← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

أدب المتعلم; وأول المدثر فيه: أدب العالم. الثامنة: أول اقرأ فيه: معرفة الله، ومعرفة النفس، وأول المدثر فيه: الأمر والنهي. التاسعة: أول اقرأ فيه: معرفتك بنفسك، وبربك; وأول المدثر فيه: العمل المختص والمتعدي. العاشرة: أول اقرأ فيه: أصل الأسماء والصفات، وهما العلم والقدرة; وأول المدثر فيه: أصل الأمر والنهي، وهو الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشرك. الحادية عشرة: في أول اقرأ ذكر القلم، الذي لا يستقيم العلم إلا به; وأول المدثر، فيه: ذكر الصبر الذي لا يستقيم العمل إلا به. الثانية عشرة: في أول اقرأ ذكر التوكل، وأنه يفتح المغلق; وأول المدثر فيه: الصبر الذي يفتحه. الثالثة عشرة: في أول اقرأ: العمل المختص; وأول المدثر فيه: العمل المتعدي. الرابعة عشرة: في اقرأ ست مسائل من الخبر; وأول المدثر ست مسائل من الإنشاء. الخامسة عشرة: في أول اقرأ: ذكر بدء الخلق، وأول المدثر: ذكر الحكمة فيه. السادسة عشرة: في أول اقرأ: ذكر أصل الإنسان; وأول المدثر فيه: كماله. السابعة عشرة: في أول اقرأ: ذكر الربوبية العامة; وأول المدثر، الربوبية الخاصة. الثامنة عشرة: في أول اقرأ شاهد لقوله: " اعقلها

стр. 6267

واتكل "؛ وفي أول الصبر الذي هو من الإيمان بمنْزلة الرأس من الجسد. التاسعة عشرة: في أول اقرأ: ابتداء النبوة; وأول المدثر: ابتداء الرسالة. العشرون: في السورتين شاهد، لقوله: العلم قبل القول والعمل. ومن: اقرأ إلى آخره. الأولى: أن قريشا صريح آل إبراهيم، وأيضا ولاة البيت الحرام; وأيضا خصوا بنعم: منها: الرحلتان، ودفع الفيل. وأما أهل الكتاب: فأهل العلم، وذرية الأنبياء؛ وجرى من الكل على رسالة الله ما جرى. الثانية: أن هذا من الرئيسين: أبي لهب، وأبي جهل، ذكر عنهما ما ذكر. الثالثة: أن أهل الكتاب لم يتفرقوا، إلا من بعدما جاءهم العلم بغيا بينهم. الرابعة: أنهم لم يؤمروا إلا بما تعرفه العقول، وبما ينبغي للعاقل أن يلتزمه، ولا يبغي به بدلا لحسنه وسهولته. الخامسة: أن الذي استدلوا به من أشق الأشياء، وأكثرها عذابا; وينبغي للعاقل البعد عنه، لقبحه وصعوبته. السادسة: أن مع سهولة الذي تركوا وحسنه، وقبح الذي انتقلوا إليه ومشقته، أشربوه في قلوبهم، فلم ينتقلوا عنه إلا بعد كذا وكذا. السابعة: أنه سبحانه توعد بالنار الذين كفروا من أهل الكتاب ومن العامة، وقدم أهل الكتاب في الذكر. الثامنة: أن العامة أشربوا حب دينهم، وصبروا على المشقة

стр. 6268

فيه، مع أنهم لا يعرفون جنة ولا نارا، وهذا من العجائب. التاسعة: التنبيه على كبر النعمة بإنزال الكتاب، بذكر الليلة التي أنزل فيها. العاشرة: أن له سبحانه خصائص من الأزمنة، كما له من الأمكنة. الحادية عشر: أن الأعمال تتضاعف، وإن تساوت في الظاهر بما يجل عن الوصف. الثانية عشر: عطف الروح على الملائكة. الثالثة عشر: أن خشية الله جامعة للدين كله. الرابعة عشر: النص على العبادة بالإخلاص. الخامسة عشر: ذكر الحنفاء. السادسة عشر: عطف العبادتين على ذلك. السابعة عشر: نصه أنه دين القيمة. الثامنة عشر: بيان أن من ساء عمله، شر من الجعلان ولو علم. التاسعة عشر: كون الضد خير البرية. العشرون: الآية الجامعة الفاذة. الحادية والعشرون: ذكر شيء من تفاصيل القيامة من شهادة الأرض وغير ذلك. الثانية والعشرون: معاملة الإنسان ربه، لقوله: ﴿لَكَنُودٌ﴾ . الثالثة والعشرون: كونه شاهدا لذلك. الرابعة والعشرون: نعته بشدة حب المال. الخامسة والعشرون: ما فيها من ذكر الحساب، والحوض، والميزان، ورؤية النار في الموقف. السادسة والعشرون: إخلاص الصلاة. السابعة والعشرون: إخلاص النحر. الثامنة والعشرون: الأمر بختم

стр. 6269

العمل بالتسبيح والاستغفار. التاسعة والعشرون: الأمر بالتصريح للكفار بالبراءة من معبوديهم. الثلاثون: التصريح لهم ببراءتهم من عبادة الله. الحادية والثلاثون: التصريح لهم بالبراءة من معبوديهم. الثانية والثلاثون: التصريح لهم بالرضى بالله ربا، وبالإسلام دينا، ومحمد نبيا. الثالثة والثلاثون: بيان العقيدة السلفية. الرابعة والثلاثون: البراءة من عقيدة المتكلمين. الخامسة والثلاثون: الأمر بالاستعاذة مما ذكر في سورة الفلق. السادسة والثلاثون: الأمر بالاستعاذة من الشيطان. السابعة والثلاثون: التنبيه على شدة الحاجة إلى ذلك، لكونه أفرد له سورة، وختم بها المصحف. التاسعة والثلاثون: النهي عن الهمز واللمز. الأربعون: النهي عن الاغترار بالمال. الحادية والأربعون: النهي عن دع اليتيم. الثانية والأربعون: النهي عن عدم الحض على طعام المسكين. الثالثة والأربعون: النهي عن السهو عن الصلاة. الرابعة والأربعون: النهي عن الرياء. الخامسة والأربعون: النهي عن البخل. السادسة والأربعون: النهي عن شنئه ﷺ . السابعة والأربعون: الاعتبار بأبي لهب، في كون المال والولد، وشرف البيت والسيادة، يعطاه من هو من أكفر الناس. الثامنة والأربعون: النهي عن حمل الحطب. التاسعة والأربعون: النهي عن النميمة. الخمسون: النهي عن الحسد. الحادية والخمسون: النهي عن النفث في العقد.

