← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [سورة الحجرات آية: ١-٢] الآية " لما قدم وفد بني تميم، قال أبو بكر: يا رسول الله أمر فلانا وقال عمر: بل فلانا; قال ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردته; فتجادلا حتى ارتفعت أصواتهما " ١. ففيه مسائل: الأولي: الأدب مع رسول الله ﷺ وتعظيم حرمته. الثانية: إذا كان هذا التغليظ في الشيخين، فكيف بغيرهم؟ . الثالثة: اختلاف كلام المفسرين والمعنى واحد، لكن كل رجل يصف نوعا من التقدم. الرابعة: الأمر بالتقوى في هذا الموضع. الخامسة: الاستدلال بالأسماء الحسنى على المسألة. السادسة: مسألة الإحباط وتقريره. السابعة: وجوب طلب العلم، بسبب أن هذا مع كونه سببا للإحباط لا يفطن له، فكيف بما هو أغلظ منه بكثير؟ الثامنة: قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة الحجرات آية: ٢] أي: لا تدرون، فإذا كان هذا فيمن لا يدري، دل على وجوب التعلم والتحرز، وأن الإنسان لا يعذر بالجهل في كثير من الأمور. التاسعة: ما ترجم عليه البخاري، بقوله: باب خوف المؤمن ... إلخ. قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ الآية: [سورة الحجرات آية: ٣]

стр. 6232

فيه مسائل: الأولى: ثناء الله على أهل العمل. الثانية: أن معنى امتحنها: هيأها، فقد تبتلى بما تكره، ويكون نعمة من الله، يريد امتحان قلبك للتقوى. الثالثة: استدل بها على أن من يكف عن المعصية، مع منازعة النفس، أفضل ممن لا يشتهيها. الرابعة: وعد الله لأهل هذه الخصلة بالمغفرة والأجر العظيم، فينزل ما يكرهون ويعطيهم ما يحبون. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [سورة الحجرات آية: ٤] إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحجرات آية: ٥] : فيه مسائل: الأولى: ذمه لمن أساء الأدب. الثانية: ذكره أن أكثرهم لا يعقلون، مع كونهم من أعقل الناس في ظنهم. الثالثة: ذم العجلة ومدح التأني. الرابعة: رأفة الله ورحمته بالعباد ولو عصوه، لختمه الأدب بهذين الاسمين. َيا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [سورة الحجرات آية: ٦] الآية: نزلت في رجل أخبر النبي ﷺ عن بعض المسلمين أنهم منعوا الزكاة، فهم بغزوهم؛ وكان كاذبا. فيه مسائل: الأولى: كبر بهتان المسلم عند الله، كيف فضح الله هذا بهذه الفضيحة الباقية إلى يوم القيامة، مع كونه من الصحابة. الثانية: معنى التبين وهو التثبت. الثالثة: الأمر الذي نزلت فيه الآية، وهو أمر المسلمين بعدم العجلة إذا جاءهم مثل هذا، والنهي عن العجلة. الرابعة: ذكر علة الحكم وهو الندم إذا أصابوا قوما

стр. 6233

بجهالة. الخامسة: أن الله لم يأمر بتكذيب الفاسق، ولكن أمر بالتثبت. السادسة: استدل بها على أنه إذا عرف صدقه عمل به، لانتفاء العلة. السابعة: استدل بها على أن الخبر إذا أتى به أكثر من واحد، فليس في الآية الأمر بالتبين فيه. الثامنة: أن المؤمن يندم إذا تبين له خطؤه. التاسعة: قتال مانعي الزكاة، كما في آية السيف. العاشرة: جباية النبي ﷺ الزكاة، ولم يجعلها لأهل الأموال. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [سورة الحجرات آية: ٧] إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ (: فيه مسائل: الأولي: كيف أمرهم بالعلم بأنه رسول الله، وهم الصحابة، فما أجلها من مسألة وأدلها على مساثل كثيرة! الثانية: أنه لو يطيعهم في كثير من الأمر، جرى ما جرى وهم الصحابة، ففيها التسليم لأمر الله، ومعرفة أنه هو المصلحة، وتقديم الرأي عليه هو المضرة. الثالثة: معنى العنت: الضيق، أي: رأيكم يجر إلى الضيق عليكم. الرابعة: أن ما بكم من الخير والصواب، فليس ذلك من أنفسكم، ولو وكلتم إليها جرى ما جرى، فهو الذي حبب إليكم الإيمان، وكره إليكم ضده. الخامسة: فيه أن الأعمال من الإيمان، ففيه الرد على الأشعرية. السادسة: أن

стр. 6234

تزيينه في القلوب نوع آخر غير المحبة. السابعة: أن الكفر نوع، والفسوق نوع، والعصيان عام في جميع المعاصي; فمن الكفر شيء لا يخرج عن الملة، كقوله: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " ١، ومنه الفسوق بالكبائر، فعلمت أن ما أطلق عليه الكفر أكبر من الكبائر، ولو لم يخرج من الملة. الثامنة: قوله: أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [سورة الحجرات آية: ٧] : ففيه أمران: أحدهما: أن الرشد فعل ما ذكر وترك ما ذكر. التاسعة: أن الرشد من غير حول منهم ولا قوة. العاشرة: ذكره تعالى أن ذلك فضل منه ونعمة، فكرر الأمر لأجل كبر المسألة. الحادية عشرة: الفرق بين الفضل والنعمة. الثانية عشرة: ختم الآية بالاسمين الشريفين. الثالثة عشرة: قرنه سبحانه بين العلم والحكمة; ويوضحه المثل: ما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم، وما قرن شيء إلى شيء أقبح من جهل إلى خرق. الرابعة عشرة: أن نتيجة هذا الدلالة على التمسك بالوحي، والتحذير من الرأي المخالف، ولو من أعلم الناس. الخامسة عشرة: التنبيه على لطفه بنا، وأنه أرحم بنا من أنفسنا. ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [سورة الحجرات آية: ٩] إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الحجرات آية:١٠] .

стр. 6235

ومن سورة الذاريات وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: وأما ما ذكرت من كلام ابن العربي المالكي في معنى قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] : تأملته فوجدته قد اعتمد وعول في معنى هذه الآية على كلام القدرية المجبرة، وغلط في زعمه أن معناه لبعض أهل السنة. وابن العربي إن لم يكن موافقا لهم في أصل الجبر والقول به، فقد يدخل عليهم كلامهم وكلام نظائرهم، ولا ينكره، بل يأخذ به ويقرره، إما جهلا منه بأنه مخالف لقول أهل السنة، أو تقليدا لمن يحسن به الظن، أو لأسباب أخر; وليس هذا خاصا به؛ بل قد وقع فيه كثير من أتباع الأئمة، المنتسبين إلى السنة; فإن قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا لتجري أفعالهم على مقتضى حكم المولى، وإنما يخرج فعل العبد عن حكم المولى إذا كان مغلوبا؛ والغالب لا يخرج شيء عن فعله، وهو الله وحده. انتهى. وهذا الكلام بعينه هو كلام القدرية المجبرة فيما حكاه عنهم غير واحد، وهذا التعليل هو تعليلهم بعينه. وهذا القول يقتضي أنه سبحانه خلق الشاكر ليشكر، والفاجر ليفجر، والكافر ليكفر، فما خرج أحد عما خلق له على هذا القول، لأن القدر جاء بذلك كله.

