين هذا المعنى والإيمان بما صرح به القرآن، مع قوله صلى الله ﷺ " يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا "١ من قول صاحب البردة؟
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تحلى باسم منتقم
فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
فليتأمل: من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها، ومن فتن بها من العباد، وممن يدعي أنه من العلماء، واختاروا
стр. 5885
تلاوتها على تلاوة القرآن ; هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٩] وقوله " يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا" ١؟ لا والله! لا والله! لا والله! إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق، وأن فرعون صادق، وأن محمدا صادق على الحق، وأن أبا جهل صادق على الحق.
لا والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان
فمن عرف هذه المسألة وعرف البردة، ومن فتن بها عرف غربة الإسلام، وعرف أن العداوة واستحلال دمائنا وأموالنا ونسائنا ليس عند التكفير والقتال، بل هم الذين بدؤونا بالتكفير والقتال، بل عند قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وعند قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٧] ، وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] . فهذا بعض المعاني في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] بإجماع المفسرين كلهم، وقد فسرها الله سبحانه في سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [سورة الانفطار آية: ١] كما قدمت لك. واعلم أرشدك الله
стр. 5886
أن الحق لا يتبين إلا، بالباطل، كما قيل ١:
............ ... وبضدها تتبين الأشياء
فتأمل ما ذكرت لك: ساعة بعد ساعة، ويوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، لعلك أن تعرف ملة أبيك إبراهيم ودين نبيك فتحشر معهما ; ولا تصد عن الحوض يوم الدين، كما يصد عنه من صد عن طريقهما.
ولعلك أن تمر على الصراط يوم القيامة، ولا تزل عنه كما زل عن صراطهما المستقيم في الدنيا من زل، فعليك بإدامة دعاء الفاتحة، مع حضور قلب، وخوف وتضرع.
وأما قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، فالعبادة: كمال المحبة، وكمال الخضوع والخوف والذل ; وقدم المفعول وهو إياك، وكرر للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة؛ والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين: فالأول: التبرؤ من الشرك، والثاني: التبرؤ من الحول والقوة، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] أي: إياك نوحد ; ومعناه: أنك تعاهد ربك أن لا تشرك به في عبادته أحدا، لا ملكا ولا نبيا، ولا غيرهما، كما قال للصحابة: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] .
стр. 5887
فتأمل هذه الآية، واعرف ما ذكرت لك في الربوبية، أنها التي نسبت إلى "تاج" و "محمد بن شمسان"؛ فإذا كان الصحابة لو يفعلونها مع الرسل كفروا بعد إسلامهم، فكيف بمن فعلها في "تاج" وأمثاله؟ ! وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] هذا فيه أمران، أحدهما: سؤال الإعانة، وهو التوكل، والتبري من الحول والقوة ; وأيضا: طلب الإعانة من الله كما مر أنها من نصف العبد.
وأما قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٦] فهذا هو الدعاء الصريح الذي هو حظ العبد من الله، وهو التضرع إليه والإلحاح عليه أن يرزقه هذا الطلب العظيم الذي لم يعط أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه، كما من الله على رسوله ﷺ بعد الفتح بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [سورة الفتح آية: ٢] ، والهداية هاهنا: التوفيق والإرشاد.
وليتأمل العبد ضرورته إلى هذه المسألة، فإن الهداية إلى ذلك تتضمن العلم، والعمل الصالح، على وجه الاستقامة والكمال، والثبات على ذلك إلى أن يلقى الله.
والصراط: الطريق الواضح، والمستقيم: الذي لا عوج فيه ; والمراد بذلك: الدين الذي أنزله الله على رسوله ﷺ ، وهو ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٧] ، وهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وأنت دائما في كل ركعة تسأل الله أن يهديك إلى طريقهم.
وعليك من الفرائض أن تصدق الله أنه هو المستقيم،
стр. 5888
وكل ما خالفه من طريق أو علم أو عبادة فليس بمستقيم، بل معوج؛ وهذه أول الواجبات من هذه الآية، وهو اعتقاد ذلك بالقلب.
وليحذر المؤمن من خدع الشيطان، وهو اعتقاد ذلك مجملا، وتركه مفصلا; فإن أكفر الناس من المرتدين يعتقدون أن رسول الله ﷺ على الحق، وأن ما خالفه باطل; فإذا جاء بما لا تهوى أنفسهم، فكما قال تعالى: ﴿فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٠] .
وأما قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٧] ، فالمغضوب عليهم هم: العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون: العاملون بلا علم، فالأول صفة اليهود، والثاني صفة النصارى.
وكثير من الناس إذا رأى في التفسير أن اليهود مغضوب عليهم، وأن النصارى ضالون، ظن الجاهل أن ذلك مخصوص بهم، وهو يقر أن ربه فارض عليه أن يدعو بهذا الدعاء، ويتعوذ من طريق أهل هذه الصفات.
فيا سبحان الله! كيف يعلمه الله ويختار له ويفرض عليه أن يدعو به دائما، مع أنه لا حذر عليه منه، ولا يتصور أنه يفعله؟ ! هذا من ظن السوء بالله ; والله أعلم. هذا آخر الفاتحة.
وأما "آمين" فليست من الفاتحة، ولكنها تأمين على الدعاء، معناها: اللهم استجب ; فالواجب تعليم الجاهل،
стр. 5889
لئلا يظن أنها من كلام الله ; والله أعلم.
[مسائل مستنبطة من سورة الفاتحة]
وهذه مسائل مستنبطة من سورة الفاتحة; استنبطها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
الأولى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] فيها التوحيد.
الثانية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٦] فيها المتابعة.
الثالثة: أركان الدين الحب والرجاء والخوف، فالحب في الأولى، والرجا في الثانية، والخوف في الثالثة.
