← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

إنما نهينا عن الأوثان المجعولة على قبر الزبير، وطلحة، وغيرهما، في الشام، وغيره. فإن قلتم: ليس هذا من الأوثان، وإن دعاء أهل القبور، والاستغاثة بهم في الشدائد، ليست من الشرك، مع كون المشركين الذين في عهد رسول الله ﷺ يخلصون لله في الشدائد، ولا يدعون أوثانهم، فهذا كفر; وبيننا وبينكم كلام العلماء، من الأولين، والآخرين، الحنابلة وغيرهم. وإن أقررتم أن ذلك كفر وشرك، وتبين أن قول: لا إله إلا الله، لا ينفع إلا مع ترك الشرك، فهذا هو المطلوب، وهو الذي نقول، وهو الذي أكثرتم النكير فيه، وزعمتم أنه لا يخرج إلا من خراسان; وهذا القول، كما في أمثال العامة: لا وجه سمح، ولا بنت رجال; لا أقول صواب، بل خطأ ظاهر، وسب لدين الله; وهو أيضا متناقض، يكذب بعضه بعضا، لا يصدر إلا ممن هو أجهل الناس. وأما دعواه: أن الصحابة لم يطلبوا من الأعاجم إلا مجرد هذه الكلمة، ولم يعرفوهم بمعناها، فهذا قول من لا يفرق بين دين المرسلين، ودين المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار; فإن المؤمنين يقولونها، والمنافقين يقولونها، لكن المؤمنون: يقولونها، مع معرفة قلوبهم بمعناها، وعمل جوارحهم بمقتضاها، والمنافقون يقولونها من غير فهم لمعناها ولا عمل بمقتضاها; فمن أعظم المصائب وأكبر الجهل من لا يعرف الفرق بين

стр. 632

الصحابة والمنافقين. لكن هذا لا يعرف النفاق، ولا يظنه في أهل زماننا، بل يظنه في زمان رسول الله ﷺ وأصحابه، وأما زمانه فصلح بعد ذلك! وإذا كان زمانه وبلدانه ينزهون عن البدع، ومخرجها من أهل خراسان، فكيف بالشرك والنفاق؟! ويا ويح هذا القائل، ما أجرأه على الله! وما أجهله بقدر الصحابة وعلمهم! حيث ظن أنهم لا يعلمون الناس معنى لا إله إلا الله. أما علم هذا الجاهل أنهم يستدلون بها على مسائل الفقه، فضلا عن مسائل الشرك; ففي الصحيحين: "أن عمر ﵁ لما أشكل عليه قتال مانعي الزكاة، لأجل قوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها "١ قال أبو بكر: فإن الزكاة من حقها"; فإذا كان منع الزكاة من منع حق: لا إله إلا الله، فكيف بعبادة القبور؟ والذبح للجن؟ ودعاء الأولياء وغيرهم، مما هو دين المشركين؟!. وصرح الشيخ تقي الدين في: اقتضاء الصراط المستقيم، بأن من ذبح للجن، فالذبيحة حرام من جهتين: من جهة: أنها مما أهل لغير الله به; ومن جهة: أنها ذبيحة مرتد، فهي: كخنزير مات من غير ذكاة; ويقول: ولو سمى الله عند ذبحها، إذا كانت نيته ذبحها للجن، ورد على من قال: إنه إن ذكر اسم الله حل الأكل منها مع

стр. 633

التحريم. وأما ما سألت عنه، من قوله: اللهم صل على محمد إلى آخره فهذه المحامل التي ذكر غير بعيدة، لو كان الإنكار على الرجل الميت الذي صنفها; والإنكار إنما هو على الخطباء والعامة الذين يسمعون; فإن كان يزعم أن عامة أهل هذه القرى، كل رجل منهم يفهم هذا التأويل، فهذا مكابرة; وإن كان يعرف أنهم ما قصدوا إلا المعاني التي لا تصلح إلا لله، لم يمنع من الإنكار عليهم، ولو تبين أنه شرك لكون الذي قالها أولا، قصد معنى صحيحا. كما لو أن رجلا من أهل العلم كتب إلى عامية أن نكاح الأخوات حلال ففهموا منه ظاهره، وجعلوا يتزوجون أخواتهم، خاصتهم وعامتهم لم يمنع من الإنكار عليهم، ولو تبين أن الله حرم نكاح الأخوات، لكون القائل أراد الأخوات في الدين، كما قال إبراهيم" ﵇" لسارة: هي أختي; وهذا واضح بحمد الله، ولكن من انفتح له تحريف الكلم عن مواضعه، انفتح له باب طويل عريض.

стр. 634

[رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى علماء الإسلام في الفتنة بالقبور] وله أيضا، رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم من محمد بن عبد الوهاب: إلى من يصل إليه من علماء الإسلام، أنس الله بهم غربة الدين، وأحيا بهم سنة إمام المتقين، ورسول رب العالمين، سلام عليكم معشر الإخوان، ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فإنه قد جرى عندنا فتنة عظيمة، بسبب أشياء نهيت عنها بعض العوام، من العادات التي نشؤوا عليها، وأخذها الصغير عن الكبير; مثل: عبادة غير الله، وتوابع ذلك، من تعظيم المشاهد، وبناء القباب على القبور، وعبادتها، واتخاذها مساجد، وغير ذلك، مما بينه الله ورسوله غاية البيان، وأقام الحجة، وقطع المعذرة; ولكن الأمر كما قال ﷺ : " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ "١. فلما عظم العوام قطع عاداتهم; وساعدهم على إنكار دين الله بعض من يدعي العلم، وهو من أبعد الناس عنه" إذ العالم من يخشى الله" فأرضى الناس بسخط الله; وفتح للعوام باب الشرك بالله، وزين لهم، وصدهم عن إخلاص الدين لله; وأوهمهم أنه من تنقيص الأنبياء والصالحين; وهذا بعينه هو الذي جرى على رسول الله ﷺ لما ذكر أن عيسى ﵇ عبد مربوب ليس له من الأمر شيء،