стр. 6236

والقدرية المجبرة دعاهم لهذا فيما يزعمون إبطال قول القدرية النفاة، ومصادمتهم في قولهم: إن الإرادة هي الأمر، يأمر بها الطائفتين؛ فهؤلاء عبدوه بأن أحدثوا إرادتهم وطاعتهم; وهؤلاء عصوه بأن أحدثوا إرادتهم ومعصيتهم. وحاصل قولهم: إنكار القدر، وأن الأمر أنف; فقابلهم أولئك بالقول بالجبر; وأنهم لا يخرجون من قدره وقضائه، نظرا منهم إلى أن الأمر كائن بمشيئة الله وقدره، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وأنه تعالى خالق كل شيء، وربه ومليكه، ولا يكون في ملكه شيء إلا بقدرته وخلقه ومشيئته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر آية: ٤٩] ، ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١١] ، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٢] ، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الإنسان آية: ٣٠] ، ونحو ذلك من الآيات. ولا ريب أن هذا أصل عظيم من أصول الإيمان، لا بد منه في حصول الإيمان؛ وبإنكاره ضلت القدرية النفاة، وخالفوا جميع الصحابة وأئمة الإسلام؛ ولكن لا بد معه من الإيمان بالإرادة الشرعية الدينية التي نزلت بها الكتب السماوية، ودلت عليها النصوص النبوية. وأئمة المسلمين قد أثبتوا هذه وهذه، وذكروا الجمع بينهما; وآمنوا بكلا الأصلين، وفرقوا بين لام العلة الباعثة الفاعلة، وبين لام الغاية والصيرورة والعاقبة.

стр. 6237

والقرآن قد جاء ببيان اللامين: الأولي: في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء آية: ٦٤] ، ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٥] . والثانية: في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [سورة القصص آية: ٨] ، ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٩] ، ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [سورة هود آية: ١١٩] على أحد القولين فمن نفى الإرادة الشرعية الأمرية فهو جبري ضال مبتدع، ومن نفى الإرادة الكونية القدرية فهو قدري ضال مبتدع. ومن قال: إن العبادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] بمعنى: إلا لتجري أفعالهم على مقتضى إرادتي الكونية، فقد أدخل جميع الخلق، مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، في هذه العبادة; وجعل عابد الأصنام والشيطان والأوثان، عابدا للرحمن، قائما بما خلق الله له الإنس والجان، لكن بمعنى جريان الإرادة القدرية الكونية عليهم، لا بمعنى الاتحاد والحلول الذي قاله صاحب الفصوص وطائفة الاتحاد الكفار. وقال قائلون بالجبر: لا شك أن الخلق يعبدون بجريان الأقدار عليهم، يريدون أن ذلك هو المقصود بالآية،

стр. 6238

كما سيأتي في حكاية هذا عن غيرهم. والعبادة وإن كانت لغة: أقصى غاية الذل والخضوع مطلقا، كما في قوله: تباري عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد ١ فهي في الشرع أخص من ذلك، لأنها اسم للطاعة والانقياد للأوامر الشرعية الدينية التي دعت إليها الرسل، ودلت عليها الكتب السماوية، كما فسر ابن عباس ﵄ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١] بتوحيده، وإخلاص العبادة له، نظرا منه إلى الحقيقة الشرعية، لا إلى أصل الأوضاع اللغوية؛ وقد اعترضه ابن جرير هنا، بأصل الوضع واللغة. والحق ما قاله ابن عباس، خلافا لابن جرير، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [سورة الكافرون آية: ٣] وتعليلهم ما قالوه: بأن العبد لا يخرج عن فعل المولى، إلا إذا كان المولى مغلوبا، والله تعالى هو الغالب وحده، أو نحو هذا التعليل. فهذا قد احتجوا به على القدرية النفاة، وهو احتجاج صحيح على من نفى القدر، وزعم أن العبد يخلق أفعال نفسه، لأن الله تعالى لا يعصى عنوة، بل علمه وقدرته وعزته، وحكمته وربوبيته العامة، وكلماته التامة، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، مانعة ومبطلة لقول القدرية النفاة.

стр. 6239

فإن الصحابة قاطبة، وسائر أهل السنة والجماعة متفقون على أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ويؤمنون بأن الله ﵎ عالم بجميع الكائنات قبل أن تكون كيف تكون؛ وغلاة منكري القدر قد أنكروا هذا العلم، فكفرهم بذلك الأئمة: أحمد وغيره. وأما من قال بإثبات القدر خيره وشره، حلوه ومره، فلا يلزمه ولا يرد عليه ما ورد على القدرية النفاة، من لزوم خروج العبد عن فعل المولى. وإن قال: إن العبد قد يخرج عن الإرادة الدينية الشرعية إلى ما يضادها من المعاصي والكفر والفسوق، فيكون بذلك مخالفا للأوامر الشرعية وإن كان داخلا تحت المشيئة الكونية القدرية; فالخروج عن القدر والمشيئة نوع، والخروج عن الأوامر الشرعية نوع آخر. فالأول غير ممكن لجميع المخلوقات، لجريان الأقدار عليهم طوعا وكرها; وأما الثاني فيقع من الأكثر ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٣] . ولله في خروج الأكثر عن أمره حكمة يحبها ويرضاها، لائقة بعلمه وحكمته، وعدله وربوبيته، يستحق أن يحمد عليها. وقد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كلاما حسنا في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ذكر فيه ستة أقوال: أحدها: قول نفاة الحكم كالأشاعرة ومن وافقهم، كالقاضي

стр. 6240

أبي يعلى، وابن الزاغوني، والجويني، والباجي. وهو قول جهم بن صفوان ومن اتبعه من المجبرة القائلين بنفي الحكمة، وأنها تفضي إلى الحاجة، فنفوا أن يكون في القرآن لام كي، وقالوا: يفعل ما يشاء لا لحكمة، فأثبتوا القدرة والمشيئة، وهذا تعظيم، ونفوا الحكمة لظنهم أنها تستلزم الحاجة. الثاني. قول المعتزلة ومن وافقهم، وهو: أن الله تعالى يخلق ويأمر، لحكمة تعود إلى العباد، وهي نفعهم والإحسان إليهم؛ فلم يخلق ولم يأمر إلا لذلك، لكن قالوا بأنه يخلق من يتضرر بالخلق، فتناقضوا بذلك. ثم افترقوا على قولين: من أنكر القدر ووضع لربه شرعا بالتجويز والتعديل، وهذا هو قول القدرية; ومنهم من أقر بالقدر، وقال: حكمته خفيت علينا، وهذا قول ابن عقيل وغيره من المثبتين للقدر; فهم يوافقون المعتزلة على إثبات الحكم، وأنها ترجع إلى المخلوق، ويقرون بالقدر. الثالث: قول من أثبت حكمة تعود إلى الرب، لكن بحسب علمه، فقال: خلقهم ليعبدوه ويحمدوه، فمن وجد منه ذلك فهو مخلوق، وهم المؤمنون، ومن لم يوجد منه ذلك فليس بمخلوق له; قالوا: وهذه حكمة مقصودة، وهي واقعة، بخلاف الحكمة التي أثبتها المعتزلة، فإنهم أثبتوا حكمة هي نفع للعباد; ثم قالوا: خلق من علم أنه لا ينتفع