الرابعة: هلاك الأكثر في الجهل بالآية الأولى، أعني: استغراق الحمد، واستغراق ربوبية العالمين.
الخامسة: أول المنعم عليهم، وأول المغضوب عليهم، والضالين.
السادسة: ظهور الكرم والحمد في ذكر المنعم عليهم.
السابعة: ظهور القدرة والمجد في ذكر المغضوب عليهم والضالين.
الثامنة: دعاء الفاتحة، مع قوله: لا يستجاب الدعاء من قلب غافل.
التاسعة. قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٧] فيه حجة الإجماع.
العاشرة: ما في الجملة من هلاك الإنسان إذا وكل إلى نفسه.
الحادية عشر: ما فيها من النص على التوكل.
الثانية عشر: ما فيها من التنبيه على بطلان الشرك.
الثالثة عشر: التنبيه على بطلان البدع.
الرابعة عشر: آيات الفاتحة، كل آية منها لو يعلمها الإنسان صار فقيها، وكل آية أفرد معناها بالتصانيف، والله أعلم.
стр. 5890
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
[سورة الفاتحة آية: ٢-٣-٤] وتضمنت ثلاث الآيات ثلاث مسائل:
الآية الأولى: فيها المحبة ; لأن الله منعم، والمنعم يحب على قدر إنعامه ; والمحبة تنقسم إلى أربعة أنواع: محبة شركية، وهي محبة الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٧] . المحبة الثانية: حب الباطل وأهله، وبغض الحق وأهله ; وهذه صفة المنافقين ; والمحبة الثالثة: طبيعية، وهي محبة المال والولد، فإذا لم تشغل عن طاعة الله، ولم تعن على محارم الله، فهي مباحة. والمحبة الرابعة: حب أهل التوحيد، وبغض أهل الشرك، وهي أوثق عرى الإيمان، وأعظم ما يعبد بها الإنسان ربه.
الآية الثانية: فيها الرجاء ; والآية الثالثة فيها الخوف ; ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] أي: أعبدك يا رب بما مضى بهذه الثلاث، بمحبتك ورجائك وخوفك ; هذه الثلاث أركان العبادة، وصرفها لغير الله شرك.
стр. 5891
وفي هذه الثلاث الرد على من تعلق بواحدة منها، كمن تعلق بالمحبة وحدها، أو تعلق بالرجاء وحده، أو تعلق بالخوف وحده، فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك.
وفيها من الفوائد: الرد على ثلاث الطوائف التي كل طائفة تعلق بواحدة منها، كمن عبد الله بالمحبة وحدها، وكذلك من عبد الله بالرجاء وحده كالمرجئة، وكذلك من عبد الله بالخوف وحده كالخوارج. وأما ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ففيها توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] فيها توحيد الألوهية، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] فيها توحيد الربوبية، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٦] فيها الرد على المبتدعين.
وأما الآيتان الأخيرتان، ففيها من الفوائد: ذكر أحوال الناس، قسمهم الله ثلاثة أصناف: منعم عليه، ومغضوب عليه، وضال; فالمغضوب عليهم أهل علم ليس معه عمل; والضالين: أهل عبادة ليس معها علم; وإن كان سبب النّزول في اليهود والنصارى، فهي لكل من اتصف بذلك; والنوع الثالث: من اتصف بالعلم والعمل، وهم المنعم عليهم. وفيها من الفوائد: التبرؤ من الحول والقوة، لأنه منعم عليك ; وكذلك فيها: معرفة الله على التمام، ونفي النقائص عنه ﵎ ; وفيها: معرفة الإنسان نفسه، ومعرفة ربه، فإنه إذا كان رب فلا بد من مربوب، وإذا كان هنا عبد فلا بد من معبود.
стр. 5892
وإذا كان هنا هاد فلا بد من مهدي; وإذا كان هنا منعم عليه فلا بد من منعم، وإذا كان هنا مغضوب عليه فلا بد من غاضب; وإذا كان هنا ضال فلا بد من مضل ; فهذه السورة تضمنت الألوهية، والربوبية، ونفي النقائص عن الله ; وتضمنت معرفة العبادة وأركانها، والله أعلم.
وله أيضا، رحمه الله تعالى: ١ الخوف منه، إذا عرفت أنه لا بد أن يدين الناس بأعمالهم خيرها وشرها ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة آية: ٧-٨] ، وأفادك أيضا أعظم الفوائد، وهي التوحيد، إذا عرفت أن ذلك اليوم ﴿لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٩] .
وأما الكلمة الرابعة: فأولها، وهو قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] : معاهدة منك لربك أنك لا تشرك بعبادته أحدا، لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، ولا غيرهما، وآخرها، وهو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] : سؤال منك لمولاك سبحانه أن يعينك على أمور دينك ودنياك، ولا يكلك إلى نفسك، ولا إلى أحد من خلقه، وإخبار منك أنك لا تستعين إلا به ﵎.
стр. 5893
وفي الآية الخامسة، والسادسة، والسابعة، وهي قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٦] إلى آخرها، تسأله تعالى أن يهديك إلى طريق الجنة، الذي لا اعوجاج فيه، الذي نصبه طريقا إليها، لا طريق لها إلا هو، وهو التوحيد والبراءة من الشرك وتوابعه، وذلك مع أداء الفرائض وترك المحارم. والسادسة، وهي قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٧] تبين أن الطريق الذي طلبت من مولاك أن يهديك إليه، هو طريق النبي ﷺ وأصحابه، الجامع لمعرفة الحق والعمل به. ثم تبين ذلك وتوضح بالآية السابعة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٧] : فالمغضوب عليهم، الذين وهبهم الله الفهم فعرفوا الحق من الباطل، لكن لم يعملوا، والضالون هم الذين عملوا وطلبوا الطريق، لكن بجهل. فإذا سلم العبد من آفة الجهل، وصار من أهل المعرفة ; ثم سلم من آفة الفسق وعمل بما أمره الله به، صار من الذين أنعم الله عليهم، من أهل الصراط المستقيم. وهذا الدعاء جامع لخيري الدنيا والآخرة ; أما جمعه لخير الآخرة فواضح. وأما جمعه لخير الدنيا، فلأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٩٦] ، والإيمان والتقوى هو الصراط المستقيم، فقد أخبر أن ذلك سبب لفتح بركات السماء والأرض، هذا في الرزق.
