والذي أحاذر عليكم اليوم: معصيتكم الله في عدم إنكار المنكر، وعدم الغضب لله، وعلى طول هذه المدة، ما بلغني من خاص أو عام، قام لله، أو أنكر منكرا، أو رفع لي خبرا بخلاف أحد.
ولا دريتم أنكم خنتم العهد الذي أخذ منكم، وعصيتم ربكم في عدم إنكاركم المنكر؛ والعاصي عصى الله بارتكاب المعصية، والساكت عصى الله في عدم الغضب لله وعدم الإنكار عليه. ويخطر أن العاصي يعترف بالذنب ويتوب منه، والساكت ما يلب له أن هذا ذنب، وتتراكم عليه الذنوب من حيث لا يشعر، وعلقتونا بالفريضة، وأسقطتوها عن أنفسكم، ونحن نسأل الله أن يعيننا ويحتمل عنا.
فيكون عندكم معلوما أن الله موجب على كل مؤمن بالله واليوم الآخر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولا يناظر ١ وجه خاص ولا عام; والأمر الذي تحبون رفعه إليَّ، وأدبه يصدر مني، ارفعوه إلي.
وقوموا بهذه الفريضة، وأدوها على الوجه المرضي، وأنا أبغي أتتبع كل من يتهم بالدين، والذي ما يتبين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في دقائق الأمور وجلائلها أنا أؤدبه على الخيانة بالعهد، وإسقاط هذه الفريضة. وأنتم تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، وتسببوا
стр. 6337
بالأسباب التي ترضي الله عنكم، وتصير سببا لدفع العقوبات عنكم في الدنيا والآخرة.
وأنا خاص على الناس، ومعين عليهم، وأنا ملزم على كل من له دين، العمل بما ذكرت; والذي يقول: ما هو من حسبة أهل الدين، ولا له نصيب من الخير، نعرف ممشاه بسكوته وعدم الإنكار، ولنا فيه رأى يدبرنا الله عليه، إن شاء الله تعالى.
وأيضا: بلادكم يأتيها أفقية من كل مكان وجهة، ويروح أكثرهم، ما نعرف أن أحدا واجههم يدعوهم للإسلام، ويبين لهم التوحيد من الشرك، ويبين لهم الكفر من الإسلام، هذا - والعياذ بالله - من الحرمان، وعدم الإيمان بقوله ﷺ لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم.
والدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] .
وكل من ادعى اتباع الرسول ﷺ وجب عليه أن يدعو إلى ما دعا إليه ﷺ والخلل في هذه المسألة خلل واضح، ولا عليه صبر، وأنا ملزم عليكم تبدلون الممشى، والكل منكم يتوب إلى الله فيما بينكم وبينه، والسلام.
стр. 6338
[الحث على شكر نعم الله والتوبة إليه والصدقة]
وله: أيضا، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من سعود بن عبد العزيز، إلى من يراه من المسلمين، سلمهم الله من الآفات، وجنبهم فعل المحظورات، ورزقنا وإياهم فعل الطاعات، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
موجب الخط ١ المشحة بكم، والشفقة عليكم، والله تعالى أنعم علينا وعليكم بدين الإسلام، وكل نعمة تقصر دونه، وأعطاكم في ضمنه مالا بعددٍ لا بثمن، وغمركم بالنعم الجسيمة، كما قال تعالى ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [سورة لقمان آية: ٢٠] .
وصرف عنكم به من المحن، ما تعلمون وما لا تعلمون، فكونوا ممن يحدث عند النعمة شكرا، وعند المصيبة صبرا، ولينفق مما أتاه الله في السراء والضراء.
وقيد النعم الشكر، كما قال تعالى وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [سورة إبراهيم آية: ٧] ، الآية وقال تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ : [سورة سبأ آية: ١٣] .
والشكر سبب لثبات الموجود، وجلب للمفقود، قال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ : [سورة النساء آية: ٦٦-٦٨] .
стр. 6339
وفي الحديث: إذا رأيت الله يتابع نعمه على عبد، وهو مقيم على المعاصي فإن ذلك استدراج؛ ونعوذ بالله من مكر الله، فإنه فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [سورة الأعراف آية: ٩٩] وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [سورة الرعد آية: ١١] وفي الحديث: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة والله ﵎: يُري عبيده قدرته عليهم، وعفوه عنهم، لعلهم يرجعون.
والموجب لهذا: هذه الفتنة التي عمت الناس، ليريكم الله قدرته على الناس ودفعه، كما قال تعالى ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ : [سورة التوبة آية: ١٢٦] ، والتوبة إلى الله والاستغفار، شعار الصالحين، كما قال عن نوح ﵇: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً [سورة نوح آية: ١٠] إلى قوله: وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [سورة نوح آية: ١٢] . وقسوة القلب سبب العطب والهلاك، في الدنيا والآخرة، قال تعالى ﴿﴾ : فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ إلى قوله: الظَّالِمُونَ [سورة الأنعام آية: ٤٣ – ٤٧] فلا جعلنا الله وإياكم منهم، ولا أمثالهم.
والذي أوصيكم به تقوى الله في السر والعلانية،
стр. 6340
واستحضروا فناء الدنيا، وبقاء الآخرة، واللجوء إلى الله، والفرار إليه والاستغفار والتوبة، والإقلاع عن الذنوب التي تغضب الله، باطنا وظاهرا، كما قال تعالى ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ : [سورة الذاريات آية: ٥٠] الآية.
وقدموا بين يدي توبتكم والاستغفار، صدقة لفقرائكم، يخص بها أهل المسكنة; واعلموا: أن الله الغني وأنتم الفقراء: وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [سورة البقرة آية: ١١٠] الآية، وافطنوا لقوله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ [سورة البقرة آية: ٢٦٨] الآية. وقال تعالى ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ : [سورة سبأ آية: ٣٩] الآية.
وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا وفي الحديث الثاني، أنه: يطلع مع الشمس كل يوم ملكان، أحدهما يقول: اللهم أعط منفقا خلفا، والآخر يقول: اللهم أعط ممسكا تلفا ١ وتجزلوا فإن الله أكرم من خلقه، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [سورة الزلزلة آية: ٧-٨] وقولوا كما قال الأبوان: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا [سورة الأعراف آية: ٢٣] الآية. وقولوا، كما قال ذو النون ﵇: لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ [سورة الأنبياء آية: ٨٧] الآية.
اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك، اللهم إنك عفو تحب
стр. 6341
العفو فاعف عنا، اللهم يا سميع الدعاء، ويا ذا الأيادي العُلَى، عالم السر والنجوى، إنا نلتجئ إليك، ونستغفرك ونتوب إليك، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
وكل إمام مسجد يقرأ الكتاب على جماعته، ويكتب صدقتهم، وورقة المسجد يعطاها إمام المسجد، والسلام.
стр. 6342
[رسالة الإمام عبد الله بن سعود إلى الأمراء والمطاوعة وغيرهم في الحث على قبول النصائح وإقامة الدين]
وقال الإمام: عبد الله بن سعود، رحمهما الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن سعود: إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين، الأمراء، والمطاوعة، والذين يدعون، وعامة المسلمين، سلمهم الله تعالى من الآفات، واستعملهم بالباقيات الصالحات، آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وموجب الخط: النصيحة لكم، والشفقة، وقيام الحجة عليكم، والمعذرة من الله، إذا وقفت أنا وأنتم بين يديه، في يوم تشخص فيه الأبصار.
والله ﵎ من علينا وعليكم بدين الإسلام، والجهاد في آخر عمر الدنيا; وإلا غيركم، فخلّى بينه وبين عبادة الأحياء والأموات; وأنتم صانكم الله من عبادة غيره، ووفقكم لتوحيده.
وفي هذه المدة كبيركم - قدس الله روحه - يعاقب عليكم الكتب والنصائح، ولا صار لها تأثير، وهذا من أعظم العقوبات عليكم، إذا ذكرتم ما تذكرتم، وإذا وعظتم ما انتفعتم.
وهذه صفات من ذم الله في كتابه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ١٣] وقال تعالى:
стр. 6343
﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [سورة الأعلى آية: ١٠-١٢] أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
ومر علينا قراءة في هذه الأيام، ونسخناها لكم، وفيها ما يعظ القلب الذي فيه حياة; فيكون لديكم معلوما أن أهم ما علينا جهاد أنفسنا، والتسبب فيما يصلح ما تحت أيدينا، ويصير سببا لزوال الباطل من أوطاننا، وهذا أوجب علينا من جهاد عدونا.
وبالحاضر الذي له دين، ويؤمن بالله وباليوم الآخر، يتوب إلى الله، ويعرف أنه قد أسقط فريضة من فرائض الدين، وهي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا لأحد حجة ولا عذر، ولا نعلم أحدا ترك شيئا من دنياه مداراة لأحد، ولا حياء من أحد.
وأما الدين جعله أكثر الناس صلحة عن دنياه، وخاب وخسر من آثر دنياه على رضى مولاه; فيكون عندكم معلوما أني ملزمه وموجب على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
وكل بلاد فيها طائفة أهل دين: يجتمعون، ويصيرون يدا واحدة، وأميرهم ومطوعهم; والأمير يصير حربة لأهل الدين، ويشد عضدهم، ويحمي ساقتهم، ويطلق أيديهم; والمطوع يوازر الأمير، ويقوم مع أهل الدين، ويبث العلم في جماعته، ويحضهم على المذاكرة.
стр. 6344
والأمير الذي يبغي الإمارة شيخة، ولا يرضى أن غيره يأمر بالحق، وينهى عن الباطل، فذاك نعرف أنه شيخ، ومدور ١ ملك، ما هو يدور دينا وحقا، ولنا فيه أمر ثان.
والذي غرضه الدين يبدل الممشى، ويصنف جماعة الدين، ويقوم حقهم، ويظهر وقارهم، ويجعلهم بطانته وأهل مجلسه ورأيه، ويبعد أرباب الفسوق والمعاصي، ويقوم عليهم بالأدب الذي يزجرهم; ونرى أكثر العيب اليوم حادثا من حاشية الأمراء، حين غفلوا عمن تحت أيديهم، وتركوهم يلعبون بأيديهم وأرجلهم في البلدان.
وأهل الدين أنا مقدمهم، ومطلق أيديهم، ومانع الأمراء لا يمنعون أهل الدين عن القول بالحق والأمر به، ومن وقف في أعين أهل الدين فيحسب على الفسالة ٢، لا أمير عامة ولا أمير قرية، ولا قدمنا الأمراء إلا ليقدموا الحق ويقدموا من قام به.
وبلغنا الخبر أن بعض الأمراء متسلط على من يدعي الدين، بأمور ظاهرها حق، وباطنها مغشة وأدب، ولا يفعل هذا أمير مع أهل الدين، فأدعه في الإمارة يوما واحدا، فكل يأخذ حذره، ويبدل الممشى، ومضى ما فيه كفاية.
ونذكركم، قوله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ
стр. 6345
وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [سورة الحج آية: ٤١] .
وليس منكم أحد إلا والله سبحانه مقدره.
وقال تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ : [سورة آل عمران آية: ١٠٤] ، والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليست بخفية، ولا يصد عنها إلا طاعه الشيطان، واتباع الهوى.
والله تعالى حذر من اتباع الهوى، ومن طاعة الشيطان، قال تعالى ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ : [سورة فاطر آية: ٦] وقال تعالى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ : [سورة القصص آية: ٥٠] وقال: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [سورة النجم آية: ٢٣] وغير ذلك من الآيات، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[الحث على تقوى الله وأداء الفرائض والتحذير من الربا]
وقال الإمام تركي بن عبد الله رحمهما الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من تركي بن عبد الله، إلى من يراه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: موجب الخط إبلاغكم السلام، والسؤال عن حالكم، والشفقة عليكم، والمعذرة من الله إذ ولاني أمركم، والله المسؤول المرجو أن يتولانا وإياكم في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر،
стр. 6346
وإذا أذنب استغفر، والله منعم يحب الشاكرين، ووعدهم على ذلك المزيد، قال تعالى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ : [سورة إبراهيم آية: ٧] .
فالذي أوصيكم به تقوى الله تعالى في السر والعلانية، قال تعالى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ : [سورة النور آية: ٥٢] ، وجماع التقوى أداء ما افترض الله سبحانه، وترك ما حرم الله.
وأعظم فرائض الله بعد التوحيد: الصلاة، لا يخفاكم ما وقع من الخلل بها، والاستخفاف بشأنها؛ وهي عمود الإسلام، الفارقة بين الكفر والإيمان، من أقامها فقد أقام دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وهي آخر ما وصى به النبي ﷺ وهي آخر وصية كل نبي لقومه، وهي آخر ما يذهب من الدين، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.
