← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

وأوصيكم بالتوبة إلى الله، عما فرطتم فيه من العمل بدينه، وتعلمه وتعليمه، وتكميله؛ فإن الله تعالى أكمله لكم، وهو أعظم نعمة أنعم بها عليكم، فالله الله في الأخذ بأسباب الفلاح والنجاة! وعلى كل منكم أن يحاسب نفسه لربه، قبل القدوم عليه، والرجوع إليه؛ ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية وعلم. فاشكروا الله تعالى على ما أعطاكم، ومنَّ به عليكم من دين الإسلام، وما حصل به من النعم التي لا تحصى، وقد خطب نبيكم ﷺ أصحابه، وأنذرهم وحذرهم، فقال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فاحذروا واحذروا فإن الأمر عظيم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٤٦] . قال بعض العلماء، في قوله: أَنْ تَقُومُوا فيه وجوب القيام لله فيما شرعه وأمر به، وقوله: لِلَّهِ فيه التنبيه على إخلاص العبد في قيامه لربه وطاعته، فجمعت هذه الآية العمل بالتوحيد وحقوقه ولوازمه، والقيام بذلك جدا واجتهادا. ويشبه هذه الآية، قوله تعالى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٤٢] إلى قوله ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ

стр. 6372

دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ : [سورة إبراهيم آية: ٤٤] . فجمع تعالى الدين كله في هاتين الكلمتين: نُجِبْ دَعْوَتَكَ فيه التوحيد، لأنه الذي دعا إليه ودعت إليه رسله; وفي قوله: وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ العمل بكتابه واتباع رسوله ﷺ لأن من اتبع كتابه ورسوله فقد اتبع الرسل جميعهم. فمن عمل بهاتين الكلمتين، فيما كان طاعة لله ولرسوله، فقد فاز ونجا، وحصل ما تمناه المفرطون يوم القيامه; فالله الله في الاهتمام بهذا الشأن، والقيام به حسب الإمكان! وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. ومما يدفع الله به العقوبات، ويزيد به الحسنات: الصدقة على الفقراء والمساكين، كما قال تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ : [سورة الحديد آية: ٧] . وقال تعالى ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المزمل آية: ٢٠] وقد ورد: باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها والحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة ١ وفي الحديث اتقوا النار ولو بشق تمرة ٢. والآيات والأحاديث في فضل الصدقة كثيرة، وهي من الباقيات الصالحات، وقد قال تعالى ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ

стр. 6373

خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ : [سورة الكهف آية: ٤٦] . صلى الله عليه وسلمنسأل الله لنا ولكم العفو والعافية، والعون على مرضاته، فإنه ولي ذلك والقادر عليه، ولا ملجأ منه إلا إليه، بالتوبة النصوح، والإيمان والعمل الصالح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد. [إشارة الإمام فيصل بن تركي إلى نصيحة الشيخ عبد الرحمن بن حسن في التذكير بنعمة الإسلام والقيام به] قال الإمام فيصل بن تركي، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من فيصل بن تركي، إلى من وصلت إليه هذه النصيحة وسمعها، أن يعمك بما ذكر فيها، ولا لأحد عذر إلا من منع أو ردع، فلا يعذر حتى يبلغنا، فإذا بلغنا من منعه فهو معذور. والموجب: أن حوائج الناس ما تقف عنا; القوي يوصل حاجة الضعيف، ويعين عليه، بذكر حاله، ولا بأس في هذا، ويثاب عليه، وليكن الذي لله أعظم وألزم. فأنتم توكلوا على الله، وافعلوا ما أمركم به، وأتمروا به، وتناهوا، وليكن ذلك على علم وحلم، فإن جبنتم، فالله حسيب عليكم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد.

стр. 6374

صلى الله عليه وسلم [رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام فيصل بن تركي يظهر فيها محبته له والشفقة عليه ومذكرا له ما كان عليه أسلافه] وله أيضا، أسكنه الله الفردوس الأعلى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك، حربا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالف أمرك، اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة، اللهم هذا الجهد وعليك التكلان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما. من محبكم الداعي لكم بظهر الغيب، عبد الرحمن بن حسن، إلى الابن الإمام فيصل بن تركي، ألزمه الله كلمة التقوى، ووفقه للقيام بما هو أقوم وأقوى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: موجب الخط أبين لك ما أنت خابر ١، من أمر دعوة الإسلام، التي منَّ الله بها في آخر هذا الزمان، بموجب النصيحة للإمام، المشوبة بالمحبة والشفقة والخوف، وكنت - والله يعلم صدقي بما قلته أني - أحبك، وأقدمك في المحبة على من مضى، من حمولتك وحمولتي. واليوم الذي أجتمع بك فيه عندي يوم سرور، ولا عندي لك مكافاة إلا بالدعاء والنصح باطنا، وأكثر من

стр. 6375

يجتمع بالإمام ما يجي أمر النصيحة له على بال، وبعضهم ما يحسن النصيحة، ولا يعرف وجهها، وبعضهم غرضه دنياه، وهمته موقوفة عليها، وقد قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر آية: ١-٣] . ولا يسلم من الخسران إلا أهل العلم ومعرفته، وقبول الحق ومحبته والانقياد في طاعته، والعمل الصالح، والتواصي بالحق والصبر على ذلك، ومن نقص في ذلك ناله من الخسارة بحسب ذلك. ولا يخفاك أن الله من عليكم بدين الإسلام في آخر هذا الزمان، برجل واحد خالف فيه الأدنى والأقصى، والقريب والبعيد، لأنه قام في حال غربته، لما اشتدت غربة الإسلام في جميع الأماكن، والناس كلهم إلا من شاء الله، لا يعرفون معنى لا إله إلا الله. واشتد نكير الناس عليه، العامة والمطاوعة، وحذروا الملوك منه، وشنعوا عليه في التوحيد الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وخلق الجن والإنس له، وصار أقرب قريب له: ابن معمر أمير بلاده، لما عرف عداوة الناس له، أرخص له عن البلد. وصار رحمة ونعمة عظيمة لكم يا حمولة ١، وتلقاها جدك ﵀ وأهلك وخواص; وأعانهم الله على عداوة أهل الأرض في هذا الدين، ولا عندهم أموال يبذلونها، لكن

