[سورة إبراهيم آية: ٣٤] .
فانظروا رحمكم الله بماذا تقابلونها؟ أباستعمالها في طاعته ودينه ومراضيه؟ أم تجعلونها سلما إلى الإعراض عن دينه، وارتكاب معاصيه؟ من الظلم والبغي، والأشر والبطر، واللهو واللعب، وقول الزور، والسخرية، ونحو ذلك مما لا يحبه الله ولا يرضاه؟
نسأل الله السلامة من أسباب التغيير; قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١١] . اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.
الله الله عباد الله: قيدوا نعم الله بشكره، واتباع ما يرضيه; وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه; فإن الله خولكم نعمه، لتطيعوه ولا تعصوه، وتعملوا بدينه وشرعه وتعظموه، لا لتشغلوا بها عن ذلك، أو تمتهنوه; اللهم أوزعنا شكر ما أنعمت به علينا من هذه النعم الظاهرة والباطنة، واستعملنا فيما يرضيك عنا، وعافنا واعف عنا، برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 6407
صلى الله عليه وسلم [التواصي بتقوى الله تعالى وبما يرضيه سبحانه]
له أيضا، حشره الله في زمرة الصديقين:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن: إلى من يصل إليه من الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فالذي نوصيكم به، تقوى الله تعالى، والتواصي بما يرضي الله سبحانه، من طاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، والعدل والإنصاف؛ واذكروا فناء الدنيا وزوالها، والعرض على الله، والحساب، والميزان، والجنة، والنار، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
والباعث على هذا: أمور وقع فيها الخلل، بسبب الإقبال على الدنيا، والإعراض عن الآخرة.
فمنها: التهاون بالصلاة من كثير من السفهاء، لا يبالون صلوها في جماعة أم لا; وصلاة الجماعة فرض على الأعيان، كما هو مذهب الإمام أحمد وغيره; وقال بعض العلماء هي شرط، لا تصح الصلاة إلا بها.
ومر علينا عبارة في الدرس، بحضرة إخوانكم، وارتاعوا منها، وأحبوا: أنا ننبهكم عليها; وهي: أن المشهور في مذهب الإمام أحمد، أن من ترك الصلاة تهاونا وكسلا يكفر، ويقتل كفرا إذا دعي إليها فأصر.
ومنها: صلاة الجمعة، نصوا على أن من تركها تهاونا
стр. 6408
وكسلا ولو مرة واحدة، أنه يكفر; ويوجد أناس في أطراف البلدان، يتركونها مرارا، وهذا أمر عظيم، وخطره كبير، قد يكون الإنسان كافرا مرتدا، بترك فريضة، وهو لا يشعر.
فاحذروا - رحمكم الله - التهاون بمثل هذه الأمور الخطيرة، التي إذا وقعت من سفيه ضرت العامة، إذا تركوه عليها وأعظم الناس خطرا في مثل هذه الأمور: الأمراء والنواب، إذا تركوا القيام بما أوجب الله عليهم، من القيام بأمر الله على الداني والقاصي، والقريب والبعيد، والعدو والصديق، كما قال تعالى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ : [سورة النساء آية: ١٣٥] الآية. وهذا هو الواجب على ولاة الأمور، فنسأل الله لنا ولكم التوفيق.
وهنا مسألة مما يتعلق بالعدل، وحقوق الخلق; وهي: أن "النوابة"التي يضعها الأمراء والنظراء ربما يقع فيها الجور، وعدم المواساة، فمن ذلك: تنويب المعسر، الذي لا يقدر على وفاء جميع ما عليه من الدين، لكون جميع ماله لا يقابل دينه، فهذا لا يجوز أخذ النائبة منه.
وقد بلغني أن الشيخ محمد ﵀ أفتى أناسا من أهل سدير وغيرهم أن هذه النوائب توضع بالقسط على الناتج; هذا إذا كانت لمصلحة الدين، كالجهاد خاصة، فتوضع بالعدل على الناتج، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٨] الآية. وصلى الله على محمد.
стр. 6409
[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى الشيخ عيد بن حمد يوصيه فيها بتقوى الله ولزوم العبودية لله]
وله أيضا، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ الشيخ: عيد بن حمد، وفقه الله لما يحبه الله ويرضاه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: وصل الخط أوصلك الله ما يرضيه، وإن سألت عنا، فنحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على تمام نعمه; ونسأله تعالى أن يجعلك ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه، ويجتنب سخطه، فإنا نحن به وله.
وتعلم يا أخي أن الدين النصيحة، فأوصيك ونفسي، بتقوى الله ولزوم العبودية التي هي غاية الذل في غاية المحبة للمعبود، الذي لا يستحق العبادة إلا هو، ولا يعين على عبادة غيره؛ فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجل الوسائل، وهو معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] .
قال العلامة ابن القيم ﵀: وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية; وتضمنت التعبد باسم الرب، واسم الله، فهو يعبد بالألوهية، ويستعان بربوبيته، ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته. انتهى.
وحقيقة العبودية: الإقبال على الله، والإعراض عن كل ما
стр. 6410
سواه، وإيثار مراد الله، على كل ما تطلبه النفوس وتهواه، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [سورة النازعات آية: ٤٠-٤١] . وقال: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الجاثية آية: ١٨] . وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة القصص آية: ٥٠] .
وفي الحديث: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به، وهذا هو الصراط المستقيم، كما ذكره عن نبيه ورسوله عيسى ﵇، في مقام الدعوة إلى الإسلام: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [سورة آل عمران آية: ٥٠-٥١] .
فلشدة فاقة العبد وضرورته إلى أن يهديه الله صراطه المستقيم، فرض الله عليه أن يسأله هذه الهداية، في أفضل أحواله مرارا متعددة في اليوم والليلة؛ وليس العبد في شيء أشد فاقة وحاجة منه إليها، فإنه يحتاج إليها في كل نفس وطرفة عين، وفي جميع ما يأتيه ويذره، من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو محتاج إلى التوبة منها.