وبعض الناس يسيء في صلاته، وأحد يتخلف عن الجماعة ويصلي وحده، أو في نخله هو ورجاله، والمسجد جار له، وفي الحديث: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد؛ وهم النبي ﷺ أن يحرق على المتخلفين بيوتهم بالنار، لولا ما فيها من النساء والذرية.
وقال ابن مسعود، ﵁: لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. وهذه أمور ما يخفى عليكم وجوبها، لكن الكبرى عدم إنكار المنكر، وتزيين الشيطان
стр. 6347
لبعض الناس: أن كلا ذنبه على جنبه; وفي الحديث: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليعمنكم الله بعقابه
وكذلك الزكاة، بعض الناس يتخفون بها - والعياذ بالله - يبخل بها، فإن أخرجها جعلها وقاية دون ماله، والله تعالى يقول: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [سورة التوبة آية: ٣٤-٣٥] .
وقال النبي ﷺ : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ١ ثم ذكر مانع الزكاة من الإبل والبقر والغنم.
وكل مال ما يؤدي زكاته، فهو كنْز يعذب به صاحبه; والنصاب تفهمونه، وعروض التجارة، مثل الطعام الذي يدخره صاحبه، ولو الزرع مزكى، إذا مضى عليه الحول، أو ثمنه، وجبت فيها الزكاة، وكل ما أعد للتجارة يقوم عند الحول، ويزكيه صاحبه.
والله تعالى يبتلي الغنى بالفقير، وأعطاكم وطلب منكم
стр. 6348
اليسير، فمن مكر بها فالله خير الماكرين، ومن أداها فنرجو الله أن يقبلها منه، ويخلفها عليه.
وكذلك الربا تفهمون أنه من أكبر الكبائر، وأن مرتكبه محارب لله ورسوله، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [سورة آل عمران آية: ١٣٠] وقال تعالى ﴿لَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] .
وفي الحديث، إن رسول الله ﷺ قال: لعن الله آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء ١ فدل هذا الحديث: أن السكوت والرضا بالمعصية معصية، وأن من لم ينكر على العاصي، أو المرابي فهو مثله.
وفي حديث آخر: الربا سبعون بابا، أيسرها مثل من ينكح أمه ٢ وفي حديث آخر: أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة، ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه وفي حديث آخر ما ظهر الربا والزنا في قرية، إلا أذن الله بهلاكها ٣.
стр. 6349
ومن أنواع الربا:
الطعام بالطعام إلى أجل، وبيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، والتفرق قبل القبض، أو بيع الملح بالطعام قبل القبض.
وفي الحديث: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، يدا بيد، وزنا بوزن، كيلا بكيل، سواء بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء. فإذا اختلفت هذه الأجناس، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد ١.
ومنه: القرض الذي يجر منفعة ; وفي الحديث كل قرض جر منفعة فهو ربا. وكذلك قلب الدين بالدين على المعسر، إذا كان في ذمته دراهم، وعجز أن يوفيه، كتبها عليه سلما بطعام، وهذا يشبه ربا الجاهلية: إما أن تعطي وإما أن تربي. وكذلك بيع العينة - وهي حرام - إذا كان عند رجل سلعة، فاشتراها منه إنسان إلى أجل، ثم اشتراها صاحبها الذي باعها بنقد دون ثمنها; وأنواع الربا ما يمكن حصرها. فأنتم تَفهّموا بدقائق الربا لئلا تقعوا فيه، والجاهل يسأل العالم، والخطر عظيم في سخط الرب ويمحق المال; فأنتم استعينوا بالله، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
стр. 6350
وكذلك المكاييل والموازين، وأنا ألزم كل أمير يحضر المكاييل، كبارها وصغارها، ويقطعونها على مكيال واحد.
وكذلك الموازين الكبار والصغار، اقطعوها على ميزان واحد، وتفقدوا الناس في كل شهر، ولا يحل بخس المكيال والميزان، ولو كانت المعاملة مع ذمي، كما في الحديث: أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك. ١ وكذلك تفقد الناس عن المعاشر الفاسدة، والناس الذين يجتمعون على شرب التتن والنشوق به; وكل أهل بلد يرتبون الدرس في المجامع، فإن كانت خاربة يعمرونها، والذي يعرف بالتخلف عن مجالس الذكر يرفعونه لنا. وأنا مطلق الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، وينصح أولا، ويؤدب ثانيا، ومن عارضه خاص أو عام، فأدبه الجلاء من وطنه، وهذا من ذمتي في ذمة من يخاف الله، واليوم الآخر.
وأنا أشهد الله عليكم: أني بريء من ظلم من ظلمكم، وأني نصرة لكل صاحب حق، وعون لكل مظلوم ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] ، وأعزكم بعد الذلة، وجمعكم بعد الفرقة، وأمنكم بعد الخوف، وكثركم بعد القلة، وبالإسلام أعطاكم الله ما رأيتم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والسلام.
стр. 6351
[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام فيصل بن تركي في الحث على التناصح والتذكير بنعم الله]
وقال شيخ إلإسلام، الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى، وعفا عنه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين:
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الإمام المكرم: فيصل بن تركي، سلمه الله، وهداه آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: الواجب علينا وعليكم التناصح في دين الله، والتذكير بنعم الله وأيامه، فإن في ذلك من المصالح الخاصة والعامة، ما لا يحيط به إلا الله وفي الحديث: ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة.
ولله حق وعبودية على خلقه، بحسب وسعهم وقدرتهم، ولذلك كان على ولاة الأمور، ورؤساء الناس المطاعين فيهم، ما ليس على عامتهم وسوقتهم، وكل خير في الدنيا والآخرة إنما حصل بمتابعة الرسل، وقبول ما جاؤوا به.
وكل شر في الدنيا والآخرة، إنما حدث ووقع بمعصية الله ورسله، والخروج عما جاؤوا به من النور والهدى؛ وهذه الجملة شرحها يطول، وتفاصيلها لا يعلمها إلا الله، الذي لا يعزب عن علمه ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ
стр. 6352
وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ ذفِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٣] .
والسير والاعتبار والاستقراء، والقصص والشواهد، والأمثال النقلية والعقلية، تدل على هذا وترشد إليه، وبعض الأذكياء يعرف ذلك، في نفسه وأهله وولده ودابته، قال بعضهم: إني لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق أهلي ودابتي.