стр. 5894
وأما في النصر، فقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المنافقون آية: ٨] فأخبر الله أن العزة تحصل بالإيمان وهو الصراط المستقيم، فإذا حصل العز والنصر، وحصل فتح بركات السماء والأرض، فهذا خير الدنيا، والله أعلم.
[معنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم]
وقال الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم
وبه نستعين. معنى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أي: أستجير بجناب الله من الشيطان أن يضرني في ديني أو دنياي ; أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه. والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر؛ والعياذ يكون لدفع الشر، واللياذ لطلب الخير.
و"الشيطان" في لغة العرب، مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير. و "الرجيم" فعيل بمعنى مفعول، أي: بعد عن الخير كله. ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فالمشروع ذكر اسم الله تبركا وتيمنا، واستعانة على الإتمام والتقبل. ﴿اللَّهِ﴾
علم على الرب ﵎ ; ويقال: إنه
стр. 5895
الاسم الأعظم، لأنه يوصف بجميع الصفات.
[جواب العلامة ابن القيم لقول من قال أن لفظ (الله) غير مشتق]
قال العلامة ابن القيم - جوابا لقول من قال ﴿الله﴾ غير مشتق -: إن أريد بالاشتقاق أنه مشتق من أصل آخر، فهو باطل ; وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية، كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم والقدير؛ فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها، فما كان جوابكم عن هذه الأسماء، فهو جواب القائلين باشتقاق اسم الله.
ثم الجواب عن الجميع: أنا لا نعني أسماء الاشتقاق; لأنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، ولا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله، ولا محذور في اشتقاق أسماء الله تعالى بهذا المعنى.
وقال الكسائي والفراء: أصله "الإله"، حذفوا الهمزة وأدغموا اللام في اللام، فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة مفخمة، وهذا هو الذي ذكره أبو جعفر ابن جرير في تفسيره ; وهو قول سيبويه وأكثر أصحابه.
وذكر ابن جرير قول ابن عباس في معنى هذا الاسم، الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين ; فإن قال لنا قائل: وما دل على أن الإلهية هي العبادة، وأن الإله هو المعبود، وأن له أصلا في "فعل" و "يفعل"، وذكر بيت رؤبة بن العجاج:.
لله در الغانيات المدّه ... سبحن واسترجعن من تألُّه
يعنى: من تعبد وطلب الله بعمل ; ولا شك أن التأله
стр. 5896
التفعّل، من أله يأله، وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه بفعل يفعل بغير زيادة، وذلك ما حدثنا به سفيان عن وكيع، ساق السند إلى ابن عباس: "أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٢٧] قال: عبادتك، ويقول: إنه كان يُعبد ولا يَعبد". ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٢] اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمان أشد مبالغة من رحيم، وفي الأثر عن عيسى أنه قال: الرحمن رحمن الدنيا، والرحيم رحيم الآخرة.
وقال ابن القيم: الرحمن دال على الصفة القائمة به ; والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم ; فإذا أردت فهم هذا، فتأمل قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤٣] ، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ١١٧] ، ولم يجئ رحمن بهم، فالرحمن اسمه ووصفه، فمن حيث هو صفة جرى تابعا لاسم الله، ومن حيث هو اسم، ورد في القرآن غير تابع، بل ورود الاسم العلم كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] . انتهى ملخصا. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾
ومعناه: الثناء بالكلام على الجميل على وجه التعظيم، فمورده اللسان والقلب، والشكر يكون باللسان والجنان والأركان، فهو أعم من الحمد متعلقا وأخص سببا; لأنه يكون في مقابلة النعمة وغيرها، فبينهما عموم وخصوص
стр. 5897
وجهي، يجتمعان في مادة ; وينفرد كل واحد عن الآخر في مادة. والألف واللام في الحمد لاستغراق أجناس الحمد وأفراده لله تعالى، فلا يصلح منه شيء لغير الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [سورة النحل آية: ٥٣] . والرب هو المالك المتصرف، ويطلق على السيد وعلى المعبود، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، وكل ذلك صحيح. ﴿الْعَالَمِينَ﴾ : جمع عالم، وهو: كل موجود سوى الله تعالى ; والعوالم: أصناف المخلوقات في السماوات، وفي البر والبحر، وكل قرن وجيل يسمى عالما أيضا، والعالم مشتق من العلامة ; لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه، ووحدانيته، قال ابن المعتز:
فيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ١] تقدم الكلام عليه في البسملة. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
[سورة الفاتحة آية: ٤] قرأ بعض القراء: ﴿ملك﴾ وقرأ آخرون: ﴿مَالِكِ﴾ وكلاهما صحيح متواتر في السبع، وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه; لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين ; وذلك عام في الدنيا والآخرة.
стр. 5898
وإنما أضيف إلى يوم الدين ; لأنه لا يدعي أحد هناك شيئا، فلا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [سورة النبأ آية: ٣٨] الآية.
و ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ : يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، إلا من عفا عنه، قاله ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين والسلف ; والملك في الحقيقة هو لله تعالى، قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الطلاق آية: ١٢] ، ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٧] ، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] : العبادة في الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة، وكمال الخضوع والخوف; قال شيخ الإسلام، ﵀: العبادة أن يوافق العبد ربه فيما يحبه ويرضاه، ويحب في الله ويبغض في الله. قال العماد ابن كثير: وقدم المفعول وهو إياك، وكرر للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا كمال الطاعة ; والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين.
وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] : فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة؛ وهذا في غير آية
стр. 5899
من القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [سورة هود آية: ١٢٣] . وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسب ; لأنه لما أثنى على الله تعالى فكأنه قرب وحضر بين يدي الله تعالى، فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] كما تقدم الثناء على المسؤول ﵎، ناسب أن يعقب بالسؤال، كما قال: " فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل " وهذا أكمل أحوال السائل: أن يمدح مسؤوله، ثم يسأله حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين، بقوله: ﴿اهْدِنَا﴾ لأنه أنجح وأجمع للإجابة، ولهذا أرشد الله تعالى إليه; لأنه الأكمل ; والهداية ها هنا: الإرشاد والتوفيق.
قال العلامة ابن القيم: وكذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، فليس العبد أحوج منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع له منها، فإن الصراط المستقيم يتضمن علوما وإرادات وأعمالا، ومدارك ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت.
فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها ; وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه؛ وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه، وهو من الصراط المستقيم وإن عجز عنه.
وما يقدر عليه قد تريده نفسه وقد لا تريده، كسلا
стр. 5900
وتهاونا، لقيام مانع وغير ذلك ; وما يريده قد يفعله وقد لا يفعله، وما يفعله قد يقوم فيه بشروط الإخلاص وقد لا يقوم فيه.
وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم، وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه؛ هذا كله واقع سار في الخلق فمستقل ومستكثر، ليس في طباع الخلق الهداية إلى ذلك، بل متى نظر إلى طباعه حيل بينه وبين ذلك كله.
فالرب ﵎ على صراط مستقيم في قضائه وقدره، ونهيه وأمره; ونصب لعباده من أمره صراطا مستقيما، ودعاهم جميعا إليه حجة منه وعدلا، وهدى من شاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلا، ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل عن صراطه المستقيم الذي هو عليه، ثم صرف عنه في الدنيا، وأقام عليه من أقامه في الدنيا.
فإذا كان يوم القيامة نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إلى جنته، وجعل نور المؤمنين به، وبرسوله وما جاء به، الذي كان في قلوبهم في الدنيا، نورا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الحشر، وحفظ عليهم الإيمان حتى لقوه ; وأطفأ نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه في الدنيا، وأقام أعمال العصاة بجنبتي الصراط كلاليب وحسكا تخطفهم، كما خطفتهم في الدنيا عن الاستقامة عليه، وجعل
стр. 5901
قوة سيرهم وسرعتهم على قدر قوة سيرهم وسرعتهم إليه في الدنيا. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٧] المنعم عليهم هم: كل من عرف الحق واتبعه، فهو منعم عليه، ومن لم يعرفه فهو ضال، ومن عرفه وآثر غيره فهو مغضوب عليه.
ولهذا كان النصارى أخص بالضلال لأنهم أمة جهل، واليهود أخص بالغضب لأنهم أمة عناد، ومؤمنو هذه الأمة هم المنعم عليهم. وفي المسند والترمذي من حديث عدي بن حاتم، عن النبي ﷺ قال: " اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون " ١ وقال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى.
وأما حقيقة الصراط المستقيم، فقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولنذكر في الصراط المستقيم قولا وجيزا، فإن الناس قد تنوعت عباراتهم عنه، بحسب صفاته ومتعلقاته ; وحقيقته شيء واحد، وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا إليه، ولا طريق لهم إليه سواه.
بل الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله، وجعله موصلا لعباده إليه ; وهو: إفراده بالعبودية، وإفراد رسوله بالطاعة، فلا يشرك به أحدا في عبوديته، ولا يشرك برسوله أحدا في طاعته.
стр. 5902
فيجرد التوحيد لله ; ويجرد متابعة الرسول ﷺ وهذا مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فأي شيء فسر به الصراط المستقيم، فهو داخل في هذين الأصلين.
ونكتة ذلك: أن تحبه بقلبك، وترضيه بجهدك كله ; فلا يكون في قلبك موضع إلا معمورا بحبه، ولا يكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته.
فالأول: يحصل بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ; والثاني: يحصل بتحقيق شهادة أن محمدا رسول الله ; وهذا هو الهدى ودين الحق، وهو معرفة الحق والعمل به، وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به، وقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها، انتهى ١.
وأما "آمين" فهي طابع الدعاء ومعناها: اللهم استجب ; وليست من الفاتحة، والله أعلم.
وقد اشتملت هذه السورة الكريمة، وهي سبع آيات، على حمد الله وتمجيده، والثناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العلى، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عباده إلى سؤاله والتضرع إليه، والتبري من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالإلهية، وتنْزيهه أن يكون له شريك، أو نظير أو مماثل،
стр. 5903
وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم، في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشر مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون، والله أعلم.
[التأمين بعد الفاتحة]
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد، عن التأمين بعد الفاتحة؟
فأجاب: وأما التأمين بعد الفاتحة، فثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إذا قال الإمام ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١ فقولوا: آمين، فإن الملائكة في السماء تقول: آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه " ويسن للإمام والمأمومين أن يقولوها جهرا.
стр. 5904
سورة البقرة
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
المستفاد من سورة البقرة.
فيه مسائل:
الأولى: ﴿ذلك الكتاب﴾ معنى هذا الرجل، ولا ينفي أن غيره ليس هو رجل، لكنه للكمال.
стр. 5905
الثانية: نفي الشك مثل القمر ليلة ثالثة.
الثالثة: أن الهداية بالكتاب للمتقين خاصة. هذا فيه كشف شبهك الأولى: أن الذي لا يتبعه ليس هو من المتقين، فهذا يبين قول الشياطين ١: القرآن لا يفسر، وهذا الكتاب مثل المطر للأرض; فالأرض الطيبة تنتفع به، والأرض الخبيثة لا ينفعها. وذكر في التقوى ثلاث مراتب:
الأولى: تجنب الشرك.