стр. 6241

بالخلق، بل يتضرر، فتناقضوا، كما تقدم. ونحن أثبتنا حكمة علم أنها تقع، فوقعت، وقد يخلق ما يتضرر بالخلق لنفع الآخرين؛ وفعل الشر القليل لأجل الخير الكثير حكمة، كإنزال المطر لنفع العباد، وإن تضرر البعض. قالوا: وفي خلق الكفار وتعذيبهم اعتبار للمؤمنين وجهادهم ومصالحهم؛ وهذا اختيار القاضي أبي حازم بن القاضي أبي يعلى. قالوا: فقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] هو مخصوص بمن وقعت منه العبادة، وهذا قول طائفة من السلف والخلف، وهو قول الكرامية. وعن سعيد بن المسيب في معنى الآية قال: ما خلقت من يعبدني إلا ليعبدني، كذلك قال الضحاك والفراء وابن قتيبة; هذا خاص بأهل طاعته. قال الضحاك: هي للمؤمنين، وهذا اختيار أبي بكر بن الطيب، وأبي يعلى، وغيرهما ممن يقول: إنه لا يفعل لعلة. قالوا: - واللفظ لأبي يعلى-: هذا بمعنى الخصوص لا العموم، لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب، وإن كانوا من الإنس، وكذلك الكفار، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٩] ؛ فمن خلق للشقاء لجهنم يخلق للعبادة. قلت: قوله: وهذا قول طائفة من السلف والخلف،

стр. 6242

يعني: القول بالتخصيص في الآية، لا أصل القول الثالث. ثم قال شيخ الإسلام: قلت قول الكرامية ومن وافقهم، وان كان أرجح من أقوال المعتزلة، لما أثبتوه من حكمة الله؛ وقولهم في تفسير الآية، وإن وافقوا فيه بعض السلف، فهو قول ضعيف مخالف لقول الجمهور. والقول الرابع: أنه على العموم، لكن المراد بالعبادة تعبيده لهم وقهرهم، ونفوذ قدرته ومشيئته فيهم، وأنه أصارهم إلى ما خلقوا له من السعادة والشقاوة؛ وفسروا العبادة بالتعبيد القدري؛ وهذا يشبه قول من يقول من المتأخرين: أنا كافر برب يعصى؛ فإنه جعل كل ما يقع من العباد طاعة، كما قال قائلهم: أصبحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات وأما هؤلاء: فجعلوا عبادة الله كون العباد تحت المشيئة; وكان بعض شيوخهم يقول عن إبليس: إن كان قد عصى الأمر فقد أطاع القدر والمشيئة; وما رواه ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] قال: "جبلهم على الشقاء والسعادة". وقال وهب: جبلهم على الطاعة وجبلهم على المعصية، وقد روي أيضا عن طائفة نحوه; وهؤلاء وإن وافقوا من قبلهم في معنى الآية، فهم – أعنى زيد بن أسلم، ووهب بن منبه - من أعظم الناس تعظيما للأمر

стр. 6243

والنهي، والوعد والوعيد؛ وأما من قبلهم فهم إباحية، يسقطون الأمر والنهي. والقول الخامس: قول من يقول: إلا ليخضعوا لي ويذلوا; قال: ومعنى العبادة في اللغة: الذل والانقياد، وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله ومتذلل لمشيئته، لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق له. وقد ذكر أبو الفرج عن ابن عباس: "إلا ليقروا بالعبادة طوعا وكرها"، قال: وبيان هذا قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [سورة لقمان آية: ٢٥] ، وهذه الآية توافق قول من قال: إلا ليعرفوني، كما سيأتي. وهؤلاء الذين أقروا بأن الله خالقهم، لم يقروا بذلك كرها، بخلاف إسلامهم وخضوعهم له، فإنه يكون كرها ; وأما نفس الإقرار، فهو فطري فطروا عليه وبذلوه طوعا. وقال السدي: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] قال: خلقهم للعبادة، ولكن العبادة عبادة تنفع؛ ومن العبادة عبادة لا تنفع ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [سورة لقمان آية: ٢٥] الآية هذا منهم عبادة، وليس ينفعهم مع شركهم، وهذا المعنى صحيح. ولكن المشرك يعبد الشيطان، وما عدل به الله، وهذا ليس مراد الآية؛ فإن مجرد الإقرار بالصانع لا يسمى عبادة الله مع الشرك به، ولكن يقال كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٦] .

стр. 6244

قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب. قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة المجادلة آية: ١١] : خص سبحانه برفعه الأقدار والدرجات الذين أوتوا العلم والإيمان، واستشهد بهم في قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [سورة آل عمران آية: ١٨] . وأخبر عنهم أنهم هم الذين يرون ما أنزل إلى رسوله هو الحق، بقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سورة سبأ آية: ٦] ، فدل على أن تعلم الحجة والقيام بها يرفع الله به درجات من يرفعها، كما قال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٣] . وقال زيد بن أسلم: "بالعلم ترفع الأقدار والدرجات، على قدر معاملة القلوب بالعلم والإيمان; وكم من يختم القرآن في اليوم مرة أو مرتين، وآخر لا ينام الليل، وآخر لا يفطر، وغيرهم أقل عبادة منهم، وأرفع قدرا في قلوب الأمة". فهذا كرز ابن وبرة، وكهمس، وابن طارق، كانوا يختمون القرآن في الشهر تسعين مرة، وحال سعيد بن المسيب وابن سيرين والحسن وغيرهم في القلوب أرفع؛ ولذلك ترى كثيرا ممن يلبس الصوف، ويهجر الشهوات، ويتقشف، وغيره مما لا يدانيه في ذلك،