واللبيب يدرك من الأمور الجزئية والكلية، ما لا يدركه الغبي الجاهل، ويكفي المؤمن قوله تعالى ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٣-١٤] فإن هذه الآية يدخل فيها كل نعيم، باطنا وظاهرا، في الدنيا والآخرة، وفي البرزخ.
وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٢٣] الآية، ويدخل في هذا كل شيء من المصائب، والجزاء، حتى الشوكة، والهم والحزن؛ لكن المؤمن يثاب على ذلك، ويكفر عنه بإيمانه، كما دل على ذلك الحديث.
إذا عرف هذا فكثير من الناس يعرف أن المصائب والابتلاء حصل بسبب الذنوب، ويقصد الخروج منها والتوبة، ولا يوفق، نعوذ بالله من ذلك؛ وذلك لأسباب؛ منها: جهله بالذنوب ومراتبها وحالها عند الله; ومنها: جهله بالطريق التي تخلصه منها، وتنقذه من شؤمها وشرها
стр. 6353
وتبعتها، ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك، وما يخلص منه إلا من جهة الرسول ﷺ ومعرفة ما جاء به من الهدى ودين الحق، إجمالا وتفصيلا.
فإنه الواسطة بين العباد وبين ربهم في إبلاغ ما يحبه ويرضاه، ويريده من عباده، ويوجب السعادة والنعيم والفلاح في الدنيا والآخرة، وفي إبلاغ ما يضرهم ويسخط ربهم، ويوجب الشقاوة والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فكل طريق غير طريقه مسدود على سالكيه، وكل عمل ليس عليه رسمه وتقريره، فهو رد على عامليه.
وقد عرفتم - أرشدكم الله تعالى - أن الله بعث محمدا ﷺ على حين فترة من الرسل، وأهل الأرض قد عمتهم الجهالة، وغلبتهم الضلالة، عربهم وعجمهم، إلا من شاء الله من بقايا أهل الكتاب.
فأول دعوته ﷺ ورسالته، وقاعدة نبوته: رد الخلق إلى الله، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة، والبراءة منهم؛ وهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص، وهو أول دعوة الرسل، وأول الواجبات والفرائض.
ومكث ﵊ مدة من الدهر، نحو العشر بعد النبوة، يدعو إلى هذا، ويأمر به، وينهى عن الشرك، وينذر عنه، وفرض الفرائض وبقية الأركان بعد ذلك منجما; لأن هذا هو أهم الأمور، وأوجبها على الخلق، كما
стр. 6354
في الحديث: ر أس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ١.
وكان من هديه ﷺ أن يبعث عماله، ويرسل رسائله إلى أهل الأرض، يدعوهم إلى هذا، يبدأ به قبل كل شيء؛ ولا يأمر بشيء من الأركان، إلا بعد التزامه ومعرفته، كما دل عليه حديث معاذ لما أرسله إلى اليمن، وغيره من الأحاديث.
وفي أوقاتنا بعد العهد بآثار النبوة، وطال الزمان، وكاد الزمان يشبه زمن الفترة، لغلبة الجهل، وشدة الغربة; وقد من الله تعالى في هذه الأقطار بشيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، فقام في تجريد التوحيد، وتمهيد قواعد الملة أتم قيام، حتى ظهر بحمد الله منار التوحيد والإسلام، وآزره علي ذلك من أسلافكم وأعمامكم من آزره، رحمة الله عليهم أجمعين.
وبعدهم حصل من الناس ما لا يخفى من الإعراض والإهمال، وعدم الرغبة والتنافس فيما أوجبه الرب من توحيده، وفرضه على سائر عبيده، وقل الداعي إلى ذلك، والمذكر به والمعلم له في القرى والبوادي.
والتغافل والتساهل في هذه الأصول العظام، التي هي آكد مباني الإسلام، يوجب للرعية أن يشب صغيرهم، ويهرم كبيرهم على حالة جاهلية، لا يعرف الأصول الإيمانية، والقواعد الإسلامية، والله سائلنا وسائلك عن ذلك كل بحسب قدرته وطوقه.
стр. 6355
والجهل والظلم غالب على النفوس، ولها وللشيطان حظ عظيم في ذلك، والنفوس الجاهلية المعرضة عن العلم النبوي يسرع إليها الشرك والتنديد، أسرع من السيل إلى منحدره.
والواجب مراعاة هذا الأصل، والقيام فيه، وبعث الدعاة إليه، وجعل أموال الله التي بأيديكم آلة له، ووقاية وحماية وإعانة؛ فإن هذا من أفرض الفرائض وألزمها، ولم تشرع الإمارة والإمامة إلا لأجل ذلك والقيام به.
وبقاء الإسلام والإيمان في استقامة الولاة، والأئمة على ذلك؛ وزوال الإسلام وانقضاؤه بانحرافهم عن ذلك، وجعل الهمة والأموال والقوة مصروفة في غيره، مقصودا بها سواه، من العلو والرياسات والشهوات.
وكذلك وقع في آخر بني العباس ما وقع من الخلل والزلل، واشتدت غربة الإسلام، وظهرت البدع العظام، وأظهر الكفر أعلامه وشعاره، وبنيت المساجد على القبور، وأسرجت عليها السرج، وأرخيت عليها الستور، وهتف أكثر الناس في الشدة بسكان القبور، وذبحوا لها القرابين ونذرت لها النذور.
وبنيت الهياكل للنجوم، وخاطبها بالحوائج كل مشرك ظلوم؛ وسرى هذا في الناس حتى فعله من يظن أنه من الأخيار والأكياس، وكثير منهم يظن أن هذا هو الإسلام،
стр. 6356
وأنه مما جاء به سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام. وهل وقع ذلك وصار، على تطاول الدهور والإعصار، إلا بسبب إهمال الرؤساء والملوك الذين استكبروا في الأرض، ولم يرفعوا رأسا بما جاءت به الأنبياء، وقنعوا بمجرد الاسم والانتساب من غير حقيقة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ﴾ [سورة غافر آية: ٤٧] الآية.
فأهم المهمات، وآكد الأصول والواجبات، النظر في هذا، وتفقد الرعية الخاصة والعامة، البادية والحاضرة، لأنك مسؤول عنهم، والسؤال أولا يقع عن الدين قبل الدنيا.
