← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

ومنها: كونه يبيعه ويسلفه; ومنها: كونه يبيعه تمرا، أو عيشا إلى أجل، فإذا حل الأجل، أخذ منه بتلك الدراهم تمرا أو عيشا، وهذا حرام عند أكثر العلماء، لا سيما إذا قصد ذلك في ابتداء العقد، وعرف أنه لا يستوفي منه إلا بتمر أو عيش. ومنها: أنه يبيع سلعة نسيئة، ثم يشتريها منه بأقل مما باعها به نقدا; ومنها: أن يشتري طعاما، ثم يبيعه قبل قبضه، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك. ومنها: التثاقل عن الجهاد، ومعصية الإمام في ذلك وغيره؛ وقد توعد الله من تثاقل عن الجهاد، ورضي بالإخلاد إلى الأرض، بالوعيد الشديد. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيل ٌإِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٨-٣٩] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٤-٢٥] .

стр. 6302

قال العلماء في تفسير الآية: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٤] أي: لما يصلحكم، وهو: هذا الحرب الذي أعزكم الله به بعد الذلة، وقواكم به على عدوكم، بعد القهر منهم لكم، وقد فرضه الله على الناس، كما فرض الصلاة والزكاة. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٦] فإذا قام المسلمون بما أمرهم الله به، من جهاد عدوهم، بحسب استطاعتهم، فليتوكلوا على الله، ولا ينظروا إلى قوتهم وأسبابهم، ولا يركنوا إليها، فإن ذلك من الشرك الخفي، ومن أسباب إدالة العدو على المسلمين، ووهنهم عن لقاء العدو؛ لأن الله ﵎: أمر بفعل السبب، وألا يتوكلوا إلا على الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٢٣] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٠] . وقال تعالى لمحمد ﷺ وأصحابه ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٩-١٠] .

стр. 6303

فإذا فعل المسلمون ما أمرهم الله به، وتوكلوا على الله، وحققوا توحيدهم، نصرهم الله، وأمدهم بالملائكة، كما هي عادته مع عباده المؤمنين، في كل زمان ومكان، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ١٧١-١٧٣] . وقال تعالى ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيرا ًسُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [سورة الفتح آية: ٢٢ – ٢٣] . ونسأل الله لنا ولكم الهدى والثبات، والعافية في الدنيا والآخرة; وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ولهم أيضا، أسكنهم الله الفردوس الأعلى: ١. [قول أبناء الشيخ ابن عبد الوهاب في قوله تعالي وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا وما يجري من المعاملات الربوية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حسين بن الشيخ وإبراهيم وعبد الله وعلي، إلى من يصل إليه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد. قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ إلى قوله: وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [سورة البقرة آية: ٢٧٥ - ٠٢٧٦] والنبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه ويجري

стр. 6304

عندكم معاملات يفعلها بعض الناس، وهي من المعاملات الربوية: منها: قلب الدين على المعسر، إذا حل الدين على الغريم ولم يقدر على الوفاء، أحضر طالب الدين دراهم، وأسلمها إليه في طعام في ذمته، ثم أوفاه بها في مجلس العقد، ويسمون هذا تصحيحا؛ وهو تصحيح فاسد، ليس بصحيح، فإنه لم يسلم إليه الدراهم، وإنما قلب عليه الدين الذي في ذمته لما عجز عن استيفائه، والمعسر لا يجوز قلب الدين عليه. فعليكم بتقوى الله وحذر عقوبته، فإن هذه المعاملات تمحق المال، وتذهب بركته، وعقابه في الآخرة أعظم مما يعاقب به صاحبه في الدنيا، من عدم البركة فيه; فإذا حل الدين على المعسر، لم يجز لغريمه التحيل على قلبه عليه، بل كما قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٠] . وإن كان الغريم مليا، وأراد أن يسلم إليه ويعامله، فليدفع إليه الدراهم، ويقبضها البايع، ويروح بها إلى بيته، ولا يوفيه بها في الحال؛ فإذا تملكها، وأخذت عنده يوما أو يومين، بحيث يتصرف فيها بما شاء، ثم أوفاه منها، فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى. وأما الاستيفاء بها في مجلس العقد، فلا ينبغي، لأنه ذريعة إلى الحيل، والحيلة كلها محرمة; وكذلك إذا حل

стр. 6305

التمر على الكدَّاد، فلا بد من قبضه؛ بالقبض الشرعي. وأما التحيل على قلبه على صاحبه، فلا ينبغي أيضا; بل يأخذه صاحبه، ولا يبيع على الذي أوفاه منه، لا قليلا ولا كثيرا؛ فإن أحب البيع، فليبعه طعاما غير الطعام الذي قبضه منه، فتحصل المعاملة، ويحصل التنْزه والاحتياط عن الحيل التي لا يجوز تعاطيها. ومنها: ما يفعله بعض الناس، إذا كان له في ذمة رجل طعام معلوم، استوفي منه بثمرة في رؤوس النخل يأخذها خرصا، تم يبيعها، وهذا لا يجوز، نص عليه العلماء ونهوا عنه، وذكروا أن من اشترى بالكيل والوزن، لا يحصل قبضه إلا بكيله أو وزنه فإن قبضه جزافا، كان قبضا فاسدا، لا يجوز له بيعه، حتى يكال أو يوزن، لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يكتاله ١. وفي الحديث الآخر، أنه: نهى عن بيع الطعام، حتى يجري فيه الصاعان، صاع البايع وصاع المشتري ٢ وفي حديث آخر، أن النبي ﷺ قال لعثمان: إذا سميت الكيل فكِلْ. ومنها: ما يفعله بعض الناس - في الأحساء أو في غيره - يشترون الطعام من أهل بيت المال، أو من غيرهم، ثم يبيعونه قبل قبضه، وهذا لا يجوز، بل ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عنه، وقال: من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يقبضه.