стр. 6270

الثانية والخمسون: النهي عن الوسوسة في صدور الناس. الثالثة والخمسون: الإخبار برؤية الجحيم، ثم رؤيتها. الرابعة والخمسون: السؤال عن النعيم. الخامسة والخمسون: خسران الإنسان إلا المستثنى، وفيها ذكر النار ذات اللهب، وصليها، واطلاعها على الأفئدة، وكونها مؤصدة; وفيها من الأعمال الممدوحة: الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والحث على الشكر بذكر الرحلتين. وفيها: أن النعم إذا كانت خاصة فلها شكر خاص، والحث على الاعتبار بأيام الله بقصة الفيل; وفيها من القصص: قصة الفيل والرحلتين، وقصة أبي لهب، وقصة سحر اليهود، وفيها من الوعظ العجب العجاب; وأما أدلة التوحيد ففي مواضع، وأما أدلة النبوة ففي مواضع.

стр. 6271

سورة التكاثر وقال أيضا، الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، أسكنه الله الفردوس الأعلى: ذكر ما في سورة ألهاكم التكاثر، إلى آخر القرآن من المسائل ; أما أدلة التوحيد ففي مواضع. وأما أدلة النبوة ففي مواضع. وأما ما فيها من الأوامر: فالأولى: إخلاص الصلاة.

стр. 6272

الثانية: إخلاص النحر. الثالثة: الأمر بختم العمل بالتسبيح والاستغفار. الرابعة: الأمر بالتصريح للكفار بالبراءة من عبادة معبوداتهم. الخامسة: التصريح لهم ببراءتهم من عبادة الله. السادسة: التصريح بالبراءة من دينهم. السابعة: التصريح لهم بالرضى بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا. الثامنة: الأمر بالاستعاذة مما ذكر في سورة الفلق. التاسعة: الأمر بالاستعاذة من الشيطان. العاشرة: التنبيه على شدة الحاجة إلى ذلك، لكونه أفرد له سورة، وختم بها المصحف. الحادية عشرة: الإخبار بالعقيدة الصحيحة. الثانية عشر: البراءة من عقيدة المتكلمين. وأما النواهي: فذكرها بطريق الوعيد والذم: الأولى: كون التكاثر ألهاهم إلى الموت. الثانية: النهي عن الهمز واللمز. الثالثة: النهي عن الاغترار بالمال. الرابعة: النهي عن دع اليتيم. الخامسة: النهي عن عدم الحض على طعام المسكين. السادسة: النهي عن السهو عن الصلاة. السابعة: النهي عن الرياء. الثامنة: النهي عن البخل. التاسعة: النهي عن شنئه ﷺ . العاشرة: النهي عن الاغترار بالمال والولد، لقصة أبي لهب. الحادية عشرة: النهي عن حمل الحطب. الثانية عشرة: النهي عن النفث في العقد. الثالثة عشرة:

стр. 6273

النهي عن الحسد. الرابعة عشرة: النهي عن الوسوسة في صدور الناس. وأما ما فيها من اليوم الآخر: فالأولى: رؤية الجحيم، ثم رؤيتها عين اليقين. الثانية: ذكر الحساب على النعيم. الثالثة: خسران الإنسان إلا المستثنى. الرابعة: ذكر نار الله وصفتها. الخامسة: ذكر الحوض. وأما ما فيها من الأعمال الممدوحة: الأولى: الإيمان. الثانية: العمل الصالح. الثالثة: التواصي بالحق. الرابعة: التواصي بالصبر. الخامسة: الحث على الشكر بتذكير الرحلتين. السادسة: أن النعمة إذا كانت خاصة، فلها شكر خاص. السابعة: الحث على الاعتبار بأيام الله بقصة الفيل. الثامنة: الأمر بالشكر على دفع الشر. وأما ما فيها من القصص: فقصة الفيل، وقصة الرحلتين، وقصة أبي لهب، وقصة سحر اليهود له ﷺ إن ثبت أن السورتين نزلتا في ذلك النوع; السابع: علم الوعظ; وفيها من العجب العجاب. وأما الست التي تليها، ففيها أنواع من العبر: منها: أن قريشا صريح ولد إسماعيل بن إبراهيم، وهم أيضا ولاة البيت الحرام; وأيضا خصوا بنعم، منها: الرحلتان، ودفع أهل الفيل. وأما أهل الكتاب، فأهل العلم، وذرية الأنبياء؛ فجرى من الكل على رسالة الله ما جرى. الثانية: أن هذين الرئيسين، ذكر عنهما ما ذكر.