الثانية: اجتناب المحرمات وأداء الفرائض.
الثالثة: لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به، حذرا مما به البأس ; قال قتادة: هم الذين نعتهم الله، بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [سورة البقرة آية: ٣] الآية والتي بعدها، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [سورة البقرة آية: ٣] فيه خمس عبارات ; فعن أبي العالية: يؤمنون بالله إلخ.
الثانية: غيب القرآن مثل قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [سورة الطلاق آية: ٢] ، وكقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ١٧٣] ، وهذا شيء يذكره الله تعالى، وأسبابه مختلفة، ويقع مثل ما ذكره الله ; وتعرفها بمبدأ حال النبي ﷺ وأصحابه ; وما وقع في هذا الزمان.
الثالثة: ما أتى عن الله، وهو الوحيان. ٢
стр. 5906
الرابعة: بغيب الإسلام احتراز عن كلام أهل الكتاب، لا تجعله مثل شرع الرسول، وما ذكر في الجبت والطاغوت، فهو من باب أولى.
الخامسة: الإيمان بالقدر ; وكل هذا من الإيمان بالغيب، والإيمان به واجب ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ : عامة لجميع النفقات، لكن أعلاها الزكاة، وذكر أن وزنة ١ من الزكاة خير من أربعين غيرها. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [سورة البقرة آية: ٣] إلخ، وهذا من عطف الخاص على العام ; وهو نوعان:
الأول: كونه منهم.
الثانية: خوف الزلق، والزلق: أن ترد شيئا مما أنزل على الأنبياء المتقدمين، أو شيئا من الذي أنزل على محمد ﷺ إذا لم يكن على هواك، خصوصا إذا كان لك منازع وبان الحق مع خصمك.
فالإيمان: أنك تصرح بالإذعان والانقياد، وهذا واقع ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٤] والإيقان بالآخرة، يستلزم الاستعداد لها بالأعمال ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني المتصفين بما تقدم ﴿عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٥] علق الهداية والفلاح، بالاتصاف بما تقدم.
وقال رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام ﵀
стр. 5907
تعالى، في تفسير آيات أشكلت، حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير، إلا ما هو خطأ، منها قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [سورة البقرة آية: ٨١] الآية ; ذكر: أن المشهور أن السيئة: الشرك ; وقيل: الكبيرة يموت عليها، قاله عكرمة ; وقال مجاهد: هي الذنوب تحيط بالقلب.
قلت: الصواب: ذكر أقوال السلف، وإن كان فيها ضعيف، فالحجة تبين ضعفه، فلا يعدل عن ذكر أقوالهم لموافقتها قول طائفة من المبتدعة، وهم ينقلون عن بعض السلف أن هذه الآية أخطأ فيها الكاتب، كما قيل في غيرها.
ومن أنكر شيئا من القرآن بعد تواتره استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وأما قبل تواتره عنده فلا يستتاب، لكن يبين له؛ وكذلك الأقوال التي جاءت الأحاديث بخلافها، فقها وتصوفا واعتقادا، وغير ذلك. وقول مجاهد في الآية صحيح، كما في الحديث الصحيح: " إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء " ١ إلى آخره، والذي يغشى القلب يسمى: رينا وطبعا وختما وقفلا ونحو ذلك، فهذا ما أصر عليه.
وإحاطة الخطيئة إحداقها به، فلا يمكنه الخروج، وهذا هو البسل بما كسبت نفسه، أي تحبس عما فيه نجاتها في الدارين، فإن المعاصي قيد وحبس لصاحبها عن الجولان في فضاء التوحيد، وعن جني ثمار الأعمال الصالحة.
стр. 5908
ومن المنتسبين إلى السنة، من يقول: إن صاحب الكبيرة يعذب مطلقا ; والأكثرون على خلافه، وأن الله سبحانه يزن الحسنات والسيئات ; وعلى هذا دل الكتاب والسنة، وهو معنى الوزن، لكن تفسير السيئة بالشرك هو الأظهر ; لأنه سبحانه غاير بين المكسوب والمحيط، فلو كانا واحدا لم يغاير، والمشرك له خطايا غير الشرك أحاطت به ; لأنه لم يتب منها.
وأيضا، قوله: ﴿سَيِّئَةً﴾ نكرة، وليس المراد جنس السيئات بالاتفاق، وأيضا: لفظ السيئة، قد جاء في غير موضع مرادا به الشرك، وقوله: ﴿سَيِّئَةً﴾ أي: حالا سيئة ; أو مكانة سيئة ونحو ذلك، كما في قوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [سورة البقرة آية: ٢٠١] أي: حالا حسنة تعم الخير كله، وهذا اللفظ يكون صفة، وقد ينقل من الوصفية إلى الاسمية، ويستعمل لازما ومتعديا، يقال: ساء هذا الأمر، أي: قبح ; ويقال: ساءني هذا.
قال ابن عباس، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [سورة يونس آية: ٢٧] أي: "عملوا الشرك; لأنه وصفهم بهذا فقط، ولو آمنوا لكان لهم حسنات وسيئات"، وكذا لما قال: ﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ لم يذكر حسنة. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [سورة يونس آية: ٢٦] أي فعلوا الحسن، وهو ما أمر به، كذلك السيئة تتناول المحظور، فيدخل فيها الشرك. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [سورة البقرة آية: ٦٢] الآية.
стр. 5909
يبين سبحانه وصف أهل السعادة من الأولين والآخرين، وهو الذي يدل عليه اللفظ ويعرف به معناه من غير تناقض، ومناسبة لما قبلها وما بعدها، وهو المعروف عن السلف.