стр. 6245

وأهل العلم والإيمان أعظم في القلوب منه وأجل عند النفوس، وما ذاك إلا لقوة المعامله الباطنة وصفائها، وخلوصها من شهوات النفوس وأكدار البشرية، وطهارتها من الذنوب التي تكدر معاملة أولئك. وإنما نالوا ذلك بقوة يقينهم بما جاء به الرسول ﷺ وكمال تصديقه في قلوبهم، ووداده ومحبته، وأن يكون الدين كله لله. فإن من أرفع درجات القلوب، فرحها التام بما جاء به الرسول ﷺ وابتهاجها وسرورها، كما قال تعالى: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك﴾ [سورة الرعد آية: ٣٦] ، وقال: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ [سورة يونس آية: ٥٨] ، ففضل الله ورحمته: القرآن والإيمان. فمن فرح بأعظم مفروح بغيره، فقد فرح بأعظم مفروح به; ومن فرح بغيره، فقد ظلم نفسه، ووضع الفرح في غير موضعه. فإذا استقر في القلب، وتمكن منه العلم بكفايته لعبده، ورحمته له، وحلمه عنه، وبره به، وإحسانه إليه على الدوام، أوجب له الفرح والسرور به، أعظم من فرح كل محب بكل محبوب سواه، فلا يزال مترقيا في درجات العلوم والارتفاع بحسب رقيه في هذه المعارف، هذا في باب معرفة الأسماء والصفات. وأما في باب فهم القرآن، فهذا دائم التفكر في معانيه

стр. 6246

والتدبر لألفاظه، واستغنائه بمعاني القرآن وحكمه، عن غيره من كلام الناس؛ وإذا سمع شيئا من كلام الناس، وعلومهم عرضه على القرآن، فإن شهد له بالتزكية والعدالة قبله، وإلا رده؛ وإن لم يشهد له بقبول ولا رد وقفه. وهمته عاكفة على مراد ربه من كلامه، ولا يجعل همته وقصده في تحصيل ما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن بالوسوسة في خروج حروف، وترقيقها وتفخيمها وإمالتها، والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك; فإن هذا حائل للقلوب، وقاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه. وكذلك شغل النطق بـ ﴿أءنذرتهم﴾ ووجوهها، وضم الميم من ﴿عليهم﴾ ، ووصلها بالوصل، وكسر الهاء وضمها ونحو ذلك، من شغل الزمان وتنقية النطق وصفاتها، معرضها عن المقصود، وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت. وكذلك تتبع أوجه الإعراب، واستخراج التأويلات المستكرهة، التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان، وكذلك صرف الذهن إلى حكاية أقوال الناس، ونتائج أفكارهم. وكذلك تنزيل القرآن على قول من قلده في دينه أو مذهبه، فهو يتعسف بكل طريق، حتى يجعل القرآن تبعا لمذهبهم، وتقوية لقول إمامه، وكل محجوبون بما لديهم عن فهم مراد الله من كلامه، في كثير من ذلك أو أكثره.

стр. 6247

وكذلك ظن من ظن ممن لم يقدر القرآن حق قدره، أنه غير كاف ولا شاف، ولا هاد في معرفة التوحيد، والأسماء والصفات، وما يجب لله وما ينزه عنه; بل الكافي في ذلك عقول المتهوسين الحيارى، الذين كلامهم قد خالف صريح القرآن مخالفة ظاهرة; وهؤلاء من أغلظ الناس حجابا عن فهم كتاب الله. وقال الشيخ محمد: قال شيخ الإسلام، ﵀: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [سورة النساء آية: ٣٦-٣٧] بكل ما ينفع في الدين والدنيا، من مال أو علم أو غير ذلك، فالبخل بالعلم الذي يمنعه المختال، إما يختال فلا يطلبه، وإما يختال على بعض الناس فلا يبذله; وهذا كثيرا ما يقع، وضده التواضع في طلبه والكرم ببذله. سئل الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى، عن قوله تعالى: ﴿يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٨] الآية. فأجاب: الذي يظهر أن هذا إخبار من الله جل ذكره لعباده المؤمنين، بأنه لم ينههم عن البر والعدل والإنصاف، ومعاملة أي كافر كان من أهل الملل إذا كان لم يقاتلهم في الدين ولم يخرجهم من ديارهم، إذ العدل والإحسان والإنصاف مطلوب محبوب شرعا; ولذا علل هذا الحكم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٨] .

стр. 6248

وأما قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ فقد قال بعض المعربين: إنه من الموصول بدل اشتمال، وأن ما دخلت عليه في تأويل مصدر، والتقدير ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٨] بر من لم يقاتل في الدين; ولو قال هذا البعض: إنه بدل بدء، لكان أظهر، إذ لا يظهر الاشتمال بأنواعه التسعة. هذا، والأظهر عندي أن لا بدل مطلقا، وأن الموصول معمول للمصدر المتأخر المأخوذ من أن وما دخلت عليه ; فالموصول إذا في محل نصب بالمصدر المسبوك، وتأخر العامل لا يضر، وما على البدلية، فهو في محل جر. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٨] أكد الجملة هنا لمناسبة مقتضى الحال، إذ المقام مظنة لغلط الأكثر، ولتوهم خلاف المراد؛ فاقتضى التأكيد، والتوفية بالأداة، كما يعلم من فن المعاني; وقوله: ﴿فِي الدِّينِ﴾ في سببيه كما في قوله: " دخلت النار امرأة في هرة " ١ الحديث. وسبب النّزول: ما رواه الإمام أحمد في مسنده، حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر ﵂، قالت: " قدمت أمي - وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا - فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: نعم صلي أمك " ٢ وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 6249

وفي بعض الطرق: أنها جاءت لابنتها بهدية ضباب، وأقط، وسمن، فأبت أسماء أن تقبل منها وتدخل البيت، حتى سألت النبي ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية. وأما قول ابن زيد وقتادة: إنها منسوخة، فلا يظهر لوجوه: منها: أن الجمع بينها وبين آية القتال ممكن غير متعذر، ودعوى النسخ يصار إليها عند التعذر، وعدم إمكان الجمع إن دل عليه دليل. ومنها: أن السنة متظاهرة بطلب الإحسان والعدل مطلقا، ولا قائل بالنسخ، لكن قد يجاب عن ابن زيد وقتادة بأن النسخ في كلاميهما بمعنى التخصيص، وهو متجه على اصطلاح بعض السلف؛ ولا شك أن القتال بالسيف وتوابعه من العقوبات; والغلظة في محلها مخصوص من هذا العموم. ووجه مناسبة الآية لما قبلها من الآي: أنه لما ذكر تعالى نهيه عباده المؤمنين، عن اتخاذ عدوه وعدوهم، أولياء يلقون إليهم بالمودة، ثم ذكر حال خليله ومن آمن معه، في قولهم وبراءتهم من قومهم المشركين، حتى يؤمنوا، وذكر أن لعباده المؤمنين أسوة حسنة، خيف أن يتوهم أحد، أو يظن أن البر والعدل داخلان في ضمن ما نهى عنه من الموالاة وأمر به من البراءة، فناسب أن يدفع هذا بقوله: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ الآية.