стр. 6306

ومنها: ما يفعله بعض الناس، إذا كان عنده تمر قد استغنى عنه، ورأى السعر رخيصا وأراد إبداله بتمر من الثمرة المقبلة، أقرضه لمن يعطيه بدله تمرا جديدا بدل هذا، وإنما هذا بدل تمر بتمر نسيئة، وإبدال التمر بالتمر منسأ لا يجوز، بل هو ربا، ثبت عن النبي ﷺ النهي عنه. والقرض المندوب إليه إذا كان قصد المقرض الإرفاق بالمقترض ونفعه; وأما إذا كان قصده نفع تمره بتمر آخر، فليس بقرض، وإنما هو بيع نهى عنه، لأنه بيع تمر بتمر. قال عبد الله بن عمر، ﵄: السلف على ثلاثة أوجه سلف تسلفه تريد به وجه الله، فلك وجه الله; وسلف: تسلفه تريد به وجه صاحبك، فلك وجه صاحبك; وسلف: تسلفه لتأخذ طيبا بخبيث، فذلك الربا. ومنها: ما يفعله بعض الناس، يقرضه غريمه الدراهم أو غيرها ويتسامح عنها في الاستيفاء، فيسامحه غريمة في المبايعة إذا بايعه فلعميله بيع، ولغيره من الناس بيع أغلى منه، لأن العميل يقرضه ويسامحه في الاستيفاء، ويقول: فلان يسلف ويتسامح، ويأخذ ويخلي. ولا يعلم المتعاقدان أن هذا ربا، وأن " كل قرض جر نفعا فهو ربا " وأنه إذا زاد في السعر لأجل تأخيره بعض الدين الذي قد حل عليه، كان ما أخذه في مقابلة التأخير ربا، من جنس ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه.

стр. 6307

وقد ذكر العلماء: إن من كان له قرض عند رجل، أو عليه دين حال، فأهدى إليه صاحب الدين هدية قبل الوفاء، أنه لا يقبلها، بل يردها، فإن لم يفعل فليحسبها من الدين الذي له في ذمة المهدي. وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ ، أنه قال: إذا أقرض أحدكم أحدا قرضا، فأهدى إليه، أو حمله على الدابة، فلا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك ١. قال عبد الله بن سلام، ﵁: إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا. ومنها: ما يفعله كثير من الناس، يبيع الطعام نساء، فإذا حل ثمنه، أخذ عنه طعاما بسعر الوقت، وقد ذكر العلماء أن هذا لا يجوز، لأنه حيلة وذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نساء. ومنها: ما يجري في بعض البلدان، إذا حل دين السلم، باعه صاحبه على الذي هو في ذمته قبل قبضه، فيبيعه ويربح فيه، وهو لم يقبضه، فهذا لا يجوز، فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه ولا فرق بين من هو عليه، ولا غيره. وفي الحديث الآخر عن النبي ﷺ أنه نهى عن ربح ما لم يضمن ٢ فإذا باع الإنسان طعاما على بائعه، فقد باعه

стр. 6308

قبل قبضه، وحصل له ربح في طعام لم يدخل في ضمانه، فصار في هذا مخالفة لما نهى عنه النبي ﷺ من البيع وأخذ ربح ما لم يضمن. [مخالفة أمر الله وارتكاب ما نهى عنه في مسألة الطلاق وخروج المرأة من بيت الزوج] ومنها: ما يجري من كثير من الناس، من مخالفة أمر الله وارتكاب ما نهى عنه، فإن الله قال ﴿يا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ ِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [سورة الطلاق آية: ١] . فأمر تعالى: من أراد أن يطلق طلاق السنة، وذلك بأن تكون المرأة طاهرة طهرا لم يجامعها فيه، ونهى الزوج عن إخراجها من بيتها، الذي كانت فيه قبل الطلاق. وأوجب عليها أن تعتد في بيتها، ونهاها أن تخرج، فلا يجوز للزوج أن يخرجها، ولا يجوز لها أن تخرج، ولو تراضت هي والزوج على الخروج، فقال تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [سورة الطلاق آية: ١] . وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [سورة الطلاق آية: ١] وكثير من الناس يتهاونون بهذا، مع هذا التغليظ الشديد فيه، وصار هذا عادة عند الأكثر، متى أراد الطلاق خرجت المرأة من بيت الزوج، واعتدت في بيت أهلها. فالواجب عليكم تقوى الله تعالى، بامتثال الأمر والانتهاء

стр. 6309

عما عنه زجر، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [سورة التغابن آية: ١٦] نسأل الله الكريم أن يهدينا وإياكم الصراط المستقيم، وأن يجنبنا وإياكم طريق المغضوب عليهم والضالين; وصلى الله على محمد وآله وصحبه الطاهرين وسلم، والسلام عليكم. وقال الإمام سعود بن عبد العزيز رحمهما الله: [الحث على قبول النصيحة وبيان ما وقع من الناس من الخلل في الصلاة والزكاة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من سعود إلى من يراه من المسلمين، سلمهم الله من الآفات، ووفقنا وإياهم لفعل الطاعات، وجنبنا وإياهم فعل المحظورات، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: موجب الخط ١ النصيحة لكم، والشفقة عليكم، والعذر من الله مما يتعلق بنا من حقوقكم، وعلينا الجهد، والتوفيق بيد الله، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [سورة هود آية: ٨٨] والنصائح كثرت، ولا أراها تثمر في كثير من الناس. وأعظم النصائح، وأبلغ المواعظ، نصائح الرب، ومواعظه لعبيده، وتبيينه لهم سبحانه ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وتحذيره لهم، ما يضرهم في دنياهم وآخرتهم، ومن سمع القرآن وقرأه، فالذي قلبه حي، كفى بالقرآن واعظا. والله من علينا وعليكم بدين الإسلام،