стр. 6274

الثالثة: أن أهل الكتاب لم يتفرقوا إلا من بعد مجيء العلم، بغيا بينهم. الرابعة: أنهم لم يؤمروا إلا بما ينبغي للعاقل أن يلتزمه، لحسنه وسهولته. الخامسة: أن الذي استبدلوا به من التفرق ينبغي للعاقل البعد عنه، لقبحه وصعوبته. السادسة: أنهم لما استبدلوه أشربوه في قلوبهم، كالعجل، فلم ينفكوا عنه إلا بعد كذا وكذا. السابعة: أنه سبحانه توعد بالنار الذين كفروا من أهل الكتاب ومن العامة، وقدم أهل الكتاب في الذكر الثامنة: أن العامة أشربوا حب دينهم، وصبروا على المشقة فيه، مع أنهم لا يعرفون جنة ولا نارا، وهذا من العجائب. التاسعة: التنبيه على كبر النعم بإنزال الكتاب، فذكر الليلة التي أنزل فيها. العاشرة: أن له سبحانه خصائص من الأزمنة، كما أن له من الأمكنة. الحادية عشرة: أن الأعمال تتضاعف، وإن تساوت في الظاهر بما يجل عن الوصف. الثانية عشرة: عطف الروح على الملائكة. الثالثة عشرة: ذكر الآية الجامعة الفاذة. الرابعة عشرة: شهادة الأرض يوم القيامة بما عمل عليها. الخامسة عشرة: صدور الناس أشتاتا لرؤية أعمالهم. السادسة عشرة: ذكر معاملة الإنسان ربه في قوله: ﴿لَكَنُودٌ﴾ . السابعة عشرة: كونة شاهدا بذلك. الثامنة عشرة: نعتة بشدة حب المال. التاسعة عشرة: ما في القارعة من تفصيل يوم القيامة. العشرون: أن خشية الله تجمع الدين كله.

стр. 6275

[المسائل المستفادة من السبع الأواخر من القرآن] وقال أيضا: السبع الأواخر من القرآن: أولها: سورة الكوثر، فيهن مسائل: الأولى: دليل الإلهية. الخامسة: ذكر توحيد الربوبية. السادسة: فضائل النبي ﷺ . السابعة: الوعيد. الثامنة: أمر الله إياه أن يختم عمله بالاستغفار. التاسعة: التغليظ على من اعترض على من دعا إلى التوحيد. العاشرة: تغليظ أمر النميمة. الحادية عشرة: أن ولد الرجل من كسبه. الثانية عشرة: تحقير أمر الدنيا. الثالثة عشرة: ما في المعوذتين من خير الدنيا والآخرة. الرابعة عشرة: أن ذلك لمن عرف معناهما، ودعا الله بقلب حاضر. الخامسة عشرة: التنبيه على شدة الخطر من الشيطان; لأن الله أفرد له سورة، وهي آخر ما يقرع سمعك من المصحف. السادسة عشرة: التنبيه على وسوسته. السابعة عشرة: التنبيه على ضعفه، بكونه خناسا. الثامنة عشرة: التنبيه على الفرق بين الرب والإله والملك. التاسعة عشرة: أمره سبحانه نبيه، لما أعطاه الكوثر، أن يخلص له هاتين العبادتين، وهما الصلاة والنحر. العشرون: التصريح للمشركين بالبراءة من دينهم. الحادية والعشرون: التصريح لهم بأنهم لا يعبدون الله، ولو كانوا من المنقطعين للعبادة. الثانية والعشرون: التصريح لهم بأنهم كافرون. الثالثة والعشرون: كون النبي ﷺ مأمورا بالتعوذ بالمعوذتين لأجل حاجته إلى ذلك. الرابعة والعشرون:

стр. 6276

التنبيه على جلال الله وعظمته، وكبر حقه على العبد، بختم النبي ﷺ عمله بالاستغفار.

стр. 6277

سورة العصر سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى، عن تفسير سورة العصر؟ فأجاب: الكلام عليها طويل، لكن نذكر لك ما ذكر أهل العلم، على سبيل الاختصار. ذكروا أن العصر هو الدهر الذي خلقه الله سبحانه; والله سبحانه له أن يقسم بما شاء من خلقه; وأما المخلوق، فلا يجوز له أن يقسم إلا بالله ﵎، كما قال النبي ﷺ : " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " ١، وجواب القسم: ﴿إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [سورة العصر آية: ٢] . والإنسان: اسم جنس، وهم جميع بني آدم؛ ثم استثنى فقال: ﴿إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة العصر آية: ٣] بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، وأيقنوا بقلوبهم، وصدقوا أن ما أخبر الله في كتابه، وعلى ألسنة رسله، فهو الحق الذي لا مرية فيه، ولا شك فيه ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سورة العصر آية: ٣] أي عملوا بما شرعه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ بجوارحهم. ولا بد في العمل الصالح، من شرطين: الأول: أن يكون خالصا لوجه الله; الثاني: أن يكون على شريعة رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ

стр. 6278

فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] . فقوله: ﴿عَمَلاً صَالِحًا﴾ هو المشروع، وقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ هو الإخلاص الذي لوجه الله؛ فهذه مرتبتان: الأولى: الإيمان بالله ورسوله; الثانية: العمل الصالح; فهذا هو العلم بما أنزل الله والعمل به. فإذا علم الإنسان ما أنزل الله، فعليه أن يعمل به; وإذا عمل العمل الصالح، فعليه مرتبة ثالثة، وهي: التواصي بالحق، وهي أن يوصي غيره باتباع الحق، ويعلم الجهال مما علمه الله، بخلاف من قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٤] . فإذا فعل المؤمن ما أمره الله به من التواصي بالحق، وهو الأمر بالمعروف الذي أمر الله به، والنهي عن المنكر الذي نهى الله عنه، فعليه مرتبة رابعة، وهي: الصبر على أذى الخلق وإساءتهم إليه في ذات الله تعالى، كما صبر أنبياء الله ورسله، وأهل العلم من خلقه على ذلك. فهذه أربع مراتب، إذا عمل بها الإنسان، صار من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين. نسأل الله أن يرزقنا وإخواننا فهمها، والعمل بها، فذكرهن الله في هذه السورة القصيرة الألفاظ، الطويلة المعاني، كما قال الشافعي ﵀: لو عمل الناس بهذه السورة لكفتهم، وهو كما قال رحمه الله تعالى. لا