стр. 6376

بذلوا نحورهم وأنفسهم، وأرخصوها لله في طلب رضاه، والفوز بالجنة، والنجاة من النار. ولا مقصدهم إلا أن الناس يتركونهم يوحدون الله، ولا يعارضونهم عند التوحيد، ولا حصل من الشيوخ بنجد وأتباعهم، وضدهم في غاية القوة، وهم في غاية الضعف والقلة. فأيدهم الله بدينه، وكل عدو يقصدهم يكسره الله، وما زالوا كذلك حتى ملكهم الله جزيرة العرب بهذا الدين، وهم في تلك السنين معافيهم الله في أبدانهم، حتى إن الأمراض العامة لا تعرف فيهم. ولهم سيرة، أذكرها لك من غير مجازفة دائما في كل وقت، يبعثون الدعاة إلى الله، إلى كل بلدة، يجددون لهم دينهم، ويسألونهم عن ثلاثة الأصول، والقواعد، وغير ذلك من كتب الأصول، أعرف منهم نحو العشرة. منهم: عبد الله بن فاضل، وعبد الرحمن بن ذهلان، وراشد بن درعان، وعثمان بن عبد الله بن عبيكان، وحمد بن قاسم، وأحمد الوهيبي، وسليمان بن ماجد، ومحمد بن سلطان وأولاده، وحسن بن عيدان، ومحمد بن سويلم، وعبد العزيز ابن سويلم، وعثمان العود، وعبد الرحمن بن نامي، وعبد الرحمن بن خريف، وأمثال هؤلاء من لهم فقه في التوحيد، ورغبة فيه.

стр. 6377

وكل واحد من هؤلاء يروح لجهة، ومعه اثنان أو ثلاثة، ويجلس في البلد قدر شهرين، يسألهم ويعلمهم، والذي ما يعرف دينه يؤدب الأدب البليغ ما يعارض، فإذا أراد السفر استحلق أهل الدين من أهل البلد، وقال: سلموا على الكبار، ويعرف الشيخ، وعبد العزيز، وإخوانهم بأحوالهم. ويقدمونهم في بلدهم، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبهذا صار للدين سلطان وعز، وهذا ما يفعلونه دائما مع الرعايا، وصار الذي له دين يقوم بالدين ويأمر وينهي، والذي ما له دين يتزين عند أهل الدين. وأما حالهم في بلدهم الدرعية، فبنوا مجمعا - حول مسجد البجيري - محله معروف إلى اليوم، يسع له قدر مائتي رجل، وجعلوا فيه رفا للنساء، فإذا صلوا الصبح أقبلوا لهذا المجمع، وفيه "معاميل"١ وقهوة وما نابها، مقيوم به من بيت المال. تارة يجلس فيه حسين بن الشيخ، وتارة عبد الله، وتارة علي، ويقرؤون في نسخ التوحيد، فإذ فرغ هذا الدرس، راحوا هم وغيرهم، وجلسوا عند بيت الشيخ، حتى يجيء عمك وجدك، وسعود وعياله، وآل عبد الله، ويدخلون عند الشيخ ﵏. فإذا تقهووا، وذكر عمك، ﵀ للشيخ ما عنده من خبر، أو أمر يحتاج له الشيخ ذكره له، وأخذ ما عنده من رأي ومن علم، وأرخصوا للجماعة، وقرأ ثلاثة:

стр. 6378

عبد العزيز بن الشيخ يقرأ في تفسير ابن كثير، وعلي وعبد الله يقرآن في البخاري، وكل من عنده دراية وفهم، إذا فاضوا في الباطن صاروا حلقا، يتذاكرون درس الشيخ ﵀. والأجنبي الذي يبغي يركب لديرته، يصغي للمذاكرة، عارف أن أهل ديرته يسألون: إيش درس الشيخ فيه؟ وقد ذكرت لك قصة إبراهيم بن زيد، في تلك المدة، وموسى بن حجيلان، يمشي على المساجد يسألهم عن ثلاثة الأصول والقواعد. ونحن يا حمولة، لنا مجلس بين العشاءين في الباطن، يجتمعون فيه أهل البلاد، ونسأل اثنين، والذي ما يعرف دينه يضرب، فأول يجلس فيه حسين، ثم علي بن الشيخ، وجلست فيه مدة نحو سنتين أو ثلاث على هذا الترتيب، ثم حمد بن حسين، هذا بعض ما حضرناه من سيرتهم. فلما توفى الله عمك، حصل غفلة عن هذا الترتيب، لما فتح الله الدنيا، وكثرها على الناس، ووقع الإعراض عن كثير مما ذكرنا، لا كله، بل باق له بقايا، وحدث ما حدث من البلاوي بالعدو، وذا شيء أنت خابره، ورد الله لكم الكرة، أنت ووالدك ﵀، وعادت البلوى الأولى، وعافاك الله منها ومكنك غاية التمكين، وتسببت في حفظ أموال الناس، ورفع أيدي البوادي، وهذا عمل صالح، ومن الواجبات. ولكنك أصبحت اليوم في جيل غفلوا عن دينهم، إلا

стр. 6379

من شاء الله، وهم الأقلون، وأقبل الناس على دنياهم، لها يوالون، وعليها يعادون; فهم وإن صلوا وصاموا، فقد أعرضوا عن التوحيد، تعلما وتعليما، وصار أكثرهم خصوصا أهل المناصب والولايات وأتباعهم، وأكثر الناس ليس له إخلاص ولا متابعة، كل يحوم إلى ما يراه ويشتهيه. وأنت اليوم جعل الله لك القدرة على تجديد هذا الدين، تولي له وتعزل له، وتغضب له، وترضى له، وتبعث الدعاة والسعاة لكل بلد، وتقدم لله وتؤخر لله وتبعد لله، لا يدخل عليك في هذا هوى أحد يخل بالإخلاص، والمتابعة. وتفهم حديث عائشة ﵂: من التمس رضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ١. وقد قال تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الجاثية آية: ١٨-١٩] ونظائرها في "المائدة" و"الكهف" و"طه" و"النجم"وغيرها من القرآن. جدد هذا الدين الذي اخلولق، لما أقدرك الله على ذلك، والتمس من أهل الخير عددا يدعون إلى هذا الدين، ويذكرونه الناس، ويعلمونه الجاهل والغافل; وبالله التوفيق،

