تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] .
فمن لم يعرف ربه، بمعنى معبوده، ودينه ورسوله الذي أرسله الله إليه بدلائله في الدنيا، ولم يعمل به، سئل عنه في القبر فلم يعرفه; ومن لم يعرفه في القبر، ضربته الملائكة بمرزبة من حديد، لو اجتمع عليها الجن والإنس ما أطاقوا حملها.
ومن عرفه بدليله، وعمل به في الدنيا، ومات عليه، سئل في القبر فيجيب بالحق، فإنه ذكر في الحديث: " إن العبد المؤمن، أو الموقن، إذا وضع في قبره، سألته الملائكة عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه; فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا، وصدقنا، واتبعنا، فيقال له: نم صالحا، قد علمنا أنك مؤمن "١. وأعظم البينات الذي جاء به الرسول: كتاب الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣] .
وأما المنافق والمرتاب، إذا سئل عن ذلك، يقول: " هاه، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته "٢ فتعذبه الملائكة; فالحذر، الحذر، من ذلك! تفقهوا في دينكم قبل الموت، وصلى الله على محمد.
стр. 667
وسئل أيضا: عن مسائل فأجاب:
الأولى: أن الله سبحانه، بعث محمدا ﷺ بتحقيق التوحيد، وتجريده، ونفي الشرك بكل وجه، حتى في الألفاظ.
الثانية: أن العبادة التي شرعها الله تعالى كلها، تتضمن إخلاص الدين كله لله تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [سورة البينة آية: ٥] ؛ فإن دين الإسلام، هو دين الله، الذي أمر به الأولين والآخرين، كما قال تعالى" وهي: الثالثة" ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٢] ، وفسر إسلام الوجه بما يقتضى الإخلاص; والإحسان: العمل الصالح، المأمور به; وهذان الأصلان جماع الدين; لا نعبد إلا الله، ولا نعبده بالبدع، بل بما شرع، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] .
الرابعة: أن هذين الأصلين هما تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله.
فالأولى: تتضمن إخلاص الألوهية، فلا يتأله القلب غيره، لا بحب، ولا خوف، ولا رجاء، ولا إجلال، ولا إكرام. والثانية: تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر; فلا حرام إلا ما حرم، ولا دين إلا ما شرع.
стр. 668
ولهذا ذم الله تعالى المشركين، في سورة الأنعام، والأعراف، وغيرهما، لكونهم حرموا ما لم يحرمه الله، وشرعوا ما لم يأذن فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤٥"٤٦] . فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ومن دعا الله بغير إذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة، والمبتدع يؤل إلى الشرك، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٩] .
ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام، والانقياد، ويتضمن الإخلاص، فمن استسلم له ولغيره، فهو مشرك; ومن لم يستسلم له، فهو مستكبر.
وقال أيضا:
الدعاء الذي يفعل في هذا الزمان أنواع: النوع الأول: دعاء الله وحده لا شريك له، الذي بعث الله به رسوله.
النوع الثاني: أن يدعو الله، ويدعو معه نبيا، أو وليا، ويقول: أريد شفاعته، وإلا فأنا أعلم ما ينفع ولا يضر إلا الله. لكن أنا مذنب، وأدعو هذا الصالح لعله يشفع لي، فهذا الذي فعله المشركون، وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 669
حتى يتركوه، ولا يدعوا مع الله أحدا، لا لطلب شفع، ولا نفع.
النوع الثالث: أن يقول: اللهم إني أتوسل إليك بنبيك، أو بالأنبياء، أو الصالحين; فهذا ليس شركا، ولا نهينا الناس عنه; ولكن المذكور عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، وغيرهم أنهم كرهوه، لكن ليس مما نختلف نحن، وغيرنا فيه.
وقال أيضا ﵀:
ذكر في السيرة، في استماع أبي جهل، قراءة النبي ﷺ وكلامه معروف، يقول: هذا حق، وذكر الذي منعه، خوفه أن يصيروا تبعا لبني عبد مناف، والواقع: لو أن واحدا من الملوك، يقر أن هذا الدين حق، ولا يدع اتباعه، إلا خوف أن يزول ملكه، لوجدت النفوس تعذره.
الثانية: كونهم يخفون إقرارهم على عامة أهل مكة، مخافة أن يتبعوه، وأما أهل هذا الزمان، فكل مطوع شيطان، منطقه الله: أن التوحيد دين الله ورسوله، والشرك الذي هم يفعلون: دين الشيطان; ولا أحد يعي لقولهم.
وقال أيضا، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب، وأسكنه الجنة بغير حساب:
هذه: كلمات في معرفة شهادة أن لا إله إلا الله وأن
стр. 670
محمدا رسول الله، وقد غلط أهل زماننا فيها، وأثبتوا لفظها دون معانيها، وقد يأتون بأدلة على ذلك، تلتبس على الجاهل المسكين، ومن ليس له معرفة في الدين، وذلك يفضي إلى أعظم المهالك.
فمن ذلك قوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم "١ الحديث، وكذلك قوله ﷺ لما سئل عن شفاعته: من أحق بها يوم القيامة؟ قال: " من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه "٢ وقوله ﷺ : " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة "٣، وكذلك حديث عتبان: " فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله "٤.
وهذه الأحاديث الصحيحة، إذا رآها هذا الجاهل، أو بعضها، أو سمعها من غيره، طابت نفسه وقرت عينه، واستفزه المساعد على ذلك، وليس الأمر كما يظنه هذا الجاهل المشرك، فلو أنه دعا غير الله، أو ذبح له، أو حلف به، أو نذر له، لم ير ذلك شركا، ولا محرما، ولا مكروها، فإذا أنكر عليه أحد بعض ما ينافي التوحيد لله، والعمل بما أمر الله، اشمأز ونفر، وعارض بقوله: قال رسول الله، وقال رسول الله.
وهذالم يدر حقيقة الحال، فلو كان الأمر كما قال، لما قال الصديق ﵁ في أهل الردة: (والله لو منعوني عناقا، أو قال عقالا، كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم
стр. 671
عليه) ، أفيظن هذا الجاهل أنهم لم يقولوا لا إله إلا الله؟
وما يصنع هذا الجاهل، بقول رسول الله ﷺ في الخوارج: " أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم، فإنهم شر قتيل تحت أديم السماء "١، أفيطن هذا الجاهل أن الخوارج الذين قال فيهم رسول الله ﷺ هذا، أنهم لم يقولوا لا إله إلا الله؟ وقال ﷺ (في هذه الأمة") ولم يقل: منها" " قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم "٢.