وفي الحديث: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته وفي الصحيح كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون بعدي خلفاء فيكثرون. قالوا: فما تأمرنا به؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم عليه.
ففتش عقائدهم، وانظر في توحيدهم وإسلامهم، خصوصا مثل أهل الأحساء والقطيف، فقد اشتهر عنهم ما لا يخفاك، من الغلو في أهل البيت، ومسبة أصحاب الرسول ﷺ وعدم التزام كثير من أصول الدين وفروعه. وكونهم يسرون ذلك ويخفونه، لا يسقط عنك وجوب
стр. 6357
الدعوة والتعليم، والنصح لله بظهور دينه، وإلزامهم به، وتعليم صغارهم وكبارهم، فإنك مسؤول عن ذلك، والحمل ثقيل، والحساب شديد.
وفي الطبراني: أن عمر بن الخطاب، استعمل بشر بن عاصم على صدقات هوازن، فتخلف بشر، فلقيه عمر، فقال: ما خلفك؟ أما لنا عليك سمع وطاعة؟ قال: بلا. ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ولي شيئا من أمور المسلمين، أتي به يوم القيامة، حتى يوقف على جسر جهنم، فإن كان محسنا نجا، وإن كان مسيئا انخرق به الجسر، فهوى فيه سبعين خريفا، فرجع عمر كئيبا حزينا، جعلك الله من الذين يخشون ربهم، ويخافون سوء الحساب.
ومن الدعوة الواجبة، والفريضة اللازمة: جهاد من أبى أن يلتزم التوحيد ويعرفه، من البادية وغيرهم، وأكثر بادية نجد يكفي فيهم المعلم، وأما من يليهم من المشركين، مثل الظّفير وأمثالهم، فيجب جهادهم، ودعوتهم إلى الله.
وقد أفلح من كان لله محياه ومماته، وخاف الله في الناس، ولم يخف الناس في الله، وفي الحديث: مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة ١.
وكذلك يجب على ولي الأمر أن يقوم لله على من
стр. 6358
نسب عنه طعن وقدح، في شيء من دين الله ورسوله، أو تشبيه على المسلمين في عقائدهم ودينهم، مثل من ينهى عن تكفير المشركين، ويجعلهم من خير أمة أخرجت للناس، لأنهم يدعون الإسلام، ويتكلمون بالشهادتين؛ وهذا الجنس ضررهم على الإسلام، خصوصا على العوام، ضرر عظيم يخشى منه الفتنة.
وأكثر الناس لا علم له بالحجج التي تنفي شبه المشبهين، وزيغ الزايغين، بل تجده - والعياذ بالله - سلس القياد لكل من قاده أو دعاه، كما قال فيهم أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب: لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، أقرب شبها بهم الأنعام السارحة.
فإذا تيسر - إن شاء الله - الاهتمام، والقيام بهذا الأصل العظيم، فينظر بعد هذا في أحوال الناس، في الصلوات الخمس المفروضات، فإنها من آكد الفروض والواجبات، وفي الحديث: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة وكل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء.
وقد قال تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] فيلزم جعل نواب، يأمرون بما أمر الله به ورسوله، من إقام الصلاة في المساجد في أوقاتها، ويؤدبون من عرف منه كسل أو ترك أو إهمال، أدبا يردع أمثاله،
стр. 6359
وعلى أئمة المساجد تعليم ما يشترط لها، وما يجب فيها من الأعمال والأقوال.
وبعد هذا يلتفت إلى النظر في الزكاة الشرعية، وواجباتها على الوجه الشرعي، من الأنعام والثمار والنقود والعروض، ويكون مع كل عامل، رجل له معرفة بالحدود الشرعية، والأحكام الزكوية؛ ويحذر من الزيادة عما شرعه الله ورسوله، فلا يؤخذ إلا ما وجبت فيه الزكاة، وتم نصابه، وحال حوله، وكثير من العمال يخرصون جميع الثمار، وإن لم تنصب، وأخذ الزكاة من شيء لم يوجبه الله ورسوله، فيه ظلم بين، وتعد ظاهر، حمانا الله وإياكم منه.
وكذلك ما يتبع الزكاة من النائبة، قد أغنى الله عنها، وجعل فيما أحل غنى عما منع وحرم، ومن الواجب على ولي الأمر ترك ذلك لله، وفي بيت المال ما يكفي الضيف ونحوه، إن حصل تسديد من الله ومنّ بتوفيق من عنده.
وكذلك ما يؤخذ من المسلمين في ثغر القطيف، من الأعشار لا يليق، ولا يجوز التعشير في أموال المسلمين، ويلزم ولي الأمر - أيده الله - أن يلزم التجار الزكاة الشرعية قهرا، ويدع ما لا يحل; ومن الواجب تمييز الأموال الداخلة على ولي الأمر؛ فإن الله ميزها في كتابه، وقسمها، فلا يحل تعدي ذلك وخلطها، بحيث لا يمكن تمييز الزكاة من الفيء والغنائم، فإن لهذا مصرفا، ولهذا مصرفا.
ويجب على ولي الأمر صرف كل شيء في محله،
стр. 6360
وإعطاء كل ذي حق حقه، أهل الزكاة من الزكاة، وأهل الفيء من الفيء، ويعين ذلك في الأوامر التي تصدر من الإمام لوكيل بيت المال.
ويجب تفقد من في بلاد المسلمين من ذوي القربى ١، ويعطون ما فرض الله ورسوله، من الحق في الفيء والغنيمة، فإن هذا من آكد الحقوق وألزمها، لمكانهم من رسول الله ﷺ ؛ والمراد بهم من عرف التوحيد والتزمه.
وأهل الإسلام ما صالوا على من عاداهم إلا بسيف النبوة وسلطانها، خصوصا دولتكم، فإنها ما قامت إلا بهذا الدين، وهذا أمر يعرفه كل عالم.
وفي الحديث: إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ورب متخوض في مال الله بغير حق، ليس له يوم القيامة إلا النار ٢ عافانا الله وإياكم من النار، وأعمال أهل النار.
وكل من أخذ ما لا يستحق، من الولاة والأمراء، والعمال، فهو غال، كما في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسول الله ﷺ فذكر الغلول فعظمه، وعظم أمره حتى قال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته فرس، لها حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغتك; لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته شاة لها أعار، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغتك،
стр. 6361
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته نفس، لها صياح، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغتك; لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، وعلى رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغتك.