стр. 6380

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين، محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، وأنت سالم والسلام. [رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام فيصل بن تركي في فتنة خالد والعسكر، والحث على تقريب من يحبهم] وله أيضا، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ المحب المكرم: فيصل بن تركي، ألهمه الله رشده، ووقاه شر نفسه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد تعلم: أن نصيحتي لك نصيحة لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم; لأن بصلاحك يقوم الدين، ويصلح أكثر الناس، وفي الحديث: الدين النصيحة قالها ثلاثا; قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ١، وقد جعل الله لأهل الإيمان نورا يمشون به في الناس. وهذه البلوى التي ابتلى الله بها أهل نجد، من فتنة خالد والعسكر ٢ وقبله إبراهيم باشا; ميز الله بها أهل نجد، طيبهم وخبيثهم، وتفاوتت مراتبهم في الشر، والزيغ والفساد، وكثرت السفاهة والقسوة; ولا تخفى حالهم إلا على من لا بصيرة له، كما قال تعالى ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ

стр. 6381

الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٧٩] . وقال تعالى ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٧] . وقال تعالى ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ إلى قوله: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١ - ١١] ، وهذا أمر مشاهد لمن جعل الله في قلبه نورا. وقد وسم الله المنافقين بأقوالهم وأعمالهم، وجعل الله أهل الإيمان شهداء على الناس، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٥] . فيجب على من ولاه الله أمر الدين والدنيا أن لا يتهم من أقامهم الله شهداء على الناس، وهو يعلم منهم محبة الإسلام ومحبة أهله، وبغض الباطل وأهله; فكيف لا تقبل شهادة من أقامهم الرب شهداء في أرضه على أعمال خلقه، وقد قال في المؤمنين والمهاجرين ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [سورة الأنفال آية: ٧٢] . وقال: و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الأنفال آية: ٧٣] . ومن الفساد الكبير: - على ما ذكر العلماء - ضعف الإيمان، وقوة الباطل; وقد حذر الله نبيه ﷺ من طاعة الكافرين والمنافقين، فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا

стр. 6382

تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [سورة الأحزاب آية: ١] . صلى الله عليه وسلمعليما بما يصلح عباده، حكيما في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. ولما كان التحذير: من أولئك، من أهم مقامات الدين، قال الله تعالى ﴿لنبيه وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٩] . وقال ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [سورة الكهف آية: ٢٨] . وقال: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [سورة طه آية: ١٦] . وفي الأثر: تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالبعد عنهم، واطلبوا رضا الله بسخطهم وقال تعالى ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [سورة القلم آية: ٣٥-٣٦] ، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [سورة الجاثية آية: ٢١] . فالمساواة بين أهل الأهواء والزيغ والمعاصي، وجعلهم في رتبة أهل الإيمان، أو فوقهم، خلاف ما أحبه الله، وأمر به عباده; وهو في نفسه فساد، وذلك سبب سخط الله، وحلول عذابه. فعليك بقرب من إذا قربتهم قربك الله وأحبك، وإذا نصرتهم نصرك الله وأيدك; واحذر أهل الباطل الذين إذا

стр. 6383

قربتهم أبعدك الله، وأوجب لك سخطه، قال تعالى ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [سورة الأحزاب آية: ١٧] . وفي الحديث: من التمس رضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، لم يغنوا عنه من الله شيئا ١. وقد رأينا عجبا أن من التفت إلى أحد دون الله، خذله الله به، وسلطه عليه; قال العلماء ﵏: قضى الله قضاء لا يرد، ولا يدفع: إن من أحب شيئا دون الله عذب به، ومن خاف شيئا دون الله سلط عليه. وأنت تجد وترى كثيرا من الناس، قدمهم ولاة الأمر في شيء من أمورهم، فتعززوا على الناس، وتجاسروا على الأهواء، ومخالفة الشرع في أقوالهم وأعمالهم فخافهم أهل الدين، فمنهم من ذل لهم واعتذر بعدم القدرة، ومنهم من استصلح دنياه خوفا من كيدهم. وأنت تجد هؤلاء إذا ظهرت حالهم كابروا العقول بزخرف من القول والكذب، واستعانوا على إفكهم بأمثالهم محافظة على العلو والفساد. فلو وفق الإمام بالاهتمام بالدين، واختار من كل جنس أتقاهم وأحبهم، وأقربهم إلى الخير، لقام بهم الدين والعدل، فإذا أشكل عليه كلام الناس، رجع إلى قوله ﷺ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ٢

стр. 6384

فإذا ارتاب من رجل، هل كان يحب ما يحبه الله؟ نظر في أولئك القوم، وسأل أهل الدين: من تعلمونه أمثل القبيلة أو الجماعة في الدين، وأولاهم بولاية الدين والدنيا؟ فإذا أرشدوه إلى من كان يصلح ذلك، قدمه فيهم. ويتعين عليه أن يسأل عنهم من لا يخفاه أحوالهم، من أهل المحلة وغيرها، فلو حصل ذلك لثبت الدين، وبثباته يثبت الملك; وباستعمال أهل النفاق والخيانة والظلم، يزول الملك، ويضعف الدين، ويسود القبيلة شرارها، ويصير على ولاة الأمر، كفعل من فعل ذلك. فالسعيد من وعظ بغيره، وبما جرى له وعليه; وأهل الدين هم أوتاد البلاد ورواسيها، فإذا قلعت وكسر، مادت وتقلبت، كما قال العلامة ابن القيم ﵀: ولكن رواسيها وأوتادها هُمُ فأنت إذا فعلت ما قلت لك، قام بك الدين والعدل، وصارت سنة حسنة في هذا الزمان، ونلت أجر من أقام السنة، كما في الحديث: من سن سنة حسنة، كان له أجرها وأجر " من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجرهم شيء" ١، فإن انعكس الأمر كما هو الواقع، كانت سنة سيئة " عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " ٢. ومن المعلوم أن النفس تميل إلى الراحة، وطلب رضى الخلق، وفي النظر فيما يرضي الله، مخالفة للخلق أو