ويدل عليه ما ذكروه من سبب نزولها بالأسانيد الثابتة، عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال سلمان: "سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم، فذكر من عبادتهم، فنَزلت الآية ولم يذكر فيه أنهم من أهل النار"، كما روي بأسانيد ضعيفة، وهذا هو الصحيح كما في مسلم: " إلا بقايا من أهل الكتاب " ١. والنبي ﷺ لم يكن يجيب بما لا علم عنده، وقد ثبت أنه أثنى على من مات في زمن الفترة، كزيد بن عمرو، وغيره، ولم يذكر ابن أبي حاتم خلافا عن السلف، لكن ذكر عن ابن عباس، ثم أنزل الله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] الآية، ومراده: أن الله يبين أنه لا يقبل إلا الإسلام من الأولين والآخرين ; وكثير من السلف، يريد بلفظ النسخ: رفع ما يظن أن الآية دالة عليه.
فإن من المعلوم أن من كذب رسولا واحدا فهو كافر، فلا يتناوله قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٦٢] الآية. وظن بعض الناس أن الآية في من بعث إليهم محمد خاصة، فغلطوا، ثم افترقوا على أقوال متناقضة، اهـ.
стр. 5910
[ذكر المسائل المستنبطة من قوله تعالى ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ]
وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى:
قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٢] إلى قوله: ﴿أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٢] فيه مسائل.
الأولى: كون أناس من أهل الكتاب إذا وقعت المسألة وأرادوا إقامة الدليل عليها، تركوا كتاب الله كأنهم لا يعلمون، واحتجوا بما في الكتب الباطلة.
الثانية: أن من العجب احتجاجهم بذلك على رسول من الرسل.
الثالثة: أن الكلام يدل على أنهم يعلمون، لقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠١] .
الرابعة: أن المسائل الباطلة قد تنسب إلى الأنبياء كذبا عليهم.
الخامسة: أن الكتب الباطلة قد تضاف إلى بعض الصديقين.
السادسة: أن ذلك مما تتلو الشياطين على زمان الأنبياء، كما وقع أشياء في زمن النبي ﷺ .
السابعة: أن الشياطين مزجت به الحق في زمن سليمان.
الثامنة: بيان ضلال من ضل ممن يدعي العلم في شأن سليمان، ممن نسب ذلك إليه واستحسنه ; أو قدح في سليمان، كما ضل أناس كثير في علي لما قتل عثمان.
التاسعة: أن من فعل السحر كفر، ولو عرف أنه باطل.
العاشرة: أن الشياطين يعلمونه الناس.
الحادية
стр. 5911
عشر: أن العبد لو بلغ ما بلغ في العلم والعمل، فلا يأمن مكر الله.
الثانية عشر: لا ينبغي له التعرض للفتن وثوقا بنفسه ; بل يسأل الله العافية.
الثالثة عشر: سعة علم الله ومغفرته ورحمته.
الرابعة عشر: يجعل بعض نظره إلى القضاء والقدر.
الخامسة عشر: أن النساء من أكبر الفتن.
السادسة عشر: أن طاعة الهوى جماع الشر، كما أن مخالفته جماع الخير.
السابعة عشر: أن الشرك أكبر مما يخطر بالبال.
الثامنة عشر: أن التلفظ بالشرك بكلمة واحدة، لا يشترط في كفر من تكلم بها عقيدة القلب، ولا عدم الكراهة للشرك.
التاسعة عشر: أن المتكلم لا يعذر، ولو أراد أن يقضي به غرضا مهما.
العشرون: أن قتل النفس أعظم من الزنا.
الحادية والعشرون: أن المعاصي بريد الكفر.
الثانية والعشرون: أن بعضها يجر إلى بعض.
الثالثة والعشرون: أن عقوبة المعصية قد تكون أكبر مما يظن العالم.
الرابعة والعشرون: أن قبول التوبة بلا عذاب لا يحصل لكل أحد، بل هو فضل من الله.
الخامسة والعشرون: أن من النعم تعذيب العبد بذنبه في الدنيا.
السادسة والعشرون: حسن الظن بالله.
السابعة والعشرون: القاعدة التي هي خاصية العقل، وهو ارتكاب أدنى الشرين لدفع أعلاهما، وتفويت أدنى
стр. 5912
الخيرين لتحصيل أعلاهما.
الثامنة والعشرون: أن السحر نوعان.
التاسعة والعشرون: أن له تأثيرا، لقوله: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٢] .
الثلاثون: الإرشاد إلى التوكل، بكونه لا يضر أحدا إلا بإذن الله.
الحادية والثلاثون: أن في من يدعي العلم من اختار كتب السحر على كتاب الله.
الثانية والثلاثون: أنهم يعارضون به كتاب الله.
الثالثة والثلاثون: أن اتباع كتاب غير كتاب الله ضلال.
الرابعة والثلاثون: لا تأمن الكتب، ولا ممن ينتسب إلى العلم على دينك.
الخامسة والثلاثون: أن فساد العلماء يفسد الرعية.
السادسة والثلاثون: أن السحر وقع في زمن خلافة النبوة، حتى إن عمر وغيره أمر بقتل الساحر ولم يستتبه، كما استتاب المرتد.
السابعة والثلاثون: أن الحسد سبب لرد كتاب الله.
الثامنة والثلاثون: أن الحاسد قد يبغض الناصح، ويسعى في قتله.
التاسعة والثلاثون: أن الحسد يحمله على رد حظه من الله في الدنيا والآخرة.
الأربعون: أنه من أخلاق اليهود.
الحادية والأربعون: أن المحسود يرفعه الله على الحاسد.
الثانية والأربعون: أن بالطاعة خير الدنيا والآخرة، وبالمعصية العكس.
الثالثة والأربعون: أن في من ينتسب إلى العلم من يختار الكفر على الإيمان، مع علمه أن من اختاره لا حظ له
стр. 5913
في الآخرة.
الرابعة والأربعون: أن الإنسان يجتمع فيه الضدان، يعلم ولا يعمل.