وأمور هدي إلى أصلحها دون تفصيلها، أو هدي إليها من وجه دون وجه، وهو محتاج إلى إتمام الهداية فيها; وأمور هو محتاج إلى ما يحصل له من الهداية فيها في المستقبل، مثل ما حصل له في الماضي.
وأمور هو خال عن الاعتقاد فيها، هو محتاج إلى
стр. 6411
الهداية فيها، وأمور لم يفعلها، فهو محتاج إلى فعلها على وجه الهداية; وأمور قد هدى إلى اعتقاد الحق والعمل الصواب فيها، فهو محتاج إلى الثبات عليها، إلى غير ذلك من أنواع الهداية.
وبين سبحانه أن أهل هذه الهداية هم المختّصون بنعمه، دون المغضوب عليهم وهم: الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه; ودون الضالين، وهم: الذيق عبدوا الله بغير علم; والطائفتان اشتركتا في القول على الله في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم، فسبيل المنعم عليهم مغاير لسبل أهل الباطل كلها، علما وعملا.
[حث الإمام فيصل بن تركي على نسخها وقراءتها في المساجد مرارا]
قال الإمام فيصل، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من فيصل بن تركي، إلى الوالد المكرم، الشيخ: جمعان بن ناصر، ومرشد، وإخوانهم أهل الوادي، وفقنا الله وإياهم لما يحبه الله ويرضاه، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: اقرؤوا النصيحة في جميع مساجد بلدان الوادي، وانسخوا منها أوراقا في كل بلاد، وكلما أخذتم شهرين، أعيدوا قراءتها; واعلموا أنه مستقبلكم عام جديد، توبوا إلى الله ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد آية: ٧] ، واجمعوا صدقة ترد على الأيتام، والأرامل، والفقراء
стр. 6412
والمساكين، والمستحقين، والله يوفقنا وإياكم للخيرات.
[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام عبد الله بن فيصل يذكره بما قام به جده محمد وعمه عبد العزيز، وأنها خلافة، وما جرى في إمارة سعود]
وقال أيضا الشيخ; عبد الرحمن بن حسن، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام: عبد الله بن فيصل، سلمه الله تعالى وتولاه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته; وتفهم أن الدين النصيحة، وأحق من أنصح نفسي، ثم أنت يا إمام المسلمين، ورأيت الأمر ضاع، وكثر الأعداء، واستحكمت أمورهم، وصعبت عليكم.
وهنا سبب فيه ذهاب الأعداء، مع النية الصالحة، وتهتوه بالفعل، وأما القول فتذكرونه صباحا ومساء، وذلك لا يجدي شيئا; وقد بان لك ما جرى على أولئك، مع ما بينوه من هذا الدين، ومعهم حسنة تعدل ما عمل به الخلائق، فكيف بكم اليوم، جعلتموها أمور ملك، ورأيتم الخلل؟!
تفهم أن أول ما قام به جدك محمد، وعبد الله، وعمك عبد العزيز أنها خلافة نبوة، يطلبون الحق ويعملون به، ويقومون ويغضبون له، ويرضون ويجاهدون، وكفاهم الله أعداءهم على قوتهم، إذا مشى العدو كسره الله، قبل أن يصل، لأنها خلافة نبوة.
ولا قاموا على الناس إلا بالقرآن والعمل به، كما قال تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
стр. 6413
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى﴾ : [سورة النور آية: ٥٥] .
صلى الله عليه وسلموأخذ عمك في الإسلام، حتى جاوز الثمانين في العمر، والإسلام في عز وظهور، وأهله يزيدون، وحصل لهم مضمون قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [سورة النور آية: ٥٥] ، وصار أهل الأمصار يخافونهم; وأراد الله سبحانه إمارة سعود بعد أبيه، يرحم الله الجميع.
وأراد الله أن يغير طريقة والده الذي قبله، وبغاها ملكا، وبدأ الأمر ينقص أمر الدين، والدنيا تطغى، يشرى البيت بستمائة ريال في الدرعية، والنخلة الواحدة بستين ريالا، مائة نخلة بستة آلاف ريال، أنا الكاتب لمشتراها.
وصار العاقبة: القصور التي بنيت بقناطير، والمقاصير التي تنفذ فيها الأموال العظيمة، التي تسوى ثلاثة آلاف، ما تسوف اليوم إلا جديدة، لما جرى ما جرى، من تسليط الأعداء عليهم، هذا وهم على التوحيد، لكن ما أعطوه حقه.
اشتغلوا بالدنيا ونضارتها، وما فتح الله عليهم، وأعرضوا عما أوجب الله عليهم القيام به في أنفسهم وعلى الناس، فجرى ما جرى; وصار الحمولة أكثر شرائدهم الذين بقوا، آجالهم في مصر. وهذا بسبب الغفلة عما أوجب الله، لأن الله اختار لهم
стр. 6414
أمرا عظيما، ومكنهم منه ومن الناس، لكن حصل تفريط في هذه النعمة العظيمة.
والدرعية اليوم، من تدبر حالها وحللها عرف أن ما جاءهم إلا ذنوبهم، فاعتبروا يا أولي الأبصار. وهذا حقك علي؛ وأرجو أن الله يمن عليك بتوحيده، والقيام به على نفسك وعلى الناس، قريبهم وبعيدهم، ويعافيك من أهل التثبيط.
والحق منصور في كل زمان ومكان، ومنصور من هو معه، سواء كان حرا أو عبدا، صغيرا أو كبيرا، وابتلاكم الله، وعرفتم العواقب، والمؤمن ما يلدغ من جحر مرتين: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ [سورة التوبة آية: ١٢٩] .