стр. 6310

وكل نعمة دون نعمة دين الإسلام، وهو أعظم نعمة أنعم الله بها على العبيد; وجمع الله لكم فيه بين خير الدنيا، ورجاء ثواب الآخرة; وأعطاكم به فوق ما تؤملون، وصرف به عنكم جميع ما تكرهون; وهو المحمود على جميع الأحوال. فكونوا ممن يحدث عند النعمة شكرا، وعند المصيبة صبرا; وينفق مما أتاه الله في السراء والضراء; والشكر أعمال، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سورة سبأ آية: ١٣] . وأكثر مما نخاف علينا وعليكم، عدم العمل بما نعرف، وهو المصيبة الكبرى، فلو يحصل العمل، بالشيء الذي يشهدون الناس; أن الله أوجبه، ولا يبقى تقصير إلا في الذي يجهلونه، تم الأمر، وهو مثل ما ذكر، من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم. والذي أوصي به نفسي، وأوصيكم به: تقوى الله في السر والعلانية، وإخلاص جميع الأعمال لله وحده لا شريك له، ومتابعة الرسول ﷺ وهذان الأصلان هما جماع الدين، ولا يستقيم دين إلا عليهما، كما قال تعالى; ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] . وأنتم تعلمون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة، ومع كونه فريضة، حقق عليكم في العهد، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى

стр. 6311

بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة الفتح آية: ١٠] . ولو علمت أن هذا الفتور يجري منكم، ما أكدته عليكم في العهد، مع أن هذا شيء أوجبه الله، والعهد زيادة تأكيد، ولا لأحد عذر ليتعذر به من الله، إلا - والعياذ بالله - إن كان عدم ديانة، أو تغافلا من الذي فيه ديانة. والدين مثل ما قال الله ﷻ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر آية: ٩٩] لابد من العمل به ما دام الروح في الجسد، وهذا ظاهر، ولا أحد تغير عن حاله، بقيام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأنتم تعلمون أنه ليس وقتنا هذا بأحسن من وقت النبي ﷺ ولا بلداننا خير من مدينة رسول الله ﷺ وتفهمون ما يقع فيها من العدد والأدب، فالنبي ﷺ همَّ بإحراق البيوت على المتخلفين عن الصلاة مع الجماعة، وذكر ﷺ أن ما منعه إلا من في البيوت من النساء والذرية. وأنتم هؤلاء ترون ما وقع من الناس من الخلل في الصلاة، من التخلف عن صلاة الجماعة، وتضييع أهل الأطراف والنخيل الصلاة، وتركهم كلا يصلي على هواه، وتأخير أكثرهم الصلاة عن وقتها، والإساءة في الصلاة، من مسابقة الإمام فيها، ونقر الصلاة. وذكر المحسن في صلاته شريك للمسيء إذا لم ينهه. وما وقع من خلل الناس في زكاتهم، ومن الناس من يخرج

стр. 6312

زكاة لا تجزي عنه، ومنهم من يمنعها، ومنهم من يبخل ببعضها. وكذلك يذكر لنا في بعض البلدان: بخس المكاييل والموازين; وأيضا اجتماع الرديين في مقاهي ومعاشر، ولا يمنعون; وكذلك الربا في المبايعات; وأنتم تفهمون: تغليظ الرب تعالى في الربا، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٦] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَوَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨-٢٨١] . وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] . واستحل كثير من الناس الربا بشبه، وهو مثل ما ذكر: لا تستحلوا محارم الله بأدنى الحيل، ومثل ما ذكر: من استحل محرما فقد كفر، فالمستحل لهذا مخادع لله، والله

стр. 6313

أعلى وأجل ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٩] وصور البيع، ومداخله، تشرفون عليها - إن شاء الله - بخط آل الشيخ، نحن ما نعين الناس على المبايعة بها. وأنا ملزم كل أمير، وكل مطوع، وكل صاحب دين يخاف الله ويرجوه، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقوم على الناس في جميع ما ذكرنا من المسائل التي ذكر، وغيرها من جميع المنكرات. ويقومون على الناس في تعلم دينهم، وأداء ما فرض الله عليهم، وطلب العلم ١ وإلزام كل من يتخرج في طلب العلم، وتنشئة الصغار على تعلم القرآن، وكل أهل بلد يجعلون عندهم نسخة، فإذا جرى مبايعة فيشرفون عليها مطوع البلاد، ويكتب المطوع على المبايعة. وأنا آمر هؤلاء الذين معهم الورقة، يختارون من كل أهل بلد ثلاثة أهل دين، وأنا ملزمهم بتتبع التجار، والفلاح، في مسألة المبايعة، ومن فعل شيئا مما بينا في هذه الورقة، فيبينون للأمير، فإن كان الأمير ما قام وأدب، أدبت الأمير وأدبت الفاعل؛ وهذه أمور وخيمة، وخطرها كبير في الدنيا والآخرة. ولا والله حملني على هذا، إلا المشحة بكم، والخوف

стр. 6314

من الله عليكم وعلي; والله ﷻ قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال آية: ٥٣] ونعوذ بالله من التغيير، ونسأل الله لنا ولكم العافية. وأحاذر علينا، وعليكم من هذه الآية، التي ذكر الله سبحانه، وحذر عنها أصحاب رسول الله ﷺ وذكر أنها نزلت بعد الهجرة بأربع سنين، قوله تعالى: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [سورة الحديد آية: ١٦] وقسوة القلب كفى بها من عقوبة، أعاذنا الله وإياكم من ذلك; وذكر: أن أبعد القلوب عن الله القلب القاسي. وأنتم ترون مثل ما قال الله ﷻ : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٥-١٥٧] . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٢٦] وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٣٥] . قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ

стр. 6315

قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٣-٤٥] فلا جعلنا الله وإياكم أمثالهم وأشباههم، أعاذنا الله وإياكم من ذلك. ومثل ما ذكر:"ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة" قال الله ﵎ إخبارا عن نوح ﵇، قال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [سورة نوح آية: ١٠-١٢] والتوبة لها شروط ثلاثة: الإقلاع من الذنب، والندم على ما فات، والعزيمة على ألا يعود، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وقال الإمام: سعود بن عبد العزيز، ﵀: [الحث على التوبة إلى الله والقيام بما أوجب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من سعود بن عبد العزيز، إلى من يصل إليه من المسلمين، سلمهم الله تعالى من الآفات، واستعملنا وإياهم بالباقيات الصالحات، وجنبنا وإياهم فعل المحظورات، ووقانا وإياهم السيئات، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 6316

وبعد، موجب الخط١: النصيحة لكم، والشفقة عليكم، والعذر من الله حيث استرعانا عليكم أنِّي أبذل لكم جهدي، في كل ما أقدر عليه خفاء وبيانا، فيما يصلح به أمر دينكم ودنياكم. والله تعالى وجل ذكره، وتقدس اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره من علينا وعليكم بالحنيفية ملة إبراهيم، ودين محمد، عليهما أفضل الصلاة والسلام، وأعطاكم به من جميع المنح الربانية، ما لم تظنوا، والنعم الإلهية. والله ﵎ قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٥٣] ، ونعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات، من غضبه وعذابه، وأليم عقابه، ونسأله أن يهدينا صراطه المستقيم [صراط] ﴿الذين أنعم عليهم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٩-٧٠] . وقد جاءكم نصائح كثيرة وأمر وإلزام، وأرى العمل قليلا، والمصالح عائدة لكم في الدنيا والآخرة، والمضار عائدة عليكم في الدنيا والآخرة. وأعظم ما نوصيكم به، ونرغبكم فيه: وصية الله في الأولين والآخرين، وهي معرفة هذه النعمة العظيمة، والمنحة الجسيمة، دين الإسلام الذي ليس لله دين سواه، ولا يقبل من

стр. 6317

أحد دينا غيره، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] وكما ذكر عن عمر ﵁ حيث قال: إن للإسلام فرائض وشرائع وحدودا، فمن استكملها استكمل الإيمان وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [سورة البقرة آية: ٢٠٨] . والدين عمل، كما ذكر: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال; ولا بد من العمل بالدين والصبر على الأمر والنهي إلى الممات، إن شاء الله؛ ومواعظ القرآن كثيرة كافية. ومن لا يتعظ بكلام الله لم يتعظ بغيره، ولكن أخوف ما أخاف علينا وعليكم من عدم العمل بما نعلم، ومن قسوة القلوب، ومن طول الأمل، ومثل ما ذكر عمر: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، وكثرت عليكم المراسلات، والأمر والإلزام، وأنا أخاف علي وعليكم خوفا شديدا، من عدم العمل، ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأترك بعض الأمر، خوفا من أمر يجب عليكم، فتقع به مضرة.

стр. 6318

وأنتم خابرون ١ أني ملزم الأمير، يقوم على الناس في أمور دينهم من حيث الجملة، من تعلم وتعليم، ويقوم على الناس في قمع من جرى منه شيء يستوجب، إن كان الأدب فيه حكم شرعي أو حدٌّ، لزمه الإمضاء، وإن كان أدبا غير أدب يعهده على قدر ما يردع أرباب المعاصي. والقومة ٢ على الناس في تفريق الرديين، وفي جمع الذي يدعى الدين، والقومة على الناس في أنواع التهم، والقومة على أهل مواقف التهم، والقومة عليهم في بخس المكاييل والموازين، ومن مداخلة الربا في البيوع، وبخس الزكاة، أو إعطائها من أرذل المال، وما جرى مجرى هذا. والقومة في الجهاد، من إتمام السلع، والسلاح الطيب، والرجال الطيبين، والقومة على الخيل وتمام آلاتها. وكذلك الجهاد الداخلي، من رهن الذهبة، والبناء على البلدان وغير ذلك; وأنتم خابرون أني ملزم كل من يخاف الله ويرجوه، القومة مع الأمير بهذا كله، فإن تردى الأمير، فالذي له دين يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وينصح أميره بالقيام، فإذا ما قام الأمير، فيرفع لنا الخبر. وأنتم تفهمون أن ما يجي بني آدم نقص، ولا قحط، ولا تسلط عدو، ولا غير ذلك من أنواع العقوبات والمصائب، إلا بسبب أفعالهم، وعفو الله أكثر. وأنتم في شهر مبارك تقبل فية التوبة، وتقال فيه

стр. 6319

العثرات، وتجاب فيه الدعوات، ومستقبله عند انقضائه - إن شاء الله - حج وجهاد في سبيل الله; فأنتم استعينوا بالله على أنفسكم الظالمة لكم، وقلوبكم القاسية، فإن الله نعم المولى ونعم النصير، وإنا كنا لبئس العبيد ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] . وقوموا بما أوجب عليكم إيمانا واحتسابا، واحذروا مخالفته، فإن مخالفتة دمار الدين، ونزول دار البوار، أعاذنا الله وإياكم من ذلك; وهذه الأمور: اختبار من الله ﵎، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٣٥] . ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ونسأله لنا ولكم الهداية، وبه التوفيق والحماية، عما يغضبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأنتم خابرون أني قد لزمت على كل أمير ناحية، يخص على خمسة عشر، أو أكثر أو أقل، من أهل بلدانه، ويلزمهم طلب العلم، لأنه أمر ضروري. ومثل ما ذكر: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. ولا أعذر كل أمير ناحية، إلا عنده ناس مخصوصين،