الخامسة والأربعون: بيان غبنهم، والتسجيل على فرط جهلهم في هذا الشرط.
السادسة والأربعون: أن السبب في هذا الشرك، اشتراء شيء خسيس تافه من الدنيا.
السابعة والأربعون: أنهم لمحبتهم ما هم عليه من الجاهلية وغرامهم به، نبذوا كتاب الله الذي عندهم وراء ظهورهم، كأنهم لا يعرفونه.
الثامنة والأربعون: أن الذي حملهم على هذه العظائم، أنه أتاهم أمر من الله موافق لدينهم، لكن مخالف لعادتهم الجاهلية.
التاسعة والأربعون: الفرق بين المعجزات والكرامات ; وبين ما يفعله الشياطين تشبها بذلك وتشبيها.
الخمسون: التنبيه على قول الصحابي: "أو يأتي الخير بالشر؟ ?" وجوابه ﷺ .
الحادية والخمسون: أنه لا ينبغي للإنسان أن ينكر ما لم يحط به علمه، فقد ضل بالتكذيب بهذه القصة فئام من الناس، لظنهم أنها تخالف ما علموه من الحق ; وتكلم بسببها ناس في نبي الله سليمان بن داود ﵇.
[ذكر المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ ]
وقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ
стр. 5914
مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٩] .
فيه مسائل: الأولى: كون أناس ينتسبون إلى العلم والدين يجري منهم هذا عمدا، جراءة على الله، وما أكثر من ينكر هذا.
الثانية: التنبيه على كثرة هذا الصنف.
الثالثة: كون المنتسب إلى العلم يتمنى إضلال غيره إذا عجز عنه.
الرابعة: أن سبب هذا الأمر الغريب هو الحسد، لا خوف مضرة ولا طلب مصلحة.
الخامسة: أن المنتسب إلى العقل والعلم قد يسعى فيما يعلم أنه مصلحة لدنياه ليزيله، وفيما يعلم أنه مضرة لدنياه ليأتي به ; فإنهم يعلمون أن زوال المفاسد، وحصول المصالح في هذا الدين، وكانوا يستفتحون به قبل مجيئه على من ظلمهم ; فلما جاءهم حملهم الحسد على ما ذكر.
السادسة: أن الحسد قد يكون سببا للكفر، كما وقع لهؤلاء ولإبليس.
السابعة: ذكر العفو الذي هو من أسباب العز وقهر الخصم، كما ورد في الحديث.
الثامنة: الرفق في الأمر وفعله بالتدريج، كما فعل عمر بن عبد العزيز.
التاسعة: أنه سبحانه يمهل ولا يهمل.
العاشرة: الإشعار بالنسخ قبل وقوعه.
الحادية عشر: تسلية المظلوم المحسود.
الثانية عشر: التنبيه على العلة.
стр. 5915
الثالثة عشر: أن الظالم الحاسد يذله الله، كما جرى لهؤلاء إلى يوم القيامة. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٩] فيه:
الرابعة عشر: وهي الاستدلال بالصفات على الأفعال.
والخامسة عشر: وهي الاستدلال بالقدرة على ما لا يظن وقوعه.
والسادسة عشر: وهي الاستدلال بها على جعل العفو سببا لعز العافي، وذلة المعفو عنه، عكس ما يظن الأكثر.
وأما الاستدلال بها على ما كذب به الجهال استبعادا، مثل عذاب القبر وغيره، أو مثل الصراط والميزان وغيرهما، أو ما يجري في الدنيا من تبديل الأحوال من الغنى إلى الفقر وضده ; ومن الذل إلى العز وضده ; فأكثر من أن يحصر، ولكن من أحسن ما فيها المسألة:
السابعة عشر: وهي: تنبيه أعلم الناس على أشكل المسائل، بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٩] . والله أعلم ; وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
[ذكر المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ ]
وقال: ذكر بعض ما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٩] إلى قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ من بيان الحق وإبطال الباطل.
الأولى: إذا كانت المحاجة في الله سبحانه من أقرب ما يكون إليه من المختلفين في مسألة التوحيد، وبيان ذلك
стр. 5916
بمعرفة الله تعالى فيما اجتمعنا وإياكم عليه، ومعرفة حالنا وحالكم في المسألة.
وذلك أنا مجمعون على استوائنا وإياكم في العبودية، بخلاف ملوك الدنيا، فإن بعض الناس يكون أقرب إليهم من بعض بالقرابة وغيرها. ونحن مجمعون أيضا أنه لا يظلم أحدا من عبيده، بل كل نفس ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٦] بخلاف ملوك الدنيا فإنهم يأخذون مال هذا ويعطونه هذا.
فإذا كان الأمر كذلك، فكيف تدعون أنكم أولى بالله منا، ونحن له مخلصون وأنتم به مشركون؟ وكيف يظن به أنه يساوي بين من قصده وحده لا شريك له، ومن قصد غيره وأعرض عنه؟ وهل يظن عاقل أو سفيه برجل من بني آدم - خصوصا إذا كان كريما - أن من قصده وضاف عنده يكرهه ولا يضيفه، ويخص بالرضى والكرامة والضيافة من أعرض عنه وضاف عند غيره، مع استواء الجميع في القرب منه والبعد؟ هذا لا يظن في الآدمي، فكيف يظن برب العالمين؟! فتبين بقضية العقل أن ما جاءت به الرسل من الإخلاص هو الموافق للعقل، وما فعل المشركون هو العجاب المخالف للعقل، فيا لها من حجة ما أعظمها وأبينها! لكن لمن فهمها كما ينبغي.
стр. 5917
[ذكر بعض ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ ]
وقال الشيخ ﵀: ذكر بعض ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٤] إلى الجزء.