стр. 6385

بعضهم، ولكن طريق الجنة حزن بربوة، واقرأ قوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٧٥] ، وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [سورة البقرة آية: ٤٤] . وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [سورة هود آية: ١٢٣] . وقوله: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُو﴾ ا [سورة سبأ آية: ٤٦] . فإذا عرف أن العبد لا يأتيه ما يكره، إلا من شرور نفسه، وسيئات أعماله، وأن نواصي الخلق في قبضة الرب ﵎، وأن قلوبهم بين إصبعين من أصابعه، أفادك القيام بدينه، والأخذ في أسباب ذلك، والحب فيه والبغض فيه، والتقرب له والإبعاد لأجله، وجعلت أفعالك تطابق أمره الشرعي الديني، وتتحرى مرضاته في كل قول وفعل، وتقديم أو تأخير، أو غير ذلك. فلو صلح تدبير الإمام فيما ولاه الله من الحاضرة، أصلح الله البوادي وغيرهم، فإن الأعمال حجة لك أو عليك; وأنت سالم والسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 6386

[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام فيصل بن تركي يحثه فيها على العلم ويذكره بأهل العلم وحالة الناس] وله أيضا قدس الله روحه ونور ضريحه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ المكرم: فيصل بن تركي، سلمه الله تعالى، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: لا يخفاك أن حقك علي كبير، وأكبر منه حق الله تعالى علي وعليك، ويجب علي النصح لك وللمسلمين باطنا وظاهرا، وأنت بارك الله فيك أحسنت أحسن الله إليك، ولا لك مكافأة إلا بالدعاء والنصح باطنا وظاهرا. وأنت اليوم حاجتك إلى العلم ضرورة في خاصة نفسك، وفيما ابتليت به، من أمور الخلق، والعلم بالنظر إلى أحوال الناس، ما بقي معهم إلا رسمه، كما قال عبد العزيز ابن الماجشون - وهو من أكابر علماء القرن الثاني -: قد والله عز المسلمون، الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف، وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر. فإذا كان هذا حال القرن الثاني، فما ظنك بأهل هذه القرون، الذين عاد المعروف فيهم منكرا، والمنكر معروفا، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير، والبدع فشت فيمن يدعى العلم، حتى اعتقدوا في ربهم وخالقهم، ما يتقدس عنه ويتعالى، سبحان الله عما يصفون. وهذا في حق من عرفه، إذا كان حازما ناصحا لنفسه،

стр. 6387

استيقظ في طلب ما ينجيه ويسعده، في دنياه وأخراه، من العلم النافع، والعمل الصالح، ويكون مبنى أقواله وأفعاله، على الإخلاص والمتابعة، على علم ومعرفة ويقين. فمبنى العبادة على محبة المعبود غاية المحبة، في غاية الذل والخضوع، كما قال ابن القيم ﵀: وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان فالمحب لله قلبه يخشع، وعينه تدمع; يحاسب نفسه بالإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وهذا هو دليل المحبة، كما قال تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] . وهذا هو الصراط المستقيم، لا يعرفه السالك ولا يهتدى إليه، إلا بالكتاب والسنة، علما وعملا، ومحبة وطلبا، كما في حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". وهذا لا يدرك إلا بالعلم النافع; والعلم النافع لا يدرك إلا بالدخول من باب التواضع، والاعتراف بالجهل والتفريط. وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يستعين على ما حمل من أمور الناس، بقرب أهل العلم

стр. 6388

، وتقريبهم إليه، وكان يقرب ابن عباس على صغر سنه، لعلمه بالتأويل، وقد كان وقافا عند كتاب الله تعالى. ومن سعادة العبد أن يتخذ له إخوان صدق، ممن له علم ودين، يذكرونه إذا نسي، ويعينونه إذا ذكر، كما قال بعض السلف: عليك بإخوان الصدق، تعش في أكنافهم - يعني بالعلم النافع والعمل الصالح - فإنهم زينة في الرخاء، عدة في البلاء، يأنس بهم أصحابهم في هذه الدار، وفي القبور، ويوم البعث والنشور. وهم الحجة بين يدي الله تعالى، حال العرض على الله، وهم الذين قرن الله توليهم، بتوليه وتولي رسوله، كما قال تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٥-٥٦] . وهذه أمور متلازمة، لا يكون الله تعالى وليا لعبد، حتى يكون الرسول له وليا، ويكون المؤمنون هم أولياءه، دون كل من عداهم. وقد وصى الله تعالى نبيه بالصبر معهم، فقال ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [سورة الكهف آية: ٢٨] .

стр. 6389

ولهذا كان الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، لما في الحديث الصحيح: أوثق عرى الإيمان، الحب في الله، والبغض في الله ١. وفي الحديث الآخر: من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك. وهم الذين وصى الله نبيه ﷺ بأن يقول لهم إذا جاؤوه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٤] . بشرهم عن ربهم بالمغفرة من ذنوبهم، إذا تابوا إليه وأنابوا، ووصاه بهم في قوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٥٩] وبه تتم مصالح الدنيا والدين; وقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢١٥] . وفي العلم: بما وصى الله به نبيه من ذلك صلاح أمر الدنيا والآخرة; فارغب وفقك الله فيما رغب الله به نبيه ﷺ فيه. وأنت اليوم تستعين بكل صانع في صنعته التي يحسن، وتدور الطيب من السلع، والطيب من العلم والإيمان،

стр. 6390

والدين أنت له أحوج، من جميع ما تحتاج إليه; واختر لنفسك من تستعين به على طاعة الله، وبراءة ذمتك، بالعمل بالمشروع، في الدقيق والجليل، حتى تسلم وتغنم. وقد رؤي عمر بن الخطاب ﵁ بعد موته، فقال له الرائي: ما فعل الله بك؟ قال: كاد عرشي لينهد، لولا أني لقيت غفورا رحيما. فاحرص على العلم وأهل العلم، واجعل بالك لهذه الآية ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٦] فلا غلبة إلا بهذا السبب العظيم، الذي من انتظمت له هذه الثلاثة، غلب من ناوأه وعاداه، من قريب أو بعيد؛ لأنه صار مع حزب الله، لهذه الثلاثة: توليه ربه بالإخلاص، وخشيته، وطاعته، وتوليه رسوله بمحبته واتباعه، وتوليه المؤمنين بمحبته لهم وقربه منهم، ودنوهم منه، وإكرامهم، والتواضع لهم بخفض الجناح، وغير ذلك مما يجب لهم من الحقوق التي تجب لهم دون غيرهم. واطلبهم ولو في أطراف البلاد، واطلب ما عندهم مما يعينك على هذا السفر، فإن العبد في هذه الدنيا مسافر، محتاج إلى أخذ الزاد والمزاد للمعاد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد، ١٢٨١ هـ.