стр. 6279

سورة الكوثر قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: وهذه كلمات من كلام أبي العباس ابن تيمية، له على سورة الكوثر، لخصتها من جملة كلام له: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [سورة الكوثر آية: ١-٣] ما أجلها وأغزر فوائدها على اختصارها، وحقيقة معناها تعلم من آخرها. فإنه سبحانه بتر شانيء رسوله ﷺ من كل خير; فيبتر ذكره وأهله وماله، فيخسر ذلك في الدنيا والآخرة؛ ويبتر حياته، فلا يتزود فيها عملا صالحا لمعاده؛ ويبتر قلبه فلا يعي الخير، ولا يؤهله لمحبته والإيمان به؛ ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعته؛ ويبتره من الأعمال، فلا يذوق لها طعما، وإن باشرها بظاهره، فقلبه شارد عنها. وهذا جزاء من شنأ بعض ما جاء به الرسول، ورده لأجل هواه أو شيخه، أو إمامه أو أميره أو كبيره، كمن شنأ آيات الصفات وأحاديثها; وتأولها على غير مراد الله ورسوله، أو حملها على ما يوافق مذهبه، أو تمنى أن لا تكون نزلت. ومن أقوى علامات شناءتها: أنه إذا سمعها حين يستدل بها أهل السنة على ما دلت عليه من الحق، اشمأز ونفر، فأي شانئ للرسول أعظم من هذا؟ ! وكذلك أهل السماع الذين يزدحمون على سماع الغناء والدفوف، فإذا قرأ عليهم قارئ عشرا، استطالوه واستثقلوه؛ وقس على هذا سائر الطوائف في هذا الباب.

стр. 6280

وكذلك من آثر كلام الناس وعلومهم على القرآن والسنة، فلولا أنه شانئ لما جاء به الرسول لما فعل ذلك، حتى إن بعضهم لينسى القرآن بعد أن حفظه، واشتغل بقول فلان وفلان؛ وكل من شنأ، له نصيب من الانبتار. وهؤلاء لما شنؤوه، جازاهم الله بأن جعل الخير كله معاديا لهم، فبترهم منه؛ وخص نبيه بضد ذلك، وهو: أن أعطاه الكوثر، وهو الخير الكثير الذي آتاه الله إياه في الدنيا: الهدى، والنصر، والتأييد، وقرة العين، ونعم قلبه بذكره وحبه; وأعطاه في الآخرة الوسيلة والمقام المحمود، وجعله أول من يفتح له ولأمته باب الجنة، وأعطاه اللواء لواء الحمد، والحوض العظيم في موقف يوم القيامه. وقولة: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ أي: مبغضك. ﴿الأَبْتَرُ (: المقطوع النسل، الذي لا يولد له، فلا يتولد عنه خير، ولا عمل صالح، ولا منفعة فيه; وأهل السنة أحيوا بعض ما جاء به الرسول ﷺ فكان لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [سورة الشرح آية: ٤] ؛ وأهل البدعة شنؤوا بعض ما جاء به، فكان لهم نصيب من قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [سورة الكوثر آية: ٣] . فالحذر الحذر أيها الرجل، من أن تكره شيئا مما جاء به، أو ترده لأجل هواك، أو انتصارا لمذهبك، أو لشيخك، أو لكبيرك، أو لاشتغالك بالشهوات، أو بالدنيا; فإن الله لم يوجب على أحد إلا طاعة رسوله ﷺ ، والأخذ بما جاء به، بحيث لو خالف العبد جميع الخلق واتبع

стр. 6281

الرسول ﷺ ، ما سأله الله عن مخالفة أحد؛ فاعلم ذلك واسمع وأطع، واتبع; ولا تبتدع تكن ابتر مردودا عليك عملك; بل لا خير في عمل أبتر مر الاتباع، ولا خير في عامله. وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] : أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين، وهما: الصلاة والنسك، الدالتان على التواضع، عكس حال أهل الكفر والنفرة، وأهل الغنى عن الله، الذين لا حاجة لهم في صلاتهم، والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر، أو لسوء ظنهم بربهم. ولهذا جمع الله بينهما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٢-١٦٣] الآية، وقوله: ﴿وَنُسُكِي﴾ هو: الذبيحة لله ابتغاء وجهه. والمقصود: أن الصلاة والنسك، هما أجل ما يتقرب به إلى الله; وأجل العبادات المالية النحر، وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها من العبادات، كما عرفه أرباب القلوب الحية؛ وما يجتمع في النحر من حسن الظن، والوثوق بما في يد الله، أمر عجيب، إذا قارن ذلك الإيمان والإخلاص. وقد امتثل ﷺ أمر ربه، فكان كثير الصلاة لربه، كثير النحر له، حتى نحر بيده في حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة; وكان ينحر في الأعياد وغيرها; وفيها: تعريض بحال الأبتر الشانئ، الذي صلاته ونسكه لغير الله. وفيها: ترك الالتفات

стр. 6282

إلى الناس، وإلى ما ينالك منهم، بل صل لربك وانحر. ومن فوائدها اللطيفة: الالتفات في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] الدالة على أن ربك مستحق لذلك، وأنت جدير بأن تعبده وتنحر له، والله أعلم.