وكذلك أهل حلقة الذكر"لما رآهم أبو موسى في المسجد، في كل حلقة رجل يقول: سبحوا مائة، هللوا مائة" الحديث" فلما أنكر عليهم صاحب رسول الله ﷺ قالوا: والله ما أردنا إلا الخير; قال: (كم من مريد للخير لم يصبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا " أن قوما يقرءون القرآن، لا يجاوز حلوقهم، أو قال تراقيهم "٣ وأيم الله لا أدري أن يكون فيكم أكثرهم) ، فما كان إلا قليلا، حتى رأوا أولئك يطاعنون أصحاب رسول الله ﷺ يوم النهروان، مع الخوارج; أفيظن هذا الجاهل المشرك، أنهم يشركون لكونهم يسبحون ويهللون ويكبرون؟
وكذلك المنافقون، على عصر رسول الله ﷺ يجاهدون في سبيل الله، بأموالهم، وأنفسهم، ويصلون مع رسول الله ﷺ الصلوات الخمس، ويحجون معه، قال الله
стр. 672
تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [سورة النساء آية: ١٤٥] ، أفيظن هذا الجاهل أنهم لم يقولوا لا إله إلا الله؟ وكذلك قاتل النفس بغير الحق يقتل، أفيظن هذا الجاهل أنه لم يقل لا إله إلا الله، وأنه لم يقلها خالصا من قلبه؟
فسبحان من طبع على قلب من شاء من عباده، وأخفى عليه الصواب، وأسلكه مسلك البهائم والدواب، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان آية: ٤٤] ، حتى قال هؤلاء الجهلة ممن ينتسب إلى العلم والفقه: قبلتنا من أمها لا يكفر.
فلا إله إلا الله، نفي وإثبات الإلهية كلها لله: فمن قصد شيئا من قبر، أو شجر، أو نجم، أو ملك مقرب، أو نبي مرسل، لجلب نفع، وكشف ضر، فقد اتخذه إلها من دون الله; مكذب بلا إله إلا الله، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
فإن قال: هذا المشرك، لم أقصد إلا التبرك ; وإني لأعلم أن الله هو الذي ينفع ويضر، فقل له: إن بني إسرائيل ما أرادوا إلا ما أردت، كما أخبر الله عنهم، أنهم لما جاوزوا البحر: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٨] ، فأجابهم بقوله: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ الآيتين [سورة الأعراف آية: ١٣٨] .
وحديث أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة
стр. 673
يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى" ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ لتركبن سنن من كان قبلكم" وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [سورة النجم آية: ١٩] ، وفي الصحيح عن ابن عباس، وغيره: "كان يلت السويق للحاج، فمات، فعكفوا على قبره".
فيرجع هذا المشرك، يقول: هذا في الشجر، والحجر، وأنا أعتقد في أناس صالحين، أنبياء، وأولياء، أريد منهم الشفاعة، عند الله، كما يشفع ذو الحاجة عند الملوك، وأريد منهم القربة إلى الله; فقل له: هذا دين الكفار بعينه، كما أخبر سبحانه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
وقد ذكر أناسا يعبدون المسيح، وعزيرا فقال الله: هؤلاء عبيدي، يرجون رحمتي، كما ترجونها، ويخافون عذابي، كما تخافونه; وأنزل الله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ الآيتين [سورة الإسراء آية: ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا
стр. 674
سُبْحَانَكَ﴾ الآيتين [سورة سبأ آية: ٤٠] .
والقرآن، بل والكتب السماوية، من أولها إلى آخرها مصرحة ببطلان هذا الدين، وكفر أهله، وأنهم أعداء الله ورسوله، وأنهم أولياء الشيطان، وأنه سبحانه لا يغفر لهم، ولا يقبل عملا منهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية:٢٢] . قال ابن مسعود وابن عباس: لا تجعلوا له أكفاء من الرجال، تطيعونهم في معصية الله. وقال رجل للنبي ﷺ " ما شاء الله وشئت، قال: اجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده "١ وقال ﷺ لأصحابه: " أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر" فسئل عنه فقال: الرياء "٢.
وبالجملة: فأكثر أهل الأرض، مفتونون بعبادة الأصنام، والأوثان، ولم يتخلص من ذلك إلا الحنفاء، أتباع ملة إبراهيم ﵇، وعبادتها في الأرض، من قبل قوم نوح، كما ذكر الله، وهي كلها، ووقوفها، وسدانتها، وحجابتها، والكتب المصنفة في شرائع عبادتها، طبق الأرض، قال إمام الحنفاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٥] ، كما قص الله ذلك عنهم في القرآن، وأنجى الرسل وأتباعهم من الموحدين.
стр. 675
وكفى في معرفة كثرتهم، وأنهم أكثر أهل الأرض، ما صح عن النبي ﷺ "أن بعث النار من كل ألف: تسعمائة وتسعة وتسعون" قال الله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٨٩] ، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] ، وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٣] .
ولما أراد سبحانه إظهار توحيده وإكمال دينه، وأن تكون كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، بعث محمدا ﷺ خاتم النبيين، وحبيب رب العالمين، وما زال في كل جيل مشهورا، وفي توراة موسى، وإنجيل عيسى مذكورا، إلى أن أخرج الله تلك الدرة بين بني كنانة وبني زهرة، فأرسله على حين فترة من الرسل، وهداه إلى أقوم السبل.
فكان له ﷺ من الآيات والدلالات على نبوته قبل مبعثه ما يعجز أهل عصره، فمن ذلك قوله ﷺ : " أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت، حين وضعتني، أنه خرج منها نور أضاءت له بصرى من أرض الشام "١.
وولد ﷺ ليلة الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول، عام الفيل، وانشق إيوان كسرى ليلة مولده، حتى سمع انشقاقه، وسقط أربع عشرة شرفة، وهو باق إلى اليوم آية من آيات الله، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك، وغاضت
стр. 676
بحيرة ساوة، وكانت بحيرة عظيمة في مملكة العراق، عراق العجم وهمدان، تسير فيها السفن، وهي أكثر من ستة فراسخ، فأصبحت ليلة مولده يابسة ناشفة، كأن لم يكن بها ماء، واستمرت على ذلك، حتى بني مكان "ساوة" وباقية إلى اليوم.
وأرسلت الشهب على الشياطين، كما أخبر الله بقوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ الآية [سورة الجن آية: ٩] . وأنبته الله نباتا حسنا، وكان أفضل قومه مروة، وأحسنهم خلقا، وأعزهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، حتى سماه قومه الأمين، لما جعل الله فيه من الأحوال الصالحة، والخصال المرضية.