стр. 6391

[التناصح في دين الله تعالى، والتذكير بنعم الله وأيامه] وله أيضا قدس الله روحه: ١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرحمن بن حسن، إلى من يراه من أئمة المسلمين وعامتهم، سلمهم الله تعالى، وهداهم آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فالواجب علينا وعليكم، التناصح في دين الله تعالى، والتذكير بنعم الله وأيامه; فإن في ذلك من المصالح الخاصة والعامة، ما لا يحيط به إلا الله، وفي الحديث: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة. وكل خير في الدنيا والآخرة إنما حصل بمتابعة الرسل، وقبول ما جاؤوا به، وكل شر في الدنيا والآخرة، إنما حصل ووقع بمعصية الله ورسله، والخروج عما جاؤوا به، وبعض الأذكياء، يعرف ذلك في نفسه وأهله وولده ودابته. قال بعضهم: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق أهلي ودابتي، ويكفي المؤمن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٣-١٤] . وقد عرفتم، أرشدكم الله تعالى: أن الله بعث محمد ﷺ على حين فترة من الرسل، وأهل الأرض قد عمتهم الجهالة، وغلبت عليهم الضلالة، عربهم وعجمهم،

стр. 6392

إلا من شاء الله من بقايا أهل الكتاب. فأول دعوته ﷺ رد الخلق إلى الله، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة، وهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص، وهو أول دعوة الرسل، وأول الواجبات والفرائض. وهذا هو أهم الأمور، وأوجبها على الخلق، كما في الحديث: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ١. وكان من هديه ﷺ أن يبعث عماله ويرسل رسائله إلى أهل الأرض ويدعوهم إلى هذا، يبدأ به قبل كل شيء؛ ولا يأمر بشيء من الأركان، إلا بعد التزامه ومعرفته، كما دل عليه حديث معاذ، لما بعثه إلى اليمن، وغيره من الأحاديث. وقد حصل في الناس ما لا يخفى من الإعراض والإهمال، وعدم الرغبة والتنافس، فيما أوجبه الرب من توحيده، وفرضه على سائر عبيده؛ وقل الداعي إلى ذلك والمذكر به، والمعلم له، في القرى والبوادي. والتساهل في هذه الأمور العظام يوجب للرعية أن يشب صغيرهم ويهرم كبيرهم على حالة جاهلية؛ والله سائلنا وسائلكم عن ذلك، كل بحسب قدرته وطوقه، والواجب مراعاة هذا الأصل، والقيام فيه، وبعث الدعاة إليه، وجعل أموال الله التي بأيديكم، آلة ووقاية وحماية وإعانة.

стр. 6393

وبقاء الإسلام والإيمان في استقامة الولاة والأئمة على ذلك؛ وزوال الإسلام والإيمان، وانقضاؤه: بانحرافهم عن ذلك، وجعل الهمة والأموال والقوة مصروفة في غيره، مقصود بها سواه. فأهم المهمات، وآكد الأصول والواجبات: التفكر في هذا، وتفقد الخاصة والعامة، البادية الحاضرة، وفي الحديث: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ١. ومن الدعوة الواجبة، والفرائض اللازمة: جهاد من أبى أن يلتزم التوحيد ويعرفه، من البادية وغيرهم; وقد أفلح من كان لله محياه ومماته، وخاف الله في الناس، ولم يخف الناس في الله. وكذلك يجب على ولي الأمر أن يقدم على من نسب عنه طعن وقدح في شيء من دين الله ورسوله، أو تشبيه على المسلمين في عقائدهم ودينهم، مثل من ينهى عن تكفير المشركين، ويجعلهم من خير أمة أخرجت للناس، لأنهم يدعون الإسلام ويتكلمون بالشهادتين. وهذا الجنس ضرره على الإسلام، خصوصا على العوام، ضرر عظيم، يخشى منه الفتنة؛ وأكثر الناس لا علم له بالحجج التي تنفي شبه المشبهين، وزيغ الزائعين بل تجده - والعياذ بالله - سلس القياد لكل من قاده أو دعاه، كما قال فيهم أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب ﵁:

стр. 6394

لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، أقرب شبها بهم الأنعام السارحة. فإذا تيسر لكم الاهتمام والقيام بهذا الأصل، فينظر بعد هذا في أحوال الناس، في الصلوات الخمس المفروضات، فإنها من آكد الفروض والواجبات، وفي الحديث: أول ما تفقدون من دينكم الأمانه، وآخر ما تفقدون الصلاة، وكل شيء ذهب آخره، لم يبق منه شيء. وقد قال تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البينة آية: ٥] . فيلزم جعل نواب يأمرون بما أمر الله به ورسوله، من إقام الصلاة في المساجد في أوقاتها، ويؤدبون من عرف منه كسل، أو ترك أو إهمال، أدبا يردع أمثاله، وعلى أئمة المساجد: تعليم ما يشترط لها، وما يجب فيها من الأعمال والأقوال. وبعد هذا يلتفت إلى النظر في أمر الزكوات وجبايتها، على الوجه الشرعي، من الأنعام والثمار والنقود والعروض، ويكون مع كل عامل رجل له معرفة بالحدود الشرعية، والأحكام الزكوية؛ ويحذر عن الزيادة عما شرعه الله ورسوله، فلا يؤخذ إلا مما وجبت فيه الزكاة، وتم نصابه وحال حوله. وكثير من العمال يخرص جميع الثمار، وإن لم

стр. 6395

تنصب، وأخذ الزكاة من شيء لم يوجبه الله ولا رسوله، فيه ظلم بيِّن، وتعد ظاهر، حمانا الله وإياكم منه; ومن الواجبات على ولي الأمر ترك ذلك لله، فينبغي التفطن لهذه الأمور، لئلا يقع فيها وهو لا يدري. وكذلك ينبغي تفقد أمر الناس في الحج، والقيام على من تركه وهو يستطيعه، وهو ركن من أركان الإسلام، وبعض السلف يكفر من تركه، وأمر الرعية بذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكذلك القيام على الناس، ومنعهم عن التعدي في الدماء والأموال، وقطع السبل، فهذا من الفساد في الأرض، والمحاربة لله ورسوله ١. فالواجب على من نصح نفسه ألا يحكم إلا بحكم الله ورسوله، فإن لم يفعل وقع في خطر عظيم من تقديم الآراء والأهواء على شرع الله ورسوله. ومما يجب على ولي الأمر: تفقد الناس من الوقوع فيما نهى الله عنه ورسوله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، بإزالة أسبابها، وكذلك بخس الكيل والميزان، والربا؛ فيجعل في ذلك من يقوم به من له غيرة لدين الله وأمانته، وكذلك مخالطة الرجال للنساء، وكف النساء من الخروج، إذا كانت المرأة تجد من يقضي حاجتها، من زوج أو قريب ونحو ذلك.