стр. 6320

ويلزمهم طلب العلم، ويكتب لنا أسماءهم في ورقة، ونوصلهم - إن شاء الله - ما يعاونهم على معيشتهم، ويحتسبون الثواب عند الله، كما ذكر: لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من حمر النعم. وأيضا للمساكين في كل بلاد معزول لهم حقهم، الذي فرض الله لهم ربع الزكاة، وألزمنا نظراءهم يشرفون على ربع الزكاة في كل بلاد، ويفرق على الفقراء والمساكين. ويذكر لنا أن بعض النظراء يحط الربع، أو شيئا منه، وفاء أو رفدا لأهل الأموال، وهذا أمر لا يحل ولا نرضى به، ولا نأذن به، لا أحد يأخذ منه شيئا، جديدة فما دونها، ولا بد منه يوحد للفقراء وللمساكين، ولا يعط منه إلا الأحوج ما يكون له، والسلام، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه أجمعين.

стр. 6321

[التذكير بعظم نصائح الرب وأهمية الحب في الله] وله أيضا، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأرضانا به دينا عن سائر الأديان، ورزقنا متابعة نبيه وخيرته من خلقه، محمد بن عبد الله، سيد ولد عدنان، وجعلنا نجاهد في سبيله على بصيرة، حتى يكون الدين كله لله ونطمس الأوثان، وله الحمد على ذلك حمدا كثيرا لا يحصى عده إنسان. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته، وصفاته التي لا يشبهه شيء من صفات الإنس والجان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، الذي اصطفاه واختاره على جميع كائن من كان. والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق، صلوات الله وسلامه عليهم في كل وقت وزمان، وسبحان الله وبحمده عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضى نفسه، ومداد كلماته، وملء سماواته. والله أكبر كبيرا، وأعلى قدرا وشأنا، ولا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره المشركون، من أهل الشرك والأوثان؛ واستغفر الله وأتوب إليه من جميع الذنوب، والخطأ والنسيان.

стр. 6322

من سعود بن عبد العزيز: إلى من يراه من المسلمين، سلمهم الله من الآفات، ووقاهم جميع المهلكات، وهداهم لفعل الطاعات، وجنبنا وإياهم فعل جميع المحظورات، ووسع علينا وعليهم من جميع الطيبات، وحمانا وإياهم عن الأهواء والضلالات، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: موجب الخط المحبة لكم، والشفقة عليكم، والنصح لكم، والمعذرة من الله; ووالله إني أحب لكم من الخير ما أحب لنفسي، وأكره لكم من الشر ما أكره لنفسي، وإن أعظم ما أحبه لكم، طاعة الله ورسوله، وأعظم ما أكره لكم معصية الله ورسوله، بها حصول خير الدنيا والآخرة، ومعصية الله ورسوله بها زوال الدنيا والآخرة. والله ﷻ وتقدست أسماؤه أعظم النعم علينا وعليكم، كما قال جل من قائل: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [سورة لقمان آية: ٢٠] ولا نقدر نعد ما أنعم به من جلب كل خير، ودفع ﴿كل شر وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٤] وكل نعمة يجب فيها شكر، وكل شكر يحصل به المزيد وعدم الشكر يوجب ضده وكفر للنعم، ويحصل بكفر النعمة العذاب الشديد، أعاذنا الله وإياكم من ذلك. ولا ننصحكم وننصح أنفسنا بأعظم من نصائح رب السماوات والأرض، التي ذكر في كتابه، حيث قال جل من

стр. 6323

قائل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٧] وقال حاكيا عن عبده موسى ﵇: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٨] وقال: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] وقال ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ : [سورة الأعلى آية: ١٠-١٢] . فنذكركم ما ذكر الله به خير خلقه، بعد نبيهم ﷺ حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٦] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] فذكر الآيات، إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٥] . واعلموا أن أوثق عرى الإيمان، الحب في الله والبغض في الله، وكما ورد في الحديث: من أحب في الله وأبغض في الله، وعادا في الله، ووالى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يذوق عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك. وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ

стр. 6324

وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ سورة الممتحنة آية: ٤] إلى قوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] وقال تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] الآية وقال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] الآية وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] الآية. واعلموا أن أعظم الخير أداء الفرائض وترك المحرمات، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الآية، إلى قوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة النور آية: ٥٥ - ٥٦] . وفي الحديث: وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه. وأعظم الفرائض - بعد التوحيد - الصلوات الخمس على مواقيتها، ولا يحصى ما في القرآن من الأمر بالصلاة

стр. 6325

والمحافظة عليها وإقامتها، فإن إقامة الصلاة غير كيفية الصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة آية: ٤٣] في غير موضع من القرآن ١. وقال في الذين لم يقيموا الصلاة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سورة الماعون آية: ٤-٥] وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً إِلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [سورة مريم آية: ٥٩-٦٠] الآية. وللصلاة شروط، وأركان، وواجبات، وسنن، لا تتم الصلاة على المشروع إلا بها، وترون فعل كثير من الناس في الصلاة، وعدم المحافظة عليها، وتضييع الجماعة أمر عظيم، نسأل الله لنا ولكم العافية. ثم بعد الصلاة أختها وقرينتها في القرآن "الزكاة"واستحوذ الشيطان على كثير من الناس، وصار أناس كثير أهل أموال ولا يزكون، ويدعون أن ما عندهم شيء، وهم كاذبون، وقد يكون أن الله ينْزعه عنهم، ويقال وجبت، ويحرمونه في الدنيا. ويعذبون به في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ

стр. 6326

بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٤] . وفي الحديث: إن المال الذي لا تؤدى زكاته، يصفح صفائح من نار لصاحبه، وتمثل له شجاع أقرع، يأخذ بلهزمتيه، أو كما قال. ومن الناس من يؤدي القليل من الكثير، ومنهم من يجعل زكاته وقاية لماله، في نوائب وغيرها; وأكبر من هذا وأطم الذين يحلون ما حرم الله، بالتأويل الفاسد الذي درجهم عليه الشيطان، حتى يقعوا فيما ذكر: من استحل محرما فقد كفر، واستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل. والشيطان عدو بني آدم، ولا يسأم بما حصل به ورودهم النار، من [أي] باب كان، ومما أدرك الشيطان بخس المكيال والميزان؛ والله ﷻ قال في كتابه: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ الآيات، إلى قوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المطففين آية: ١- ٦] . وقال تعالى عن نبيه شعيب، ﵇: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا﴾ [سورة هود آية: ٨٥] الآيات وبخس المكيال أو الميزان، من فعل الأمم المعذبين. ومن ذلك: التجسس على كثير من أنواع الربا في المعاملات، وترديد الدَّين في الذمم، على الذين ليس عندهم وفاء، ويردد الدين بنفسه، زادا بزاد، وغير ذلك من أنواع الربا، ولو في المصارفة، وشراء الفضة بالفضة وغير ذلك. والله تعالى، قال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

стр. 6327

[سورة البقرة آية: ٢٧٦] . ﴿وقال الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] : يبعثون من قبورهم مثل المجانين. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨-٢٧٩] ومن ذلك: طلب المعسر وعدم إنظاره، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٠] ومن ذلك: مطل الغني الحق الذي عليه، لغني كان أو فقيرا، أو لأجير وغير ذلك; كما قيل: إن في إنظار المعسر أجر عظيم، ومطل الغني ظلم عظيم. ومن ذلك: حق المرأة واليتيم، فاليتيم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١٠] وكثير من الناس - والعياذ بالله - ما يتورع عن مال اليتيم. وأكثر من يأكل أموال اليتامى البضعاء، جمعوا بين الخيانة في الأمانة، وأكل أموال اليتامى ظلما، وحق المرأة ما كان لها من حقوق واجبة من صداق ونفقة. وأخطر ما يكون فعل كثير من الناس، إذا أقفى ١ عن المرأة منع حقوقها، وقد يتحيل عليها بما يضيق عليها لعلها

стр. 6328

تخلي له، وهذا أمر منكر، ولا يبرأ من حقوقها على هذه الحال إذا عضلها. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [سورة النساء آية: ١٩] ، وكذلك إخراجها من البيت، إذا كانت مطلقة، قبل انقضاء عدتها، فإنه لا يحل له ولا يحل لها، قال الله تعالى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [سورة الطلاق آية: ١] . ومن أكبر البلوى وأعظم الدواهي: الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله وعدم التعاون على البر والتقوى، وعدم إنكار المنكر، قال الله تعالى: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٩] ، وقال تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٣] . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة، وهو سبب النجاة، قال لله تعالى في الذين احتالوا على الصيد: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦٥] وأنتم تعرفون مع كونه فريضة، أنه مؤكد على رقابكم بعد، لابد أن يسألكم الله عنه، فالحذر الحذر من سخط الله وسطوته. واعلموا: أن الله ﵎ يمتحن عباده، ويبلوهم بالخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً

стр. 6329

وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٣٥] . فالنعم غربال يختبر عباده فيها بالشكر، والمصائب غربال ويختبرنا فيها بالصبر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ شَكُورٍ [سورة إبراهيم آية: ٥] ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٣٠] . فمن رزق الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء، فهو عنوان سعادته، ومن صار بالضد، يبغي ويبطر مع الرخاء والنعم، ويسخط ويجزع مع الامتحان والنقم، فهذا عنوان شقاوته، أعاذنا الله وإياكم من غضبه وموجبات غضبه. والله أنعم علينا وعليكم بالنعم والسعة، والنصر، والظهور، والمدافعة، كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ١١] ولا نقدر نعد ولا نحصى كم كف الله عنا أيدي أعدائنا قديما وحديثا؟ وكل عدو يَنْوِينَا بسوء، ركسه الله على أم رأسه، ولا يبني لنا بناء كيد إلا هدمه الله من أسّه. وكل جريرة تجر على الإسلام وأهله، تصير عاقبتها خيرا للإسلام وأهله، وعزا وظهورا، وكسرا وخذلانا على من سعى فيها، كما أخبر الله بذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ

стр. 6330

عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٦-٣٧] . فإذا جرت هذه الأمور، صار الناس فيها درجات في الخير، ودركات في الشر، فالمؤمنون يقولون كما أخبر الله عن إخوانهم: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٢٢] والمنافقون قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً﴾ [سورة الأحزاب آية: ١٢] وظنوا بالله ظن السوء، قال تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [سورة الأحزاب آية: ١٠] ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة الفتح آية: ٦] . والمصائب ما تقع إلا بالذنوب، وما يعفو الله أكثر كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠] وأعظم ما تقع المصائب، والقحط، ومنع الغيث، وتسليط العدو، إذا وقع الخلل بما في هذه الورقة، من ترك الطاعات، وارتكاب المحرمات. ومن أكبر الكبائر بعد الشرك بالله عقوق الوالدين، وصار هذا المنكر العظيم اليوم ما ينكر، ولا يعرف أنه منكر، ولا يعاب فاعله؛ وهذا مما عمت به البلوى، كون المعروف يصير منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة.

стр. 6331

وهذا من علامة لبس الحق بالباطل، كما في الدعاء: اللهم أرنا الحق حقا ووفقنا لاتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماما. وفي الحديث عن عبد الله بن عمر، ﵄، قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين، عند رسول الله ﷺ فأقبل علينا بوجهه، وقال: يا معشر المهاجرين، خمس خصال - وأعوذ بالله أن تدركوهن -: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها، إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قوم المكيال والميزان، إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة، وجور السلطان. ولا منع قوم زكاة أموالهم؛ إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا خفر قوم العهد، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذ بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه، إلا جعل الله بأسهم بينهم ومن أكبر الأمور: أن كثيرا من الناس برعم عليه الشيطان، وثقل عليه النفقة في طاعة الله وصدق الشيطان في وعده، والله تعالى يقول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٦٨] .