ووالله ثم والله: إن لم تجعلها أمر دين، وتدعو الناس إلى ما أمرهم الله به، أن تشفق سكون قرية من قرى نجد، وأنت مطلوب، لكن إن تسلط عليك أحد، وأنت تأمر بما أمر الله به ورسوله، فالله مع المتقين.
فإن كنت على هذه الحالة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6415
[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى بعض الإخوان يسأل عن حالهم ويوصيهم بتدبر أنوار الكتاب]
وله أيضا ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الإخوان: صالح بن محمد الشثري، وزيد ابن محمد آل سليمان، وإخوانهم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وموجب الخط: إبلاغكم السلام، والسؤال عن الحال، جعلنا الله وإياكم ممن عرف الحق فاتبعه، وقابل النعم بشكرها.
وأوصيكم: بتدبر أنوار الكتاب، التي هي أظهر من الشمس في نحر الظهيرة، ليس دونها قتر ولا سحاب، لا سيما دلائل التوحيد، والتفكر في مدلولاته، ولوازمه وملزوماته، ومكملاته ومقتضياته، ثم التفطن فيما يناقضه وينافيه، من نواقضه ومبطلاته.
فالخطر به شديد، ولا يسلم منه إلا من وفق للصبر والتأييد، والفعل الحميد، والقول السديد، وخالط قلبه آيات الوعد والوعيد، وعرف الله بأسمائه وصفاته، التي تجلو الريب، والشك عن قلب كل مريد، واعتصم بالله من كل شيطان مريد ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [سورة البروج آية: ١٢-١٦] الآيات.
فقد عمت البلوى بالجهل المركب والبسيط ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [سورة الأنفال آية: ٤٧] فالله الله في التحفظ على
стр. 6416
القلب بكثرة الاستغفار من الذنوب. جعلنا الله وإياكم ممن نجا من ظلمة الجهلة، وأخلص لله أقواله وأعماله، والسلام.
[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى محمد آل سليم يذكره بما أسبغ الله عليه من نعمه]
وله أيضا، رحمة الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ محمد بن عمر آل سليم، سلمه الله تعالى من كل آفة وأمنه من كل مخافة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
وصل الخط وصلك الله ما يرضيه، ونحمد إليك الله على ما أسبغ من نعمه الباطنة والظاهرة، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين، ونعمة الله عليكم عظيمة، حيث أقامكم في ناحية أهلها جهال بالتوحيد، ما له عندهم قدر ولا قيمة، وجعلكم تدعون إليه، وتبينونه، وتحملون الناس عليه، وجعل لكم أصحابا قابلين هذه الدعوة ومحبينها، ومعادين فيها وموالين فيها.
ويا أخي هذه النعمة علينا وعليكم عظيمة، واحمدوا الله ، وتبرؤوا من الحول والقوة، وانسبوا النعمة إلى ربكم; قال ابن القيم ﵀، لما ذكر حياة القلب، وصف القلب الحي بقوله: أن يكون مدركا للحق، مريدا له، مؤثرا له على غيره، والسلام; ١٢٨٤ هجرية.
стр. 6417
صلى الله عليه وسلم [وصية الشيخ عبد الرحمن بن حسن بالصدق مع الله وبتعلم العلم]
وله أيضا، قدس الله روحه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وحال الناس اليوم لا تخفاك، وأهل نجد منّ الله عليهم بنعمة التوحيد، لما يسر لهم من يدعوهم إليه، ويجاهدهم عليه؛ لكن أعرضوا في هذه الأوقات، وآثروا الدنيا على الدين، إلا من شاء الله، لكن إذا حصل في البلدان طائفة حق، يقومون به ويدعون إليه، ويستحسنون الحسن ويستقبحون القبيح، فهذه نعمة عليهم وعلى أهل بلدهم.
فالذي أوصيكم به: اصدقوا مع الله، وتعلموا من العلم ما ينجيكم من شبهات أهل الشك والريب، فبالعلم واليقين تدفع الشبهات، ولله الحمد على بقاء طائفة الحق، تدعو من ضل إلى الهدى، وتصبر منهم على الأذى والسلام.
[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى أمراء جعلان يذكرهم بالوصايا الثلاث التي لا يتم الدين إلا بها]
وله أيضا رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الإخوان من المسلمين الموحدين المجاهدين، أمراء جعلان، وفقنا الله وإياهم للإخلاص والصدق في الدين، وجعلنا وإياهم من حزبه المفلحين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فاعلموا وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى
стр. 6418
من الأقوال والأفعال أن أشرف الوصايا وأجمعها، وأكملها وأنفعها، ما وصى الله به عباده المؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] ، وفسره العلماء: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر؛ ثم قال تعالى ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
وأمرهم بالمحافظة على الإسلام الذي رضيه لنا دينا، والثبات عليه والاستقامة عليه علما وعملا؛ وهذا إنما يحصل لأهل التقوى خاصة الذين أخلصوا العبادة لله، وأنكروا الشرك وأبغضوه، وعرفوا الله وأطاعوه، فاجتنبوا ما نهاهم الله عنه؛ ومن شقي في هذا وتركه، فاته من الاستقامة والمحافظة بحسب ما أضاعه من تقوى الله.
وملاك هذا كله، وهو الأمر الثالث، وهو قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] ، فلا تحصل التقوى إلا بمعرفة ما أمرالله به، ومعرفة ما نهى عنه، ليكون العمل والتقوى على بصيرة; وبالتمسك بكتاب الله، يتبين حقيقة دين الإسلام، ليتبين ويعتقد وحقيقة ما ينافيه من الشرك، لينكر ويجتنب.