ووصل بصرى من أرض الشام، مرتين، فرآه بحيرا الراهب فعرفه، وأخبر عمه أنه رسول الله، وأمر برده، فرده مع بعض غلمانه، وقال لعمه: احتفظ به، فلم نجد قدما أشبه من القدم الذي بالمقام من قدمه. واستمرت كفالة أبي طالب، كما هو مشهور، وبغضت إليه الأوثان، ودين قومه، فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك.
والدليل على أنه رسول الله ﷺ من العقل والنقل ; أما النقل: فواضح; وأما العقل: فنبه عليه القرآن; من ذلك: ترك الله خلقه بلا أمر، ولا نهي لا يناسب في حق الله، ونبه عليه في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ
стр. 677
مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٩١] .
ومنها أن قول الرجل: إني رسول الله، إما أن يكون خير الناس، وإما أن يكون شرهم وأكذبهم؛ والتمييز بين ذلك سهل، يعرف بأمور كثيرة; ونبه على ذلك بقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ الآيات [سورة الشعراء آية: ٢٢١] . ومنها: شهادة الله بقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [سورة الرعد آية: ٤٣] ، ومنها: شهادة أهل الكتاب بما في كتبهم، كما في الآية.
ومنها:" وهي أعظم الآيات العقلية" هذا القرآن الذي تحداهم الله بسورة من مثله، ونحن إن لم نعلم وجه ذلك من جهة العربية، فنحن نعلمها من معرفتنا بشدة عداوة أهل الأرض له، علمائهم، وفصحائهم، وتكريره هذا، واستعجازهم به، ولم يتعرضوا لذلك على شدة حرصهم على تكذيبه، وإدخال الشبه على الناس؛ ومنها تمام ما ذكرنا، وهو إخباره سبحانه أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسورة مثله إلى يوم القيامة، فكان كما ذكر، مع كثرة أعدائه في كل عصر، وما أعطوا من الفصاحة والكمال والعلوم.
ومنها: نصرة من اتبعه، ولو كانوا أضعف الناس، ومنها: خذلان من عاداه، وعقوبته في الدنيا، ولو كانوا أكثر الناس وأقواهم؟ ومنها: أنه رجل أمي لا يخط، ولا يقرأ
стр. 678
الخط، ولا أخذ عن العلماء، ولا ادعى ذلك أحد من أعدائه، مع كثرة كذبهم، وبهتانهم; ومع هذا، أتى بالعلم، الذي في الكتب الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٤٨] .
وقال رحمه الله تعالى:
ولما بلغ أربعين سنة: بعثه الله ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سورة البقرة آية: ١١٩] ، ﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً [سورة الأحزاب آية: ٤٦] . ولما أتى قومه بلا إله إلا الله، قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [سورة ص آية: ٥] ، قال الترمذي: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، وزيد بن مروان، وغيرهم، قالوا: " قام رسول الله ﷺ ثلاث سنين مستخفيا، ثم أعلن في الرابعة، فدعا عشر سنين، يوافي الموسم كل عام، فيقول: أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكا في الجنة "١، وأبو لهب وراءه، يقول: لا تطيعوه، فإنه صابئ كذاب، فيردون عليه أقبح الرد.
ولما أمره الله بالهجرة، هاجر، وأظهر الله دينه على الدين كله، وقاتل جميع المشركين، ولم يميز بين من اعتقد في نبي، ولا ولي، ولا شجر، ولا حجر; وما زال يعلم الناس التوحيد، ويقمع من دعاة الشرك كل شيطان مريد، حتى أزال الله الجهل والجهال، وبان للناس من التوحيد ساطع الجمال، وعن أنس قال قال أناس: يا رسول الله، يا خيرنا
стр. 679
وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال ﷺ : " يا أيها الناس، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله "١.
وعن عبد الله بن الشِّخِّير، قال: " انطلقت في وفد بني عامر، إلى النبي ﷺ فقلت: أنت سيدنا، فقال: السيد الله ﵎ "٢. وعن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله "٣.
وما زال ﷺ معلما لأصحابه هذا التوحيد، ومحذرا من الشرك، حتى أتاهم وهم يتذاكرون الدجال، فقال: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل "٤ وحتى قال: " لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله "٥، وحتى قال: " لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان "٦، وحتى قال " لا تقولوا: لولا الله وفلان"،وحتى قال: "لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي "٧، وحتى قال: " من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر " ٨.
وحذرهم من الشرك بالله، في الأقوال والأعمال، حتى قال: "إنما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربي، فأجيب. وأنا تارك فيكم كتاب الله، فيه الهدى والنور، ومن تركه كا ن
стр. 680
على الردى "١، وحتى قال: " خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ٢ وكل ضلالة في النار "، وحتى أنه لم يترك النهي عند الموت، والتحذير لنا من هذا الشرك، حتى قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "٣ وحتى قال: " دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب " الحديث.
وحتى حذرهم عن الكفر بنعمة الله، قيل هو قول الرجل: هذا مالي، ورثته عن آبائي، وقال بعضهم: هو كقوله: الريح طيبة، والملاح حاذق، ونحو ذلك; ولما ذكر شيخ الإسلام تقي الدين الأحاديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله "٤ وكذلك حديث ابن عمر في الصحيحين: " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" ٥ قال: (إن الصلاة من حقها، والزكاة من حقها) كما قال الصديق لعمر، ووافقه عمر، وسائرهم على ذلك، ويكون ذلك أنه إذا قالها قد شرع في العصمة، وإلا بطلت.
وقد قال النبي ﷺ كل واحد من الحديثين، في وقت، ليعلم المسلمون أن الكافر إذا قالها وجب الكف عنه، ثم صار القتال مجردا إلى الشهادتين، ليعلم أن تمام العصمة يحصل بذلك، لئلا يقع شبهة; وأما مجرد الإقرار، فلا يعصمهم على الدوام، كما وقعت لبعض الصحابة، حتى
стр. 681
جلاها الصديق ﵁ ووافقه عمر.
وقال صاحب المنازل: شهادة أن لا إله إلا الله، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، هذا هو التوحيد، الذي نفى الشرك الأعظم، وعليه نصبت القبلة، وبه حقنت الدماء والأموال; وانفصلت دار الإيمان من دار الكفر، وصحت به الملة للعامة، وإن لم يقوموا بحسن الاستدلال، بعد أن يسلموا من الشبهة، والحيرة، والريبة، بصدق شهادة، صححها قبول القلب، وهذا توحيد العامة، الذي يصح بالشواهد، وهي الرسالة والصنائع، ويجب بالسمع، ويوجد بتبصير الحق، وينمو على مشاهدة الشواهد، والحمد لله رب العالمين.