وأخبر ﷺ أن هدايا العمال غلول، فقال: هدايا العمال غلول ١. فينبغي التفطن لهذه الأمور، لئلا يقع فيها وهو لا يدري. وكذلك ينبغي تفقد أمر الناس في الحج، والقيام على من تركه وهو يستطيعه، وهو ركن من أركان الإسلام; ويذكر عن عمر ﵁ أنه قال: هممت أن أضع الجزية على من ترك الحج. وبعض السلف يكفر من تركه; وأمر الرعية بذلك، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي لا يسع تركه.
وكذلك القيام على الناس، ومنعهم عن التعدي في الدماء، والأموال، وقطع السبل، وهذا من الفساد في الأرض، والمحاربة لله ورسوله، فإن لم ينتهوا إلا بغزوهم،
стр. 6362
لزم الإمام أن يبعث السرايا لحربهم.
ولما تعرض الفجاءة السلمي للناس، يأخذ ويقتل، من مسلم وكافر، بعث أبو بكر الصديق جيشا، فظفروا به، فأحرقه بالنار، ويذكر عن حسان أنه قال:
وما الدين إلا أن تقام شريعة ... وتأمن سبل بيننا وشعاب
وكذلك ما حدث من الدفنان للبادية، إذ أخذوا المسلمين، وقتلوا، لما فيه من ترك حقوق المسلمين، في الدماء والأموال، مع القدرة على استيفائه، والقيام بالعدل الذي أمر الله به ورسوله، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ : [سورة النساء آية: ٥٨] ، فتأمل هذه الموعظة، وما ختمها الله به من هذين الوصفين العظيمين.
وقد قال تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] ، فالواجب على من نصح نفسه ألا يحكم إلا بحكم الله ورسوله، فإن لم يفعل، وقع في خطر عظيم، من تقديم الآراء والأهواء، على شرعة الله ورسوله، قال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى:
والله ما خوفي الذنوب فإنها ... لعلى طريق العفو والغفران
لكنما أخشى انسلاخ القلب من ... تحكيم هذا الوحي والقران
ورضىً بآراء الرجال وخرصها ... لا كان ذاك بنعمة الرّحمن
стр. 6363
ومما يجب على ولي الأمر: تفقد الناس عن الوقوع فيما نهى الله عنه ورسوله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، بإزالة أسبابها، وكذلك بخس الكيل والميزان والربا؛ فيجعل في ذلك من يقوم به، ممن له غيرة لدين الله وأمانة.
وكذلك مخالطة الرجال للنساء، وكف النساء عن الخروج، إذا كانت المرأة تجد من يقضي حاجتها، من زوج أو قريب أو غير ذلك.
وكذلك تفقد أطراف البلاد في صلاتهم وغير ذلك، مثل أهل النخيل النائية، لأنه ربما يقع فيها من فساد ما يدرى عنه، وأكثر الناس ما يبالي ولو فعل ما نهى عنه، وفي الحديث ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء ١.
وفي الحديث أيضا: ما ظهرت الفاحشة في قوم، إلا ابتلوا بالطواعين والأمراض التي لم تكن في أسلافهم ٢. نعوذ بالله من عقوبات المعاصي، ونسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. وكذلك التوسع، في لبس الحرير، وما زاد على المباح، وهو ما نهى الله عنه، ونهى عنه رسوله ﷺ ونص على تحريمه؛ ولا يجوز تتبع الرخص.
ومن الأصول التي تدور عليها الأحكام دائما: الأعمال بالنيات، وحديث: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ٣.
стр. 6364
وحديث إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات اسبترأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه ١.
فكل أمر ينبغي لذوي العقول: أن يتركوا ما تشابه منه، مما قد يقع فيه خلاف من بعض العلماء، فلا ينبغي أن يرخص لنفسه، في أمر قد ظهرت فيه أدلة التحريم؛ فاجتنابه من تقوى الله تعالى وخوفه، وتركه مخافة الله من الأعمال الصالحة التي تكتب له حسنات.
ومما يجب النهي عنه: الإسبال، كما نهى عنه رسول الله ﷺ كما في الحديث الصحيح: ما أسفل من الكعبين فهو في النار ٢، وفي الحديث: بينما رجل يجر إزاره خيلاء، أمر الله الأرض أن تأخذه، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ٣، وكذلك التشبه باليهود والمجوس، في ترك الشوارب، وقد أمر النبي ﷺ : بإحفائها مخالفة لليهود والمجوس، فقال ﷺ احفوا الشوارب، واعفوا اللحى، خالفوا اليهود؛ والذي فيه دين ورغبة في الخير ما يرضى لنفسه أن يخالف ما أمر الله به ورسوله، ويقتدي باليهود والمجوس والمتكبرين.
стр. 6365
وكلماّ ما أمر الله به ورسوله، فينبغي للعبد أن يمتثل ويسمع ويطيع، لما في ذلك من المنافع الكثيرة، وما في خلافه من الإثم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٦] .
فعلى الإمام أن يأمر النواب، من رأوه تاركا للأمر أن يقوموا عليه، ويلزموه بالطاعة، حتى تظهر طاعة الله ورسوله في المسلمين؛ ويمتازون بذلك عمن خالفهم في الدين، من أهل الجفا والغلظة، والغفلة والإعراض - نسأل الله العفو والعافية - فإنها قد عمت البلوى بهذا بكثير، لما قام بقلوبهم من ضعف الإيمان، وعدم الرغبة فيه.
وكذلك يجب على الإمام النظر في أمر العلم، وترغيب الناس في طلبه، وإعانة من تصدى للطلب، لقلة العلم وكثرة الجهل، وإن كان قد قام ببعض الواجب، فينبغي له أن يهتم بهذا، لفضيلة العلم، وكثرة ثواب من قام به وأعان عليه.
فإن أكثر من يطلب العلم فقراء، ويحتاجون إلى الإعانة على فقرهم، لما يكون لهم فيه سعة، وطلب العلم اليوم من أفرض الفرائض، كما لا يخفى الإمام وغيره، وفي الحديث: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالما ومتعلما وهذا ما يحصل إلا باعتناء الإمام، وتأليفه للطالب.