فهذه ثلاث وصايا لا يتم الدين إلا بها، فالاعتصام بكتاب الله والتمسك به، ينتظم به ما قبله من الثبات على الإسلام، والاستقامة، وكذلك تقوى الله حق تقاته، لا تحصل بدون ذلك; آخر ما وجد، وصلى الله على محمد.
стр. 6419
صلى الله عليه وسلم [رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى أهل جعلان في حكم المعاملة بالربا]
وله أيضا ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن، إلى من يصل إليه من إخواننا المسلمين، من أهل جعلان، سلمهم الله، وهداهم لما يحبه ويرضاه، وجعلنا وإياهم ممن يخافه ويخشاه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإن الله حرم على عباده المعاملة بالربا، في الأخذ والعطاء، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨-٢٧٩] .
وقال تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥-٢٧٦] .
أخبر تعالى: عن الذين يأكلون الربا في الدار الدنيا، أنهم إذا قاموا من قبورهم يوم القيامة، لا يقومون إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له.
стр. 6420
وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق، وروى ابن ماجه وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الربا سبعون حوبا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه.
وفي الحديث الصحيح: لعن الله آكل الربا وموكله، وشاهديه، وكاتبه، وفي الحديث المتفق عليه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد؛ فإذا اختلفت هذه الأجناس، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد ١ رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، وزنا بوزن، مثلا بمثل; والفضة بالفضة مثلا بمثل، وزنا بوزن. فمن زاد أو استزاد فهو ربا ٢ رواه مسلم.
إذا عرفتم ذلك، فالذي أوجب هذه النصيحة لكم، أنه بلغنا أن فيكم من يشتري الفضة بالفضة، أو الذهب بالذهب، ويحضر بعضا ويغيب بعضا، وهذا هو الربا المنهي عنه في الحديث؛ فلا بد من التقابض في المجلس قبل التفرق، فإن
стр. 6421
تفرقا وقد بقي شيء من أحد العوضين بطل البيع، وحرم الفعل على من فعله، وصار قد أربى.
كذلك الوزن، ربما أنه ما يحصل مماثلة من جهة الغش الذي يكون في الذهب أو الفضة، فقد يكون أحد العوضين فضة صافية من الغش، والأخرى فيها غش، فلا تحصل المماثملة المشروطة في الحديث؛ والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، لأن الغش الذي فيهما، أو في أحدهما، لا يعرف قدره، فلا تحصل المماثلة، فيحرم؛ ولا يصح من هذا إلا إذا كان الذهب أو الفضة صافي من الطرفين، وحصل التساوي في الوزن، والتقابض في المجلس؛ فهذا هو الذي يصح، فإن اختل شيء من هذه الشروط، صار ربا وحرم.
فاجعلوا هذه الأمور منكم على بال، وفقنا الله وإياكم لطاعته، وجنبنا معصيته، إنه ولي ذلك كله، والقادر عليه; وسلموا لنا على إخوانكم، ومن لدينا: الإمام فيصل وأولاده، وكذلك أولادنا وحمولتنا آل الشيخ بخير، وينهون السلام على الإخوان، وأنتم سالمين، والسلام، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 6422
[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى عبد الرحمن بن عبيد يخبره بعلمه عن الذين فضحتهم أعمالهم]
وله أيضا ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ عبد الرحمن بن علي بن عبيد، وفقه الله، وحفظ عليه دينه ودنياه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فالخط وصل، وصلك الله إلى خير، وما ذكرت صار معلوما، وهؤلاء الذين ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة الفتح آية: ١١] ، قد فضحتهم أعمالهم، وكل من له بصيرة لا تخفى عليه حالهم، كما قيل:
وكيف يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل؟
وأما من عميت بصيرته، وفسدت سريرته، واستعبده هواه، وركن إلى دنياه، ولعب بقلبه الرياسة والجاه، وخدعته الدنيا بغرورها، وختلته بآمالها، وصار لنفسه من سعيه حظ، ولهواه نصيب، وللشيطان منه نصيب، ولأرباب الدنيا منه نصيب، ولمخدومه منه نصيب، ولمطاعه من الخلق نصيب، فإنها تتلاعب به إراداته، من كل واد من أودية الهلاك، وهو لا يشعر.
فهذا كالأعمى، يتبع قائده ولا يرى الأمر على ما هو عليه، فكان عدم التصور من عدم البصيرة، وربما اعتقد النافع ضارا وبالعكس، نسأل الله العافية، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 6423
وتأمل، قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان آية: ٤٣-٤٤] .
وقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة فاطر آية: ٨] .
[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى محمد آل سليم يروي له ما حدَّث من مشائخه ويوصيه بتقوى الله]
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ: محمد بن عمر آل سليم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد طلبت مني الإجازة أن تروى عني ما رويته عن مشائخي، من أهل نجد ومصر، وقد أجزتك بما رويته عنهم بالإجازة، كالكتب الستة، والفقه في مذهب الإمام أحمد، وغير ذلك ككتب التفسير، ونحو ذلك.
وعليك في ذلك تقوى الله، والتدبر والاجتهاد في معرفة المعنى، وصورة المسألة، والمطالعة على كل ما يرد عليك، واجتهد في العدل فيما وليت عليه، من أمور المسلمين، في حق القريب والبعيد، وفي حق من تحب وتكره، فما ظهر
стр. 6424
لك معناه فقله، وما لم يظهر فكله إلى عالمه، واستعن بالله وتوكل عليه.
واجتهد: في نشر التوحيد بأدلته، للخاصة والعامة، فإن أكثر الناس قد رغبوا عن هذا العلم، الذي هو شرط لصحة كل عمل يعمله الإنسان، من صلاة، وصيام، وحج، فلا يصح شيء من ذلك، إلا بمعرفة معنى الشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، على يقين وإخلاص، وصدق ومحبة، وقبول وانقياد.