وقال أيضا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قدس الله روحه.
لما بلغ رسول الله ﷺ أربعين سنة: بعثه الله ﴿بشيرا ونذيرا﴾ ، ﴿وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ . ونذكر قبل ذلك شيئا من أمور الجاهلية، وما كانت عليه قبل بعثته، قال قتادة: ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الهدى وشريعة من الحق; ثم اختلفوا بعد ذلك; فبعث الله لهم نوحا، وكان أول رسول أرسل لأهل الأرض; قال ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٣] ، قال (على الإسلام) .
стр. 682
وكان أول ما كادهم الشيطان به تعظيم الصالحين، كما ذكر الله ذلك في كتابه ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] ، قال الكلبي: هؤلاء قوم صالحون، فماتوا في شهر، فجزع عليهم أقاربهم، وقال لهم رجل: هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام، على صورهم؟ قالوا: نعم، فنحت لهم خمسة أصنام، ونصبها لهم.
وفي غير حديثه، قال أصحابهم: لو صورنا صورهم، كان أشوق لنا إلى العبادة، فكان الرجل يأتي أباه وابن عمه، فيعظمه، حتى ذهب القرن الأول، ثم جاء القرن الآخر، وعظموهم أشد من الأول; ثم جاء القرن الثالث، فقالوا: ما عظم أولونا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم، فعبدوهم. فلما بعث الله نوحا، وأغرق من أغرق، وأهبط الماء هذه الأصنام، من أرض إلى أرض، حتى قذفها إلى أرض جدة; فلما نضب الماء، بقيت على الشاطئ، فسفت الريح عليها حتى وارتها، ثم عمر نوح وذريته الأرض، وبقوا على الإسلام ما شاء الله، ثم حدث فيهم الشرك.
وما من أمة إلا ويبعث الله فيها رسولا، يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن الشرك، فمنهم: عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد; بعث الله لهم هودا ﵇، وكانوا في ناحية الجنوب، بين اليمن وعمان، فكذبوه، فأرسل الله عليهم الريح فأهلكتهم، ونجى الله هودا ومن معه; ثم بعث
стр. 683
الله صالحا إلى ثمود، وكانوا بالشمال، بين الشام والحجاز، ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [سورة فصلت آية: ١٧] ، فأرسل الله عليهم صيحة فأهلكتهم; ونجى الله صالحا ومن معه. ثم بعد ذلك أخرج إليهم إبراهيم ﵇، وأهل الأرض إذ ذاك كلهم كفار، فكذبوه إلا ابنة عمه سارة، زوجته، ولوطا أيضا، فأكرمه الله ورفع قدره، وجعله إماما للناس، وجعل في ذريته النبوة والكتاب.
ومنذ ظهر إبراهيم، لم يعدم التوحيد في الأرض، كما قال تعالى:
﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٨] ، وكان له ابنان، أحدهما: إسحاق ﵇ وهو أبو بني إسرائيل، وإسرائيل يعقوب بن إسحاق، والثاني: إسماعيل ﵇، وهو أبو العرب، وقصته وأمه مشهورة، لما وضعها ﵇ في مكة، وكان هو في الشام، فنشأ إسماعيل ﵇ في أرض العرب، فصار له ولأولاده: ولاية البيت ومكة.
فلم يزالوا بعده على دين إسماعيل، حتى نشأ فيهم عمرو بن لحي، بن قمعة، فملك مكة، وكان معظما فيهم بسبب الدين والدنيا; فسار إلى الشام، ورآهم يعبدون الأوثان، فاستحسن ذلك، وزينه لأهل مكة، ثم اقتدى بهم أهل الحجاز، وكان له رئي من الجن، فأتاه، فقال: عجل السير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة، ائت جدة، تجد فيها أوثانا معدة، فأوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى
стр. 684
عبادتها تجب.
فأتى جدة فاستثارها، ثم حملها. فلما حضر الحج، دعا العرب إلى عبادتها، فأجابوه، ففرقها في كل قبيلة واحد، فلم تزل تعبد حتى بعث رسول الله ﷺ فكسرها، وقال: " رأيت عمرو بن عامر يجر قصبه في النار "١، وكان أول من سيب السوائب، وغير دين إبراهيم، ونصب الأوثان، وكان أهل الجاهلية إذ ذاك، فيهم بقايا من دين إبراهيم، مثل تعظيم البيت، والطواف به، والحج والعمرة، وإهداء البدن; وكانت نزار تقول في إهلالها: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك.
ومن أقدم أصنامهم: مناة على ساحل البحر، بقديد بين مكة والمدينة، ولم يكن أحد أشد تعظيما له من الأوس والخزرج; فبعث رسول الله ﷺ عليا فهدمها عام الفتح. ثم اتخذوا اللات بالطائف، وكان أصله رجلا صالحا يلت السويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره; فلما أسلمت ثقيف بعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها. ثم اتخذوا العزى، وكانت بوادي نخلة، وبنوا عليها بيتا، وكانوا يسمعون منه الصوت، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة، بعث خالد بن الوليد فأتاها، فعضدها وكانت ثلاث سمرات، فلما عضد الثالثة: إذ هو بجنية، نافشة شعرها، فقال خالد،
يا عزى كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك
ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة.
стр. 685
وكان من العرب من يتعلق على الملائكة، يريدون شفاعتهم، وهم بنو ملح، وكان منهم من يدعو الجن، وكانت النصارى تدعو عيسى وأمه; وكان من الناس، من يدعو أناسا صالحين، غير ما ذكرنا; وهو أول أنواع الشرك وقوعا في الأرض، كما تقدم. وامتلأت أرض العرب، وغيرها، من الأوثان، والشرك بالله، وكان لكل قوم شيء يقصدونه، غير ما كان عند الآخرين.
فلما بعث رسول الله ﷺ بالتوحيد، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٥] . ولما فتح رسول الله ﷺ مكة، وجد حول البيت: ثلاثمائة وستين صنما، وجعل يطعن في وجوهها، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٨١] ، وهي تساقط على رؤوسها، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد، وحرقت.
وقال بعض الصحابة في اللات:
لا تنصروا اللات إن الله مهلكها ... إن التي حرقت بالسد فاشتعلت
وكيف ينصركم من ليس ينتصر ... فلم تقاتل لدى أحجارها هدر
وصلى الله على محمد.