стр. 6250

[تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية لآية: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، قال شيخ الإسلام: هذه تفسير آيات أشكلت ومنها قوله تعالى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [سورة القلم آية: ٦] حار فيها كثير، والصواب المأثور عن السلف: قال مجاهد: الشيطان، وقال الحسن: هم أولى بالشيطان من نبي الله ; فبين المراد وإن لم يتكلم على اللفظ، كعادة السلف في الاختصار من البلاغة وفهم المعنى; وقال الضحاك: المجنون فإن من كان به الشيطان ففيه الجنون. وعن الحسن: الضال، وذلك أنهم لم يريدوا بالمجنون الدي يخرق ثيابه ويهذي، بل لأن النبي ﷺ خالف أهل العقل في نظرهم، كما يقال: ما لفلان عقل ; ومثل هذا رموا به أتباع الأنبياء كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [سورة المطففين آية: ٣٢] ، ومثله في هذه الأمة كثير، يسخرون من المؤمنين ; ويرمونهم بالجنون والعظائم، التي هم أولى بها منهم. قال الحسن: "لقد رأيت رجالا لو رأيتموهم لقلتم مجانين، ولو رأوكم لقالوا: هؤلاء شياطين، ولو رأوا خياركم لقالوا: هؤلاء لا خلاق لهم، ولو رأوا شراركم لقالوا: هؤلاء قوم لا يؤمنون بيوم الحساب"، وهذا كثير في كلام السلف، يصفون أهل زمانهم وما هم عليه من مخالفة من تقدم، فما الظن بأهل زماننا؟ والذين لم يفهموا هذا، قالوا: الباء زائدة، قاله ابن

стр. 6251

قتيبة وغيره; وهذا كثير، كقوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [سورة القمر آية: ٢٦] ، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢٢١] ، الآيات ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ﴾ [سورة هود آية: ٣٨-٣٩] الآيتين. [قول الشيخ ابن عبد الوهاب في السور المتواليات نوح والجن والمزمل] وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في الثلاث السور المتواليات: سورة نوح، وسورة الجن، وسورة المزمل: الأولي. قصة يغوث ويعوق، أنهم صالحون، ولا أرادوا إلا شفاعتهم ; ما عافوا دين آدم، بل يزعمون أنهم عليه; وهذا مما يعرف الإنسان بالشرك. وفي الثانية، والثالثة: الشهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، في قوله: لا تدعوا مع الله أحدا، وقوله: ﴿لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢١] ، وشهادة أن محمدا رسول الله، في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾ [سورة المزمل آية: ١٥] . وهذا أول ما يجب تعلمه، لما ذكر في سورة لقمان كلام لقمان لابنه، ذكر أن قصص القرآن للناس إلى يوم القيامة، فحال المثنى عليهم لعلك تعمل مثل عملهم، والمذمومين لعلك تجتنب فعلهم. لكن ذكر أنه أطلق من الأمر والنهي، فكونه ذكر حال إبليس في الكبر، أبلغ من قوله لا تكبر، وحال آدم في

стр. 6252

قولهما ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٣] فأبلغ من قولك: الإنسان لا تعذر، أقر، وهذا أصل عظيم.

стр. 6253

وقال أيضا عفا الله عنه: سورة الجن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ روى الشيخان عن ابن عباس ﵄، قال: " انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء، إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة، إلى النبي ﷺ وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فهناك حين رجعوا إلى قومهم ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [سورة الجن آية: ١] ١ الآية، فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿قل أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾

стр. 6254

" [سورة الجن آية: ١- ٢] . يعني أنهم لما رجعوا إلى قومهم قالوا لهم هذا وقوله: ﴿عَجَبًا﴾ أي: بليغا في لفظه ومعناه. ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ بالفتح لأنه نائب فاعل أوحى، و ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ بالكسر لأنه محكي بعد القول; وقوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ أي: إلى الصواب وقيل: إلى التوحيد. ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ [سورة الجن آية: ٣] يقول: تعالى جلال الله وعظمته وغناه، عن اتخاذ الصاحبة والولد; وذلك أنهم لما سمعوا القرآن، فهموا التوحيد وتنبهوا على الخطأ، في عدم تنْزيه الله عما لا يليق به، فاستعظموا ذلك ونزهوه عنه. وقوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً﴾ [سورة الجن آية: ٤] : سفيههم: إبليس، قاله مجاهد، وقيل: هو أو غيره من مردة الجن، والشطط مجاوزة الحد في الظلم أو غيره. وقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [سورة الجن آية: ٥] يعني: أن في ظننا أن أحدا من الثقلين لن يفترى على الله ما ليس بحق، فلسنا نصدقهم فيما أضافوا إليه من ذلك; فلما سمعنا القرآن، تبين لنا افتراؤهم. ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [سورة الجن آية: ٦] ومعنى هذا: أن الرجل من العرب كان إذا أمسى في واد قفر، وخاف، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم. فلما سمع

стр. 6255

ذلك الجن استكبروا، وقالوا: سدنا الجن والإنس، فذلك الرهق; والرهق في كلام العرب: غشيان المحارم. ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ٧] قيل: إنه مما حكى الله عن الجن; أي: أن الإنس ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا; وقيل: من كلام الله، والضمير في ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ للجن; والخطاب في ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ للإنس. ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ [سورة الجن آية: ٨-٩] يؤخذ من قوله: ﴿مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ [سورة الجن آية: ٨] أن الحادث الملأ والكثرة، وكذلك ﴿مَقَاعِدَ﴾ أي: كنا نجد بعض المقاعد خالية من الحرس، والآن ملئت المقاعد كلها; ومعنى هذا: أنهم يذكرون سبب ضربهم في البلاد، حتى عثروا على رسول الله ﷺ ، فعلموا أن الله أراد بهم رشدا. ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾ [سورة الجن آية: ١١] يقولون: منا الصالحون، ومنا قوم دون ذلك، الآية، والقدة من قد، كالقطعة من قطع، وصفت الطرائق بذلك، لدلالتها على التقطع والتفرق; قال الحسن: أمثالكم، فمنهم قدرية، ومرجئة، ورافضة; قال ابن كيسان: لكل فرقة هوى، كأهواء الناس. ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً﴾

стр. 6256

[سورة الجن آية: ١٢] : الظن هنا بمعنى اليقين، وهذه صفة أحوال الجن وعقائدهم، منهم أخيار وأشرار، وأنهم يعتقدون أن الله عزيز غالب لا يفوته مطلب، ولا ينجي عنه مهرب. ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً﴾ [سورة الجن آية: ١٣] يقولون: لما سمعنا القرآن آمنا به؛ وهذا يدل على أن الإيمان بالله، هو والإيمان بالقرآن متلازمان; والبخس: أن يبخس من حسناته، والرهق أن يحمل عليه ذنب غيره. ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [سورة الجن آية: ١٤-١٥] القاسطون: الكافرون; يقال: قسط فهو قاسط، إذا ظلم; وأقسط فهو مقسط إذا عدل; وروي أن الحجاج قال لسعيد بن جبير: ما تقول في؟ قال: "قاسط عادل"، فقال القوم: ما أحسن ما قال! فقال الحجاج: يا جهلة إنه سماني ظالما مشركا; وتلا هذه الآية، وقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] . ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٦-١٧] : يقول: لو استقاموا على طريقة الإسلام لوسعنا عليهم في الدنيا. وذكر الماء الغدق - وهو الكثير - لأنه سبب لسعة