стр. 635

قالت النصارى: إنه سب المسيح وأمه; وهكذا قالت الرافضة لمن عرف حقوق أصحاب رسول الله ﷺ وأحبهم، ولم يغل فيهم، رموه ببغض أهل بيت رسول الله ﷺ . وهكذا هؤلاء، لما ذكرت لهم ما ذكره الله ورسوله، وما ذكره أهل العلم من جميع الطوائف، من الأمر بإخلاص الدين لله، والنهي عن مشابهة أهل الكتاب من قبلنا، في اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله; قالوا لنا: تنقصتم الأنبياء والصالحين والأولياء; والله تعالى ناصر لدينه، ولو كره المشركون. وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم من جميع الطوائف، فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله ورسوله، وكتابه ودينه; ولم تأخذه في ذلك لومة لائم. فأما كلام الحنابلة: فقال الشيخ تقي الدين، ﵀، لما ذكر حديث الخوارج: فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام، من مرق منه، مع عبادته العظيمة، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة، قد يمرق أيضا; وذلك بأمور، منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى كالغلو في بعض المشائخ، كالشيخ عدي، بل الغلو في علي ابن أبي طالب، بل الغلو في المسيح، ونحوه.

стр. 636

فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أجرني; أو أنت حسبي أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك، وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل; فإن الله أرسل الرسل ليعبد وحده، لا يجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الملائكة، أو المسيح، أو العزير، أو الصالحين، أو غيرهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق; وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، انتهى. وقال في الإقناع، في أول باب حكم المرتد: إن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، فهو كافر إجماعا. وأما كلام الحنفية: فقال الشيخ قاسم في شرح: درر البحار: النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء، قائلا: يا سيدي، إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب، أو الطعام، أو الشمع، كذا وكذا، باطل إجماعا، لوجوه; منها: أن النذر للمخلوق، لا يجوز، ومنها: أنه ظن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر; إلى أن قال: وقد ابتلي الناس بذلك، ولا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي.

стр. 637

وقال الإمام البزازي في فتاويه: إذا رأى رقص صوفية زماننا هذا في المساجد، مختلطا بهم جهال العوام الذين لا يعرفون القرآن، والحلال والحرام، بل لا يعرفون الإسلام والإيمان، لهم نهيق يشبه نهيق الحمير، يقول: هؤلاء لا محالة: اتخذوا دينهم لهوا ولعبا. فويل للقضاة والحكام، حيث لا يغيرون هذا مع قدرتهم. وأما كلام الشافعية: فقال الإمام محدث الشام: أبو شامة، في كتاب: الباعث على إنكار البدع والحوادث" وهو في زمن الشارح، وابن حمدان:" لكن نبين من هذا ما وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، وهو ما يفعله الطوائف من المنتسبين إلى الفقر الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، من مواخاة، النساء الأجانب، واعتقادهم في مشائخ لهم. وأطال ﵀ الكلام، إلى أن قال: وبهذه الطرق، وأمثالها كان مباديء ظهور الكفر من عبادة الأصنام، وغيرها، ومن هذا ما قد عم الابتلاء به، من تزيين الشيطان للعامة، تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح، ثم يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي ما بين عيون، وشجر، وحائط; وفي مدينة دمشق، صانها الله من ذلك، مواضع متعددة.

стр. 638

ثم ذكر" ﵀" الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ لما قاله له بعض من معه: " اجعل لنا ذات أنواط، قال: الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده، كما قال قوم موسى ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ " ١ انتهى كلامه ورحمه الله. وقال في اقتضاء الصراط المستقيم: إذا كان هذا كلامه ﷺ في مجرد قصد شجرة لتعليق الأسلحة، والعكوف عندها، فكيف بما هو أعظم منها: الشرك بعينه بالقبور ونحوها. وأما كلام المالكية: فقال أبو بكر الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع، لما ذكر حديث الشجرة ذات أنواط: فانظروا رحمكم الله، أينما وجدتم سدرة أو شجرة، يقصدها الناس، ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء لمرضاهم من قبلها، فهي ذات أنواط، فاقطعوها; وذكر حديث العرباض بن سارية الصحيح، وفيه قوله ﷺ : " فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة "٢. قال في البخاري، عن أبي الدرداء أنه قال: (والله ما أعرف من أمر محمد شيئا، إلا أنهم يصلون جميعا) . وروى: مالك، في الموطأ، عن بعض الصحابة، أنه قال: (ما أعرف

стр. 639

شيئا مما أدركت عليه الناس، إلا النداء بالصلاة) . قال الزهري: دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي ... فقال: (ما أعرف شيئا مما أدركت، إلا هذه الصلاة; وهذه الصلاة، قد ضيعت) ; قال الطرطوشي" ﵀:" فانظروا رحمكم الله إذا كان في ذلك الزمن طمس الحق، وظهر الباطل، حتى ما يعرف من الأمر القديم إلا القبلة; فما ظنك بزمانك هذا؟! والله المستعان. وليعلم الواقف على هذا الكلام من أهل العلم" أعزهم الله" أن الكلام في مسألتين: الأولى: أن الله سبحانه بعث محمدا ﷺ لإخلاص الدين لله، لا يجعل معه أحد في العبادة والتأله، لا ملك، ولا نبي، ولا قبر، ولا حجر، ولا شجر، ولا غير ذلك; وأن من عظم الصالحين بالشرك بالله، فهو يشبه النصارى; وعيسى ﵇ بريء منهم. والثانية: وجوب اتباع سنة رسول الله ﷺ وترك البدع، وإن اشتهرت بين أكثر العوام، وليعلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم من تحقيق هذه المسائل، ونقل كلام العلماء; فرحم الله من نصر الله ورسوله ودينه، ولم تأخذه في الله لومة لائم، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 640

[إخلاص الدين واتباع السنة] وله أيضا: رحمه الله تعالى، وعفا عنه: بسم الله الرحمن الر حيم إلى من يصل إليه من المسلمين، هدانا الله وإياهم لدينه القويم، وسلوك صراطه المستقيم، ورزقنا وإياهم ملة الخليلين: محمد، وإبراهيم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] ، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] ، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ [سورة الشورى آية: ١٣] إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ الآية [سورة الشورى آية: ١٣] . فيجب على كل إنسان يخاف الله والنار أن يتأمل كلام ربه الذي خلقه، هل يحصل لأحد من الناس أن يدين الله بغير دين النبي ﷺ ؟ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية [سورة النساء آية: ١١٥] . ودين النبي ﷺ التوحيد; وهو معرفة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والعمل بمقتضاهما.