[بيان الشهادة والتوحيد]
وقال أيضا: بوأه الله منازل النبيين، والصديقين:
بسم الله الرحمن الر حيم
هذه كلمات، في بيان شهادة أن لا إله إلا الله، وبيان
стр. 686
التوحيد، الذي هو حق الله على العبيد، وهو أفرض من الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، فرحم الله امرأ نصح نفسه، وعرف أن وراءه جنة ونارا، وأن الله جعل لكل منهما أعمالا. فإن سأل عن ذلك، وجد رأس أعمال أهل الجنة: توحيد الله تعالى، فمن أتى به يوم القيامة، فهو من أهل الجنة، قطعا، ولو كان عليه من الذنوب مثل الجبال.
ورأس أعمال أهل النار: الشرك بالله، فمن مات على ذلك، فلو أتى يوم القيامة بعبادة الله الليل والنهار، والصدقة والإحسان، فهو من أهل النار قطعا، كالنصارى، الذين يبني أحدهم صومعة في البرية، ويزهد في الدنيا، ويتعبد الليل والنهار، لكنه خلط ذلك بالشرك بالله، تعالى الله عن ذلك، قال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٢٣] . وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [سورة إبراهيم آية: ١٨] .
فرحم الله امرأ، تنبه لهذا الأمر العظيم، قبل أن يعض الظالم على يديه، ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان آية: ٢٧] .
نسأل الله: أن يهدينا، وإخواننا المسلمين إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم، وهم العلماء، الذين علموا ولم
стр. 687
يعملوا، وطريق الضالين، وهم العباد الجهال، فما أعظم هذا الدعاء، وما أحوج من دعا به أن يحضر قلبه في كل ركعة، إذا قرأ بها، بين يدي الله تعالى، أن يهديه وأن ينجيه; فإن الله قد ذكر: أنه يستجيب هذا الدعاء الذي في الفاتحة، إذا دعا به الإنسان من قلب حاضر.
فنقول: لا إله إلا الله، هي: العروة الوثقى ; وهي: كلمة التقوى; وهي: الحنيفية ملة إبراهيم; وهي: التي جعلها الله كلمة باقية في عقبه; وهي: التي خلقت لأجلها المخلوقات; وبها قامت الأرض والسماوات; ولأجلها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب; قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، والمراد: معنى هذه الكلمة; وأما: التلفظ باللسان، مع الجهل بمعناها، فلا ينفع; فإن المنافقين يقولونها، وهم تحت الكفار، في الدرك الأسفل من النار.
فاعلم: أن معنى هذه الكلمة: نفي الإلهية عما سوى الله ﵎، وإثباتها كلها لله وحده، لا شريك له، ليس فيها حق لغيره، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [سورة مريم آية: ٩٣] ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ
стр. 688
الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ [سورة النبأ آية: ٣٨] ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ الآية [سورة النحل آية: ١١١] .
فإذا قيل: لا خالق إلا الله، فهذا معروف، لا يخلق الخلق إلا الله، لا يشاركه في ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وإذا قيل: لا يرزق إلا الله، فكذلك; فإذا قيل: لا إله إلا الله، فكذلك، فتفكر رحمك الله، في هذا، واسأل عن معنى الإله، كما تسأل عن معنى الخالق، والرازق.
واعلم أن معنى الإله، هو المعبود هذا هو تفسير هذه اللفظة، بإجماع أهل العلم، فمن عبد شيئا، فقد اتخذه إلها من دون الله، وجميع ذلك باطل، إلا إله واحد، وهو: الله وحده، ﵎ علوا كبيرا.
والعبادة: أنواع كثيرة ; لكني أمثلها بأنواع ظاهرة، لا تنكر، من ذلك: السجود؟ فلا يجوز لعبد، أن يضع وجهه على الأرض، ساجدا، إلا لله وحده، لا شريك له، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا لولي.
ومن ذلك: الذبح فلا يجوز لأحد، أن يذبح إلا لله وحده; كما قرن الله بينهما في القرآن، في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٢] ، والنسك، هو: الذبح; وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] ، فتفطن لهذا"
стр. 689
واعلم أن من ذبح لغير الله، من جني أو قبر، فكما لو سجد له; وقد لعنه رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح، قال: " لعن الله من ذبح لغير الله "١.
ومن أنواع العبادة: الدعاء؛ كما كان المؤمنون، يدعون الله وحده، ليلا ونهارا، في الشدة والرخاء، لا يشك أحد، أن هذا من أنواع العبادة، فتفكر" رحمك الله" فيما حدث في الناس اليوم، من دعاء غير الله في الشدة والرخاء; هذا يريد سفرا، فيأتي عند قبر أو غيره، فيدخل عليه بما له، عمن ينهبه، وهذا تلحقه الشدة، في البر، أو البحر، فيستغيث بعبد القادر، أو شمسان، أو نبي من الأنبياء، أو ولي من الأولياء، أن ينجيه من هذه الشدة.
فيقال لهذا الجاهل: إن كنت تعرف أن الإله هو: المعبود، وتعرف أن الدعاء من العبادة، فكيف تدعو مخلوقا، ميتا، عاجزا؟! وتترك الحي، القيوم، الحاضر، الرؤوف، الرحيم، القدير؟! فقد يقول" هذا المشرك": إن الأمر بيد الله، ولكن هذا العبد الصالح يشفع لي عند الله، وتنفعني شفاعته وجاهه; ويظن أن ذلك يسلمه من الشرك.
فيقال لهذا الجاهل: المشركون عباد الأصنام، الذين قاتلهم رسول الله ﷺ وغنم أموالهم وأبناءهم ونساءهم، كلهم يعتقدون أن الله هو النافع، الضار، الذي يدبر الأمر، وإنما أرادوا ما أردت من الشفاعة عند الله، كما قال
стр. 690
تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣.] ، وإلا فهم يعترفون بأن الله هو الخالق، الرازق، النافع الضار، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] .
فليتدبر اللبيب العاقل، الناصح لنفسه، الذي يعرف: أن بعد الموت جنة ونارا، هذا الموضع، ويعرف الشرك بالله، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٤٨] ، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . فما بعد هذا البيان بيان، إذا كان الله قد حكى عن الكفار أنهم مقرون أنه هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، الذي يدبر الأمر، وإنما أرادوا من الذين يعتقدون فيهم التقرب والشفاعة عند الله تعالى.
وكم آية في القرآن، ذكر الله فيها هذا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤] إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٩] ، وكقوله; ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ
стр. 691
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦١] ، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٣] ، وغير ذلك من الآيات التي أخبر الله بها عنهم أنهم أقروا بهذا لله وحده، وأنهم ما أرادوا من الذين يعتقدون فيهم إلا الشفاعة، لا غير ذلك.