стр. 6366
فإذا كثر العلم، وقل الجهل، حصل بسببه من الخير والحسنات ما لا يحصيه إلا الله، إن قبله. وبالغفلة عن طلب العلم، تضعف هممهم، ويقل طلبهم؛ وفي مناقب عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى أنه إذا أراد أن يحيي سنة، أخرج من العطاء مالا كثيرا، فإذا نفروا من هذا رغبوا إلى هذا، فلله دره! وما أحسن نظره لنفسه، ولمن ولاه الله عليهم؟! وهذا الذي ذكرنا من الأمور البينة التي ينبغي التنبيه عليها بخصوصها.
وأما الأمور التي بين الله وبين العبد، التي فيها صلاح القلوب، ومغفرة الذنوب، من إتعاب النفس فيما يحبه الله ويرضاه، مما يقع له وعليه، فهذا باب واسع، ولا يدرك هذا إلا من جعل الله له رغبة في كتابه، ومعرفة صفة أهل الإيمان والتقوى، الذين أعد الله لهم الجنة، ويجاهد نفسه على ذلك فعلا وتركا.
وعلى كل من نصح نفسه أن يحذر من كبائر الذنوب، التي هي من أعظم الذنوب، ولا يأمن مكر الله، وليكن لنفسه أشد مقتا منه لغيره، وليكن معظما للأمر والنهي، مفكرا فيما يحبه الله ويرضاه، متدبرا لكتابه، محبة لربه ورغبة في ثوابه، وخوفا من غضبه وعقابه.
ومن الواجب على كل أحد أن يحب في الله، ويبغض في الله، ويعادي في الله، ويوالي في الله، ويحب أولياء الله وأهل طاعته، ويعادي أعداءه وأهل معصيته، وما توفيقي إلا
стр. 6367
بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام فيصل بن تركي في التذكير بنعمة الإسلام والحث على القيام به]
وله أيضا، قدس الله روحه، ونور ضريحه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين، وعليه نتوكل، ونعتمد.
من عبد الرحمن بن حسن، إلى إمام المسلمين، وخليفة سيد المرسلين، في إقامة العدل والدين، وهو سبيل المؤمنين، والخلفاء الراشدين، فيصل بن تركي، جعله الله في عدادهم، متبعا لسيرهم وآثارهم، آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، اعلم أن الله أنعم علينا وعليكم، وعلى كافة أهل نجد، بدين الإسلام، الذي رضيه لعباده دينا، وعرفنا ذلك بأدلته وبراهينه، دون الكثير من هذه الأمة، الذين خفى عليهم ما خلقوا له، من توحيد ربهم، الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه.
ولا صلاح للعباد في معاشهم ومعادهم، إلا بمعرفة هذا الدين، وقبوله، والعمل به، ومحبته، واستفراغ الوسع في ذلك، علما وعملا، والدعوة إليه، والرغبة فيه، وأن يكون أكبر همِّ الإنسان ومبلغ علمه، ليحصل له النعيم المقيم الأبدي، والسرور السرمدي.
стр. 6368
وقد وقع أكثر من أنعم الله عليهم بهذه النعمة، في التفريط في شكرها، بالغفلة عنها، والتهاون بها، وعدم الرغبة فيها، والاشتغال بما يشغل عنها، من الرغبة في الدينا، والإقبال عليها، والتحدث بها، والعمل بموجبها، ما لا يخفى على ذوي البصائر.
وقد ذم الله تعالى في كتابه أهل الغفلة والإعراض - أعاذنا الله وإياكم من اتباع سبيلهم - قال تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ : [سورة الأعراف آية: ١٧٩] .
فعلينا وعليكم: أن نقوم على من قدرنا على القيام عليه، ببذل الجهد والاجتهاد بالنصيحة لجمع المسلمين بتذكيرهم ما أنعم الله به عليهم من الدين، وتعليمهم ما يجب عليهم تعليمه، مما فيه صلاحهم وفلاحهم ونجاحهم، وسعادتهم ونجاتهم من شرور الدنيا والآخرة.
وقد قال تعالى ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ : [سورة التوبة آية: ١٢٦] فإذا كان هذا في أناس في عهد النبوة، والقرآن ينْزل، فمن بعدهم أحرى بأن يكونوا كذلك.
فيجب على من أقدره الله من المسلمين أن يقوم
стр. 6369
بنصيحة العباد بهذا الدين علما وعملا، ودعوة إليه، وتعلما وتعليما، ولا يخفى أن العامة تتبع الخاصة، فيما أحبوه وقالوه وعملوا به.
وقد حذر الله عباده من عقوبات الدنيا والآخرة، وعن الإعراض عما خلقوا له، كما قال تعالى ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ : [سورة الذاريات آية: ٥٠] وقال تعالى ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [سورة غافر آية: ١٨] .
وقال في حق نبيه ﷺ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] وعلينا: أن نحذر ونحذر عما حذرنا الله تعالى عنه، من التفريط في طاعة الله وطاعة رسوله، والقيام بدينه كما ينبغي.
وبسبب الغفلة عن هذا الأمور الواجبة، وقع كثير من الناس في أشياء مما لا يحبه الله ولا يرضاه، كما لا يخفى على من نظر بنور الله; وقد قال تعالى ﴿: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] والفساد: المعاصي، وآثارها في الأرض.
لكن كما قيل: إذا كثر الإمساس، قل الإحساس، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وموجبه الغفلة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه لا صلاح للعباد في دينهم ودنياهم إلا بالقيام بحقه.
стр. 6370
واليوم ما في البلدان من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، إلا على ضعف، وفي تركه الوعيد الشديد، وفعله علامة الإيمان، وهو من فروض الكفايات، إذا قام بها البعض سقط الوجوب عن الباقين، وإذا لم يحصل القيام بذلك أثموا كلهم.
قال تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] . وقال بعض العلماء: فروض الكفاية أشد على الناس من فروض العين، لأن فرض العين تخص عقوبته تاركه، وفرض الكفاية تعم عقوبتة كل من كان له قدرة.
فأوصيكم معشر الإخوان - من الخاصة والعامة - أن ترغبوا فيما رغبكم الله فيه، وأن تهتموا به كاهتمامكم لدنياكم، لتسعدوا وتسلموا وتغنموا؛ والشأن كل الشأن في الاهتمام بما يرضي الله عنكم، ويدفع الله به عنكم، عقوبات الدنيا والآخرة.
وعلى الإمام - وفقه الله - أن يبعث للدين عمالا، كما يبعث للزكاة عمالا، ليعلموهم دينهم، ويأمروهم وينهوهم؛ وهذا مما يجب على الإمام، أعانه الله على ذلك، ووفقه للقيام بوظائف الدين، نصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، وللمسلمين، سنة الخلفاء الراشدين.