стр. 6396

وكذلك تفقد أطراف البلاد في صلاتهم، وغير ذلك، مثل أهل النخيل النائية، لأنه ربما يقع فيها فساد ما يدرى عنه، وأكثر الناس ما يبالي ولو فعل ما نهى عنه، وفي الحديث: ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء ١. وفي حديث آخر: ما ظهرت الفاحشة في قوم، إلا ابتلوا بالطواعين والأمراض التي لم تكن بأسلافهم الذين مضوا ٢ نعوذ بالله من عقوبات المعاصي، ونسأله العفو والعافية. ومما يجب النهي عنه: الإسبال كما نهى عنه رسول الله ﷺ كما في الحديث: ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار ٣. وفي حديث آخر: بينما رجل يجر إزاره خيلاء، أمر الله الأرض أن تأخذه، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ٤. وكذلك التشبه باليهود والمجوس في ترك الشوارب، وقد أمر النبي ﷺ بإحفائها مخالفة لليهود والمجوس; فقال ﷺ : حفوا الشوارب واعفوا اللحى، خالفوا اليهود. والذي فيه دين ورغبة في الخير ما يرضى لنفسه أن يخالف ما أمر الله به ورسوله، ويقتدي باليهود، والمجوس، والمتكبرين. وعلى الإمام أن يأمر النواب من رأوه تاركا للأمر أن

стр. 6397

يقوموا عليه، ويلزموه الطاعة حتى تظهر طاعة الله ورسوله في المسلمين، ويمتازون بذلك عمن خالفهم في الدين، من أهل الجفاء والغلظة، والغفلة والإعراض، نسأل الله العفو والعافية، فإنها قد عمت البلوى بهذا بكثير، لما قام بقلوبهم من ضعف الإيمان وعدم الرغبة فيه. وكذلك يجب على الإمام النظر في أمر العلم، وترغيب الناس في طلبه، وإعانة من تصدّى للطلبة، لقلة العلم وكثرة الجهل، وإن كان قد قام ببعض الواجب، فينبغي له أن يهتم بهذا الأمر، لفضيلة العلم، وكثرة ثواب من قام به وأعان عليه. وطلب العلم اليوم من الفرائض، كما لا يخفى على الإمام وغيره، وفي الحديث: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله، وما والاه، وعالم ومتعلم ١، وهذا ما يحصل إلا باعتناء الإمام، وتأليفه للطالب؛ فإذا كثر العلم وقل الجهل، حصل بسببه من الخير والحسنات ما لا يحصيه إلا الله، إن قبله الله؛ وبالغفلة عن طلبة العلم، تضعف هممهم، ويقل طلبهم. وفي مناقب عمر بن عبد العزيز، ﵀: أنه إذا أراد أن يحيي سنة، أخرج من العطاء مالا كثيرا، فإذا نفروا من هذا رغبوا إلى هذا، فلله دره ما أحسن نظره لنفسه، ولمن ولاه الله عليهم!

стр. 6398

وعلى كل من نصح نفسه: أن يحذر من كبائر الذنوب، التي هي من أعظم الذنوب، ولا يأمن مكر الله، وليكن لنفسه أشد مقتا منه لغيره، وليكن معظما للأمر والنهي، مفكرا فيما يحبه الله ويرضاه، متدبرا لكتابه، محبة لربه ورغبة في ثوابه، وخوفا من غضبه وعقابه. ومن الواجب على كل أحد أن يحب في الله، ويبغض في الله، ويعادي في الله، ويوالي في الله، ويحب أولياء الله أهل طاعته، ويعادي أعداءه أهل معصيته، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على محمد. [الوصية بتقوى الله وذكر بعض ما ورد عن السلف في معناها] وله أيضا، صب الله عليه من شآبيب بره ووالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرحمن بن حسن، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان، وفقنا الله وإياهم لإقامة شرائع الدين، واستعملنا فيما استعمل فيه أهل الإيمان واليقين، وجعلنا من الشاكرين لنعمة الإسلام، المثنين بها عليه، ونسأله أن يتقبلها منا، ويتمها علينا بالرغبة فيما يوجب الفوز لديه; سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فأوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى في الغيب والشهادة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآية [سورة النساء آية: ١٣١] . قال طلق بن حبيب ﵀: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على

стр. 6399

نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله. ولا وصية أعظم ولا أنفع، مما وصى الله به عباده المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢-١٠٥] . وينبغي أن نشير إلى بعض ما ورد عن السلف، رحمهم الله تعالى، في معنى هذه الوصية العظيمة، المتضمنة لأصول الدين، وما يقوم به من الأعمال; عن ابن مسعود ﵁ موقوفا، وروى مرفوعا، والموقوف أشهر: حَقَّ تُقَاتِهِ أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. وأصل الإسلام وأساسه: أن ينقاد العبد لله تعالى بالقلب والأركان، مذعنا له بالتوحيد، مفردا له بالإلهية والربوبية، دون كل ما سواه، مقدما مراد ربه على كل ما تحبه نفسه وتهواه; وهذا معنى قول النبي ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا

стр. 6400

إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلا ١ الحديث. وحبل الله: دينه الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله، قاله أبو جعفر ابن جرير، رحمه الله تعالى، وهو جامع لكل ما ورد عن السلف في معناه، كما روى عن ابن مسعود أنه قال: حبل الله الجماعة. وعن أبي العالية: اعتصموا بالإخلاص لله وحده وعن ابن زيد، قال: حبل الله الإسلام وقيل: هو القرآن; لما روى ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه ٢. ثم قال تعالى ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ : عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به; وأن ما تكرهون في الطاعة والجماعة، هو خير مما تحبون في الفرقة. وأخرج محمد بن نصر المروزي وغيره، من حديث عبد الله بن يحيى أبي عامر: أن معاوية ﵁ قام حين صلى الظهر بمكة، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين فرقة،