فإن احتج بعض المشركين أن أولئك يعتقدون في الأصنام، وهي حجارة وخشب ونحن نعتقد في الصالحين، قيل له: والكفار أيضا، منهم من يعتقد في الصالحين، مثل الملائكة، وعيسى ابن مريم، وفي الأولياء مثل العزير، واللات، والعزى، وناس، من الجن، وغيرهم; وذكر الله ذلك في كتابه، فقال في الذين يعتقدون في الملائكة ليشفعوا لهم: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة سبأ آية: ٤١] ، وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] .
وقال فيمن اعتقد في عيسى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ الآية [سورة النساء آية: ١٧١] ، وقال: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٦] فإذا كان عيسى بن مريم، وهو من أفضل الرسل، قيل
стр. 692
فيه هذا، فكيف بعبد القادر وغيره، أن يملك ضرا أو نفعا؟!
وقال في حق الأولياء: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٦"٥٧] ، قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة، وعزيرا، والمسيح، فقال الله: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، يرجون رحمتي، كما ترجون أنتم رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي، فرحم الله امرأ: تفكر في هذه الآية العظيمة، وفيما نزلت فيه وعرف: أن الذين اعتقدوا فيهم، إنما أرادوا التقرب إلى الله والشفاعة عنده.
وهذا كله يدور على كلمتين: الأولى: أن تعرف أن الكفار، يعرفون أن الله سبحانه هو الخالق الرازق، الذي يدبر الأمر، وحده، وإنما أرادوا التقرب بهؤلاء إلى الله تعالى; والثانية: أن تعرف أن منهم أناسا يعتقدون في أناس من الأنبياء والصالحين، مثل: عيسى، والعزير، والأولياء; فصاروا هم والذين يعتقدون في الأصنام، من الحجر، والشجر، واحدا، فلما قاتلهم رسول الله ﷺ لم يفرق بين الذين يعتقدون في الأوثان، من الخشب، والحجر، وبين الذين يعتقدون في الأنبياء، والصالحين، على أن أهل زماننا هذا، يعتقدون في الحجارة على
стр. 693
القبور، والشجر الذي عليها.
إذا تبين هذا، وأنه ليس من دين الله، وقال بعد ذلك المشرك: هذا بين، نعرفه من أول ... فقل له: إذا كان أصحاب رسول الله ﷺ لم يعرفوا هذا إلا بعد التعلم، ومن الشرك أشياء ما عرفوها إلا بعد سنين; وأنت عرفت هذا بلا تعلم، فأنت أعلم منهم! بل الأنبياء لم يعرفوا هذا إلا بعد أن علمهم الله تعالى، قال الله تعالى لأعلم الخلق محمد ﷺ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة محمد آية: ١٩] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٥] .
فإذا كان هذا نبينا، فما بال الخليل إبراهيم ﵇ يوصي بها أولاده، وهم أنبياء؟ قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٢] ، و ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان آية: ١٣] . فإذا كان هذا أمر لا يخاف على المسلمين منه، فما بال الخليل، يخاف على نفسه وعلى بنيه، وهم أنبياء؟ حيث قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٥] .
стр. 694
وما بال العليم الحكيم، لما أنزل كتابه ليخرج الناس من الظلمات، إلى النور، جعله في هذا الأمر، وكثر الكلام فيه، وبينه، وضرب فيه الأمثال، وحذر منه، وأبدى وأعاد؟ فماذا كان الناس يفهمونه بلا تعلم، ولا يخاف عليهم من الوقوع فيه، فما بال رب العالمين جعل أكثر كتابه فيه؟ فسبحان من طبع على قلب من شاء من خلقه، فأصمهم وأعمى أبصارهم.
وأنت يا من من الله عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إله إلا الله، لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق، وأنا تارك ما سواه، لكن لا أتعرض للمشركين، ولا أقول فيهم شيئا، لا تظن أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل لا بد من بغضهم، وبغض من يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم، كما قال أبوك إبراهيم، والذين معه: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] .
ولو يقول رجل: أنا أتبع النبي ﷺ وهو على الحق، لكن لا أتعرض اللات والعزى، ولا أتعرض أبا جهل وأمثاله، ما علي منهم; لم يصح إسلامه; وأما مجادلة بعض
стр. 695
المشركين بأن هؤلاء الطواغيت ما أمروا الناس بهذا، ولا رضوا به، فهذا لا يقوله إلا مشرك مكابر؛ فإن هؤلاء ما أكلوا أموال الناس بالباطل، ولا ترأسوا عليهم، ولا قربوا من قربوا، إلا بهذا; وإذا رأوا رجلا صالحا استحقروه، وإذا رأوا مشركا كافرا تابعا الشيطان، قربوه وأحبوه وزوجوه بناتهم، وعدوا ذلك شرفا!!
وهذا القائل يعلم أن قوله ذلك كذب، فإنه لو يحضر عندهم، ويسمع بعض المشركين يقول: جاءتني شدة، فنخيت الشيخ، أو السيد، فنذرت له، فخلصني، لم يجسر أن يقول هذا القائل: لا يضر ولا ينفع إلا الله; بل لو قال هذا، وأشاعه في الناس، لأبغضه الطواغيت; بل لو قدروا على قتله لقتلوه; وبالجملة: لا يقول هذا إلا مشرك مكابر، وإلا فدعواهم هذه، وتخويفهم الناس، وذكرهم السوالف الكفرية التي بآبائهم شيء مشهور لا ينكره من عرف حالهم، كما قال تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [سورة التوبة آية: ١٧] .
ولنختم الكتاب، بذكر آية من كتاب الله، فيها عبرة لمن اعتبر، قال تعالى في حق الكفار: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٧] ، فذكر عن الكفار أنهم إذا جاءتهم الشدة تركوا غيره، وأخلصوا له الدين; وأهل زماننا إذا جاءتهم الشدة والضر، نخوا غير الله، عن ذلك.
стр. 696
فرحم الله: من تفكر في هذه الآية وغيرها من الآيات; وأما من من الله عليه بالمعرفة، فليحمد الله تعالى; وإن أشكل عليه شيء، فليسأل أهل العلم عما قال الله ورسوله، ولا يبادر بالإنكار، لأنه إن رد، رد على الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [سورة السجدة آية: ٢٢] .