стр. 641

فإن قيل: كل الناس يقولونها، قيل: منهم من يقولها ويحسب معناها، أنه لا يخلق إلا الله، ولا يرزق إلا الله، وأشباه ذلك; ومنهم من لا يفهم معناها ومنهم من لا يعمل بمقتضاها; ومنهم: من لا يعقل حقيقتها; وأعجب من ذلك: من عرفها من وجه، وعاداها وأهلها من وجه; وأعجب منه: من أحبها وانتسب إلى أهلها، ولم يفرق بين أوليائها. وأعدائها; يا سبحان الله العظيم! تكون طائفتان مختلفتين في دين واحد، وكلهم على الحق! كلا والله ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [سورة يونس آية: ٣٢] . فإذا قيل: التوحيد زين، والدين حق، إلا التكفير والقتال; قيل: اعملوا بالتوحيد ودين الرسول، ويرتفع حكم التكفير، والقتال; فإن كان حق التوحيد الإقرار به، والإعراض عن أحكامه، فضلا عن بغضه ومعاداته، فهذا والله عين الكفر وصريحه; فمن أشكل عليه من ذلك شيء فليطالع سيرة محمد ﷺ وأصحابه; والسلام عائد عليكم، كما بدا، ورحمة الله وبركاته.

стр. 642

[رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى عيسى في قبوله كتب أهل الباطل] وله أيضا: رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم من محمد بن عبد الوهاب، إلى: عبد الوهاب بن عبد الله بن عيسى، سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته. وبعد: فنحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو؛ وأبلغوا الوالد السلام، وفي نفسي عليه بعض الشيء من جهة هذه المكاتيب، لما حبسها عنا ظننا فيه الظن الجميل، ثم بعد ذلك سمعنا أنه أعطاها بعض السفهاء، يقرؤونها على الناس; وأنا أعتقد فيه المحبة; واعتقد أيضا أن له غاية وعقلا; وهو صاحب إحسان علينا، فلا أود يعقبه بالأذى، ويكدر هذه المحبة بلا منفعة في العاجل والآجل. وذكر أيضا عنه كلام يشوش الخاطر؛ فإن كان يرى أن هذا ديانة، ويعتقده من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأنا ولله الحمد لم آت الذي أتيت بجهالة، وأشهد الله وملائكته إن أتاني منه، أو ممن دونه في هذا الأمر كلمة من الحق، لأقبلنها على الرأس والعين، وأترك قول كل إمام اقتديت به، حاشا رسول الله ﷺ ، فإنه لا يفارق

стр. 643

الحق; فإن كانت مكاتيب أولياء الشيطان، وزخرفة كلامهم، الذي أوحى إليهم" ليجادل في دين الله، لما رأى أن الله يريد أن يظهر دينه" غرته وأصغت إليها أفئدتكم، فاذكروا لي حجة، مما فيها أو كلها، أو في غيرها من الكتب، مما تقدرون عليه أنتم ومن وافقكم، فإن لم أجاوبه عنها بجواب فاصل بين، يعلم كل من هداه الله أنه الحق، وأن تلك هي الباطل، فأنكروا علي. وكذلك: عندي من الحجج الكثيرة الواضحة، ما لا تقدرون أنتم ولا هم أن تجيبوا عن حجة واحدة منها، وكيف لكم بملاقاة جند الله ورسوله؟ وإن كنتم تزعمون: أن أهل العلم على خلاف ما أنا عليه، فهذه كتبهم موجودة، ومن أشهرهم وأغلظهم كلاما: الإمام أحمد، وكلهم على هذا الأمر، لم يشذ منهم رجل واحد ولله الحمد، ولم يأت منهم كلمة واحدة أنهم أرخصوا لمن لم يعرف الكتاب والسنة في أمركم هذا، فضلا عن أن يوجبوه. وإن زعمتم: أن المتأخرين معكم، فهؤلاء سادات المتأخرين وقادتهم: ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، عندنا له مصنف مستقل في هذا; ومن الشافعية الذهبي، وابن كثير، وغيرهم; وكلامهم في إنكار هذا أكثر من أن يحصر; وبعض كلام الإمام أحمد ذكره ابن القيم ﵀ في الطرق الحكمية، فراجعه. ومن أدلة شيخ

стр. 644

الإسلام: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٣١] ، فسرها رسول الله ﷺ والأئمة بعده بهذا الذي تسمونه الفقه، وهو الذي سماه الله شركا واتخاذهم أربابا، لا أعلم بين المفسرين في ذلك اختلافا. والحاصل: أن من رزقه الله العلم، يعرف أن هذه المكاتيب التي أتتكم، وفرحتم بها، وقرأتموها على العامة، من عند هؤلاء الذين تظنون أنهم علماء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٢] ، إلى قوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٣] ، لكن هذه الآيات ونحوها عندكم من العلوم المهجورة; بل أعجب من هذا: أنكم لا تفهمون شهادة: أن لا إله إلا الله، ولا تنكرون هذه الأوثان، التي تعبد في الخرج، وغيره، التي هي الشرك الأكبر، بإجماع أهل العلم، وأنا لا أقول هذا وحدي ١.

стр. 645

سألتم عنا، فنحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونخبركم أنا بخير وعافية، أتمها الله علينا وعليكم في الدنيا والآخرة; وسرنا والحمد لله ما بلغنا عنكم من الأخبار، من الاجتماع على الحق، والاتباع لدين محمد ﷺ ؛ وهذا هو أعظم النعم المجموع لصاحبه بين خيري الدنيا والآخرة، عسى الله أن يوفقنا وإياكم لذلك، ويرزقنا الثبات عليه. ولكن، يا إخواني: لا تنسوا قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٢٠] ، وقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٢"٣] . فإذا تحققتم أن من اتبع هذا الدين، لا بد له من الفتنة; فاصبروا قليلا، ثم أبشروا عن قليل، بخير الدنيا والآخرة، واذكروا قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [سورة غافر آية: ٥١] ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِين َإِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [سورة الصافات آية: ١٧١"١٧٣] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٠"٢١] .