стр. 6283

سورة الكافرون وقال أيضا الشيخ محمد: قال شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، في الكلام على: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] : قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [سورة الكافرون آية: ٣] : نفى عنهم عبادة معبوده، لأنهم إذا أشركوا لم يكونوا عابدين معبوده. وأيضا لو عبدوا الله بما ليس هو عبادة، وقصدوا عبادة الله، معتقدين أنه هو كأصحاب العجل، والذين عبدوا عيسى والدجال، ومن عبد من هذه الأمة، فهم عند أنفسهم إنما يعبدون الله; لكن هذا المعبود ليس هو الله، وإن قصد العابد الله. وأيضا إذا وصفوه بما هو بريء منه، كالصاحبة والولد، وعبدوه كذلك، فهو بريء من هذا المعبود، فإنه ليس هو الله، كما قال ﷺ : " ألا ترون كيف يصرف الله عني سب قريش؟ يسبون مذمما " ١ كذلك عبادة أمثالهم، واقعة على موصوفهم. وأيضا من لم يؤمن بما وصف به الرسول ﷺ ربه،

стр. 6284

فهو في الحقيقة لم يعبد ما عبده الرسول؛ وقس على هذا، فلتتأمل هذه المعاني وتهذب.

стр. 6285

ومن سورة تبت وقال أيضا الشيخ محمد ﵀: قال شيخ الإسلام: سورة "تَبَّت" نزلت في هذا وامرأته، وهما من أشرف بطنين في قريش، وهو عم علي، وهي عمة معاوية، واللذان تداولا الخلافة في الأمة هذان البطنان، بنو أمية وبنو هاشم. وأما أبو بكر وعمر، فمن قبيلتين أبعد عنه ﷺ ؛ واتفق في عهدهما ما لم يتفق بعدهما، وليس في القرآن ذم من كفر به ﷺ باسمه، إلا هذا وامرأته. ففيه: أن الأنساب لا عبرة بها، بل صاحب الشرف يكون ذمه، على تخلفه عن الواجب أعظم، كما قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٠] الآية. قال النحاس: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [سورة المسد آية: ١] دعاء عليه، ﴿وَتب﴾ خبر، وفي قراءة عبد الله ﴿وقد تب﴾ . وقوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ أي: ولده، فإن قوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ يتناوله، كما في الحديث: "ولده من كسبه"؛ واستدل بها على جواز الأكل من مال الولد; ثم أخبر أنه ﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾ : أخبر بزوال الخير، وحصول الشر; والصلي: الدخول والاحتراق جميعا. وقوله: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [سورة المسد آية: ٤] إن كان مثلا للنميمة، لأنها

стр. 6286

تضرم الشر، فيكون حطب القلوب; وقد يقال: ذنبها أعظم، وحمل النميمة لا يوصف بالحبل في الجيد; وإن كان وصفا لحالها في الآخرة، كما وصف بعلها: هو يصلى، وهي تحمل الحطب عليه، كما أعانت على الكفر، فيكون من حشر الأزواج. وفيه عبرة لكل متعاونين على الإثم، أو على إثم ما، أو عدوان ما، ويكون القرآن قد عم الأقسام الممكنة في الزوجين، وهي أربعة: إما كإبراهيم وامرأته، وأما هذا وامرأته، وإما فرعون وامرأته، وإما نوح وامرأته ولوط. ويستقيم أن يفسر حمل الحطب بالنميمة، بحمل الوقود في الآخرة، كقوله: "من كان له لسان" إلخ. وقال الشيخ: محمد، رحمه الله تعالى: قصة سبب نزول ﴿تَبّتُ﴾ إلى آخرها، فيها مسائل: الأولى: ما فيها من دلائل الإلهية. الثانية: ما فيها من دلائل النبوة. الثالثة: ما فيها من فضائل الرسول ﷺ وقوله الحق الذي لا يقدر غيره بقوله. الرابعة: أن هذا هو العقل والصواب، أعني: صعود الجبل، والصياح في هذه المسألة، ولو عده أكبر الناس سفها، بل جنونا. الخامسة: شدة الخطر العظيم، فيمن عذل من فعل ذلك. السادسة: لعل الكلمة التي لا يلقي لها بالا، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه، ولعله يعتقدها نصيحة أو صلة رحم.

стр. 6287

السابعة: مراقبة العواقب في إعطاء الله نعم الدنيا من المال والولد، والبيت الرفيع، والرياسة. الثامنة: تعظيم أمر النميمة. التاسعة: أن الولد من الكسب; ففيه دليل على أن أطيب ما أكلتم من كسبكم. العاشرة: أن الله سبحانه لم ينزل هذا إلا مصلحة للأمة إلى يوم القيامة; والله أعلم.

стр. 6288

سورة الإخلاص وقال أيضا، رحمه الله تعالى: تفسير سورة الإخلاص، عن عبد الله بن خبيب، قال: " خرجنا في ليلة مطر وظلمة، فطلبت النبي ﷺ ليصلي لنا فأدركناه، فقال: قل; فلم أقل شيئا; قال: قلت: يا رسول الله ما أقول؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية:١] ١ والمعوذتين، حين تمسي وحين تصبح، ثلاث مرات، تكفيك من كل شي " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والأحد: الذي لا نظير له; والصمد: الذي تصمد الخلائق كلها إليه، في جميع الحاجات; وهو الكامل في صفات السؤدد; فقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ ففي النظير والأمثال، وقوله: ﴿الصَّمَدُ﴾ إثبات صفات الكمال، وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [سورة الإخلاص آية: ٣] نفي الصاحبة والعيال. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية: ٤] نفي الشركاء لذي الجلال. وسئل الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر، عما تضمنته سورة (الإخلاص) و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] .

стр. 6289

فأجاب: ما تضمنته سورة الإخلاص من التوحيد العلمي، فيذكر أهل العلم: أن سورة (الإخلاص) متضمنة للتوحيد العلمي، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] متضمنة للتوحيد العملي. فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية: ١] فيها توحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب تعالى، من الأحدية، المنافية لمطلق الشركة، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال، الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد، الذي هو من لوازم الصمدية، ونفي الكفؤ المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل. فتضمنت هذه السورة: إثبات كل كمال له، ونفي كل نقص عنه، ونفي التشبيه والمثيل، ونفي مطلق الشريك عنه؛ وهذه الأصول مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي، الذي يباين صاحبه فرق الضلال والشرك، ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن. وبيان ذلك: أن القرآن مداره على الخبر والإنشاء; والخبر نوعان: خبر عن الخالق سبحانه، وأسمائه وصفاته، وأحكامه، وخبر عن خلقه; فأخلصت سورة الإخلاص، للخبر عنه سبحانه، وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن; كما أخلصت سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] لبيان الشرك العملي القصدي.