стр. 6332

صلى الله عليه وسلموقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة سبأ آية: ٣٩] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٦١] . وقال تعالى في صفة المنافقين: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كَارِهُونَ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُون لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٥٤-٥٧] . ووصل الحد إلى أن كثيرا من الناس ما يكفيه البخل، بل يأمر الناس به، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً﴾ [سورة النساء آية: ٣٧-٣٨] . وصار كثير من الناس يقول: البلدان أضعفها نفقات الجهاد، وهذا القائل يخاف عليه من الكفر، فإنه رد قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٣٩] ولقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٦١] الآية.

стр. 6333

ولقول النبي ﷺ : ما نقص مال من صدقة ١ ولا والله وبالله وتالله: ما نقص أحد بطاعة الله، ولا نقص إلا بطاعة الشيطان، ومخالفة أمر الله ورسوله، ومن ذلك كبار الناس أكثرهم ما يمشون في الجهاد في سبيل الله، وفي الجهاد فضل ما يحصى ذكر الله فيه، وذكر رسول الله ﷺ . وأكثر الناس يخاف عليه من قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [سورة التوبة آية: ٤٦] الآية وأيضا أن المصيبة اليوم ما تعد ذنبا ولا تستنكر; قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٥٢] الآية. وكثير من الناس يجعل في نب من نبوب الإسلام، مع غزو في نحر عدو، أو ثغر من ثغور الإسلام، ويلقى في البلدان، ولا يلقى من ينكر عليه، لا أمير ولا مأمور، وهذا من أعظم الجنايات وأكبر المعاصي. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٧] وهذا من أكبر الخيانة في الوديعة وغيرها. ومرادى بذكر هذا تبيين لكم، وتحذيركم من عقوبة الله، ومعذرة من الله واستجلاب للتوبة والاستغفار، وفي الحديث: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة. [الحث على شكر ما أنعم الله به من النصر والتأييد] وأيضا: تجددون شكر ما أنعم الله به عليكم من النصر

стр. 6334

والتأييد، فإن الشكر يحصل به ثبوت النعم والمزيد، ودفع النقم ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] . ومن الشكر: التشمير عن الساعد في جهاد أعداء الإسلام، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأنتم - إن شاء الله - ماشون على بركة الله واسمه، على هلال ربيع الأول إن شاء الله، والممشى ممشى احتمال ومستنفر المسلمين، وماشين إن شاء الله. وترى الممشى يبغى من يعتد له بكل آلة، وأعظمها وأهمها الزهبة وما يحتاج إليه صاحب الحرب، من الاستعداد الذي أمر الله به، حيث قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [سورة الأنفال آية: ٦٠] والبواردية يحتسبون الزهبة والفتيل; واحتسبوا الصملان والركاب الطيبة، وترى وعد التثوير عندكم سريع، إن شاء الله، وأرهوا بالعوامل: الفواريع والفؤوس، والمساحي والمحافر، تراني أرجو أننا نهدم بها الأوثان، ونبني الثغور بأوطانهم، بحول الله وقوته; والخيل قوموا عليها، ولا يقعد منها شيء، ولا يقول أحد ما درينا، أو ما لب لنا أنّها العجلة، أو ركابنا رديئة. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم لنا ولكم، من خير ما عنده، ونعوذ به من شر ما عندنا، ونسأله المعونة والتوفيق، لما يحب ويرضى، والسلام.

стр. 6335

[حث الإمام سعود بن عبد العزيز للإخوان من أهل الدرعية على الجهاد والأمر بالمعروف] وله أيضا: عفا الله عنه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من سعود بن عبد العزيز، إلى الإخوان من أهل الدرعية، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: خصنا الله وإياكم بدين الإسلام، فصار غيركم تبعا لكم، ويقتدي بكم في أصول الدين وفروعه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من فرائض الدين. ولا يستقيم دين، ويعبد الله على مراده، إلا بالجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبلادكم صارت مجمعا للناس، وامتلأت من سائر البلدان، وحدث فيها أمور يكرهها الله ورسوله، ويغضب منها الذي فيه رائحة للدين، ويخاف من اليوم الآخر. وأنتم اليوم: أسقطهم عن أنفسكم هذه الفريضة بسبب المداهنة وطلب رضى وجوه الخلق، وعدم الإيمان بالجزاء، والذي له دين ويؤمن بالله واليوم الآخر، ولو هو تحت يدي حاكم ظالم، يمنعه عن القول بالحق، وجب عليه الانتقال من بلاده، إلى بلد يقول فيها الحق ويأمر به، وينكر فيها المنكر وينهى فاعله. والعاصي إذا بان لنا أمره، أقمنا عليه الحق بحول الله وقوته، ولا نناظر وجه شريف ولا وضيع، ما دام الله مبقينا، إن شاء الله تعالى.