وأن يحب في هذا التوحيد، ويوالي فيه ويعادي، وكل هذه القيود دل عليها الكتاب والسنة، فاطلب أدلتها من مظانها تجدها، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم ٩ رجب سنة ١٢٨٣ هـ.
[الحث على الإخلاص وتقوى الله]
وقال الإمام: فيصل بن تركي، والشيخ: عبد الرحمن بن حسن، والشيخ: علي بن حسين، رحمهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من فيصل بن تركي، وعبد الرحمن بن حسن، وعلي بن حسين، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين، وفقهم الله لتوحيده، وجعلهم من صالحي عبيده آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فنوصيكم وأنفسنا بتقوى الله، فإنها وصية الله
стр. 6425
للأولين والآخرين، وأعظم التقوى وأصلها اتقاء الشرك بالله والإخلاص له بجميع الأعمال الظاهرة والباطنة، وهو معنى كلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها دلت على نفي الشرك في العبادة وتركه، والبراءة منه.
ودلت أيضا على إخلاص الإلهية لله تعالى، فلا يدعى غيره، ولا يرجى سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، كما قال تعالى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ : [سورة الشرح آية: ٧-٨] .
وقال تعالى ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [سورة هود آية: ١٢٣] .
وقال تعالى ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] الآية.
وجميع أفراد العبادة لا تصلح إلا لله تعالى، قد بينها في كتابه مجملا ومفصلا، كما قال تعالى ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ : [سورة الزمر آية: ٢] ﴿اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٦] فتقديم المعمول به يفيد الحصر والاختصاص، كما قال تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، في الفاتحة: [سورة الفاتحة آية: ٥] أي: لا نعبد غيرك، ولا نستعين إلا بك.
وهذا هو الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وكل رسول يرسله الله، يقول ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ سورة الأعراف آية: ٥٩] .
وقال تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة البينة آية: ٥] الآية.
وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير، يأمر تعالى عباده أن
стр. 6426
يخلصوا له العبادة، وينهاهم أن يقصدوا بها غيره. وإخلاص العبادة له، هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، قال تعالى ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] .
وفي الحديث الصحيح، أنه قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ١ وقال تعالى، ناهيا لهم عن الشرك في عبادته: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٢٠] الآيتين.
وقال تعالآمرا لهم بالتوحيد: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ : [سورة النحل آية: ٢٢] .
وقال تعالى ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [سورة الصافات آية: ٤-٥ب] . هذا مضمون كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، نفت الشرك في الإلهية، وأثبتت توحيد الله بذلك.
ومما دلت عليه هذه الكلمة: إخلاص الحب في الله تعالى، كما قال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ : [سورة البقرة آية: ١٦٥] إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٧] ، فأوجب لهم بشركهم في المحبة أن خلدوا في النار، فإخلاص الموحد المحبة يقتضي الحب في الله والبغض فيه، والمعاداة والموالاة فيه، لأن العبد إذا أخلص له المحبة أحب طاعته وأهل طاعته، وأبغض معصيته ومن يعصيه؛ وعلى قدر المحبة تكون الموالاة
стр. 6427
بين الموحدين، والمعاداة للمشركين الجاحدين لتوحيد رب العالمين؛ والأدلة على هذا في الكتاب والسنة كثير.
فالمشرك عدو لله وعدو لأهل توحيده وطاعته، ولذلك أوجب الله تعالى على الموحدين مقاطعة المشركين وجهادهم، كقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٩] الآية.
وقال تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ : [سورة التوبة آية: ٥] .
والآيات بالأمر بجهادهم وجهاد إخوانهم من المنافقين كثيرة، فأوجب جهادهم والبراءة منهم في أكثر سور القرآن، منطوقا ومفهوما؛ لكن لا يتفطن لهذا الأصل إلا من استنار قلبه بأنوار التوحيد، علما وعملا.
وبهذا المعنى جاء الحديث: اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك، حربا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك ١. فلا ضلال أضل، ولا ظلم أعظم، من وضع حق الله تعالى من العبادة في غير موضعه، بأن يصرف لمخلوق ميت غائب، ولا ينفع ولا يضر.
قال تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ : [سورة النحل آية: ٧٣] الآية.
وقال تعالى ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٦] .
стр. 6428
وقال تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ : [سورة الأنعام آية: ٤٠-٤١] الآية. فمن رزق في القرآن علما وفهما، تبين له حقيقة الإسلام والإيمان.
فيا من نصح نفسه، إياك إياك أن تشتغل بشهواتك ومألوفاتك عن توحيد ربك، وما يجب له عليك، من الإخلاص والطاعة، وما أوجبه لرسوله ﷺ من الاقتداء به والمتابعة; فما أخسر من أخذ الجهل بدلا عن الدين، وأخذ الأماني والشك عوضا عن الإيمان واليقين!
قال أبو العالية ﵀: تعلموا الإسلام، فإذا علمتموه فلا ترغبوا عنه. وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام، ولا تحرفوه يمينا وشمالا. فلقد صدق ونصح؛ فمن لم يتعلم الإسلام، ورغب عنه، أكثر التحريف والانحراف.
فما أعظمها من مصيبة! وما أجدرها بالعقوبة! كما قال قتادة ﵀ في حال من أعرض عن الدين: قد رأيتموهم والله خرجوا من الهدى إلى الضلال، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.
فاستدركوا رحمكم الله ما فاتكم، وأقبلوا بقلوبكم على تعلم ما بعث الله به رسله، من توحيد ربكم. وارغبوا إليه واسألوه الثبات عليه، وأن يصرف همكم إلى العلم النافع،
стр. 6429
والعمل الصالح. وإياكم والخلود إلى الأرض، والتمادي عن السنن والفرائض؛ فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ١.