واعلم رحمك الله أن أشياء من أنواع الشرك الأكبر وقع فيه بعض المصنفين على جهالة، لم يفطن له، من ذلك، قوله في البردة:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
وفي الهمزية جنس هذا وغيره أشياء كثيرة; وهذا من الدعاء، الذي هو من العبادة التي لا تصلح إلا لله وحده; وإن جادلك بعض المشركين بجلالة هذا القائل، وعلمه وصلاحه، وقال بجهله: كيف هذا؟ فقل له: أعلم منه وأجل، أصحاب موسى، الذين اختارهم الله وفضلهم على العالمين، حين قالوا: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٨] ، فإذا خفي هذا على بني إسرائيل، مع جلالتهم وعلمهم وفضلهم; فما ظنك بغيرهم؟
وقل لهذا الجاهل: أصلح من الجميع وأعلم، أصحاب محمد ﷺ لما مروا بشجرة، قالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فحلف رسول الله ﷺ أن
стр. 697
هذا: كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٨] ففي هذا عبرتان عظيمتان:
الأولى: أن النبي ﷺ صرح أن من اعتقد في شجرة، أو تبرك بها، أنه قد اتخذها إلها، وإلا فأصحاب رسول الله ﷺ يعرفون أنها لا تخلق، ولا ترزق، وإنما ظنوا أن النبي ﷺ إذا أمرهم بالتبرك بها، صار فيها بركة.
والعبرة الثانية: أن الشرك قد يقع فيمن هو أعلم الناس، وأصلحهم، وهو لا يدري، كما قيل: الشرك أخفى من دبيب النمل; بخلاف قول الجاهل: هذا بين نعرفه; فإذا أشكل عليك من هذا شيء، وأردت بيانه من كلام أهل العلم، وإنكارهم جنس الشرك، الذي حرمه الله، فهو موجود; وأعني كلام العلماء في هذا، إن أردت من الحنابلة، وإن أردت من غيرهم; والله أعلم.
وقال رحمه الله تعالى:
فصل في معنى لا إله إلا الله: اعلم رحمك الله تعالى، أن "لا إله إلا الله" هي: الكلمة العالية، والشريفة الغالية، من استمسك بها فقد سلم، ومن اعتصم بها فقد عصم، قال رسول الله ﷺ " من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله "١. والحديث يفصح أن لا إله إلا الله، لها لفظ ومعنى،
стр. 698
ولكن الناس فيها ثلاث فرق: فرقة نطقوا بها وحققوها، وعلموا أن لها معنى وعملوا به، ولها نواقض فاجتنبوها. وفرقة: نطقوا بها في الظاهر، فزينوا ظواهرهم بالقول، واستبطنوا الكفر والشك. وفرقة: نطقوا بها ولم يعملوا بمعناها، وعملوا بنواقضها، فهؤلاء ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٤] .
فالفرقة الأولى هي الناجية، وهم المؤمنون حقا; والثانية هم المنافقون; والثالثة هم المشركون; فلا إله إلا الله: حصن، ولكن نصبوا عليه منجنيق التكذيب، ورموه بحجارة التخريب، فدخل عليهم العدو، فسلبهم المعنى، وتركهم مع الصورة; وفي الحديث: " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبدانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم "١ سلبوا معنى لا إله إلا الله، فبقي معهم لقلقة باللسان، وقعقعة بالحروف، وهو ذكر الحصن لا مع الحصن، فكما أن ذكر النار لا يحرق، وذكر الماء لا يغرق، وذكر الخبز لا يشبع، وذكر السيف لا يقطع، فكذلك ذكر الحصن لا يمنع.
فإن القول قشر، والمعنى لب، والقول صدف، والمعنى در، ماذا يصنع بالقشر مع فقدان اللب؟! وماذا يصنع بالصدف مع فقدان الجوهر؟!
لا إله إلا الله مع معناها، بمنزلة الروح من الجسد، لا ينتفع بالجسد دون الروح، فكذلك لا ينتفع بهذه الكلمة دون معناها. فعالم
стр. 699
الفضل: أخذوا بهذه الكلمة بصورتها ومعناها، فزينوا بصورتها ظواهرهم بالقول، وبواطنهم بالمعنى، وبرز لهم شهادة القدم بالتصديق ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨] .
وعالم العدل: أخذوا هذه الكلمة بصورتها دون معناها، فزينوا ظواهرهم بالقول، وبواطنهم بالكفر، بالاعتقاد فيمن لا يضر ولا ينفع؛ فقلوبهم مسودة مظلمة، لم يجعل الله لهم فرقانا يفرقون به بين الحق والباطل، ويوم القيامة يبقون في ظلمة كفرهم ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧] .
فمن قال: لا إله إلا الله، وهو عابد لهواه ودرهمه وديناره ودنياه، ماذا يكون جوابه يوم القيامة لمولاه؟ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [سورة الجاثية آية: ٢٣] ، " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش "١.
إذا قلت: لا إله إلا الله، فإن كان مسكنها منك اللسان لا ثمرة لها في الثمرة، فأنت منافق، وإن كان مسكنها منك القلب، فأنت مؤمن؛ وإياك أن تكون مؤمنا بلسانك دون قلبك. فتنادي عليك هذه الكلمة في عرصات القيامة: إلهي صحبته كذا وكذا سنة، فما اعترف بحقي، ولا رعى لي
стр. 700
حرمتي حق رعايتي؛ فإن هذه الكلمة تشهد لك، أو عليك.
فعالم الفضل تشهد لهم بالاحترام، حتى تدخلهم الجنة; وعالم العدل تشهد لهم بالاحترام، حتى تدخلهم النار ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [سورة الشورى آية: ٧] .
لا إله إلا الله: شجرة السعادة; إن غرستها في منبت التصديق، وسقيتها من ماء الإخلاص، ورعيتها بالعمل الصالح، رسخت عروقها، وثبت ساقها، واخضرت أوراقها، وأينعت ثمارها، وتضاعف أكلها ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [سورة إبراهيم آية: ٢٥] .
وإن غرست هذه الشجرة في منبت التكذيب والشقاق، وأسقيتها بماء الرياء والنفاق، وتعاهدتها بالأعمال السيئة والأقوال القبيحة، وطفح عليها غدير العذر ولفحها هجير هجر، تناثرت ثمارها، وتساقطت أوراقها، وانقشع ساقها، وتقطعت عروقها، وهبت عليها عواصف القذر، ومزقتها كل ممزق ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٢٣] .
فإذا تحقق المسلم هذا، فلا بد معه من تمام بقية أركان الإسلام، كما في الحديث الصحيح: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان،
стр. 701
وحج البيت الحرام، من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين "١ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
وسئل ﵀، عن: معنى: "لا إله إلا الله ".