стр. 6290

سورة الفلق وقال أيضا الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، تفسير سورة الفلق: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [سورة الفلق آية: ١-٥] : فمعنى أعوذ: أعتصم وألتجئ وأتحرز; وتضمنت هذه الكلمة مستعاذا به، ومستعاذا منه، ومستعيذا؛ فأما المستعاذ به، فهو الله وحده رب الفلق، الذي لا يستعاذ إلا به. وقد أخبر الله عمن استعاذ بخلقه، أن استعاذته زادته رهقا، وهو الطغيان، فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [سورة الجن آية: ٦] والفلق: بياض الصبح إذا انفلق من الليل، وهو من أعظم آيات الله الدالة على وحدانيته. وأما المستعيذ، فهو رسول الله ﷺ وكل من اتبعه إلى يوم القيامة. وأما المستعاذ منه، فهو أربعة أنواع; الأول: قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وهذا يعم شرور الأولى والآخرة، وشرور الدين والدنيا. الثاني: قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ والغاسق: الليل، إذا وقب، أي: أظلم ودخل في كل شيء،

стр. 6291

وهو محل تسلط الأرواح الخبيثة. الثالث: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [سورة الفلق آية: ٤] وهذا من شر السحر، فإن النفاثات السواحر اللاتى يعقدن الخيوط، وينفثن على كل عقدة، حتى ينعقد ما يردن من السحر; والنفاثات مؤنث، أي: الأرواح والأنفس، لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة. الرابع: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [سورة الفلق آية: ٥] وهذا يعم إبليس وذريته، لأنهم أعظم الحساد لبني آدم أيضا، وقوله: ﴿إذا حسد﴾ لأن الحاسد إذا أخفى الحسد، ولم يعامل أخاه إلا بما يحبه الله، لم يضره.

стр. 6292

[تفسير سورة الناس] وقال أيضا الشيخ محمد ﵀: تفسير سورة الناس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وأما قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ١] فقد تضمنت أيضا ذكر ثلاثة: الأول: الاستعاذة وقد تقدمت; الثاني: المستعاذ به; والثالث: المستعاذ منه; فأما المستعاذ به، فهو الله وحده لا شريك له، رب الناس الذي خلقهم، ورزقهم ودبرهم، وأوصل إليهم مصالحهم، ومنع عنهم مضارهم. مَلِكِ النَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ٢] أي: المتصرف فيهم، وهم عبيده ومماليكة، المدبر لهم، كما يشاء الذي له القدرة والسلطان

стр. 6293

عليهم; فليس لهم ملك يهربون إليه إذا دهمهم أمر; يخفض ويرفع، ويصل ويقطع، ويعطي ويمنع. ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ٣] أي: معبودهم الذي لا معبود لهم غيره، فلا يدعى ولا يرجى ولا يخلق إلا هو، فخلقهم وصورهم، وأنعم عليهم، وحماهم مما يضرهم بربوبيته، وقهرهم، وأمرهم ونهاهم، وصرفهم كما يشاء بملكه، واستعبدهم بالهيبة الجامعة لصفات الكمال كلها. وأما المستعاذ منه، فهو: الوسواس، وهو الخفي الإلقاء في النفس، إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من ألقي إليه، وإما بصوت كما يوسوس الشيطان إلى العبد; وأما الخناس فهو الذي يخنس ويتأخر ويختفي. وأصل الخنوس: الرجوع إلى وراء؛ وهذان وصفان لموصوف محذوف، وهو الشيطان، وذلك: أن العبد إذا غفل جثم على قلبه، وبذل فيه الوساوس، التي هي أصل الشر; فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به خنس. قال قتادة: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب، فإذا ذكر العبد ربه خنس، ويقال: رأسه كرأس الحية، يضعه على ثمرة القلب، يمنيه ويحدثه; فإذا ذكر الله خنس. وجاء بناءه على الفعال، الذي يتكرر منه، فإنه كلما ذكر الله انخنس، وإذا غفل عاد. وقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ٦] يعنى: أن الوسواس نوعان: إنس وجن؛ فإن الوسوسة الإلقاء الخفي، لكن إلقاء

стр. 6294

الإنس بواسطة الأذن، والجني لا يحتاج إليها; ونظير اشتراكهما في الوسوسة، اشتراكهما في الوحي الشيطاني، في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٢] . والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. آخر الجزء الثالث عشر؛ ويليه الجزء الرابع عشر: " كتاب النصائح"

стр. 6295

المجلد الرابع عشر: (كتاب النصائح) كتاب النصائح ... كتاب النصائح [قول أبناء الشيخ ابن عبد الوهاب في النصيحة والتذكير بنعم الله، وماعليه الناس من التقصير والذنوب] قال أبناء الشيخ; محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله لهم الأجر والثواب، آمين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﷺ تسليما. من إبراهيم وعبد الله وعلي: أبناء الشيخ محمد، إلى من يراه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والموجب لهذا: التذكير والنصيحة، والشفقة علينا وعليكم من عقوبة الله، وأنتم تعرفون ما من الله به علينا وعليكم من دين الإسلام، وهو أعظم نعمة أنعم الله بها على جميع المسلمين. وأكثر الناس اليوم، على الشرك، وعبادة غير الله; وأعطاكم الله في ضمن الإسلام، من النعم والنصر على الأعداء ما تعرفون، ولا يجيء أهل الإسلام شيء إلا بسبب