стр. 6257

الرزق ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم كيف شكرهم; قال الحسن: والله إن كان أصحاب محمد كذلك، كانوا سامعين لله مطيعين لله، فلما فتحت كنوز كسرى وقيصر، وثبوا على إمامهم وقتلوه. وأخرج ابن جرير عن عمر: "حيث ما كان الماء، كان المال; وحيث ما كان المال كانت الفتنة". وقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٧] قال ابن عباس: "شاقا"، وأصله: أن الصعود فيه مشقة على الإنسان. ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] قال قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم، أشركوا بالله، فأمرنا أن نخلص لله الدعوة إذا دخلنا المساجد; وقيل: المساجد أعضاء السجود السبعة. ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٩] معناه: لما قام عبد الله يعبده، كادوا يزدحمون عليه متراكمين، تعجبا مما رأوا من عبادته، وإعجابا بما تلا من القرآن، لأنهم رأوا منه ما لم يروا مثله. وعبادة عبد الله لله ليس بأمر مستبعد عن العقل، ولا مستنكر، حتى يكونوا عليه لبدا. وقيل: لما قام عبد الله وحده مخالفا للمشركين، كادوا لتظاهرهم على عداوته، يزدحمون عليه متراكمين; وعن قتادة، قال: لما قام عبد الله للدعوة، تلبدت الإنس والجن، وتظاهروا عليه، ليبطلوا الحق الذي جاءهم به، ويطفئوا

стр. 6258

نور الله، فأبى الله إلا أن يتم هذا الأمر، وينصره على من ناواه. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٠] أي: قال للمتظاهرين عليه: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ أي: ما أتيتكم بأمر منكر، ولا ما يوجب إطباقكم على عداوتي، إنما التعجب ممن يدعو غير الله، ويجعل له شريكا. ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢١] المعنى: أني لا أستطيع أن أضركم أو أن أنفعكم، إنما الضار النافع الله . ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٢] ومعنى الاستثناء، قيل: إنه من ﴿لا أَمْلِكُ﴾ أي: لا أملك إلا بلاغا من الله، و ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ [سورة الجن آية: ٢٢] : جملة معترضة لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، على معنى: أن الله إن أراد به سوءا من مرض أو موت أو غيرهما، لم يصح أن يجيره منه أحد، أو يجد من دونه ملاذا يأوي إليه; والملتحد: الملتجأ، وقيل: ﴿بَلاغًا﴾ بدلا من ﴿مُلْتَحَدًا﴾ أي: لن أجد من دونه ملتجأ، إلا أن أبلغ ما أرسلني به. ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٤-٢٥] : كان الكفار يستضعفونه، ويستقلون أتباعه; وتغرهم قوتهم وكثرتهم ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا

стр. 6259

يُوعَدُونَ﴾ [سورة الجن آية: ٢٤] علموا كيف الحال، فقال المشركون: متى يكون هذا الموعود؟ إنكارا له. فقال: قل إنه كائن لا ريب فيه؛ وأما وقته، فلا أدري متى يكون، لأن الله لم يبينه، لما له فيه من الحكمة. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٨] أي: ليعلم الله أن الأنبياء بلغوا الرسالات، كقوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٣١] ، ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ [سورة الجن آية: ٢٨] بما عند الرسل من الحكم والشرائع، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٨] من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وغير ذلك، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه؟ ! والله أعلم. وقال أيضا الشيخ: محمد، رحمه الله تعالى، على قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] : وبعد: فهذه عشر درجات: الأولي: تصديق القلب أن دعوة غير الله باطلة، وقد خالف فيها من خالف. الثانية: أنها منكر يجب فيها البغض; وقد خالف فيها من خالف. الثالثة: أنها من الكبائر والعظائم المستحقة للمقت والمفارقة؛ وقد خالف فيها من خالف. الرابعة: أن هذا هو الشرك بالله، الذي لا يغفره؛ وقد خالف فيها من خالف. الخامسة: أن المسلم إذا اعتقده، أو دان به كفر؛

стр. 6260

وقد خالف فيها من خالف. السادسة: أن المسلم الصادق إذا تكلم به هازلا، أو خائفا، أو طامعا، كفر بذلك لعلمه; وأين ينزل القلب هذه الدرجة ويصدقه بها؟ وقد خالف فيها من خالف. السابعة: أنك تعمل معه عملك مع الكفار، من عداوة الأب والابن، وغير ذلك، وقد خالف فيها من خالف. الثامنة: أن هذا معنى لا إله إلا الله، والإله: المألوه، والإلهية عمل من الأعمال، وكونه منفيا عن غير الله، ترك من التروك. التاسعة: القتال على ذلك حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله. العاشرة: أن الداعي لغير الله يقبل منه الجزية، كما يقبل من اليهود، ولا تنكح نساؤهم كما تنكح نساء اليهود، لأنه أغلظ كفرا؛ وكل درجة من هذه الدرجات، إذا عملت بها تخلف عنك بعض من كان معك. والله أعلم. وقوله ﵀، عند كل درجة: وقد خالف فيها من خالف: ناس يعتقدون أن دعوة غير الله جائزة، والرسول ومن آمن به مخالفون لهم. وناس ما يكفرون بالطاغوت، ولا يبغضونه؛ والرسول وأتباعه مخالفون لهم; بل ملة إبراهيم هي: الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ وهكذا سائر الدرجات، والله أعلم.

стр. 6261

ومن سورة الإنسان سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [سورة الإنسان آية: ٩] الآية، ما كان سبب نزولها، ومن نزلت فيه؟. فأجاب: قال البيضاوي في تفسيره عن ابن عباس ﵄: "أن الحسن والحسين ﵄، مرضا، فعادهما رسول الله ﷺ في ناس، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت على ولديك. فنذر علي وفاطمة ﵄، وجاريتهما فضة، صوم ثلاث إن بريا; فشفيا، وما معهم شيء. فاستقرض علي ثلاثة آصع من شعير، فخبزته فاطمة ﵂ خمسة أقراص فوضعوه ليفطروا، فوقف عليهم مسكين فآثروه ولم يذوقوا شيئا. وكذلك اليوم الثاني والثالث، وذكر القصة فنَزل جبرائيل بهذه السورة; وقال: خذها يا محمد، هناك الله في أهل بيتك". والآية وإن نزلت بسبب من الأسباب، فهي عامة لمن فعل ذلك من المؤمنين إلى يوم القيامة، كما قال العلماء: العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.

стр. 6262

ومن سورة العلق والمدثر قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: هذه مسائل مستنبطة من سورة اقرأ: الأولى: الأمر بالقراءة. الثانية: الجمع بين التوكل والسبب، خلافا لغلاة المتفقهة وغلاه المتصوفة. الثالثة: السر الذي في الإضافة، في قوله: باسم ربك، المقتضي للتوكل. الرابعة: وصفه سبحانه بالخلق، الذي هو أظهر آياته. الخامسة: ذكر خلقه الإنسان خاصة. السادسة: كونه من علق. السابعة: تكرير الأمر بالقراءة. الثامنة: الوصف بأنه الأكرم. التاسعة: ذكر التعليم بالقلم، الذي هو في المرتبة الرابعة. العاشرة: تعليم الإنسان خاصة ما لم يعلم. الحادية عشرة: أن الذكر بالقلب واللسان، أفضل من الذكر بالقلب وحده. الثانية عشرة: وصفه سبحانه بالخلق، الذي هو أظهر آياته. الثالثة عشرة: فيه معنى: اعرف نفسك تعرف ربك. الرابعة عشرة: معنى أن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما إلى يوم القيامة. الخامسة عشرة: رجاء فضله لأجل ما تقدم من فضله. السادسة عشرة: لصفاته، لكونه الأكرم. السابعة عشرة: الجمع بين الخلق والتعليم. الثامنة عشرة: الدلالة على التوحيد. التاسعة عشرة: الدلالة على النبوة. العشرون: الرد على الجهمية. الحادية والعشرون: أن الاستحالة تطهر. الثانية والعشرون: الرد على القدرية.

стр. 6263

الثالثة والعشرون: الرد على الجبرية. الرابعة والعشرون: أن العبرة بكمال النهاية، لا بنقص البداية. الخامسة والعشرون: ذكر شرف العلم. وأما آخرها، ففيه مسائل:. الأولى: أن الغنى من أسباب الطغيان. الثانية: أنه ينشأ عن رؤية الغنى، لا عن الغنى. الثالثة: التنبيه على الفرق بين طلب العلم وطلب المال. الرابعة: أن هذا وصف الإنسان، فإن خرج عن طبعه فبفضل الله وبرحمته. الخامسة: الإيمان باليوم الآخر. السادسة: الوعظ بذلك اليوم عن الطغيان. السابعة: تسلية المطغى عليه بذلك. الثامنة: كونه إلى رب محمد، ففيه الجزاء على الأعمال. التاسعة: تقرير الشرع بالعقل، لقوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ . العاشرة: كون ذلك النهي عن إيثار الطغيان. الحادية عشرة: تقرير ذلك بتصوير الحادثه، أنها نهي عبد صلى لربه. الثانية عشرة: التوقف عما لا يعلم، وإلا فلا يلوم إلا نفسه. الثالثة عشرة: أن ذلك عام فيمن تنكر عليه فيما يفعله، وفيما يأمر به غيره. الرابعة عشرة: الاستدلال على الناهي، واستجهاله بقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق آية: ١٤] . الخامسة عشرة: الاستدلال بالقاعدة الكلية على المسائل الجزئية. السادسة عشرة: أن العلم بذلك ليس هو الإقرار. السابعة عشرة: أن العلم بالأسماء والصفات أجل

стр. 6264

العلوم. الثامنة عشرة: الدلالة على التوحيد. التاسعة عشرة: الدلالة على النبوة. العشرون: أن السورة فيها ذكر الإيمان بالأصول الخمسة. الحادية والعشرون: كون العقوبة قد تعجل في الدنيا. الثانية والعشرون: ما يرجو المحق من نصر الله للضعفاء على الأقوياء. الثالثة والعشرون: أن المال والقوة قد يكون سببا لشر الدنيا والآخرة. الرابعة والعشرون: أن بعض أعداء الله قد يكشف له، فيرى بعينه من الآيات ما لا يراه المؤمن، كالسامري. الخامسة والعشرون: الجمع بين قوله ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [سورة العلق آية: ١٦] ، فوصفه بفساد القول والعمل. السادسة والعشرون: أنه لو دعا ناديه، أو دنا من النبي ﷺ لعوجل، ولكن دفع عنه ذلك، لكونه ترك بعض ما في نفسه. السابعة والعشرون: النهي عن طاعة مثل هذا. الثامنة والعشرون: أنه ختمها بالسجود، الذي هو أشرف أفعال الصلاة; وافتتحها بالقراءة التي هي أشرف أقوالها. التاسعة والعشرون: الأمر بالاقتراب من الله، ففيه معنى: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " ١. الثلاثون: تسلية المحق إذا سلط عليه مثل هذا، وأمره بالصلاة. وأما قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [سورة المدثر آية: ١] الآيات، ففيه مسائل: الأولى: الدعوة إلى إلله، لا يقتصر على نفسه. الثانية: خطابه بالمدثر. الثالثة: أن الداعي يبدأ بنفسه فيصلح

стр. 6265

عيوبها. الرابعة: تعظيم الله سبحانه علما وعملا. الخامسة: هجران الرجز. السادسة: قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [سورة المدثر آية: ٦] . السابعة: قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٧] ،فأمره بالطريق إلى القوة على ما تقدم، فهو الصبر خالصا; ففيها: آداب الداعي، لأن الخلل يدخل على رؤساء الدين من ترك هذه الوصايا، أو بعضها. فمنها: الحرص على الدنيا، فنهى عنه بقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [سورة المدثر آية: ٦] . ومنها: عدم الجد فنبه عليه، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [سورة المدثر آية: ١] . ومنها: رؤية الناس فيه العيوب المنفرة لهم عن الدين، كما هو الواقعز ومنها: التقصير في تعظيم العلم الذي هو من التقصير في تعظيم الله. ومنها: عدم الصبر على مشاق الدعوة. ومنها: عدم الإخلاص. ومنها: عدم هجران الرجز، والتقصير في ذلك، وهو من أضرها على الإنسان، وهو من تطهير الثياب، لكن أفرده بالذكر كنظائره. فأول اقرأ فيه: الأمر بطلب العلم; وأول المدثر فيه: الأمر بالعمل به. الثانية: أول اقرأ فيه: معرفة الله; وأول المدثر فيه: الأدب مع الله. الثالثة: أول اقرأ فيه: الصبر. الرابعة: أول اقرأ فيه: الإخلاص والاستعانة، وأول المدثر فيه: إخلاص الصبر. الخامسة: أول اقرأ فيه: الاستعانة; وأول المدثر فيه: العبادة. السادسة: أول اقرأ فيه: فضله عليك; وأول المدثر فيه: حقه عليك. السابعة: أول اقرأ فيه:

стр. 6266

أدب المتعلم; وأول المدثر فيه: أدب العالم. الثامنة: أول اقرأ فيه: معرفة الله، ومعرفة النفس، وأول المدثر فيه: الأمر والنهي. التاسعة: أول اقرأ فيه: معرفتك بنفسك، وبربك; وأول المدثر فيه: العمل المختص والمتعدي. العاشرة: أول اقرأ فيه: أصل الأسماء والصفات، وهما العلم والقدرة; وأول المدثر فيه: أصل الأمر والنهي، وهو الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشرك. الحادية عشرة: في أول اقرأ ذكر القلم، الذي لا يستقيم العلم إلا به; وأول المدثر، فيه: ذكر الصبر الذي لا يستقيم العمل إلا به. الثانية عشرة: في أول اقرأ ذكر التوكل، وأنه يفتح المغلق; وأول المدثر فيه: الصبر الذي يفتحه. الثالثة عشرة: في أول اقرأ: العمل المختص; وأول المدثر فيه: العمل المتعدي. الرابعة عشرة: في اقرأ ست مسائل من الخبر; وأول المدثر ست مسائل من الإنشاء. الخامسة عشرة: في أول اقرأ: ذكر بدء الخلق، وأول المدثر: ذكر الحكمة فيه. السادسة عشرة: في أول اقرأ: ذكر أصل الإنسان; وأول المدثر فيه: كماله. السابعة عشرة: في أول اقرأ: ذكر الربوبية العامة; وأول المدثر، الربوبية الخاصة. الثامنة عشرة: في أول اقرأ شاهد لقوله: " اعقلها

стр. 6267

واتكل "؛ وفي أول الصبر الذي هو من الإيمان بمنْزلة الرأس من الجسد. التاسعة عشرة: في أول اقرأ: ابتداء النبوة; وأول المدثر: ابتداء الرسالة. العشرون: في السورتين شاهد، لقوله: العلم قبل القول والعمل. ومن: اقرأ إلى آخره. الأولى: أن قريشا صريح آل إبراهيم، وأيضا ولاة البيت الحرام; وأيضا خصوا بنعم: منها: الرحلتان، ودفع الفيل. وأما أهل الكتاب: فأهل العلم، وذرية الأنبياء؛ وجرى من الكل على رسالة الله ما جرى. الثانية: أن هذا من الرئيسين: أبي لهب، وأبي جهل، ذكر عنهما ما ذكر. الثالثة: أن أهل الكتاب لم يتفرقوا، إلا من بعدما جاءهم العلم بغيا بينهم. الرابعة: أنهم لم يؤمروا إلا بما تعرفه العقول، وبما ينبغي للعاقل أن يلتزمه، ولا يبغي به بدلا لحسنه وسهولته. الخامسة: أن الذي استدلوا به من أشق الأشياء، وأكثرها عذابا; وينبغي للعاقل البعد عنه، لقبحه وصعوبته. السادسة: أن مع سهولة الذي تركوا وحسنه، وقبح الذي انتقلوا إليه ومشقته، أشربوه في قلوبهم، فلم ينتقلوا عنه إلا بعد كذا وكذا. السابعة: أنه سبحانه توعد بالنار الذين كفروا من أهل الكتاب ومن العامة، وقدم أهل الكتاب في الذكر. الثامنة: أن العامة أشربوا حب دينهم، وصبروا على المشقة

стр. 6268

فيه، مع أنهم لا يعرفون جنة ولا نارا، وهذا من العجائب. التاسعة: التنبيه على كبر النعمة بإنزال الكتاب، بذكر الليلة التي أنزل فيها. العاشرة: أن له سبحانه خصائص من الأزمنة، كما له من الأمكنة. الحادية عشر: أن الأعمال تتضاعف، وإن تساوت في الظاهر بما يجل عن الوصف. الثانية عشر: عطف الروح على الملائكة. الثالثة عشر: أن خشية الله جامعة للدين كله. الرابعة عشر: النص على العبادة بالإخلاص. الخامسة عشر: ذكر الحنفاء. السادسة عشر: عطف العبادتين على ذلك. السابعة عشر: نصه أنه دين القيمة. الثامنة عشر: بيان أن من ساء عمله، شر من الجعلان ولو علم. التاسعة عشر: كون الضد خير البرية. العشرون: الآية الجامعة الفاذة. الحادية والعشرون: ذكر شيء من تفاصيل القيامة من شهادة الأرض وغير ذلك. الثانية والعشرون: معاملة الإنسان ربه، لقوله: ﴿لَكَنُودٌ﴾ . الثالثة والعشرون: كونه شاهدا لذلك. الرابعة والعشرون: نعته بشدة حب المال. الخامسة والعشرون: ما فيها من ذكر الحساب، والحوض، والميزان، ورؤية النار في الموقف. السادسة والعشرون: إخلاص الصلاة. السابعة والعشرون: إخلاص النحر. الثامنة والعشرون: الأمر بختم

стр. 6269

العمل بالتسبيح والاستغفار. التاسعة والعشرون: الأمر بالتصريح للكفار بالبراءة من معبوديهم. الثلاثون: التصريح لهم ببراءتهم من عبادة الله. الحادية والثلاثون: التصريح لهم بالبراءة من معبوديهم. الثانية والثلاثون: التصريح لهم بالرضى بالله ربا، وبالإسلام دينا، ومحمد نبيا. الثالثة والثلاثون: بيان العقيدة السلفية. الرابعة والثلاثون: البراءة من عقيدة المتكلمين. الخامسة والثلاثون: الأمر بالاستعاذة مما ذكر في سورة الفلق. السادسة والثلاثون: الأمر بالاستعاذة من الشيطان. السابعة والثلاثون: التنبيه على شدة الحاجة إلى ذلك، لكونه أفرد له سورة، وختم بها المصحف. التاسعة والثلاثون: النهي عن الهمز واللمز. الأربعون: النهي عن الاغترار بالمال. الحادية والأربعون: النهي عن دع اليتيم. الثانية والأربعون: النهي عن عدم الحض على طعام المسكين. الثالثة والأربعون: النهي عن السهو عن الصلاة. الرابعة والأربعون: النهي عن الرياء. الخامسة والأربعون: النهي عن البخل. السادسة والأربعون: النهي عن شنئه ﷺ . السابعة والأربعون: الاعتبار بأبي لهب، في كون المال والولد، وشرف البيت والسيادة، يعطاه من هو من أكفر الناس. الثامنة والأربعون: النهي عن حمل الحطب. التاسعة والأربعون: النهي عن النميمة. الخمسون: النهي عن الحسد. الحادية والخمسون: النهي عن النفث في العقد.

стр. 6270

الثانية والخمسون: النهي عن الوسوسة في صدور الناس. الثالثة والخمسون: الإخبار برؤية الجحيم، ثم رؤيتها. الرابعة والخمسون: السؤال عن النعيم. الخامسة والخمسون: خسران الإنسان إلا المستثنى، وفيها ذكر النار ذات اللهب، وصليها، واطلاعها على الأفئدة، وكونها مؤصدة; وفيها من الأعمال الممدوحة: الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والحث على الشكر بذكر الرحلتين. وفيها: أن النعم إذا كانت خاصة فلها شكر خاص، والحث على الاعتبار بأيام الله بقصة الفيل; وفيها من القصص: قصة الفيل والرحلتين، وقصة أبي لهب، وقصة سحر اليهود، وفيها من الوعظ العجب العجاب; وأما أدلة التوحيد ففي مواضع، وأما أدلة النبوة ففي مواضع.
следующие страницы →