стр. 6371
وأوصيكم بالتوبة إلى الله، عما فرطتم فيه من العمل بدينه، وتعلمه وتعليمه، وتكميله؛ فإن الله تعالى أكمله لكم، وهو أعظم نعمة أنعم بها عليكم، فالله الله في الأخذ بأسباب الفلاح والنجاة! وعلى كل منكم أن يحاسب نفسه لربه، قبل القدوم عليه، والرجوع إليه؛ ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية وعلم.
فاشكروا الله تعالى على ما أعطاكم، ومنَّ به عليكم من دين الإسلام، وما حصل به من النعم التي لا تحصى، وقد خطب نبيكم ﷺ أصحابه، وأنذرهم وحذرهم، فقال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
فاحذروا واحذروا فإن الأمر عظيم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٤٦] .
قال بعض العلماء، في قوله: أَنْ تَقُومُوا فيه وجوب القيام لله فيما شرعه وأمر به، وقوله: لِلَّهِ فيه التنبيه على إخلاص العبد في قيامه لربه وطاعته، فجمعت هذه الآية العمل بالتوحيد وحقوقه ولوازمه، والقيام بذلك جدا واجتهادا.
ويشبه هذه الآية، قوله تعالى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٤٢] إلى قوله ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ
стр. 6372
دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ : [سورة إبراهيم آية: ٤٤] .
فجمع تعالى الدين كله في هاتين الكلمتين: نُجِبْ دَعْوَتَكَ فيه التوحيد، لأنه الذي دعا إليه ودعت إليه رسله; وفي قوله: وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ العمل بكتابه واتباع رسوله ﷺ لأن من اتبع كتابه ورسوله فقد اتبع الرسل جميعهم.
فمن عمل بهاتين الكلمتين، فيما كان طاعة لله ولرسوله، فقد فاز ونجا، وحصل ما تمناه المفرطون يوم القيامه; فالله الله في الاهتمام بهذا الشأن، والقيام به حسب الإمكان! وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
ومما يدفع الله به العقوبات، ويزيد به الحسنات: الصدقة على الفقراء والمساكين، كما قال تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ : [سورة الحديد آية: ٧] .
وقال تعالى ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المزمل آية: ٢٠] وقد ورد: باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها والحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة ١ وفي الحديث اتقوا النار ولو بشق تمرة ٢.
والآيات والأحاديث في فضل الصدقة كثيرة، وهي من الباقيات الصالحات، وقد قال تعالى ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ
стр. 6373
خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ : [سورة الكهف آية: ٤٦] .
صلى الله عليه وسلمنسأل الله لنا ولكم العفو والعافية، والعون على مرضاته، فإنه ولي ذلك والقادر عليه، ولا ملجأ منه إلا إليه، بالتوبة النصوح، والإيمان والعمل الصالح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد.
[إشارة الإمام فيصل بن تركي إلى نصيحة الشيخ عبد الرحمن بن حسن في التذكير بنعمة الإسلام والقيام به]
قال الإمام فيصل بن تركي، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من فيصل بن تركي، إلى من وصلت إليه هذه النصيحة وسمعها، أن يعمك بما ذكر فيها، ولا لأحد عذر إلا من منع أو ردع، فلا يعذر حتى يبلغنا، فإذا بلغنا من منعه فهو معذور.
والموجب: أن حوائج الناس ما تقف عنا; القوي يوصل حاجة الضعيف، ويعين عليه، بذكر حاله، ولا بأس في هذا، ويثاب عليه، وليكن الذي لله أعظم وألزم.
فأنتم توكلوا على الله، وافعلوا ما أمركم به، وأتمروا به، وتناهوا، وليكن ذلك على علم وحلم، فإن جبنتم، فالله حسيب عليكم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد.
стр. 6374
صلى الله عليه وسلم [رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام فيصل بن تركي يظهر فيها محبته له والشفقة عليه ومذكرا له ما كان عليه أسلافه]
وله أيضا، أسكنه الله الفردوس الأعلى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك، حربا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالف أمرك، اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة، اللهم هذا الجهد وعليك التكلان.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما.
من محبكم الداعي لكم بظهر الغيب، عبد الرحمن بن حسن، إلى الابن الإمام فيصل بن تركي، ألزمه الله كلمة التقوى، ووفقه للقيام بما هو أقوم وأقوى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
موجب الخط أبين لك ما أنت خابر ١، من أمر دعوة الإسلام، التي منَّ الله بها في آخر هذا الزمان، بموجب النصيحة للإمام، المشوبة بالمحبة والشفقة والخوف، وكنت - والله يعلم صدقي بما قلته أني - أحبك، وأقدمك في المحبة على من مضى، من حمولتك وحمولتي.
واليوم الذي أجتمع بك فيه عندي يوم سرور، ولا عندي لك مكافاة إلا بالدعاء والنصح باطنا، وأكثر من
стр. 6375
يجتمع بالإمام ما يجي أمر النصيحة له على بال، وبعضهم ما يحسن النصيحة، ولا يعرف وجهها، وبعضهم غرضه دنياه، وهمته موقوفة عليها، وقد قال الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر آية: ١-٣] . ولا يسلم من الخسران إلا أهل العلم ومعرفته، وقبول الحق ومحبته والانقياد في طاعته، والعمل الصالح، والتواصي بالحق والصبر على ذلك، ومن نقص في ذلك ناله من الخسارة بحسب ذلك.
ولا يخفاك أن الله من عليكم بدين الإسلام في آخر هذا الزمان، برجل واحد خالف فيه الأدنى والأقصى، والقريب والبعيد، لأنه قام في حال غربته، لما اشتدت غربة الإسلام في جميع الأماكن، والناس كلهم إلا من شاء الله، لا يعرفون معنى لا إله إلا الله.
واشتد نكير الناس عليه، العامة والمطاوعة، وحذروا الملوك منه، وشنعوا عليه في التوحيد الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وخلق الجن والإنس له، وصار أقرب قريب له: ابن معمر أمير بلاده، لما عرف عداوة الناس له، أرخص له عن البلد.
وصار رحمة ونعمة عظيمة لكم يا حمولة ١، وتلقاها جدك ﵀ وأهلك وخواص; وأعانهم الله على عداوة أهل الأرض في هذا الدين، ولا عندهم أموال يبذلونها، لكن