стр. 6296

ذنوبهم، فإذا عرفوا الذنب وتابوا منه، نصرهم الله، وأعزهم، وكسر عدوهم، وجعل العاقبة لهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١١] وقال تعالى لخيار الخلق: ﴿أََوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٥] . وهذه الأمور: يجريها الله ، ابتلاء وامتحانا، ليميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من المنافق، فيجازي المؤمن بالنصر والظفر على عدوه، ويجازي المنافق والمرتاب بالعذاب والنكال، والخزي في الدنيا والآخرة; وأنتم ترون أن أغلب البلدان ما صفت وركد ١ الإسلام فيها، إلا بعد الردة، وتمييز الخبيث من الطيب. فالواجب علينا وعليكم الإقبال على الله، والتوبة والاستغفار; وكل يعرف ذنبه، ويتوب إلى الله منه، ولا يجعل الأمر في غيره، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [سورة التحريم آية: ٨] . والتوبة لها شروط ; منها: الإقلاع عن الذنب،

стр. 6297

والندم، والعزيمة ألا يعود; ونحن نخشى علينا وعليكم مما وقع من التقصير والذنوب: منها: ترك المحافظة على الصلوات الخمس، وهي عمود الإسلام، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. ومنها: الغفلة عن التفقه في دين الإسلام، حتى أن من الناس من ينشأ وهو ما يعرف دين الإسلام؛ ومنهم من يدخل فيه، وهو ما يعرفه ولا يفعله، ظنا منه أن الإسلام هو العهد. ومعرفة الإسلام والعمل به، واجب على كل أحد، ولا ينفع فيه التقليد. ومنها: أن من الناس من يمنع الزكاة، والذي ما يقدر المنع يحبسها؛ والزكاة ركن من أركان الإسلام، واجب أداؤها إلى الإمام أو نائبه، على الأمر المشروع. ومنها: عدم إنكار المنكر ممن يراه، ويسكت عن إنكاره، خوفا أو هيبة من أحد من الناس، والمنكر إذا خفي لم يضر إلا صاحبه، وإذا فشا ولم ينكر ضر العامة، قال تعالي ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨ - ٧٩] . ومنها: ظهور عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم من كثير

стр. 6298

من الناس، وذلك من أكبر الكبائر، كما في الحديث: ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين ١، وفي الحديث الآخر: لا يدخل الجنة قاطع رحم ٢ ومنها: ما يجري من بعض الأمراء والعامة: من الغلول من المغانم، وفيهم من يتحيل على الغلول بالشراء، ولا ينقد الثمن، وذلك حرام; قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦١] وفي الحديث: الغلول نار وعار وشنار ٣. ومنها: ظلم بعض الأمراء، يأخذ من أموال الناس بصورة الجهاد، ولا يصرفه في الجهاد، بل يأكله، وبعض الأمراء يأخذ جميع الزكاة، ولا يعطي المساكين منها شيئا، والإمام يأمره بإعطاء كل ذي حق حقة، ويعصي ويعمل على رأيه. والزكاة تولى الله قسمتها في كتابه، وجزأها ثمانية أجزاء، وأخبر النبي ﷺ أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب. ومن الأمراء والنظراء من يصرف الجهاد عن الأغنياء، ويجعله على الفقراء، الذين لم يجعل الله عليهم شيئاً والجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس، فمن كان له مال، وهو يقدر على الجهاد بنفسه، وجب عليه الجميع; فإن كان ما يقدر بنفسه، وجب عليه بالمال; فإن كان ما يقدر بالمال، ولا بالنفس، فالحرج مرفوع عنه.

стр. 6299

قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٩١] والإمام ينهى الأمراء عن تحميل الناس ما لا يستطيعون، ويعصونه في ذلك، وتحميل الفقير ما لم يحمله الله ذنب; ومعصية الإمام إذا نهى عن ذلك ذنب آخر. ومنها: اختلاط الجيد بالردي، وصاحب الدين بالمنافق، ولا يميز هذا من هذا، ووقع بسببه ظهور الكلام الباطل، الذي لو يظهر من أحد في أول الإسلام، أدب أدبا بليغا، وعرف أن قائله منافق، وفي وقتنا هذا يظهر ولا ينكر، إلا ما شاء الله. ومنها: الظلم والوقوع فيما حرم الله، من الدماء والأموال والأعراض، والغيبة والنميمة، وقول الزور، وبهت المسلم بما ليس فيه، وصار هذا ما يستنكر، فإذا بان كذبه وتزويره، ما سقط من العيون، والله حرم هذا في كتابه. وقال رسول الله ﷺ فيما ثبت عنه: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ

стр. 6300

مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٥٨] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحجرات آية: ١٢] . ومنها: الجسرة على ذمة المسلم، فإذا أعطى أحد من المسلمين، لا أمير ولا غيره، أحدا من الكفار ذمته، ما جاز لأحد من المسلمين يخفره، لا في دمه ولا ماله، كما جاء في الحديث: ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا. ومن العجب: أن بعض الجهال يفعل هذا ديانة، ويظن أنه معاداة للكفار، واستحلال المحرم أعظم من ارتكابه، مع معرفة تحريمه. ومنها: أن بعض الناس يزعل ١ إذا أنكر على رجاله أو طارفته ٢، إذا فعل المنكر وأنكر عليه، وهذا أمر ما يحل; بل الواجب عليه أن يغضب لله أعظم مما يغضب لنفسه; ولو أن رجاله أو طارفته، ينتهكون حرمته، غضب لنفسه، والله أحق أن يغضب له. ومنها: فعل الربا، والتحيل عليه بالبيع الفاسد، والتصحيح الباطل، مثل رد الدين على المعسر، وجعل الدين رأس مال السلم.