فأجاب: اعلم رحمك الله، أن هذه الكلمة، هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي: كلمة التقوى، وهي: العروة الوثقى، وهي: التي جعلها إبراهيم ﵇: ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٨] . وليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويصومون ويتصدقون; ولكن المراد معرفتها بالقلب، ومحبتها ومحبة أهلها، وبغض من خالفها ومعاداته، كما قال ﷺ : " من قال لا إله إلا الله مخلصا "٢، وفي رواية: " صادقا من قلبه "٣، وفي لفظ: " من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله "٤، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة.
واعلم: أن هذه الكلمة، نفي، وإثبات: نفي الألوهية عما سوى الله ﵎ من المخلوقات، حتى عن محمد ﷺ وعن الملائكة، حتى جبرائيل، فضلا عن غيرهم من الأولياء والصالحين؛ إذا فهمت ذلك، فتأمل هذه الألوهية التي أثبتها الله لنفسه، ونفاها عن محمد،
стр. 702
وجبرائيل ﵉، فضلا عن غيرهما من الأولياء والصالحين، أن يكون لهم مثقال حبة خردل.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة، في زماننا: السر، والولاية; فالإله معناه: الولي الذي فيه السر; وهو الذي يسمونه: الفقير، والشيخ; وتسميه العامة: السيد، وأشباه هذا; وذلك أنهم يظنون، أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة، يرضى أن الإنسان يلتجئ إليهم ويرجوهم، ويستغيث بهم، ويجعلهم واسطة بينه وبين الله; فالذي يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وسائطهم، هم الذين يسميهم الأولون: الإله، والواسطة هو الإله، فقول الرجل: لا إله إلا الله، إبطال للوسائط.
إذا أردت أن تعرف هذا معرفة تامة، فذلك بأمرين: الأول: أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم النبي ﷺ وقتلهم، وغنم أموالهم، واستحل دماءهم، وسبى نساءهم، كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية; وهو أنه لا يخلق إلا الله، ولا يرزق، ولا يحيي، ولا يميت، ولا يدبر الأمر إلا الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] .
وهذه: مسألة عظيمة، مهمة، وهي: أن تعرف أن
стр. 703
الكفار شاهدون بهذا كله، ومقرون به، ومع هذا لم يدخلهم في الإسلام، ولم يحرم دماءهم وأموالهم، وكانوا أيضا يتصدقون، ويحجون، ويعتمرون، ويتعبدون، ويتركون أشياء من المحرمات، خوفا من الله .
ولكن الأمر الثاني، هو الذي كفرهم، وأحل دماءهم وأموالهم، وهو: أنهم لا يشهدون الله بتوحيد الألوهية وهو: أنه لا يدعى إلا الله، ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغاث بغيره، ولا يذبح لغيره، ولا ينذر لغيره، لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل، فمن استغاث بغيره فقد كفر، ومن ذبح لغيره، فقد كفر، ومن نذر لغيره فقد كفر; وأشباه هذا.
وتمام هذا: أن تعرف أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون الملائكة، وعيسى، وعزيرا، وغيرهم من الأولياء، فكفرهم الله بهذا، مع إقرارهم بأن الله هو الخالق، الرازق، المدبر; فإذا عرفت معنى لا إله إلا الله وعرفت أن من نخا نبيا أو ملكا، أو ندبه، أو استغاث به، فقد خرج من الإسلام؛ وهذا هو الكفر، الذي قاتلهم عليه رسول الله ﷺ
فإن قال قائل من المشركين: نحن نعرف أن الله هو الخالق، الرازق، المدبر، لكن هؤلاء الصالحين مقربون، ونحن ندعوهم، وننذر لهم، وندخل عليهم، ونستغيث بهم،
стр. 704
نريد بذلك الجاه، والشفاعة وإلا فنحن نفهم أن الله هو المدبر; فقل: كلامك هذا دين أبي جهل وأمثاله; فهم يدعون عيسى، وعزيرا، والملائكة، والأولياء، يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
فإذا تأملت هذا تأملا جيدا، عرفت أن الكفار يشهدون لله بتوحيد الربوبية، وهو التفرد بالخلق، والرزق، والتدبير؛ فهم ينخون عيسى، والملائكة، والأولياء يقصدون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ويشفعون لهم عنده; وعرفت أن الكفار، خصوصا النصارى منهم من يتعبد الليل والنهار، ويزهد في الدنيا، ويتصدق بما دخل عليه منها، معتزلا في صومعة عن الناس، ومع هذا كافر، عدو لله، مخلد في النار، بسبب اعتقاده في عيسى أو غيره من الأولياء، يدعوه، ويذبح له، وينذر له; وتبين لك أن كثيرا من الناس عنه بمعزل; وتبين لك: معنى قوله ﷺ : " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بد أ"١.
فالله، الله، إخواني! تمسكوا بأصل دينكم أوله وآخره، أسه ورأسه، وهو: شهادة أن لا إله إلا الله; واعرفوا معناها; وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين; واكفروا بالطواغيت، وعادوهم، وأبغضوا من أحبهم، أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم، أو قال: ما علي
стр. 705
منهم، أو قال: ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله، وافترى; بل كلفه الله بهم، وفرض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم، ولو كانوا: إخوانه، وأولاده; فالله، الله، تمسكوا بأصل دينكم، لعلكم تلقون ربكم، لا تشركون به شيئا. اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين.
ولنختم الكلام بآية ذكرها الله في كتابه، تبين لك أن كفر المشركين من أهل زماننا، أعظم من كفر الذين قاتلهم رسول الله ﷺ . قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ٦٧] ، فقد ذكر الله تعالى عن الكفار، أنهم إذا مسهم الضر تركوا السادات والمشائخ، فلا يدعونهم، ولا يستغيثون بهم، بل يخلصون لله وحده لا شريك له، ويستغيثون به ويوحدونه; فإذا جاء الرخاء أشركوا.
وأنت ترى المشركين من أهل زماننا، ولعل بعضهم يدعي أنه من أهل العلم، وفيه زهد واجتهاد وعبادة، وإذا مسه الضر، يستغيث بغير الله، مثل: معروف، وعبد القادر الجيلاني، وأجل من هؤلاء، مثل: زيد بن الخطاب، والزبير وأجل من ذلك مثل: رسول الله ﷺ . فالله المستعان! وأعظم من ذلك، وأعظم: أنهم يستغيثون بالطواغيت، والكفرة المردة، مثل: شمسان; وإدريس، ويوسف، وأمثالهم; والله أعلم.