стр. 646

فإن رزقكم الله الصبر على هذا، وصرتم من الغرباء الذين تمسكوا بدين الله مع ترك الناس إياه، فطوبى ثم طوبى، إن كنتم ممن قال فيه نبيكم ﷺ : " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء قيل يا رسول الله، من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس "١. فيا لها من نعمة! ويا لها من عظيمة! جعلنا الله وإياكم من أتباع الرسول، وحشرنا تحت لوائه، وأوردنا حوضه، الذي يرده من تمسك بدينه في الدنيا; ثم أنتم في أمان الله وحفظه، والسلام. [رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب إلى أحمد بن يحيى وذكره مخالفيه] وله أيضا: رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم من محمد بن عبد الوهاب، إلى أحمد بن يحيى، سلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته. وبعد: ما ذكرت من قبل مراسلة سليمان، فلا ينبغي أنها تغضبك، أولا: أنه لو خالف، فمثلك يحلم ; ولا يأتي بغايته هذا، ولا أكثر منه; وثانيا: أنك إذا عرفت أن كلامه ما له فيه قصد، إلا الجهد في الدين، ولو صار مخطئا فالأعمال بالنيات; والذي هذا مقصده يغتفر له، ولو جهل عليك، ونحن: ملزمون عليك لزمة جيدة; وربك ونبيك ودينك لزمتهم لزمة تتلاشى فيها كل لزمة; وهذه الفتنة الواقعة

стр. 647

ليست في مسائل الفروع التي ما زال أهل العلم يختلفون فيها من غير نكير، ولكن هذه في شهادة أن لا إله إلا الله، والكفر بالطاغوت. ولا يخفاك أن الذي عادانا في هذا الأمر هم الخاصة، ليسوا بالعامة; هذا ابن إسماعيل، والمويس، وابن عبيد، جاءتنا كتبهم في إنكار دين الإسلام الذي حكى في الإقناع، في باب حكم المرتد الإجماع من كل المذاهب، أن من لم يدن به فهو كافر; وكاتبناهم، ونقلنا لهم العبارات، وخاطبناهم بالتي هي أحسن، وما زادهم ذلك إلا نفورا. وزعموا أن أهل العارض، ارتدوا لما عرفوا شيئا من التوحيد! وأنت تفهم أن هذا لا يسعك، الاكتفاء بغيرك فيه، فالواجب عليك نصر أخيك، ظالما أو مظلوما. وإن تفضل الله عليك بفهم ومعرفة، فلا تعذر لا عند الله ولا عند خلقه، من الدخول في هذا الأمر; فإن كان الصواب معنا، فالواجب عليك الدعوة إلى الله، وعداوة من صرح بسب دين الله ورسوله ; وإن كان الصواب معهم، أو معنا شيء من الحق وشيء من الباطل أو معنا غلو في بعض الأمور، فالواجب منك مذاكرتنا ونصيحتنا، وترينا عبارات أهل العلم، لعل الله أن يردنا بك إلى الحق; وإن كان إذا حررت المسألة، إذا أنها من مسائل الاختلاف، وأن فيها خلافا عند الحنفية، أو الشافعية، أو المالكية، فتلك مسألة أخرى.

стр. 648

وبالجملة: فالأمر عظيم، ولا نعذرك من تأمل كلامنا وكلامهم، ثم تعرضه على كلام أهل العلم، ثم تبين في الدعوة إلى الحق، وعداوة من حاد الله ورسوله، منا أو من غيرنا، والسلام. [ما يجب علينا من معرفة الله] وسئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى. قال السائل: ما يقول الشيخ، شرح الله له صدره، ويسر له أمره، في مسائل أشكلت علي، فيما يجب علينا من معرفة الله، إذا كان موجب الإلهية الربوبية، وأراك قليل التعريج عليها، عند تقرير الإلهية؟ ويشكل علي أيضا: كون مشركي العرب، أقروا به; هل يكون من غير معرفة لوضوحه؟ أم توغلوا في التقليد، ولم يلتفتوا للحقيقة الموجبة للعبادة؟ أم زعمهم: أن هذا شيء يرضاه الرب؟ أم كيف الحال؟ أيضا: كلمة التوحيد، كونها محتوية على جميع الدين، من إنزال الكتب، وإرسال الرسل، وأنها نافية جميع المقصودات المسماة بالآلهة الباطلة، إذ حدها القصد، فتسمى بذلك من غير استحقاق، لأنها مخلوقة مربوبة مقهورة، والواحد في القصد هو الواحد في الخلق; وإن تكلم الناس في معناها وعملها، وأن ألفاظها مجردة من غير معرفة لا يفيد شيئا، لكن نظرت في حديث الشفاعة الكبرى،

стр. 649

عند قوله سبحانه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [سورة الإسراء آية: ٧٩] ، وإخراجه العصاة من أمته بإذن ربه، حتى قال: "أذن لي فيمن قال لا إله إلا الله"١ هذا مشكل علي جدا، وقاصر فهمي عن معرفته، إذا كان كلمة التوحيد هي الغاية، وتقييدها بالمعرفة مع العمل، وإخراجه ﷺ من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان; فأنت" جزاك الله خيرا" بين لي معنى هذا الكلام، لا أضل ولا أضل. وأخبرك: أني غافل عن الفهم في الربوبية، ما فهمي بجيد في الإلهية، فحين بان لي شيء من معرفتها، واتضح لي بعض المعرفة في الإلهية بضرب المثل: إن فيصل ما استعبد لعريعر إلا لأجل كبر ملك عريعر، مع أنه قبيل له، وأظن غالب الناس كذلك، وفيهم من لا يرى الربوبية، ولا يعتبرها، أو يتهاون بها، وهذا تسمعه من بعضهم، فجزاك الله خيرا، صرح بالجواب. فأجاب: بسم الله الرحمن الر حيم، إلى الأخ، حسن، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: سرني ما ذكرت من الإشكال، وانصرافك إلى الفكرة في توحيد الربوبية، ولا يخفاك أن التفصيل يحتاج إلى أطول، ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله. فأما توحيد الربوبية، فهو: الأصل، ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه، كما قال تعالى فيمن أقر بمسألة منه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى

стр. 650

يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٧] . ومما يوضح لك الأمر أن التوكل من نتائجه، والتوكل من أعلى مقامات الدين، ودرجات المؤمنين; وقد تصدر الإنابة والتوكل من عابد الوثن بسبب معرفته بالربوبية، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾ الآية [سورة الزمر آية: ٨] ؛ وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائما، في الشدة والرخاء، فلا يعرفونها، وهي نتيجة الإلهية، وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالكتب، والرسل وغير ذلك; وأما الصبر والرضى، والتسليم والتوكل، والإنابة، والتفويض، والمحبة، والخوف، والرجاء، فمن نتائج توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الإلهية، هو أشهر نتائج توحيد الربوبية; وهذا وأمثاله لا يعرف إلا بالتفكر، لا بالمطالعة، وفهم العبارة. وأما الفرق بينهما: فإن أفرد أحدهما مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [سورة فصلت آية: ٣٠] ، فهو توحيد الإلهية، وكذلك إذا أفرد توحيد الإلهية، مثل قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة محمد آية: ١٩] ، وأمثال ذلك; فإن قرن بينهما، فسرت كل لفظة بأشهر معانيها، كالفقير، والمسكين. وأما ما ذكرت من أهل الجاهلية: كيف لم يعرفوا الإلهية إذا أقروا بالربوبية؟ هل هو كذا؟ أو كذا؟ أو غير ذلك؟ فهو لمجموع ما ذكرت، وغيره. وأعجب من ذلك: ما رأيت، وسمعت، ممن يدعى أنه أعلم الناس، ويفسر القرآن ويشرح الحديث بمجلدات، ثم

стр. 651

يشرح البردة، ويستحسنها، ويذكر في تفسيره وشرحه للحديث أنه شرك! ويموت ما عرف ما خرج من رأسه! هذا هو العجب العجاب، أعجب بكثير من ناس لا كتاب لهم، ولا يعرفون جنة، ولا نارا، ولا رسولا، ولا إلها; وأما كون لا إله إلا الله، تجمع الدين كله، وإخراج من قالها من النار، إذا كان في قلبه أدنى مثقال ذرة، فلا إشكال في ذلك. وسر المسألة أن الإيمان يتجزأ، ولا يلزم إذا ذهب بعضه أن يذهب كله، بل هذا مذهب الخوارج، فالذي يقول: الأعمال كلها من لا إله إلا الله، فقوله الحق; والذي يقول: يخرج من النار من قالها، وفي قلبه من الإيمان مثقال ذرة، فقوله الحق؛ السبب مما ذكرت لك، من التجزي; وبسبب الغفلة عن التجزي، غلط أبو حنيفة، وأصحابه في زعمهم، أن الأعمال ليست من الإيمان، والسلام. [التوحيد ثلاثة أصول] وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه. بسم الله الرحمن الر حيم،، وبه نستعين. الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فاعلم رحمك الله، أن الله تعالى خلق الخلق ليعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] والعبادة هي:

стр. 652

التوحيد، لأن الخصومة بين الأنبياء والأمم فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . التوحيد: ثلاثة أصول، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الذات والأسماء والصفات. الأصل الأول: توحيد الربوبية، وهو: الذي أقر به المشركون في زمن رسول الله ﷺ ولا أدخلهم في الإسلام، وقاتلهم رسول الله ﷺ واستحل دماءهم وأموالهم، وهو: توحيد الله بفعله، والدليل عليه، قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] ، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ? قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤"٨٩] ، والآيات على هذا كثيرة جدا، أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر. والأصل الثاني: وهو توحيد الألوهية، فهو الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه، وهو: توحيد الله بأفعال العباد، كالدعاء، والرجاء، والخوف، والخشية، والاستعانة، والاستعاذة، والمحبة، والإنابة، والنذر،

стр. 653

والذبح، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والتذلل، والتعظيم; فدليل الدعاء، قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية [سورة غافر آية: ٦٠] ، وكل نوع من هذه الأنواع، عليه دليل من القرآن. وأصل العبادة تجريد الإخلاص لله تعالى وحده، وتجريد المتابعة للرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٨] ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] إلى قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] ، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ الآية [سورة الحج آية: ٦٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، [سورة الحشر آية: ٧] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] . الأصل الثالث: وهو توحيد الذات والأسماء والصفات كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية: ١"٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ

стр. 654

يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٠] ، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] . واعلم: أن ضد التوحيد الشرك، وهو ثلاثة أنواع شرك أكبر; وشرك أصغر; وشرك خفي. والدليل على الشرك الأكبر، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [سورة النساء آية: ١١٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . وهو: أربعة أنواع. النوع الأول: شرك الدعوة، والدليل عليه، قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥"٦٦] . النوع الثاني: شرك النية، وهي: الإرادة والقصد; والدليل عليه، قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود آية: ١٥"١٦] .

стр. 655

النوع الثالث: شرك الطاعة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، وتفسيرها الذي لا إشكال فيه، هو طاعة العلماء والعباد، في معصية الله سبحانه، لا دعاؤهم إياهم، كما فسرها رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم، لما سأله فقال لسنا نعبدهم فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية. النوع الرابع: شرك المحبة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٧] . والنوع الثاني: شرك أصغر، وهو الرياء، والدليل عليه، قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] . والنوع الثالث: شرك خفي، والدليل عليه قوله ﷺ : "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفاة السوداء في ظلمة الليل"١ وكفارته قوله ﷺ : " اللهم إن أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم ". والكفر: كفران، كفر يخرج من الملة، وهو: خمسة أنواع.

стр. 656

النوع الأول: كفر التكذيب، والدليل عليه، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٨] . النوع الثاني: كفر الاستكبار، والإباء، مع التصديق; والدليل عليه، قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٣٤] . النوع الثالث: كفر الشك، وهو كفر الظن، والدليل عليه، قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ [سورة الكهف آية: ٣٥"٣٧] . النوع الرابع: كفر الإعراض، والدليل عليه، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٣] . النوع الخامس: كفر النفاق، الدليل عليه، قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [سورة المنافقون آية: ٣] . وكفر أصغر لا يخرج من الملة، وهو: كفر النعمة; والدليل عليه، قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ﴾ الآية [سورة النحل آية: ١١٢] ، وقوله: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٤] .