стр. 6301

ومنها: كونه يبيعه ويسلفه; ومنها: كونه يبيعه تمرا، أو عيشا إلى أجل، فإذا حل الأجل، أخذ منه بتلك الدراهم تمرا أو عيشا، وهذا حرام عند أكثر العلماء، لا سيما إذا قصد ذلك في ابتداء العقد، وعرف أنه لا يستوفي منه إلا بتمر أو عيش. ومنها: أنه يبيع سلعة نسيئة، ثم يشتريها منه بأقل مما باعها به نقدا; ومنها: أن يشتري طعاما، ثم يبيعه قبل قبضه، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك. ومنها: التثاقل عن الجهاد، ومعصية الإمام في ذلك وغيره؛ وقد توعد الله من تثاقل عن الجهاد، ورضي بالإخلاد إلى الأرض، بالوعيد الشديد. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيل ٌإِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٨-٣٩] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٤-٢٥] .

стр. 6302

قال العلماء في تفسير الآية: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٤] أي: لما يصلحكم، وهو: هذا الحرب الذي أعزكم الله به بعد الذلة، وقواكم به على عدوكم، بعد القهر منهم لكم، وقد فرضه الله على الناس، كما فرض الصلاة والزكاة. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٦] فإذا قام المسلمون بما أمرهم الله به، من جهاد عدوهم، بحسب استطاعتهم، فليتوكلوا على الله، ولا ينظروا إلى قوتهم وأسبابهم، ولا يركنوا إليها، فإن ذلك من الشرك الخفي، ومن أسباب إدالة العدو على المسلمين، ووهنهم عن لقاء العدو؛ لأن الله ﵎: أمر بفعل السبب، وألا يتوكلوا إلا على الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٢٣] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٠] . وقال تعالى لمحمد ﷺ وأصحابه ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٩-١٠] .

стр. 6303

فإذا فعل المسلمون ما أمرهم الله به، وتوكلوا على الله، وحققوا توحيدهم، نصرهم الله، وأمدهم بالملائكة، كما هي عادته مع عباده المؤمنين، في كل زمان ومكان، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ١٧١-١٧٣] . وقال تعالى ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيرا ًسُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [سورة الفتح آية: ٢٢ – ٢٣] . ونسأل الله لنا ولكم الهدى والثبات، والعافية في الدنيا والآخرة; وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ولهم أيضا، أسكنهم الله الفردوس الأعلى: ١. [قول أبناء الشيخ ابن عبد الوهاب في قوله تعالي وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا وما يجري من المعاملات الربوية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حسين بن الشيخ وإبراهيم وعبد الله وعلي، إلى من يصل إليه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد. قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ إلى قوله: وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [سورة البقرة آية: ٢٧٥ - ٠٢٧٦] والنبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه ويجري

стр. 6304

عندكم معاملات يفعلها بعض الناس، وهي من المعاملات الربوية: منها: قلب الدين على المعسر، إذا حل الدين على الغريم ولم يقدر على الوفاء، أحضر طالب الدين دراهم، وأسلمها إليه في طعام في ذمته، ثم أوفاه بها في مجلس العقد، ويسمون هذا تصحيحا؛ وهو تصحيح فاسد، ليس بصحيح، فإنه لم يسلم إليه الدراهم، وإنما قلب عليه الدين الذي في ذمته لما عجز عن استيفائه، والمعسر لا يجوز قلب الدين عليه. فعليكم بتقوى الله وحذر عقوبته، فإن هذه المعاملات تمحق المال، وتذهب بركته، وعقابه في الآخرة أعظم مما يعاقب به صاحبه في الدنيا، من عدم البركة فيه; فإذا حل الدين على المعسر، لم يجز لغريمه التحيل على قلبه عليه، بل كما قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٠] . وإن كان الغريم مليا، وأراد أن يسلم إليه ويعامله، فليدفع إليه الدراهم، ويقبضها البايع، ويروح بها إلى بيته، ولا يوفيه بها في الحال؛ فإذا تملكها، وأخذت عنده يوما أو يومين، بحيث يتصرف فيها بما شاء، ثم أوفاه منها، فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى. وأما الاستيفاء بها في مجلس العقد، فلا ينبغي، لأنه ذريعة إلى الحيل، والحيلة كلها محرمة; وكذلك إذا حل

стр. 6305

التمر على الكدَّاد، فلا بد من قبضه؛ بالقبض الشرعي. وأما التحيل على قلبه على صاحبه، فلا ينبغي أيضا; بل يأخذه صاحبه، ولا يبيع على الذي أوفاه منه، لا قليلا ولا كثيرا؛ فإن أحب البيع، فليبعه طعاما غير الطعام الذي قبضه منه، فتحصل المعاملة، ويحصل التنْزه والاحتياط عن الحيل التي لا يجوز تعاطيها. ومنها: ما يفعله بعض الناس، إذا كان له في ذمة رجل طعام معلوم، استوفي منه بثمرة في رؤوس النخل يأخذها خرصا، تم يبيعها، وهذا لا يجوز، نص عليه العلماء ونهوا عنه، وذكروا أن من اشترى بالكيل والوزن، لا يحصل قبضه إلا بكيله أو وزنه فإن قبضه جزافا، كان قبضا فاسدا، لا يجوز له بيعه، حتى يكال أو يوزن، لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يكتاله ١. وفي الحديث الآخر، أنه: نهى عن بيع الطعام، حتى يجري فيه الصاعان، صاع البايع وصاع المشتري ٢ وفي حديث آخر، أن النبي ﷺ قال لعثمان: إذا سميت الكيل فكِلْ. ومنها: ما يفعله بعض الناس - في الأحساء أو في غيره - يشترون الطعام من أهل بيت المال، أو من غيرهم، ثم يبيعونه قبل قبضه، وهذا لا يجوز، بل ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عنه، وقال: من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يقبضه.
следующие страницы →