واعلموا رحمكم الله، أنه قد ورد في الأثر: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولارفع إلا بتوبة وقد منع الله تعالى القطر من السماء، لما له فيه من الحكمة، ولا شك أن هذا من آثار الذنوب، وما يعفو الله عنه أكثر، وما دفع الله عنكم من العقوبات أعظم.
فتوبوا إلى ربكم، كما قال تعالى ﴿: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] .
وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [سورة التحريم آية: ٨ب] الآية، وائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، وتناصحوا في دينكم، وتحببوا إلى ربكم بالتوبة إليه، والإقبال عليه، والرغبة إليه بطاعته، واجتناب معصيته، لعل الله أن يدخلكم في رحمة منه وفضل، ويهديكم إلى صراط مستقيم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6430
[التذكير بأداء الفرائض ومن أهمها الصلوات الخمس وذكر الأدلة لها]
وقال بعضهم، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شهدت وحدانيته بديع مصنوعاته، ونطقت بتسبيحه وتحميده جميع مخلوقاته، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، في ربوبيته وإلهيته، وأسمائه وصفاته.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المصطفى من جميع برياته، الذي عرج به إليه، حتى رفعه فوق سبع سماواته، ففرض عليه خمسين صلاة، ثم شفع إلى ربه في التخفيف عن أمته، فصارت إلى خمس، وذلك من بركاته، اللهم صلّ على محمد وعلى آله، وأصحابه، وأهل موالاته.
أما بعد:
فإن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه إنما خلق عباده ليعبدوه بتوحيده، ويشكروه بأداء فرائضه التي افترض عليهم. ومن أفرضها: هذه الصلوات الخمس التي عظم الله شأنها في كتابه العزيز، وحض على المحافظة عليها، وأثنى على المحافظين عليها، والمقيمين لها الخاشعين فيها.
فقال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ : [سورة المؤمنون آية: ١-٦] ، إلى قوله:
стр. 6431
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[سورة المؤمنون آية: ٩-١١] .
وقال تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ : [سورة البقرة آية: ٢٣٨] ، كما ذم في كتابه الذين يتغافلون عنها ويتكاسلون، فقال جل ذكره: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سورة الماعون آية: ٤-٥] .
وقال بعد ذكر أنبيائه، وسجودهم لربهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٥٩] ، فمن حافظ عليها وأقام حدودها، فهو من المؤمنين، ومن ضيعها وتثاقل عنها، كان من الغافلين، وأدخل في مسمى المنافقين، ﴿الذين وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ١٤٢] .
ومن المحافظة عليها: المحافظة على أدائها، حيث ينادى لها في مساجد المسلمين، كما دل على وجوب الصلاة في الجماعة، نصوص الكتاب والسنة، وإجماع أهل التحقيق، من العلماء العارفين، قال تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٤٣] .
وقال تعالى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ
стр. 6432
وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [سورة النساء آية: ١٠٢] .
فلم يعذر ﵎ في الاجتماع لها، حال قتال المشركين.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا. والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر رجلا فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم ١.
وعن ابن أم مكتوم ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أنا ضرير شاسع الدار، وليس لي قايد يلائمني فهل تجد لي من رخصة، أن أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة.
وعن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر - قالوا: وما العذر؟ قال خوف أو مرض - لم تقبل منه الصلاة التي صلى ٢. ويروى مرفوعا: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض. ولقد كان المريض يمشى به بين الرجلين حتى يأتي الصلاة وإن ;
стр. 6433
رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى: الصلاة في المسجد حيث يؤذن فيه، ولو أنكم صليتم في بيوتكم، كما يصلى هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ تأخرا في أصحابه، فقال لهم: تقدموا وائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال أقوام يتأخرون، حتى يؤخرهم الله ١.
وقال أبو هريرة: لأن تمتلي أذنا ابن آدم رصاصا مذابا، خير له من أن يسمع النداء فلم يجبه وقال عطاء بن أبي رباح: ليس لأحد من خلق الله في الحضر والسفر إذا سمع النداء رخصة أن يدع الصلاة وقال ابن عباس: من سمع النداء ثم لم يجب، لم يرد خيرا ولم يرد به.
ويذكر عن النبي ﷺ من صلى في جماعة، فقد ملأ نحره عبادة. وروى أيضا عن النبي ﷺ : من صلى أربعين يوما الصلاة في جماعة، ما يفوته منها تكبيرة الإحرام، كتب له براءتان: براءة من النفاق، وبراءة من النار.
وقد ورد أنه إذا كان يوم القيامة يحشر قوم وجوههم كالكواكب الدرارى فتقول لهم الملائكة: ما أعمالكم؟ فيقولون: كنا إذا سمعنا النداء قمنا إلى الطهارة، لا يشغلنا غيرها; ثم يحشر طائفة وجوههم كالقمر، فيقولون بعد السؤال: كنا نتوضأ قبل الوقت; ثم يحشر طائفة أخرى
стр. 6434
وجوههم كالشمس فيقولون: كنا نسمع الأذان في المسجد; وكان بعض السلف يقول: منذ عشرين سنة ما أذن إلا وأنا بالمسجد; وفي رواية: ما فاتتني تكبيرة الإحرام خمسين سنة.
فأين هذه الآثار، وأحوال السلف الصالح ﵃، من أحوال السفهاء الغوغاء، الذين يشتغلون بسقي الحروث عن شهود الصلاة مع المسلمين في المساجد؟ والبطالين الذين يتكاسلون عنها؟ فهم نخالة في المسلمين، سقط لا خير فيهم، يصلحون أموال غيرهم بتضييع دينهم.