стр. 657

وأما النفاق، فهو: نوعان; نفاق اعتقادي، ونفاق عملي. فأما الاعتقادي، فهو ستة أنواع: تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بغض الرسول، أو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية لانتصار دين الرسول; فهذه الأنواع الستة، صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار; نعوذ بالله من الشقاق، والنفاق. وأما النفاق العملي فهو خمسة أنواع; إذا حدث كذب; وإذا خاصم فجر; وإذا عاهد غدر; وإذا ائتمن خان; وإذا وعد أخلف; والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا. [أنواع التوحيد] وسئل أيضا: رحمه الله تعالى، عن توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الصفات؟ فأجاب: توحيد الربوبية: هو الذي أقر به الكفار، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] . وأما توحيد الألوهية، فهو: إخلاص العبادة لله وحده من

стр. 658

جميع الخلق، لأن الإله في كلام العرب، هو الذي يقصد للعبادة، وكانوا يقولون: إن الله هو إله الآلهة، لكن يجعلون معه آلهة أخرى، مثل الصالحين، والملائكة، وغيرهم; يقولون: إن الله يرضى هذا، ويشفعون لنا عنده. فإذا عرفت هذا معرفة جيدة، تبين لك غربة الدين; وقد استدل عليهم سبحانه بإقرارهم بتوحيد الربوبية، على بطلان مذهبهم، لأنه إذا كان هو المدبر وحده، وجميع من سواه لا يملكون مثقال ذرة، فكيف يدعونه ويدعون معه غيره، مع إقرارهم بهذا. وأما توحيد الصفات: فلا يستقيم توحيد الربوبية ولا توحيد الألوهية، إلا بالإقرار بالصفات، لكن الكفار أعقل ممن أنكر الصفات، والله أعلم. وقال أيضا رحمه الله تعالى: أصل الحنيفية: عبادة الله وحده لا شريك له، وتجنب الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة النساء آية: ٣٦] ، ومغلظ الكفر: الكبر، والشرك; فإن كان الإنسان ما عبد الله، فهو مستكبر، مثل ما يقع من غالب البدو، من التهزى بالوضوء والصلاة; فإن كان عبد الله، وعبد معه غيره، فهو مشرك، مثل ما يقع من كثير من العباد، مثل النصارى وجنسهم، ولكن فيهم رقة. فإذا عرفت هذا، وعرفت ما جرى من النبي ﷺ من سد

стр. 659

الذرائع، مثل كونه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، ونهى المصلي أن لا يصمد للسترة، وألا يستقبل النار، ونهى المأمومين عن القيام إذا صلى الإمام جالسا، وأمرهم بالجلوس وغير ذلك. فإذا عرف الإنسان أنه أمر بالجلوس إذا جلس الإمام، والإخلال بالركن لأجل المشابهة لما يفعله الكفار لعظمائهم، ونظر لما يجري من الناس من التكبر، والقيام والخضوع، وغير ذلك، عرف نفسه، وعرف ربه، وما يجب له من الحقوق، لعله واقع في شيء من هذا. وعرف أن النبي ﷺ ما ترك شيئا ينفع أمته إلا أمرهم به، ولا شيئا يضرهم إلا نهاهم عنه، وكذلك كونه يعرف أن أصل الشرك الاعتقاد في الصالحين وغيرهم، وهو الذي فارق النبي ﷺ قومه، وقاتلهم عنده. وقال رحمه الله تعالى: إذا أمر الله العبد بأمر، وجب عليه فيه سبع مراتب: الأولى: العلم به; الثانية: محبته; الثالثة: العزم على الفعل; الرابعة: العمل; الخامسة: كونه يقع على المشروع خالصا صوابا; السادسة: التحذير من فعل ما يحبطه; السابعة: الثبات عليه. إذا عرف الإنسان أن الله أمر بالتوحيد، ونهى عن الشرك; أو عرف أن الله أحل البيع، وحرم الربا; أو

стр. 660

عرف أن الله حرم أكل مال اليتيم، وأحل لوليه أن يأكل بالمعروف إن كان فقيرا، وجب عليه أن يعلم المأمور به، ويسأل عنه إلى أن يعرفه، ويعلم المنهي عنه، ويسأل عنه إلى أن يعرفه. واعتبر ذلك بالمسألة الأولى، وهي: مسألة التوحيد، والشرك. أكثر الناس علم أن التوحيد حق، والشرك باطل، ولكن أعرض عنه ولم يسأل، وعرف أن الله حرم الربا، وباع واشترى ولم يسأل، وعرف تحريم أكل مال اليتيم، وجواز الأكل بالمعروف، ويتولى، مال اليتيم ولم يسأل. المرتبة الثانية: محبة ما أنزل الله، وكفر من كرهه، لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٩] . فأكثر الناس لم يحب الرسول، بل أبغضه، وأبغض ما جاء به ولو عرف أن الله أنزله. المرتبة الثالثة: العزم على الفعل; وكثير من الناس عرف وأحب، ولكن لم يعزم، خوفا من تغير دنياه. المرتبة الرابعة: العمل، وكثير من الناس إذا عزم أو عمل وتبين عليه من يعظمه من شيوخ أو غيرهم"ترك العمل. المرتبة الخامسة: أن كثيرا ممن عمل، لا يقع خالصا، فإن وقع خالصا، لم يقع صوابا. المرتبة السادسة: أن الصالحين يخافون من حبوط

стр. 661

العمل، لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة الحجرات آية: ٢] ، وهذا من أقل الأشياء في زماننا. المرتبة السابعة: الثبات على الحق، والخوف من سوء الخاتمة، لقوله ﷺ : " إن منكم من يعمل بعمل أهل الجنة، ويختم له بعمل أهل النار "١، وهذه أيضا: من أعظم ما يخاف منه الصالحون; وهي قليل في زماننا، فالتفكر في حال الذي تعرف من الناس، في هذا وغيره، يدلك على شيء كثير تجهله، والله أعلم. [مفهوم التوحيد الذي فرض الله على عباده] وله أيضا، رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الر حيم اعلم رحمك الله: أن التوحيد الذي فرض الله على عباده، قبل الصلاة والصوم، هو: توحيد عبادتك، فلا تدعو إلا الله وحده لا شريك له، لا تدعو النبي ﷺ ولا غيره; كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] . واعلم أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ، صفة إشراكهم أنهم يدعون الله، ويدعون معه الأصنام، والصالحين، مثل عيسى، وأمه، والملائكة; يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله; وهم يقرون أن الله سبحانه، هو:

стр. 662

النافع، الضار، المدبر; كما ذكر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الآية [سورة يونس آية: ٣١] . فإذا عرفت هذا وعرفت أن دعاءهم الصالحين، وتعلقهم عليهم، أنهم يقولون: ما نريد إلا الشفاعة، وأن النبي ﷺ قاتلهم ليخلصوا الدعاء لله، ويكون الدين كله لله; وعرفت أن هذا هو التوحيد، الذي أفرض من الصلاة والصوم، ويغفر الله لمن أتى به يوم القيامة، ولا يغفر لمن جهله ولو كان عابدا. وعرفت أن ذلك هو الشرك بالله، الذي لا يغفر الله لمن فعله، وهو عند الله أعظم من الزنى، وقتل النفس، مع أن صاحبه يريد به التقرب من الله. ثم مع هذا عرفت أمرا آخر، وهو أن أكثر الناس" مع معرفة هذا الدين" يسمعون العلماء في سدير، والوشم، وغيرهم، إذا قالوا: نحن موحدون الله، نعرف ما ينفع ولا يضر إلا الله، وأن الصالحين لا ينفعون ولا يضرون، وعرفت أنهم لا يعرفون من التوحيد إلا توحيد الكفار، توحيد الربوبية، عرفت عظم نعمة الله عليك، خصوصا إذا تحققت أن الذي يواجه الله، ولا عرف التوحيد، أو عرفه ولم يعمل به، أنه خالد في النار، ولو كان من أعبد الناس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 663

وله أيضًا: تقريب الله التوحيد، بالعقل، والنقل والأئمة، والأدلة المصرفة. فأما العقل: فكون الإنسان الذي في عقله أنك تلجأ إلى الحي، ولا تلجأ إلى الميت، وتطلب الحاضر، ولا تطلب الغائب، وتطلب الغني ولا تطلب الفقير; وأما النقل: ففي القرآن أكثر من أربعين مثلا; والأئمة مثل ما يعرف: أن الناس متعلقة قلوبهم باتباع العلماء، ويقال من أكبر الأئمة; ومعلوم أنه محمد، وإبراهيم، ﵉. فأما إبراهيم، فكما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٤] ، لما جعله الله إماما، معلوم أنه في التوحيد، وما جرى عليه من قومه، أوقدوا له نارا، إذا مر الطير من فوقها سقط فيها. ومحمد ﷺ فأي شيء هو مرسل به؟ دعوة الصالحين، هو مرسل بهدمها أو يقيمها؟ أو هو ساكت عنها؟ لا قال شينة، ولا زينة؟! ومعلوم أنه ما تفارق هو وقومه إلا عندها. وأما الأدلة المصرفة: فبحر لا ساحل له، كل ما رأيت فهو يدل على الوحدانية. [أربع قواعد في حال المشركين ينبغي فهمهن] وقال رحمه الله تعالى: هذه: أربع قواعد، ينبغي لكل إنسان يتأملهن، ويفهمهن فهم قلب يفيض عملهن على الجوارح. الأولى: الإنسان إذا مات على ما علم من ألفاظ الصلاة

стр. 664

فقط، هل معه دين يدخل به الجنة وينجيه من النار؟ أم لا؟ الثانية: هذه الحوادث عند المقامات ونحوها، هل هي توجد أو شيء منها في زمن النبي ﷺ ، وخلفائه الراشدين، والقرون المثنى عليهم؟ أم لا؟ الثالثة: هذا الذي يفعلونه عندها، من القصد، والتوجه، من إجابة الدعوات، وقضاء الحاجات، وإغاثة اللهفات، هل هو الذي يفعله مشركو العرب قبل مبعث النبي ﷺ عند اللات، والعزى، ومناة، سواء بسواء؟ أم لا؟ الرابعة: من فعل هذا، وهو مسلم مؤمن، هل يكفر ويحبط إيمانه بذلك؟ أم لا؟ فإن أشكلت عليك الأولى، فانظر، إلى سؤال الملكين في القبر، وقوله: هاه، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا، فقلته مثلهم; الثانية: إن قلت توجد، فعليك الإثبات; الثالثة: إن قلت القصد، غير القصد فعليك التفريق، بالأدلة الصحيحة، من كتاب أو سنة، أو إجماع الأمة; الرابعة: إن قلت، الإسلام: يحميه عن الكفر ولو فعل ما فعل، فطالع باب حكم المرتد، من الإقناع وغيره; والله أعلم. [ما قاله الشيخ ابن عبد الوهاب في قوله لو أتيتني بقراب الأرض خطايا] وقال رحمه الله تعالى: ظهر لي في الحديث، في قوله: ﷺ " لو أتيتني بقراب الأرض خطايا "١ إلخ، أن هذا فيه: تنبيه على جلالة التوحيد،

стр. 665

وأن هذا من نوع التمثيل، كما ذكر في الشرك وكبره عند الله، في قوله تعالى في الأنبياء ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٨] ، لكون التوحيد يكفر الخطايا، كما أن الشرك يحبط الحسنات. وقال أيضا، رحمه الله تعالى: الواجب على كل عبد أن يعرف هذه المسائل: المسألة الأولى: الرب الذي خلقنا ورزقنا لم يتركنا هملا لم يأمرنا، ولم ينهنا ; بل أرسل إلينا رسولا، من أطاعه فهو في الجنة، ومن عصاه فهو في النار، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [سورة المزمل آية: ١٥"١٦] . المسألة الثانية: أن أعظم ما جاء به هذا الرسول من عند الله أن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد غيره، والدليل على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . المسألة الثالثة: أن من صدق الرسول، ووحد الله، ما يجوز له يواد من حاد الله ورسوله حتى يتوب من المحادة لله ورسوله، والدليل على ذلك، قوله تعالى. ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ

стр. 666

تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] . فمن لم يعرف ربه، بمعنى معبوده، ودينه ورسوله الذي أرسله الله إليه بدلائله في الدنيا، ولم يعمل به، سئل عنه في القبر فلم يعرفه; ومن لم يعرفه في القبر، ضربته الملائكة بمرزبة من حديد، لو اجتمع عليها الجن والإنس ما أطاقوا حملها. ومن عرفه بدليله، وعمل به في الدنيا، ومات عليه، سئل في القبر فيجيب بالحق، فإنه ذكر في الحديث: " إن العبد المؤمن، أو الموقن، إذا وضع في قبره، سألته الملائكة عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه; فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا، وصدقنا، واتبعنا، فيقال له: نم صالحا، قد علمنا أنك مؤمن "١. وأعظم البينات الذي جاء به الرسول: كتاب الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣] . وأما المنافق والمرتاب، إذا سئل عن ذلك، يقول: " هاه، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته "٢ فتعذبه الملائكة; فالحذر، الحذر، من ذلك! تفقهوا في دينكم قبل الموت، وصلى الله على محمد.

стр. 667

وسئل أيضا: عن مسائل فأجاب: الأولى: أن الله سبحانه، بعث محمدا ﷺ بتحقيق التوحيد، وتجريده، ونفي الشرك بكل وجه، حتى في الألفاظ. الثانية: أن العبادة التي شرعها الله تعالى كلها، تتضمن إخلاص الدين كله لله تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [سورة البينة آية: ٥] ؛ فإن دين الإسلام، هو دين الله، الذي أمر به الأولين والآخرين، كما قال تعالى" وهي: الثالثة" ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٢] ، وفسر إسلام الوجه بما يقتضى الإخلاص; والإحسان: العمل الصالح، المأمور به; وهذان الأصلان جماع الدين; لا نعبد إلا الله، ولا نعبده بالبدع، بل بما شرع، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] . الرابعة: أن هذين الأصلين هما تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله. فالأولى: تتضمن إخلاص الألوهية، فلا يتأله القلب غيره، لا بحب، ولا خوف، ولا رجاء، ولا إجلال، ولا إكرام. والثانية: تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر; فلا حرام إلا ما حرم، ولا دين إلا ما شرع.

стр. 668

ولهذا ذم الله تعالى المشركين، في سورة الأنعام، والأعراف، وغيرهما، لكونهم حرموا ما لم يحرمه الله، وشرعوا ما لم يأذن فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤٥"٤٦] . فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ومن دعا الله بغير إذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة، والمبتدع يؤل إلى الشرك، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٩] . ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام، والانقياد، ويتضمن الإخلاص، فمن استسلم له ولغيره، فهو مشرك; ومن لم يستسلم له، فهو مستكبر. وقال أيضا: الدعاء الذي يفعل في هذا الزمان أنواع: النوع الأول: دعاء الله وحده لا شريك له، الذي بعث الله به رسوله. النوع الثاني: أن يدعو الله، ويدعو معه نبيا، أو وليا، ويقول: أريد شفاعته، وإلا فأنا أعلم ما ينفع ولا يضر إلا الله. لكن أنا مذنب، وأدعو هذا الصالح لعله يشفع لي، فهذا الذي فعله المشركون، وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 669

حتى يتركوه، ولا يدعوا مع الله أحدا، لا لطلب شفع، ولا نفع. النوع الثالث: أن يقول: اللهم إني أتوسل إليك بنبيك، أو بالأنبياء، أو الصالحين; فهذا ليس شركا، ولا نهينا الناس عنه; ولكن المذكور عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، وغيرهم أنهم كرهوه، لكن ليس مما نختلف نحن، وغيرنا فيه. وقال أيضا ﵀: ذكر في السيرة، في استماع أبي جهل، قراءة النبي ﷺ وكلامه معروف، يقول: هذا حق، وذكر الذي منعه، خوفه أن يصيروا تبعا لبني عبد مناف، والواقع: لو أن واحدا من الملوك، يقر أن هذا الدين حق، ولا يدع اتباعه، إلا خوف أن يزول ملكه، لوجدت النفوس تعذره. الثانية: كونهم يخفون إقرارهم على عامة أهل مكة، مخافة أن يتبعوه، وأما أهل هذا الزمان، فكل مطوع شيطان، منطقه الله: أن التوحيد دين الله ورسوله، والشرك الذي هم يفعلون: دين الشيطان; ولا أحد يعي لقولهم. وقال أيضا، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب، وأسكنه الجنة بغير حساب: هذه: كلمات في معرفة شهادة أن لا إله إلا الله وأن

стр. 670

محمدا رسول الله، وقد غلط أهل زماننا فيها، وأثبتوا لفظها دون معانيها، وقد يأتون بأدلة على ذلك، تلتبس على الجاهل المسكين، ومن ليس له معرفة في الدين، وذلك يفضي إلى أعظم المهالك. فمن ذلك قوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم "١ الحديث، وكذلك قوله ﷺ لما سئل عن شفاعته: من أحق بها يوم القيامة؟ قال: " من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه "٢ وقوله ﷺ : " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة "٣، وكذلك حديث عتبان: " فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله "٤. وهذه الأحاديث الصحيحة، إذا رآها هذا الجاهل، أو بعضها، أو سمعها من غيره، طابت نفسه وقرت عينه، واستفزه المساعد على ذلك، وليس الأمر كما يظنه هذا الجاهل المشرك، فلو أنه دعا غير الله، أو ذبح له، أو حلف به، أو نذر له، لم ير ذلك شركا، ولا محرما، ولا مكروها، فإذا أنكر عليه أحد بعض ما ينافي التوحيد لله، والعمل بما أمر الله، اشمأز ونفر، وعارض بقوله: قال رسول الله، وقال رسول الله. وهذالم يدر حقيقة الحال، فلو كان الأمر كما قال، لما قال الصديق ﵁ في أهل الردة: (والله لو منعوني عناقا، أو قال عقالا، كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم
следующие страницы →