ففي الآية الأولى مسائل:
الأولى: معرفة أنه تعالى حكيم لا يضع الأشياء إلا في مواضعها; لأنه ما جعله إماما إلا بعد ما أتم ما ابتلاه به; وسئل بعضهم: أيما الابتلاء أو التمكين؟ فقال: الابتلاء ثم التمكين.
الثانية: إذا كان يبتلي الأنبياء هل يفعلونه أم لا، فكيف بغيرهم؟
الثالثة: الثناء على إبراهيم بأنه أتم الكلمات التي ابتلاه بها ; وقيل: إن الله لم يبتل أحدا بهذا الدين فأتمه إلا إبراهيم، ولهذا قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم آية: ٣٧] .
الرابعة: أنه سبحانه جازاه على ذلك بأمور: منها: أنه جعله للناس إماما ; ولما علم ﵇ كبر هذه العطية، سألها للذرية: وهي الخامسة.
السادسة: أن الله أجابه أن هذه المرتبة لا ينالها ظالم، ولو من ذرية الأنبياء.
السابعة: أن هذا يدل على أن الإمامة في الدين تحصل لغير الظالم، فليست بمختصة.
الثامنة: معرفة قدر هذه المرتبة التي أكرم بها، وهي: الإمامة في الدين.
وأما الآية الثانية، ففيها مسائل:
الأولى: كونه سبحانه جعل البيت الذي بناه إبراهيم مثابة، مع المشاق العظيمة، وذلك من الآيات.
الثانية: أنه
стр. 5918
جعله أمنا عند الكفار، وذلك من أعجب الآيات.
الثالثة: أمره أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، وهذا من الخصائص، فيتفطن المؤمن لشبهة المبتدعة; لأنه لا يجوز أن يتخذ من مقام غيره مصلى.
الرابعة: أن فيها الرد على أهل الكتاب الذين لا يعظمونه، مع ما فيه من الآيات، ومع ما عندهم من العلم بذلك.
وقال أيضا في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٤] : فإن الكلمات تطلق ويراد بها الكلمات القدرية، كقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [سورة التحريم آية: ١٢] ، وتطلق ويراد بها الشرعية، كقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٤] . قال: وأما الآية الثالثة، ففيها مسائل:
الأولى: ذكره أنه عهد إلى إبراهيم وإسماعيل أن يطهراه لهذه الطائفة، ولذلك أنزل الله ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٨]
الثانية: أن فيها الرد على أهل الكتاب والمشركين.
الثالثة: العجب العجاب معاكستهم هذا الأمر، فلا يردون عنه إلا الطائفة المأمور بتطهيره لهم.
الرابعة. أنه نعتهم بالطواف والركوع والسجود والعكوف، فدل على أن نفس العكوف فيه عبادة.
الخامسة: أن التقدم عند الله بالأعمال الصالحة لا بالنسب، فأمره بتطهيره
стр. 5919
لهم وإن لم يكونوا من ذريته، وأمره بطرد ذريته عنه إذا لم يكونوا كذلك. وقال أيضا: قال ابن أبي حاتم: وروي عن عبيد بن عمير، وأبي العالية ومجاهد وقتادة: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٥] : لاقوا بلا إله إلا الله من أشرك.
وأما الآية الرابعة، ففيها مسائل:
الأولى: دعوة إبراهيم أن يجعله آمنا، ولا يناقض تحريمه يوم خلق الله السماوات والأرض.
الثانية: دعوة إبراهيم للبلد وأهله بالأمن والرزق.
الثالثة: الآية العظيمة في إجابة هذه الدعوة.
الرابعة: تخصيصه بها من آمن بالله واليوم الآخر.
الخامسة: قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ ، فلما دعا بأمر الدين منع الله الظالم من ذريته، ولما خص بالأمر الآخر من آمن قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ ، وذلك للفرق بين الدارين.
السادسة: أنه لما أخبر أن ذلك للمؤمن وغيره، فقد يتوهم منه كرامة الجميع، فأخبر أنه لو عم العاصي فيه بالأمن والرزق فإنه يضطره إلى عذاب النار.
السابعة: أن المجاورة عنده كما أنها تنفع المطيع، فهي تضر العاصي، لقوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٦] ، ولذلك انتقل ابن عباس منها إلى الطائف.
وأما الآية الخامسة، ففيها مسائل:
стр. 5920
الأولى: التصريح بأن الاثنين بنياه.
الثانية: جلال الله وعظمته في قلوب الذين يعرفونه لدعوتهما بالقبول، وكان بعض السلف لما قرأها جعل يبكي، ويقول: ما بال خليل الله يرفع قواعد بيت الله، ويخاف أن لا يقبله؟
الثالثة: توسلهما بالصفات.
الرابعة: طلبهما أن يرزقهما الله الإسلام، وهما هما ; والغفلة عن هذه الكلمة من العجائب.
الخامسة: إشراكهما في الدعوة بعض الذرية، ففيها رغوب المؤمن وحرصه على صلاح ذريته.
السادسة: طلبهما أن يعلمهما المناسك، ففيها حرصهما على العمل بالنص مع عصمتهما.
السابعة: طلبهما أن يتوب عليهما وهما هما ; ففيها خوفهما من الذنوب.
الثامنة: التوسل بالصفات.
التاسعة: التعليل بكونه (التواب الرحيم) ولولا ذلك لاستحقا العقوبة.
العاشرة: الرد على المشركين وأهل الكتاب.
الحادية عشر: أن دعوتهما بهذه النعمة التي هي أعظم النعم للذرية، جعلها الذرية من أعظم المصائب.
وأما الآية السادسة، ففيها مسائل:
الأولى: دعوتهما للذرية ببعثة الرسول، فكانت عندهم أعظم البلاء مع دعواهم أنهم على ملتهما.
الثانية: أنهما أرادا بذلك أن يعلمهم الكتاب والحكمة، ويتلو عليهم الآيات ويزكيهم ; قيل: إن استماع التلاوة والتزكي بها فرض عين ;