[أجمع الوصايا وأنفعها الوصية بتقوى الله تعالى]
وقال أيضا: الإمام فيصل بن تركي، رحمه الله تعالى وعفا عنه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من فيصل بن تركي، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين، وفقهم الله تعالى بالتمسك بالدين، الذي بعث الله به جميع المرسلين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإن أجمع الوصايا وأنفعها، الوصية بتقوى الله تعالى، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] . وتقوى الله: أن يعمل العبد بطاعة الله، على نور من الله، يرجو ثواب الله، وأن يترك معصية الله، على نور من الله، يخاف عقاب الله.
ومعظم التقوى والمصحح لأعمالها توحيد الله
стр. 6435
بالعبادة، وهو دين الرسل الذي بعثوا به إلى العالمين، وهو مبدأ دعوتهم لأممهم، وهو معنى كلمة الإخلاص، شهادة أن لا إله إلا الله، فإن مدلولها نفي الشرك في العبادة، والبراءة منه، وإخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] .
وقد بين الله سبحانه معنى هذه الكلمة، في كثير من الآيات المحكمات، قال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦] . فهذا معنى "لا إله"وقوله: إِلاّ الَّذِي فَطَرَنِي [سورة الزخرف آية: ٢٧] ، فهو معنى "إلا الله"ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٨] ، وهي: ﴿لا إله إلا الله﴾ .
وقد عبر عنها بمعناها، من النفي والإثبات، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] فالآيات في بيان توحيد العبادة، أكثر من أن تحصر.
وهذا التوحيد هو الذي جحدته الأمم المكذبة للرسل، كما قال تعالى، عن قوم هود: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٧٠] .
وجحده مشركو العرب، ومن ضاهاهم من مشركي هذه الأمة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ
стр. 6436
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٩] .
وأما مشركوا العرب، فأخبر الله عنهم أنهم قالوا ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاّ اخْتِلاقٌ﴾ [سورة ص آية: ٥-٦-٧] .
واحتج عليهم تعالى بما أقروا به من توحيد الربوبية، فإنه من أقوى الحجج عليهم فيما جحدوه من توحيد الإلهية، كما قال تعالى ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] .
وأكثر الناس في هذه الأزمنة وقبلها، وقع منهم ما وقع من أولئك المشركين، وهم يقرؤون القرآن، فعموا وصموا عن هذا التوحيد وأدلته، التي هي أبين في قلب المؤمن من الشمس في وقت الظهيرة.
فيا من يدعي معرفة هذا التوحيد، اعرف هذه النعمة وقدرها، فإنها أعظم نعمة أنعم الله بها على من عرفها وأحبها وقبلها، وعمل بها ولزمها; فقابلوها بالشكر، ولا تكفروها بالإعراض عنها، واحذروا أن يصدكم الشيطان عن ذلك.
стр. 6437
واعلموا أنه: قد غلط في هذا طوائف، لهم علوم وزهد، وورع وعبادة، فما حصل لهم من العلم إلا القشور، وقلدوا أسلافا ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٧] .
فيا لها من مصيبة ما أعظمها! وخسارة ما أكبرها! فلا حول ولا قوة إلا بالله. واحذروا النفوس الأمارة بالسوء، وفتنة الدنيا والهوى؛ فإن الأكثر قد افتتن بذلك، وظنوا أنهم قد سلموا وما سلموا، وتمنوا النجاة؛ والتمني رأس مال المفلس، نعوذ بالله من سخطه وعقابه.
وأنت ترى أكثر الناس معبوده دنياه، لها يوالي وعليها يعادي، ولها يحب ويبغض، ويقرب ويبعد، قد اشتغل بها عما خلق لأجله، يبتهج بها ويفرح.
وقد ذم الله تعالى ذلك، كما قال تعالى ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ عند ذكره قارون ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [سورة القصص آية: ٧٦-٧٧] ، والصحيح: أنه الإيمان، والعمل الصالح.
والإسلام والقرآن هما النعمتان العظيمتان، والفرح بهما محمود، ومحبوب إلى الله، قد أوجبه على عباده المؤمنين، كما قال تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٥٨] ، فسر الأول بالإسلام، والثاني بالقرآن.
стр. 6438
وقال بعض الصحابة: فضل الله الإسلام; ورحمته: أن جعلكم من أهله; فلا غنى لكم عن تعلم هذا التوحيد وحقوقه، من فرائض الله وواجباته، وأن يكون ذلك أكبر همكم ومحصل عملكم.
ومن أهم ذلك: المحافظة على الصلوات الخمس، حيث ينادى لها، كما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون بعدهم، ولذلك عمرت المساجد، وشرع الأذان فيها، كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٨] . فلا بد في المحافظة من استكمال شروطها وأركانها وواجباتها؛ فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
والزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله، كما سبق في الآية ونحوها، جعلها الله طهرة للأنفس والأموال، وزيادة وبركة، وحجابا من النار. فالتزموا ما شرعه الله وفرضه؛ فإن فيه صلاح قلوبكم ودينكم وأخراكم. نسأل الله التوفيق.
واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الدين وأركانه; قال بعض السلف: أركان الإسلام عشرة: الشهادتان والصلاة والزكاة، وصوم رمضان وحج البيت، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والجماعة، والسمع والطاعة؛ وهذه العشرة لا يقوم الإسلام حق القيام إلا بجميعها.
والقرآن يرشد إلى ذلك جملة وتفصيلا، كما قال
стр. 6439
تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] .
وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] .
فالله الله عباد الله في مراجعة دينكم الذي نلتم به ما نلتم من النعم، وسلمتم به من النقم، وقهرتم به من قهرتم؛ فقوموا به حق القيام، وجاهدوا في الله حق جهاده، وعظموا أمره ونهيه؛ واعملوا بما شرعه الله، وتعطفوا على الفقراء والمساكين واليتامى، وآتوهم من مال الله الذي آتاكم، كما قال تعالى ﴿جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الحديد آية: ٧] .
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الحشر آية: ١٩-٢١] .