стр. 6401

وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ـ يعني الأهواء ـ كلها في النار، إلا واحدة وهي: الجماعة. والله يا معشر العرب، إن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ ، لغيركم من الناس أحرى ألا يقوم به، وعن ابن مسعود ﵁ قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، فكل بدعة ضلالة. ثم قال تعالى ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] أي: أذكروا ما أنعم به عليكم، من الألفة والاجتماع على الإسلام، حيث كنتم أعداء على شرككم، يقتل بعضكم بعضا عصبية، في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله، فألف الله بين قلوبكم، تواصلوا بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه; وذكر عن قتادة: كنتم تذابحون، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام فألف به قلوبكم، فوالله الذي لا إله إلا هو إن الألفة رحمة، وإن الفرقة عذاب. وقوله: ﴿وكنتم علي شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] يقول تعالى: وكنتم على طرف جهنم، بكفركم الذي كنتم عليه، فأنقذكم الله بالإيمان، الذي هداكم به. وذكر عن قتادة في الآية: ?كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودا، وأجوعه بطونا، مكفوفين على رأس حجر، بين الأسد من فارس والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء، يحسدون عليه; من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات مات ردى في النار; يؤكلون ولا يأكلون.

стр. 6402

والله: ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض كانوا فيها أصغر حظا، وأدق شأنا منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل به دار الجهاد، ووضع لكم به الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم؛ فاشكروا نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد من الله، فتعالى ربنا وتبارك. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] أي: يعرفكم في كل ذلك مواقع نعمه وصنائعه فيكم، ويبين لكم حججه في تنْزيله على رسوله ﷺ لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها فلا تضلوا عنها. وقوله ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] الآية، قال ابن كثير في تفسيره: المقصود من هذه الآية: أن تكون فرقة من الأمة متصدية للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه. كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيما ن ١. وفي المسند عن حذيفة: أن النبي ﷺ قال: والذي

стр. 6403

نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم ١. انتهى. قلت: وروى محمد بن نصر، من حديث يزيد بن مرثد مرسلا، قال: قال رسول الله ﷺ : كل رجل من المسلمين على ثغرة من ثغر الإسلام، الله الله، لا يؤتى الإسلام من قبلك، وروى بسنده عن الحسن بن حي: إنما المسلمون إخوة، على الإسلام بمنْزلة الحصن، فإذا أحدث المسلم حدثا، ثغر في الإسلام من قبله، فإن أحدث المسلمون كلهم، فاثبت أنت على الأمر الذي لو اجتمعوا عليه، لقام الدين لله بالأمر الذي أراده من خلقه. وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٥] . قال ابن عباس في الآية: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم، أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء، والخصومات في دين الله. قلت: فتأمل كيف نهى الله سبحانه في هذه الآيات عن التفرق في موضعين، وأخبر أنه من موجبات العذاب العظيم؛ وأرشد إلى أسباب الاجتماع على دينه وشرعه، ومن أعظمها: الاعتصام بكتابه ودينه، علما وعملا، وأداء شكره، والقيام بما فرضه على عباده من الدعوة إلى الخير، والأمر

стр. 6404

بالمعروف، والنهي عن المنكر. ومن هنا تعلم أن من أعظم الفساد: الإعراض عن كتاب الله وما بعث الله به رسوله من الهدى والعلم، واتباع الأهواء، والأراء المضلة - نعوذ بالله من ذلك - فإذا وقع ذلك ترتب عليه من أنواع الفساد ما لا يكاد يبلغه الوصف; فمن ذلك الاختلاف في الدين، والتحاسد، والتدابر، والتقاطع، فلا تكاد ترى إلا من هو معجب برأيه، متنقص لغيره، مخلد إلى الأرض عن تعلم العلم وتعليمه. فالواجب على من أعطاه الله شيئا من العلم، أن يبذله لطالبيه، وأن يقوم بما أوجب الله تعالى عليه، من النصيحة لله ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم; وعلى الخاصة والعامة أن يعظموا كتاب ربهم، ودينه وشرعه، ويقبلوا بكليتهم على ما ينفعهم، من تعلم دينهم، وطاعة ربهم، وترك معاصيه; وأن يقوموا بما وجب عليهم مع ذلك، من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على علم وبصيرة; وأن يهتموا بما يصلح ذلك، من الإخلاص لله تعالى في أمور دينهم. وعلى من نصح نفسه أن يكون حذرا من الأسباب التي تضعف الإيمان، وتجلب أسباب المآثم والعصيان، من الهلع والطمع، والرضى بالدنيا والاطمئنان بها; وفي الحديث: حب الدنيا رأس كل خطيئة.

стр. 6405

وأخرج البخاري في صحيحه، وغيره، من حديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله فقال: إن مما أخاف عليكم من بعدي، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها فقال رجل يا رسول الله: أفيأتي الخير بالشر؟ فسكت النبي ﷺ فقيل له: ما شأنك تكلم النبي ﷺ ولا يكلمك؟ فرأينا أنه ينْزل عليه. قال فمسح عنه الرحضاء، فقال: أين السائل؟ وكأنه حمده، فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل أو يلم، إلا آكلة الخضراء أكلت، حتى إذا امتدت خاصرتاها، استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت ورتعت; وإن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم، ما أعطى منه المسكين، واليتيم، وابن السبيل أو كما قال النبي ﷺ : وإنه من يأخذه بغير حقه، كالذي يأكل ولا يشبع، فيكون شهيدا عليه يوم القيامة ١. انتهى. فهذا مثل ضربه رسول الله ﷺ وبين فيه أن من جمع الدنيا أو طلبها من غير حلها، وصرفها في غير حقها، صارت عليه وبالا؛ ومن أجمل في طلبها وأخذها من حلها، وأدى حق الله فيها، ولم يشتغل بها عن طاعة مولاه، فإنها تكون في حقه نعمة وعطية، ولغيره محنة وبلية. هذا وقد أعطاكم الله من أصناف نعمه ما تحبون، وصرف عنكم ما تكرهون، ابتلاء وامتحانا، لتعرفوا نعمه، وتشكروها قال تعالى ﴿: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾

стр. 6406

[سورة إبراهيم آية: ٣٤] . فانظروا رحمكم الله بماذا تقابلونها؟ أباستعمالها في طاعته ودينه ومراضيه؟ أم تجعلونها سلما إلى الإعراض عن دينه، وارتكاب معاصيه؟ من الظلم والبغي، والأشر والبطر، واللهو واللعب، وقول الزور، والسخرية، ونحو ذلك مما لا يحبه الله ولا يرضاه؟ نسأل الله السلامة من أسباب التغيير; قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١١] . اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. الله الله عباد الله: قيدوا نعم الله بشكره، واتباع ما يرضيه; وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه; فإن الله خولكم نعمه، لتطيعوه ولا تعصوه، وتعملوا بدينه وشرعه وتعظموه، لا لتشغلوا بها عن ذلك، أو تمتهنوه; اللهم أوزعنا شكر ما أنعمت به علينا من هذه النعم الظاهرة والباطنة، واستعملنا فيما يرضيك عنا، وعافنا واعف عنا، برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 6407

صلى الله عليه وسلم [التواصي بتقوى الله تعالى وبما يرضيه سبحانه] له أيضا، حشره الله في زمرة الصديقين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرحمن بن حسن: إلى من يصل إليه من الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فالذي نوصيكم به، تقوى الله تعالى، والتواصي بما يرضي الله سبحانه، من طاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، والعدل والإنصاف؛ واذكروا فناء الدنيا وزوالها، والعرض على الله، والحساب، والميزان، والجنة، والنار، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. والباعث على هذا: أمور وقع فيها الخلل، بسبب الإقبال على الدنيا، والإعراض عن الآخرة. فمنها: التهاون بالصلاة من كثير من السفهاء، لا يبالون صلوها في جماعة أم لا; وصلاة الجماعة فرض على الأعيان، كما هو مذهب الإمام أحمد وغيره; وقال بعض العلماء هي شرط، لا تصح الصلاة إلا بها. ومر علينا عبارة في الدرس، بحضرة إخوانكم، وارتاعوا منها، وأحبوا: أنا ننبهكم عليها; وهي: أن المشهور في مذهب الإمام أحمد، أن من ترك الصلاة تهاونا وكسلا يكفر، ويقتل كفرا إذا دعي إليها فأصر. ومنها: صلاة الجمعة، نصوا على أن من تركها تهاونا

стр. 6408

وكسلا ولو مرة واحدة، أنه يكفر; ويوجد أناس في أطراف البلدان، يتركونها مرارا، وهذا أمر عظيم، وخطره كبير، قد يكون الإنسان كافرا مرتدا، بترك فريضة، وهو لا يشعر. فاحذروا - رحمكم الله - التهاون بمثل هذه الأمور الخطيرة، التي إذا وقعت من سفيه ضرت العامة، إذا تركوه عليها وأعظم الناس خطرا في مثل هذه الأمور: الأمراء والنواب، إذا تركوا القيام بما أوجب الله عليهم، من القيام بأمر الله على الداني والقاصي، والقريب والبعيد، والعدو والصديق، كما قال تعالى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ : [سورة النساء آية: ١٣٥] الآية. وهذا هو الواجب على ولاة الأمور، فنسأل الله لنا ولكم التوفيق. وهنا مسألة مما يتعلق بالعدل، وحقوق الخلق; وهي: أن "النوابة"التي يضعها الأمراء والنظراء ربما يقع فيها الجور، وعدم المواساة، فمن ذلك: تنويب المعسر، الذي لا يقدر على وفاء جميع ما عليه من الدين، لكون جميع ماله لا يقابل دينه، فهذا لا يجوز أخذ النائبة منه. وقد بلغني أن الشيخ محمد ﵀ أفتى أناسا من أهل سدير وغيرهم أن هذه النوائب توضع بالقسط على الناتج; هذا إذا كانت لمصلحة الدين، كالجهاد خاصة، فتوضع بالعدل على الناتج، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٨] الآية. وصلى الله على محمد.

стр. 6409

[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى الشيخ عيد بن حمد يوصيه فيها بتقوى الله ولزوم العبودية لله] وله أيضا، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ الشيخ: عيد بن حمد، وفقه الله لما يحبه الله ويرضاه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: وصل الخط أوصلك الله ما يرضيه، وإن سألت عنا، فنحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على تمام نعمه; ونسأله تعالى أن يجعلك ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه، ويجتنب سخطه، فإنا نحن به وله. وتعلم يا أخي أن الدين النصيحة، فأوصيك ونفسي، بتقوى الله ولزوم العبودية التي هي غاية الذل في غاية المحبة للمعبود، الذي لا يستحق العبادة إلا هو، ولا يعين على عبادة غيره؛ فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجل الوسائل، وهو معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] . قال العلامة ابن القيم ﵀: وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية; وتضمنت التعبد باسم الرب، واسم الله، فهو يعبد بالألوهية، ويستعان بربوبيته، ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته. انتهى. وحقيقة العبودية: الإقبال على الله، والإعراض عن كل ما

стр. 6410

سواه، وإيثار مراد الله، على كل ما تطلبه النفوس وتهواه، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [سورة النازعات آية: ٤٠-٤١] . وقال: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الجاثية آية: ١٨] . وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة القصص آية: ٥٠] . وفي الحديث: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به، وهذا هو الصراط المستقيم، كما ذكره عن نبيه ورسوله عيسى ﵇، في مقام الدعوة إلى الإسلام: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [سورة آل عمران آية: ٥٠-٥١] . فلشدة فاقة العبد وضرورته إلى أن يهديه الله صراطه المستقيم، فرض الله عليه أن يسأله هذه الهداية، في أفضل أحواله مرارا متعددة في اليوم والليلة؛ وليس العبد في شيء أشد فاقة وحاجة منه إليها، فإنه يحتاج إليها في كل نفس وطرفة عين، وفي جميع ما يأتيه ويذره، من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو محتاج إلى التوبة منها. وأمور هدي إلى أصلحها دون تفصيلها، أو هدي إليها من وجه دون وجه، وهو محتاج إلى إتمام الهداية فيها; وأمور هو محتاج إلى ما يحصل له من الهداية فيها في المستقبل، مثل ما حصل له في الماضي. وأمور هو خال عن الاعتقاد فيها، هو محتاج إلى
следующие страницы →