стр. 6336

والذي أحاذر عليكم اليوم: معصيتكم الله في عدم إنكار المنكر، وعدم الغضب لله، وعلى طول هذه المدة، ما بلغني من خاص أو عام، قام لله، أو أنكر منكرا، أو رفع لي خبرا بخلاف أحد. ولا دريتم أنكم خنتم العهد الذي أخذ منكم، وعصيتم ربكم في عدم إنكاركم المنكر؛ والعاصي عصى الله بارتكاب المعصية، والساكت عصى الله في عدم الغضب لله وعدم الإنكار عليه. ويخطر أن العاصي يعترف بالذنب ويتوب منه، والساكت ما يلب له أن هذا ذنب، وتتراكم عليه الذنوب من حيث لا يشعر، وعلقتونا بالفريضة، وأسقطتوها عن أنفسكم، ونحن نسأل الله أن يعيننا ويحتمل عنا. فيكون عندكم معلوما أن الله موجب على كل مؤمن بالله واليوم الآخر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولا يناظر ١ وجه خاص ولا عام; والأمر الذي تحبون رفعه إليَّ، وأدبه يصدر مني، ارفعوه إلي. وقوموا بهذه الفريضة، وأدوها على الوجه المرضي، وأنا أبغي أتتبع كل من يتهم بالدين، والذي ما يتبين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في دقائق الأمور وجلائلها أنا أؤدبه على الخيانة بالعهد، وإسقاط هذه الفريضة. وأنتم تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، وتسببوا

стр. 6337

بالأسباب التي ترضي الله عنكم، وتصير سببا لدفع العقوبات عنكم في الدنيا والآخرة. وأنا خاص على الناس، ومعين عليهم، وأنا ملزم على كل من له دين، العمل بما ذكرت; والذي يقول: ما هو من حسبة أهل الدين، ولا له نصيب من الخير، نعرف ممشاه بسكوته وعدم الإنكار، ولنا فيه رأى يدبرنا الله عليه، إن شاء الله تعالى. وأيضا: بلادكم يأتيها أفقية من كل مكان وجهة، ويروح أكثرهم، ما نعرف أن أحدا واجههم يدعوهم للإسلام، ويبين لهم التوحيد من الشرك، ويبين لهم الكفر من الإسلام، هذا - والعياذ بالله - من الحرمان، وعدم الإيمان بقوله ﷺ لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. والدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] . وكل من ادعى اتباع الرسول ﷺ وجب عليه أن يدعو إلى ما دعا إليه ﷺ والخلل في هذه المسألة خلل واضح، ولا عليه صبر، وأنا ملزم عليكم تبدلون الممشى، والكل منكم يتوب إلى الله فيما بينكم وبينه، والسلام.

стр. 6338

[الحث على شكر نعم الله والتوبة إليه والصدقة] وله: أيضا، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من سعود بن عبد العزيز، إلى من يراه من المسلمين، سلمهم الله من الآفات، وجنبهم فعل المحظورات، ورزقنا وإياهم فعل الطاعات، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: موجب الخط ١ المشحة بكم، والشفقة عليكم، والله تعالى أنعم علينا وعليكم بدين الإسلام، وكل نعمة تقصر دونه، وأعطاكم في ضمنه مالا بعددٍ لا بثمن، وغمركم بالنعم الجسيمة، كما قال تعالى ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [سورة لقمان آية: ٢٠] . وصرف عنكم به من المحن، ما تعلمون وما لا تعلمون، فكونوا ممن يحدث عند النعمة شكرا، وعند المصيبة صبرا، ولينفق مما أتاه الله في السراء والضراء. وقيد النعم الشكر، كما قال تعالى وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [سورة إبراهيم آية: ٧] ، الآية وقال تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ : [سورة سبأ آية: ١٣] . والشكر سبب لثبات الموجود، وجلب للمفقود، قال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ : [سورة النساء آية: ٦٦-٦٨] .

стр. 6339

وفي الحديث: إذا رأيت الله يتابع نعمه على عبد، وهو مقيم على المعاصي فإن ذلك استدراج؛ ونعوذ بالله من مكر الله، فإنه فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [سورة الأعراف آية: ٩٩] وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [سورة الرعد آية: ١١] وفي الحديث: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة والله ﵎: يُري عبيده قدرته عليهم، وعفوه عنهم، لعلهم يرجعون. والموجب لهذا: هذه الفتنة التي عمت الناس، ليريكم الله قدرته على الناس ودفعه، كما قال تعالى ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ : [سورة التوبة آية: ١٢٦] ، والتوبة إلى الله والاستغفار، شعار الصالحين، كما قال عن نوح ﵇: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً [سورة نوح آية: ١٠] إلى قوله: وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [سورة نوح آية: ١٢] . وقسوة القلب سبب العطب والهلاك، في الدنيا والآخرة، قال تعالى ﴿﴾ : فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ إلى قوله: الظَّالِمُونَ [سورة الأنعام آية: ٤٣ – ٤٧] فلا جعلنا الله وإياكم منهم، ولا أمثالهم. والذي أوصيكم به تقوى الله في السر والعلانية،

стр. 6340

واستحضروا فناء الدنيا، وبقاء الآخرة، واللجوء إلى الله، والفرار إليه والاستغفار والتوبة، والإقلاع عن الذنوب التي تغضب الله، باطنا وظاهرا، كما قال تعالى ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ : [سورة الذاريات آية: ٥٠] الآية. وقدموا بين يدي توبتكم والاستغفار، صدقة لفقرائكم، يخص بها أهل المسكنة; واعلموا: أن الله الغني وأنتم الفقراء: وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [سورة البقرة آية: ١١٠] الآية، وافطنوا لقوله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ [سورة البقرة آية: ٢٦٨] الآية. وقال تعالى ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ : [سورة سبأ آية: ٣٩] الآية. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا وفي الحديث الثاني، أنه: يطلع مع الشمس كل يوم ملكان، أحدهما يقول: اللهم أعط منفقا خلفا، والآخر يقول: اللهم أعط ممسكا تلفا ١ وتجزلوا فإن الله أكرم من خلقه، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [سورة الزلزلة آية: ٧-٨] وقولوا كما قال الأبوان: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [سورة الأعراف آية: ٢٣] الآية. وقولوا، كما قال ذو النون ﵇: لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ [سورة الأنبياء آية: ٨٧] الآية. اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك، اللهم إنك عفو تحب
следующие страницы →