فاقرؤوا هذه النصيحة في جميع البلدان، وانسخوها، وأعيدوا قراءتها في كل شهرين. واعلموا أنكم مستقبلين عاما جديدا، فتوبوا إلى الله. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للخير أجمعين.
стр. 6440
[الرغبة إلى الله بالدعاء والتوبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
وله أيضا قدس الله روحه، ونور ضريحه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من فيصل بن تركي، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين، وفقنا الله وإياهم للتمسك بالدين، وجعلنا وإياهم من حزبه المفلحين.
أما بعد: الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، غير مكفى ولا مكفور، ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا، اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبنا، ورجاؤك أرجى من أعمالنا، فاغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا.
اللهم إنه روي لنا عن نبيك محمد ﷺ أنه يخبر عنك، أنك قلت - وقولك الحق -: ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك. ابن آدم؛ إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة ١.
اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهم اهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا، وقواتنا ما أحييتنا.
عباد الله ارغبوا إلى الله تعالى بالدعاء ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
стр. 6441
جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] .
صلى الله عليه وسلمواجتنبوا نهيه، ففي الحديث عنه ﷺ : ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم١.
وقد أمركم الله تعالى في كتابه بالتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف، والدعوة إلى ما يحبه الله ويرضاه; وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] .
وهذا أمر إيجاب لو تركه الناس أثموا وعوقبوا; فكونوا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حذر عظيم، فقد تقاعد الأكثر عن هذين الأمرين الواجبين: الدعوة إلى دين الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فلا صلاح للخاصة والعامة في جميع القرى، إلا بطائفة حق، يدعون إلى الله، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؛ وفي ذلك صلاحهم وفلاحهم، في معاشهم ومعادهم؛ وبتركه يكثر الظلم والفساد.
وأيضا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين، فبقوته يقوى الإيمان، وبضعفه يضعف الإيمان، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٧١] ، فذكر تعالى في هذه الآية أن
стр. 6442
ذلك [العمل بسببه] أعطاهم ما يحبون، ودفع عنهم ما يكرهون.
وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٦-٦٨] . فاستدفعوا عنكم عقوبة الغفلة بالإنابة إلى الله والتوبة النصوح.
وتصدقوا، فإن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتقي ميتة السوء، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد آية: ٧] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة سبأ آية: ٣٩] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المزمل آية: ٢٠ب] .
وأنتم رحمكم الله من أهل كل بلد: ارغبوا إلى ربكم بطاعته، وتصدقوا، فإن أموالكم عوار، وإنما ينفح العبد منها ما قدمه لله، رغبة فيما عنده; فيا سعادة من هانت عليه الصدقة لله، يرجو بذلك رحمة الله; وباكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين، وصلى الله على محمد.
стр. 6443
[حث الإمام فيصل بن تركي للبعض على الصدقة]
وقال أيضا، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من فيصل بن تركى، إلى الإخوان: حمد بن حسن، وإبراهيم بن سلطان، وعبد الله بن حمد، ومحمد بن سعد، سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
توكلوا على الله، تصدقوا، وحثوا الناس على الجزالة، لأن المصلحة عائدة إليهم، وتفرق على الفقراء والمساكين. نرجو الله أن يغنينا وإياكم، والسلام.
[الوصية بالتعاون على البر والتقوى وتعلم دين الإسلام والإلزام بالأمر بالمعروف]
وله أيضا رحمة الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من فيصل بن تركي، إلى من يراه من المسلمين، سلمهم الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فموجب الخط إبلاغكم السلام، والسؤال عن حالكم، لا زلتم بخير وعافية، والذي أوصيكم به، تقوى الله، وخشيته في الغيب والشهادة، والعمل بما يرضيه، وتجنب معاصيه، والمعاداة والموالاة فيه.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] . وأهم الأمور: تعلم دين الإسلام بأدلته، من
стр. 6444
الكتاب والسنة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر فرائض الدين وواجباته.
وقوام ذلك: بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فلا بد في كل ناحية طائفة متصدية لهذا الأمر، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] .
وأنا ملزم كل من يخاف الله، ويرغب في الفلاح أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وأن يكون عليما فيما يأمر به، عليما فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى، وألزم كل أمير يكون عونا لهم، وهم خاصته في الحقيقة، عونا له على ما حمله الله تعالى من الأمانة.
ويكون لديكم معلوما أني واضع الجوائز عن المسلمين من أهل نجد، الحادر منهم والظاهر، إذا كانوا معروفين بأداء الزكاة من أموالهم الظاهرة والباطنة، وهي راجعة إليهم على الوجه المشروع، إن شاء الله.
والمطلوب منكم الاستقامة على هذا الدين، والاجتماع عليه؛ وقد رأيتم ما في الجماعة من المصالح العامة والخاصة، وما في التفريق من الشر في أمر الدين والدنيا. أسأل الله تعالى أن يمن علينا وعليكم بالقبول، والعفو والعافية في الدنيا والآخرة، والسلام.
стр. 6445
[الوصية بتقوى الله مع ذكر الأدلة وتوضيح معناها والحث على إقامة الدين]
وله أيضا، عفا الله عنه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من فيصل بن تركي، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من جماعة المسلمين، سلمهم الله تعالى من عقوبات الدنيا والآخرة، وألبسهم ملابس الإيمان الفاخرة، وأيدهم وعافاهم، ووفقهم وهداهم إلى صراطه المستقيم، ورزقهم الفقه في دينه القويم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فأوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى، في الغيب والشهادة، والسر والعلانية، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] . قال طلق بن حبيب ﵀: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.
ووصى عباده المؤمنين أن يتقوه، فقال: ﴿َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحديد آية: ٢٨] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] . قال أهل العلم في معنى الآية; حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى،