← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١] . صلى الله عليه وسلمواجتنبوا نهيه، ففي الحديث عنه ﷺ : ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم١. وقد أمركم الله تعالى في كتابه بالتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف، والدعوة إلى ما يحبه الله ويرضاه; وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] . وهذا أمر إيجاب لو تركه الناس أثموا وعوقبوا; فكونوا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حذر عظيم، فقد تقاعد الأكثر عن هذين الأمرين الواجبين: الدعوة إلى دين الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلا صلاح للخاصة والعامة في جميع القرى، إلا بطائفة حق، يدعون إلى الله، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؛ وفي ذلك صلاحهم وفلاحهم، في معاشهم ومعادهم؛ وبتركه يكثر الظلم والفساد. وأيضا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين، فبقوته يقوى الإيمان، وبضعفه يضعف الإيمان، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ٧١] ، فذكر تعالى في هذه الآية أن

стр. 6442

ذلك [العمل بسببه] أعطاهم ما يحبون، ودفع عنهم ما يكرهون. وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٦-٦٨] . فاستدفعوا عنكم عقوبة الغفلة بالإنابة إلى الله والتوبة النصوح. وتصدقوا، فإن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتقي ميتة السوء، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد آية: ٧] . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة سبأ آية: ٣٩] . وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المزمل آية: ٢٠ب] . وأنتم رحمكم الله من أهل كل بلد: ارغبوا إلى ربكم بطاعته، وتصدقوا، فإن أموالكم عوار، وإنما ينفح العبد منها ما قدمه لله، رغبة فيما عنده; فيا سعادة من هانت عليه الصدقة لله، يرجو بذلك رحمة الله; وباكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين، وصلى الله على محمد.

стр. 6443

[حث الإمام فيصل بن تركي للبعض على الصدقة] وقال أيضا، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من فيصل بن تركى، إلى الإخوان: حمد بن حسن، وإبراهيم بن سلطان، وعبد الله بن حمد، ومحمد بن سعد، سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته. وبعد: توكلوا على الله، تصدقوا، وحثوا الناس على الجزالة، لأن المصلحة عائدة إليهم، وتفرق على الفقراء والمساكين. نرجو الله أن يغنينا وإياكم، والسلام. [الوصية بالتعاون على البر والتقوى وتعلم دين الإسلام والإلزام بالأمر بالمعروف] وله أيضا رحمة الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من فيصل بن تركي، إلى من يراه من المسلمين، سلمهم الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فموجب الخط إبلاغكم السلام، والسؤال عن حالكم، لا زلتم بخير وعافية، والذي أوصيكم به، تقوى الله، وخشيته في الغيب والشهادة، والعمل بما يرضيه، وتجنب معاصيه، والمعاداة والموالاة فيه. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] . وأهم الأمور: تعلم دين الإسلام بأدلته، من

стр. 6444

الكتاب والسنة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر فرائض الدين وواجباته. وقوام ذلك: بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فلا بد في كل ناحية طائفة متصدية لهذا الأمر، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] . وأنا ملزم كل من يخاف الله، ويرغب في الفلاح أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وأن يكون عليما فيما يأمر به، عليما فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى، وألزم كل أمير يكون عونا لهم، وهم خاصته في الحقيقة، عونا له على ما حمله الله تعالى من الأمانة. ويكون لديكم معلوما أني واضع الجوائز عن المسلمين من أهل نجد، الحادر منهم والظاهر، إذا كانوا معروفين بأداء الزكاة من أموالهم الظاهرة والباطنة، وهي راجعة إليهم على الوجه المشروع، إن شاء الله. والمطلوب منكم الاستقامة على هذا الدين، والاجتماع عليه؛ وقد رأيتم ما في الجماعة من المصالح العامة والخاصة، وما في التفريق من الشر في أمر الدين والدنيا. أسأل الله تعالى أن يمن علينا وعليكم بالقبول، والعفو والعافية في الدنيا والآخرة، والسلام.

стр. 6445

[الوصية بتقوى الله مع ذكر الأدلة وتوضيح معناها والحث على إقامة الدين] وله أيضا، عفا الله عنه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من فيصل بن تركي، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من جماعة المسلمين، سلمهم الله تعالى من عقوبات الدنيا والآخرة، وألبسهم ملابس الإيمان الفاخرة، وأيدهم وعافاهم، ووفقهم وهداهم إلى صراطه المستقيم، ورزقهم الفقه في دينه القويم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى، في الغيب والشهادة، والسر والعلانية، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] . قال طلق بن حبيب ﵀: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله. ووصى عباده المؤمنين أن يتقوه، فقال: ﴿َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحديد آية: ٢٨] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] . قال أهل العلم في معنى الآية; حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى،

стр. 6446

ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر؛ وهذا جماع الدين; وعن ابن عباس في هذه الآية ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] . أن يجاهد في سبيله حق جهاده، ولا يأخذه في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وقوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] ، أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه؛ فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه؛ فعياذا بالله الكريم من خلاف ذلك. ثم قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] ، قال أهل العلم: حبل الله القرآن، كما في حديث علي مرفوعا، في صفة القرآن: هو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم ١. وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ إن هذا القرآن هو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه ٢. وقال بعض السلف: هو إخلاص التوحيد لله تعالى، قال أبو العالية: يقول: اعتصموا بالإخلاص لله وحده; قلت: وذلك لأن الإخلاص أعظم ما أمر الله به في كتابه، ومعنى الاعتصام التمسك بتوحيد الله، والعمل بكتابه. وقد حث الله عباده المؤمنين في هذه الآية على

стр. 6447

الاجتماع على ذلك، فقال ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] ، فأمر بالاجتماع على ذلك، ونهى عن التفرق، لما في الاجتماع من صلاح الدين والدنيا؛ وبالاجتماع على الإسلام، تحصل الألفة والعافية، والأمن والراحة؛ فإذا كان ذلك على طاعته، والعمل بكتابه، تمت النعمة. ومن أعظم أسباب حصول ذلك ما ذكره المفسرون في معنى قول الله تعالى آمرا نبيه ﷺ أن يقول ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٨٠] . قال قتادة: إن نبي الله ﷺ علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل الله سلطانا نصيرا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله. فإن السلطان رحمة من الله، جعله بين أظهر عباده، لولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم; واختار بعض هذا القول في معنى هذه الآية، ورجحه; قال: لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه. واستشهد على هذا المعنى بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة الحديد آية: ٢٥] .

стр. 6448

ثم ذكر عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من جلائل النعم، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] ، فيا لها نعما ما أجلها وأعظمها، لمن عقلها وعرفها حق معرفتها. وكانت حالكم قبل دعوة الإسلام والجهاد والاجتماع على ذلك تشبه ما قال قتادة ﵀: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودا، وأجوعه بطونا، مكفوفون على رأس حجر، بين الأسد من فارس والروم. لا والله ما في بلادهم يومئذ، من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات ردى في النار، يؤكلون ولا يأكلون. والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض، كانوا منها أصغر حظا، وأدق فيها شأنا منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووسع لكم به من الرزق، وجعلكم فيه ملوكا على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمة الله، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد الله تعالى ربنا وتبارك انتهى كلامه ﵀. وأنتم اليوم تتقلبون في نعم الإسلام الباطنة والظاهرة، وقد عافاكم الله تعالى مما ابتلى به كثيرا من الأمم، في دينهم

стр. 6449

ودنياهم، فاشكروا الله تعالى على أصل هذه النعم، والجامع لها، وهو دين الإسلام، وارغبوا فيه وحافظوا على فرائضه، وتجنبوا حدوده ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] . وقوموا بما أمركم الله به، في هذه الآية، من قوله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] . وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] . وذلك من أعظم أعمال الشكر، وأعمها نفعا؛ فيه يظهر الدين، وتصلح أحوال الناس، ويعود نفعه عليهم في معاشهم ومعادهم؛ وهو من النصيحة لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم. فليكن ذلك همكم، وارغبوا في ذلك كما رغب فيه سلفكم الذين بهم قام الدين، وبذلك حصل لهم العز والتمكين؛ فإنهم ساروا بسيرة أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد كانوا بحمد الله على الهدى المستقيم، والدين القويم. فانهضوا إلى هذه المهمات العظيمة، واحذروا مما حذركم الله عنه من الإعراض عن كتاب الله، الذي بتدبره والعمل به، سعادتكم في الدنيا والآخرة، وسلامتكم من النار، ومن المعاصي، ومن غضب الجبار، لعل الله تعالى

стр. 6450

برحمته أن يفعل ذلك بكم، ويسكنكم دار القرار. وأنا ملزم أئمة المساجد، من أهل نجد والإحساء وغيرهم، بسؤال الخاصة والعامة عن أصل الدين كثلاثة الأصول والقواعد الأربع، فإن فيها البيان، وأصل الإسلام والإيمان. وأوصيكم بالصدقة على فقرائكم، من أهل كل بلد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٠ب] ، ويحصل الخلف والبركة فيما في أيديكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة سبأ آية: ٣٩] ، وبها يدفع الله البلاء، كما جاء في الحديث: إنها تنفع مما نزل ومما لم ينْزل. وقد أمر النبي ﷺ أصحابه بالصدقة، وتلا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [سورة النساء آية: ١] . وفي هذه الآيات من المناسبة في الصدقة: أن أصل الغني والفقير واحد، فلا يمنع الغني أخاه الفقير مما أعطاه الله، شكرا لله على أن جعله غنيا، وجعل من هو مثله محتاجا إليه، وفيها الحث على صلة الأرحام. فتدبروا كتاب الله، وقفوا عند عجائبه ومقاصده، وحركوا به القلوب، والسلام.

стр. 6451

[ذكر ما أنعم الله به من ظهور الشيخ ابن عبد الوهاب وتلقي محمد بن سعود له] وقال الإمام: عبد الله بن فيصل، والشيخ عبد الرحمن بن حسن، وابنه الشيخ عبد اللطيف، رحمهم الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين; وصلى الله على سيد المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. من عبد الله بن فيصل، وعبد الرحمن بن حسن، وعبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى من يصل إليه من علماء المسلمين، وأمرائهم، وعامتهم، جعلنا الله وإياهم ممن عرف النعمة وشكرها، وصرفها في طاعة من أنعم بها ويسرها، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فالذي أوجب هذا الكتاب، ذكر ما أنعم الله به عليكم من نعمة الإسلام، الذي عرفكم به، وهداكم إليه، وتسمون به، فلا يعنى باسم المسلمين إلا أنتم; وما أعطاكم الله في هذا الدين من النعم أكثر من أن تحصى، لكن منها نعم كل واحدة منها حصولها نعمة عظيمة، لأن المعارض لها قوي جدا. أوّلها: كون الدعوة إلى دين الإسلام ما قام في بيانها والدعوة إليها إلا رجل واحد، فلما شرح الله صدره واستنار قلبه بنور الكتاب والسنة، تدبر الآيات، وطالع كتب

стр. 6452

التفسير، وأقوال السلف في المعنى، والأحاديث الصحيحة. سافر إلى البصرة ثم إلى الإحساء والحرمين، لعله أن يجد من يساعده على ما عرف من دين الإسلام، فلم يجد أحدا; كلهم قد استحسن العوائد، وما كان عليه غالب الناس في هذه القرون المتأخرة إلى منتصف القرن الثاني عشر. ولا يعرف أن أحدا دعا فيها إلى توحيد العبادة، أو أنكر الشرك المنافي له; بل قد ظنوا جواز ذلك أو استحبابه، وذلك قد عمت به البلوى من عبادة الطواغيت، والقبور والجن، والأشجار والأحجار، في جميع القرى والأمصار، والبوادي وغيرهم، فما زالوا كذلك إلى القرن الثاني عشر. فرحم الله كثيرا من هذه الأمة بظهور شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، ﵀، وكان قد عزم وهو بمكة أن يصل الشام مع الحاج، فعاقه عنهم عائق، فقدم المدينة فأقام بها، ثم إن العليم الحكيم رده إلى نجد، رحمة لمن أراد أن يرحمه بمن يؤيه وينصره. وقدم على أبيه وصنوه وأهله ببلد حريملاء، فبادأهم بالدعوة إلى التوحيد ونفي الشرك، والبراءة منه ومن أهله، وبين لهم الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، وكلام السلف والعلماء، ﵏، فقبل منه من قبل وهم الأقلون. وأما الملأ والكبراء الظلمة الفسقة، فكرهوا دعوته، فخافهم على نفسه، وأتى العيينة وأظهر الدعوة بها، وقبل منه

стр. 6453

كثير منهم، حتى رئيسهم عثمان بن حمد بن معمر. ثم إن أهل الأحساء - وهم خاصة العلماء - أنكروا دعوته، وكتبوا شبهات تنبئ عن جهلهم وضلالهم، وأغروا به شيخ بني خالد، وكتبوا لابن معمر أنه يقتل هذا الشيخ أو يطرده، فما تحمل مخالفته فنفاه من بلده إلى الدرعية. فتلقاه محمد بن سعود، ﵀، بالقبول وبايعه على أن يمنعه مما يمنع منه أهله وولده، وهذه أيضا نعمة عظيمة، كون الله أتاح له من ينصره ويؤويه، والذي أقوى من ابن سعود وأكثر لم يحصل منه ذلك، وصبر محمد على عداوة الأدنى والأقصى، أهل نجد والملوك من كل جهة. وبادأهم دهام ابن دواس بالحرب، فهجم على الدرعية على غرة من أهلها، وقتل أولاد محمد، فيصل وسعود، فما زاد محمد إلا قوة وصلابة في دينه، ﵀، على ضعف منه وقلة في العدد والعدة، وكثرة من عددهم، وذلك من نعمة الله وآياته علينا وعليكم; فرحم الله هذا الشيخ، الذي أقامه الله مقام رسله وأنبيائه، في الدعوة إلى دينه، ورحم الله من آواه ونصره، فلله الحمد على ذلك. وفيما جرى من ابن سعود، شبه بما جرى من الأنصار في بيعة العقبة; ثم إن أهل نجد وبني خالد وأهل العراق والأشراف، والبوادي والقرى، تجردوا لعداوة هذا الشيخ، ومن آواه ونصره، وأقبلوا على حربهم بحدهم وحديدهم، وكثرة جنودهم وكيدهم.

стр. 6454

فأبطل الله كيد كل من عاداهم، وكل من رام من هؤلاء الملوك أن يطفئ هذا النور، أطفأ الله ناره وجعلها رمادا، وجعل كثيرا من أموالهم فيئا للمسلمين، وهذه عبرة عظيمة ونعمة جسيمة. ثم إن الله بفضله وإحسانه: أظهر هذا الدين في نجد، وأذل من عاداه، فعمت النعمة أهل نجد، ومن والاهم شرقا وغربا، وحفظ الله عليكم نعمة الإسلام، التي رضيها سبحانه لعباده دينا، فلم يقدر أحد أن يغيرها بقوته وقدرته. فاشكروا ربكم سبحانه، الذي حفظ عليكم دينكم، ورد لكم الكرة على من خرج عنه، وذلك بالإقبال على التوحيد، تعلما وتعليما، والأمر بما يحبه الله من طاعتة، والنهي عما نهى الله عنه من المعاصي. وفي كلام بعض العلماء ما يبين حال كثير من هذه الأمة قبل هذه الدعوة، من الشرك العظيم; فمن ذلك قول عالم صنعاء، الأمير: محمد بن إسماعيل، ﵀، عن شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، ﵀ وعفا عنه: وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي ويعمر أركان الشريعة هادما ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهرا على عمد

стр. 6455

وكم طائف حول القبور مقبل ... ومستلم الأركان منهن باليد ثم إن الله لما جمعكم على إمام ترضونه، وقد حصل لكم من الأمن والراحة والعافية وكف أيدي الظلمة عنكم ما لا يخفى. ثم لما تبين من خلع الطاعة، وفارق الجماعة، وسعى في الخروج إلى ما لا يحبه الله ولا يرضاه، من الفتنة في الدين، وشق عصا المسلمين، أوقع الله به وبمن جمع بأسه، وقتل أشرار من معه، وأظهر الله جماعة المسلمين وإمامهم، على كل من أفسد، من قتل في هذه الفتنة أو نهب؛ وصاروا أذلة وحفظ الله عليكم الجماعة. فالواجب علينا وعليكم التواصي بهذه النعمة العظيمة، والتنافس في هذا الدين الذي من الله به عليكم، وهو الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، وأكمله ورضيه لعباده، كما قال تعالي ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة آية: ٣ب] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [سورة الحشر آية: ١٨-٢٠] ، فاحذروا نسيان ربكم بالإعراض عما افترضه عليكم، وأقبلوا على توحيده وطاعته، واطلبوا بذلك الجنة والنجاة من النار. والحق في ذلك: على العلماء والأمراء أعظم، لأن

стр. 6456

العامة يتبعونهم ويتقربون إليهم بما يحبونه، ومن أحب شيئا أكثر من ذكره، فكونوا أئمة في هذا الدين الذي هو معنى لا إله إلا الله؛ وقد بين الله معناها في آيات كثيرة من كتابه، فإنها دلت على نفي الشرك، والبراءة منه وممن فعله، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وذلك في آي كثير. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٥] : فقوله ﴿وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٥] : فيه الإخلاص، وحَنِيفاً فيه ترك الشرك. وقوله ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٥] ، فيه البراءة منهم ومن دينهم. قال الله تعالى ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] . والآيات في معنى لا إله إلا الله، أكثر من أن تحصر، كقوله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ﴾ [سورة يوسف آية: ٤٠] . والمراد فتح الباب لكم في معنى التوحيد، الذي فيه الفلاح والنجاة، وصلاح الدنيا والآخرة؛ فلا تنسوا ربكم، بالإعراض عن الهدى، فينسيكم أنفسكم. ومن عقوبة الإعراض عمى البصيرة في الدنيا والآخرة. ولا باق معكم من دنياكم إلا دينكم، لمن من الله عليه بحفظه، والإقبال عليه والعمل به، وأنتم تفهمون أن الدنيا ما للإنسان منها إلا ما كان لله، وغير ذلك زائل.

стр. 6457

هذا ما نوصيكم به، وندلكم عليه: عامة العلماء والأمراء خاصة; فيجب على العلماء والأمراء: أن يكونوا صدرا في هذا الدين، بالرغبة فيه والترغيب، وأن يكونوا سندا لمن أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، ويتفقدون أهل بلدهم، في صلاتهم، وتعليمهم دينهم، وكفهم عن السفاهة، وما يحرم عليهم، لأن الله تعالى سائلهم عنه. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما. [الحث على معرفة دين الإسلام وقبوله والمسارعة إليه] وقال عبد الله بن فيصل، ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن فيصل، إلى من يراه من إخواننا المسلمين، أصلح الله لنا ولهم الحال والدين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: لا يخفاكم أن أهم أمركم، وما كلفنا به من معرفة دين الإسلام، وقبوله، والمسارعة إلى العمل به؛ وهو الأصل الذي لا ينتفع بالأعمال إلا معه، ولا تصح ولا تنعقد العبادة إلا به، لأنه شرط في صحة جميع العبادات. وقد مدح الله من عباده الذين إذا مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور; وذم تعالى في كتابه من فرط في هذا وأضاعه، قال تعالى بعد أن ذكر خواص أوليائه وأكابر

стр. 6458

رسله ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٥٩ي] . وقد عرفتم ما حصل من التفريط والإضاعة في أصل الإسلام، حتى تلاعب الشيطان في كثير من الناس، وأخرجهم عنه بأمور وأحداث تنافي حقيقته، وتناقض مقصوده. من ذلك: ترك التمسك بما كان عليه صدر هذه الأمة وأئمتها، من إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال التي وصف الرب بها نفسه، ووصفه بها نبيه، وتعرف بهما إلى عباده، والرغبة عن هذا إلى ما أحدثه المتكلمون ومن أخذ عنهم، من نفي حقائق الصفات، وسلب ما دلت عليه، كمن ينكر حقيقة استواء الله على عرشه، وعلوه بذاته على جميع مخلوقاته، كما أنكره جهم ومن تبعه. وكذلك: إنكار تكليمه تعالى لنبيه موسى ﵇، وأنه تكلم بالقرآن العظيم، وسمعه من الروح الأمين، وزعم أن القرآن الذي نزل به جبرائيل على محمد ﷺ مخلوق، أو أنه عبارة عما في نفس الباري، وأن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه. فإن هذه الأقوال تخرج بصاحبها إلى أودية الهلاك والضلال، وتحول بينه وبين الإسلام، كما قرره أكابر الأئمة من الأعلام. والواجب في هذا أن يوصف الله بما وصف به

стр. 6459

نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ على هذا درج أئمة الإسلام، وأهل السنة والجماعة. ونبرأ إلى الله تعالى من الخروج عن سبيلهم، والرغبة عن هديهم ومنهاجهم; فمنها: الغلو في الأولياء والصالحين، ومجاوزة ما شرع في حقهم إلى رتبة وغاية لا تليق بالعباد، ولا يستحقها إلا إلله الذي له ملك السماوات والأرض، وذلك كدعاء الصالحين من الموتى والغائبين، والاستغاثة بهم في الحاجات والملمات والشدائد، ونحو ذلك من المطالب الدينية والدنيوية العاجلة والآجلة. وأصل الشرك وسبب حدوثه، هو: دعاء الأموات والغائبين، وطلب الحوائج منهم; وقد ابتلي بهذا كثير ممن يدعي الإسلام، وصرفوا للأموات خالص العبادة ولبها، ودعوهم رغبا ورهبا، وحجوا لقبورهم، وقربوا لها القرابين، وعظموها غاية التعظيم، بالنذر وعقد اليمين، وطافوا بقبورهم كما يطوف المسلم ببيت الله رب العالمين. وحصل من الخضوع والخشوع والانكسار، ما لا يحصل مثله في المساجد، وعند القيام بين أيدي العزيز الغفار، فانسلخوا بذلك من الإسلام والدين، ولم يبق معهم شيء من حقيقة أمر المسلمين، سوى مجرد القول والتلفظ بالشهادة، والله يعلم أن الأكثر كاذب فيما قال، وإن أكده وأعاده.

стр. 6460

وبعض من يعتقد في القبور، وصل غاية من الكفر والضلال ما وصل إليها جمهور المشركين الأولين والجهال، فاعتقدوا التدبير، والتعريف للموتى والصالحين، وقصدوهم على أن لهم تدبير العالم وما يجري فيه، وهذا مشهور عنهم، لا يتحاشون من إبدائه وإظهاره، لأن الشيطان أظهره في قالب الكرامة للأولياء والصالحين، وأوهمهم أنهم بذلك يصيرون لهم من المحبين والتابعين. وقد كثر هذا وابتلي به طائفة من الشيعة والرافضة الذين غلوا في أهل البيت، وتجاوزوا الحد في ذلك، حتى عبدوهم مع الله، ودعوهم لحوائجهم ونوائبهم، وتوكلوا عليهم، وسجدوا على ما ينقل من تربة بعضهم، وجعلوهم أربابا تعبد، وآلهة تقصد؛ وهذا غاية الكفر الموجب لسخط الله وغضبه والخلود في نار جهنم، في أمم قد خلت من قبل. فنعوذ بالله من ذلك، ومن الركون إلى أهل تلك الضلالات والمهالك. وأضافوا إلى ذلك مكفرات كثيرة، منها: مسبة أصحاب رسول الله ﷺ ومسبة أم المؤمنين التي نزلت براءتها وتزكيتها في كتاب الله، من فوق سماواته، وقد قال تعالى، في الثناء على أصحاب رسوله ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٠] . وقال تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الفتح آية: ١٨] .

стр. 6461

إلى قوله ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [سورة الفتح آية: ١٨] . وأبو بكر وعمر أولى الناس بذلك، ورؤساؤهم في كل خير. وعثمان بايع له رسول الله ﷺ فضرب بيده اليمنى على الأخرى، وقال: هذه عن عثمان لأنه كان غائبا في بعض شأن رسول الله ﷺ . وهذه تزكية لعثمان، وشهادة له بحقائق الدين والإيمان؛ والله يقبل شهادة نبيه وتزكيته، ويقبلها أولو العلم من خلقه؛ وإنما يجحدها ويردها، أعداء الله ورسوله، وأعداء أوليائه المتقين. وقال تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الفتح آية: ٢٩] الآية. وقال تعالى في خصوص الصديق ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [سورة التوبة آية: ٤٠] . وفي السنة من مناقب الصحابة ومآثرهم وتزكيتهم، ما لا يحصى إلا بكلفة; من ذلك قوله ﷺ : لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ١. وقال ﷺ : إن الله اختارني، واختار أصحابي، فجعل لي منهم أظهارا وأنصارا وقال ﷺ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة ٢.

стр. 6462

وقال رجل لابن عباس: أوصني; فقال: أوصيك بتقوى الله، وإياك وذكر أصحاب محمد ﷺ ، فإنك لا تدري ما سبق لهم. وعن ابن مسعود، ﵁ قال: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فبعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصحبة نبيه، ونصرته، ﷺ . وقال ﵁ من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقربها هديا، وأحسنها حالا; قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم فإنهم كانوا على الصراط المستقيم. وقال ﵁: إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر وقال ﵁ إنا لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال، أمور تكون من كبرائكم. فأيما امرأة أو رجل أدرك ذلك الزمان، فالسمت الأول، فإنا اليوم على السنة. وقال الأوزاعي: إمام أهل الشام: اصبر نفسك على السنة، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم، وهم أصحاب رسول الله ﷺ اختارهم الله له،

стр. 6463

وبعثه فيهم وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [سورة الفتح آية: ٢٨] الآية. فمن أهم الواجبات الدينية والعقائد السلفية، موالاة جميع أصحاب رسول الله ﷺ ومحبتهم، والكف عما شجر بينهم. والواجب على من نصح نفسه، وآمن بلقاء الله، وبالجنة والنار، أن يعرف دين الإسلام، وحقيقته، ويجتهد أشد الاجتهاد في الخلاص من هذه الموبقات والمكفرات العظام، التي لا يبقى معها من الإيمان والدين ما يوجب النجاة، يوم يقوم الناس لرب العالمين. ومن أهم الأمور، وآكد الأركان الإسلامية، إقامة الصلوات الخمس في أوقاتها بشروطها، وواجباتها، وإلزام الناس بذلك، وتشديد الإنكار على من أضاعها أو تركها. وأكثر السلف يرون كفر تارك الصلاة، بمجرد الترك، وكذلك سائر المباني الإسلامية، والأصول الإيمانية، التي لا يقوم الدين إلا بها، فعلى الناس كافة الأمر بها، والتعاون عليها، والنهي عن تركها، والتغليظ على تاركها. وعلى الأمراء والنواب في البلدان والقرى، تأديب التاركين، وتعزيرهم على الترك والتكاسل، وإلزام الناس بدين الله. ومن ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،

стр. 6464

من الأمراء وغيرهم، فقد ظلم نفسه، وأضاع نصيبه، وفرط في حق الله، وتعرض لسخطه، ومن الواجبات الدينية: النهي عن قربان الفواحش؛ ومن عرف من السفهاء وأولاد التجار المترفين، بالفسوق والفجور، وتعدّي الحدود الشرعية إلى خلعات الفجار، ومعاشرة الأشرار، فقد ألزمنا الأمير والنواب تعزيرهم بما يردعهم، وإلزامهم بما يصلحهم؛ وما يحتاج رفعه إلى ولي الأمر، فعليهم أن يرفعوه وينبهوا عليه. ومن الواجبات الدينية: النهي عن بخس المكاييل والموازين، وتفقد أهل الأسواق في ذلك؛ ومن ظهر منه هذا الذنب العظيم، فلا يمكن من البيع في السوق والجلوس فيه، بل يعزر تعزيرا بليغا. ومن الواجبات الدينية: نهي النساء عن مخالطة الرجال الأجانب، ومعاشرتهم في الأسواق والعيون وغير ذلك من المجامع التي يجتمعون فيها، فإن هذا وسيلة إلى وقوع الفاحشة وظهورها. وكذلك من الواجبات الشرعية: النهي عن الربا في المعاملات والمبايعات، وتأديب من فعله، وتنكيله، وطرده عن وطنه، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨ - ٢٧٩] .

стр. 6465

وكل ما ذكر داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ﴾ إلى قوله: ﴿لعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [سورة النحل آية: ٩٠] ، وصلى الله على محمد عبده ورسوله، وصحبه الطيبين الطاهرين. [الحث على لزوم الجماعة وعلى الجهاد وقبول النصيحة] وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، صب الله عليهم من شآبيب بره ووالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى من يصل إليه من المسلمين، وفقهم الله للبر والتقوى، وسلك بهم سبل الرشاد والهدى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد سبق إليكم من النصائح، والتذكير بآيات الله، والحث على لزوم جماعة المسلمين، ما فيه كفاية وهداية، لمن أحيا الله قلبه، وأراد هدايته، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: الدين النصيحة، قالها ثلاثا، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ١. فجعل الدين محصورا في النصيحة، لأنها تتضمن أصوله وفروعه، وقواعده المهمة، فيدخل فيها الإيمان بالله ومحبته، وخشيته والخضوع له وتعظيمه، وتعظيم أمره ونهيه، وتنْزيهه عما لا يليق بجلاله وعظمته، من تعطيل وإلحاد وشرك وتكذيب، لأن النصيحة لله خلوص الباطن والسر من الغش

стр. 6466

والريب، والحقد والتكذيب، وكل ما يضاد كمال الإيمان ويعارضه. وكذلك النصيحة لكتابه، تتضمن العمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والاعتبار بأمثاله، والوقوف عند عجائبه، ورد مسائل النّزاع إليه، وترك الإلحاد في ألفاظه ومعانيه. والنصح لرسوله يقتضي الإيمان به وتصديقه ومحبته، وتوقيره وتعزيره، ومتابعته، والانقياد لحكمه، والتسليم لأمره، وتقديمه على كل ما عارضه وخالفه، من هوى أو بدعة أو قول. والنصح لأئمة المسلمين: أمرهم بطاعة الله ورسوله، وطاعتهم في المعروف، ومعاونتهم على القيام بأمر الله، وترك مشاقتهم ومنازعتهم. والنصح لعامة المسلمين هو تعليمهم وإرشادهم لما فيه صلاحهم وفلاحهم، والرفق بهم، وكفهم عما فيه هلاكهم وشقاؤهم، وذهاب دينهم ودنياهم، من معصية الله ورسوله، ومخالفة أمره ومشابهة الجاهلين فيما كانوا عليه، من التفرق والاختلاف، وترك الحقوق الإسلامية. وفي الحديث: ثلاث لا يغل عليهن قلب رجل مسلم: إخلاص الدين لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ١ فأفاد أن هذه

стр. 6467

الثلاث لا يدعها المسلم، إلا لغل في قلبه; بل المسلم الصادق في إسلامه لا يكون إلا مخلصا دينه لله، مناصحا لإمامه، ملازما لجماعة المسلمين. وقد دل القرآن على هذا في غير موضع، كقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢-١٠٣] . فابتدأ الآية بالأمر بأن يتقى حق التقاة، وأمر بالتزام الإسلام، والعض عليه بالنواجذ حتى الممات، لأن قوله ﴿ولا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] ، تحضيض وحث على التزامه في جميع أوقات العمر والساعات، ومن عاش على شيء مات عليه. وقد أمر بالاعتصام بحبله، وهو دينه وكتابه، أمرا عاما لجميع المكلفين، وسائر المخاطبين، لأن التقوى والتزام الإسلام يتوقف على ذلك، ولا يحصل المقصود منه إلا بالاعتصام بحبل الله، وترك التفرق والاختلاف، لما فيها من فساد الدين، وهدم أصوله وقواعده. ثم ذكرهم بنعمته عليهم، بتأليف قلوبهم، واجتماعها بعد العداوة والبغضاء؛ فإن التفرق والاختلاف عذاب وهلاك،

стр. 6468

وشقوة في العاجل والآجل؛ والجماعة والائتلاف، رحمة وسعادة ونعيم، في العاجل والآجل. وأخبرهم أنهم كانوا على شفا حفرة من النار، بما كانوا عليه من الضلالة والجاهلية، فامتن عليهم وأنقذهم، واجتباهم وهداهم وجمع قلوبهم وشملهم بعد الفرقة والشتات، وأعزهم وأغناهم بعد الفقر والحاجات، فيا لها من نعم ما أجلها، ومواهب ما أعظمها، وأبراها لمن عقلها وشكرها. ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿بَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] ، فيه بيان الحكمة المقتضية لبيان الآيات، والتذكير بالنعم، وأن المراد بها حصول الاهتداء، وترك أسباب الشقاء والردى. وقد عرفتم ما كنتم عليه قبل هذه الدعوة الإسلامية، التي امتن الله بها على يد شيخنا رحمه الله تعالى، كنتم على جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، وبدعة صماء، لا شعور لكم بدينه الذي ارتضاه لنفسه، ولا دراية لكم بما يجب له من صفات كماله، وجلال قدسه، ولا معرفة لديكم بما شرعه من أمره ونهيه. كنتم على غاية من التفرق والاختلاف، فبصركم الله بهذه الدعوة المباركة من العمى، وسلك بكم سبيل السعادة والهدى، وعلمكم من دينه وشرعه ما اصطفاكم به، واختاركم على من ضل وغوى، وجمعكم بعد الفرقة، وألف

стр. 6469

بين قلوبكم بعد العداوة والمشاقة، وأعزكم على من عاداكم بعد المسكنة والذلة. فاشكروه على هذه النعم العظيمة، بالتزام طاعته، والمسارعة إلى مرضاته ومغفرته، ولا تكونوا ﴿الذين بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٢٨] ، واشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا السعادة بالشقاء، وتركوا البصيرة واختاروا العمى. وقد عرفتم أن الله افترض عليكم الجهاد في سبيله، وابتلاكم بأعداء دينه، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، ولو شاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض. وما أجرى الله وابتلى به من الزعازع والمحن، من أكبر أسبابه، وأعظم موجباته: مخالفة الأمر الشرعي، وترك طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله، ولهذا يسلط العدو، وتنْزع المهابة من صدور أعدائكم، وتضربون بوطر الذلة والمهانة، كما جاءت به الآثار، وصحت به الأخبار، وشهد له النظر والاعتبار. كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ

стр. 6470

الْمُؤْمِنِينَ َا يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿ظَاهِرِينَ﴾ [سورةالصف آية: ١٠-١٤] . وفي الحديث: من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ١. وصح عنه ﷺ أنه قال: إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ٢. فاتقوا الله عباد الله ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨١] . جعلنا الله وإياكم ممن يقبل المواعظ والنصائح، ويدرأ أسباب المقت والفضائح، والسلام.

стр. 6471

[رسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى أهل الحوطة يذكرهم بنعمة الإسلام بسبب الشيخ ابن عبد الوهاب] وله أيضا، قدس الله روحه، ونور ضريحه ١. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان من أهل الحوطة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: اعلموا أن الله بعث محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، ولا يكفي أحدهما عن الآخر، في النجاة والسلامة، من الوعيد الدنيوي والأخروي. وقد من الله عليكم بدين الإسلام، واختصكم به دون كثير من الأنام، لما أتاح الله لكم شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، فدعا إلى ما دعت إليه الرسل، من معرفة الله وخشيته وعبادته وحده لا شريك له، والقيام بالأركان الإسلامية، والأصول الإيمانية. فأعز الله بذلك من قبله ونصره، ورفع قدرهم وشأنهم، وجعلهم ملوكا، تهابهم الأمم، وينقاد لأمرهم جمهور العرب، باديتهم وحاضرتهم؛ ولم يزالوا كذلك قاهرين ظاهرين، حتى حدث ما حدث، ووقع ما وقع من الإعراض، والقسوة، والتمادي على معاصي الله. فسلط الله عليهم العدو، وافترقت الكلمة، وانخرم

стр. 6472

النظام، وعثا الفجرة اللئام، في دماء أهل الإسلام وأموالهم، وكثر الخوض، ونسي العلم، والتبس أمر التوحيد والإيمان على كثير من الخلق، وصارت فتنة عمياء صماء، لا يبصر صاحبها ولا يسمع، وما زال غمامها لم ينقشع، وليلها يحلو لك ولا يدبر، وأبناؤها بساحتكم تحاول إطفاء نور الله. فسارعوا وبادروا إلى التوبة والإقلاع والندم والاستغفار، وتعاونوا على البر والتقوى، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٠] . فراجعوا دينكم قبل أن يحل من أمر الله ما لا تدفعون، وينْزل من بأسه ما لاتردون ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] . ويجب على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يعينهم بحسب طاقته، بيده أو بلسانه؛ وهذا من أسباب بقاء التوحيد فيكم والإسلام، وحمايتكم دياركم عن عباد الأوثان والأصنام، وحفظ ما خولكم الله من سوابغ الفضل والإنعام، وكثير من الناس يحصل منهم أسباب، ووسائل وذرائع، إلى زوال النعم؛ وحلول السخط والنقم. منها: التهاون بنعمة الإسلام والتوحيد، واختلاف القلوب، والعدواة الظاهرة، وترك نصرة الإسلام والتوجع لمصابه، والإقبال على الدنيا، ونسيان الآخرة، والاستخفاف

стр. 6473

بالأركان الإسلامية، كإضاعة الصلاة، ومنع الزكاة، وأخذها بغير حقها، وترك السمع والطاعة لولي الأمر، من الأمراء والعلماء. فهذه أسباب وعلامات على نزول العقوبة، وحلول النقمة، وانتقال النعمة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٦] . وبلادكم ليست على الحال الأولى في مبدإ الإسلام وبعده، والعاقل يعرف ذلك في نفسه، وأهل بلده. وقد ذم الله تعالى من قست قلوبهم، ولم يتضرعوا عند حلول بأسه وانتقامه، فقال تعالى:: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٤٣] . وذم تعالى من ليس فيهم بقية ينهون عن الفساد في الأرض، ويأخذون على أيدي السفهاء، فقال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود آية: ١١٦] . يخبر تعالى أنهم اتبعوا الشهوات، وآثروا اللذات، فكانوا من جملة المجرمين. وقال تعالى:: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [سورة يونس آية: ٩٨] . فدلت هذه الآية على أن

стр. 6474

الإيمان والعمل الصالح يكشف العذاب عند نزوله، ويمنع به المؤمن حينا من الدهر. وقد أمدكم الله بنعمه، وعمر بلدكم ومساكنكم بالإسلام، والسمع والطاعة، فاحذروا الرجوع على أعقابكم، وتبديل النعمة، قال تعالى:: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١١] . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سورة سبأ آية: ١٥ –١٩] . فتدبروا ما في هذه الآيات الكريمات، التي هي من أوضح الواضحات، وأبين الحجج والبينات، وتفطنوا فيما ذكر من الإعراض عن الشكر، وما اقتضاه من العقوبة والعذاب، وفقنا الله وإياكم لتدبر القول وحسن العمل والختام، وصلى الله على محمد.

стр. 6475

[رسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى شيخ المدرسين بحرم الرسول لما شاع في البلاد من الفساد] وله أيضا، جعل الله له لسان صدق في الآخرين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وجعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يجددون ما اندرس من أعلام الملة والدين تجديدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأكبره تكبيرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الذين آمنوا به، وعزروه ونصروه، وسلم تسليما كثيرا. إلى جناب المفضل، والشيخ المبجل، شيخ المدرسين والمتصدرين بحرم الرسول، ومن لديه من العلماء الأفاضل الفحول، بعد إهداء السلام والتحية، لأنصار الملة الحنيفية، وحماة الشرعة المحمدية، صدرت هذه الرسالة، وسودت هذه العجالة. لما شاع في البلاد العربية، اليمنية منها والعراقية، التهامية والنجدية، وما دهم الإسلام وعراه، وأناخ بحرمه وحماه، من الخطب العظيم، والهول الجسيم، والكفر الواضح المستبين، والأمر بهدم أظهر شعار الملة والدين، وأن لا ينادى بالصلوات الخمس في أوقاتها بالتأذين.

стр. 6476

والأمر بهتك ستر حرم المسلمين، وكشف وجوههن للفجرة والفاسقين، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا، وتطير قلوب أهل الإسلام إعظاما لشناعته وكفره وردا، كيف تهدم قواعد الملة والإسلام، وتظهر شعار الكفر وعبادة الأصنام، وترفع راياتها بين الأنام بالحرم والبلدة الحرام؟!. : فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود آية: ١١٦] . أما في الزوايا خبايا؟ أما للعلم والرجال بقايا؟. وقد قال ﷺ لعدي بن حاتم، لما وفد عليه بعد أن فر إلى الشام هاربا: ما يفرك؟ أتفر أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ ١ فتعسا لها من حادثة وقضية، جاءت بهدم الإيمان والأركان الإسلامية، وقلع القواعد النبوية. يكاد لهذا المستجن بطيبة ... ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم وقد بلغنا عنكم ما يسر به نفوس المسلمين، من رد ذلك الإفك المبين، والواجب علينا وعليكم أعظم من ذلك، من الجد والاجتهاد في رفع أعلام أوضح الشرائع والمسالك. وقد تواترت عندنا - بحمد الله - الأخبار عن كافة العرب، من جميع الأقطار، بإنكار ذلك ورده، والحكم بأنه

стр. 6477

من أظهر شعار الكفار، ومن فعله وجب معاجلته بالحرب والدمار، والكل منهم يعاهد على أنه السابق في تلك الحلبة والمضمار. فاستعينوا بالله واصبروا، واعلموا أن أنصاركم ومددكم جميع أهل الإسلام، وذوو البصائر من أهل النخوة والإقدام. فإياكم إياكم والمداهنة، والتساهل في الجهاد والإنكار، فتزل قدم بعد ثبوتها وتهوي إلى الدرك الأسفل من النار. كفى حزنا بالدين أن حماته ... إذا خذلوه قل لنا كيف ينصر قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين َوَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٧-٥٨] . فتدبروا هذه الآية الكريمة، وتفطنوا لما دلت عليه أداة الشرط، من نفي الإيمان عمن ترك التقوى، ولم يأتمر بما أمر به، ولم ينته عما نهي عنه، من موالاة أهل الكفر والردي، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما هو متقرر عند أهل العلم والهدى. ونحن نعلم أن الله سينصر دينه، ويعلي كلمته، وأنه لا يصلح عمل المفسدين؛ ولكن نحب لكم الاعتصام بحبل الله، والدخول في جملة أنصاره،: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ

стр. 6478

عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٢٦] . صلى الله عليه وسلموالمعهود عن الدولة العثمانية، من عهد السلطان سليم ابن السلطان بايزيد، من وقت ولايتهم على الحرمين الشريفين، من أوائل القرن العاشر إلى وقتنا، وأوائل عصرنا، هو: المبالغة في تعظيم الحرمين الشريفين، زادهما الله تشريفا وتكريما وتعظيما. فلعل هذه الحوادث، عن بعض النواب والوزراء، الذين لا خبرة لهم بسبيل الرشد والهدى، ولا علم لهم بأسباب السعادة والشقاء، وصلى الله على إمام المتقين، وعلى آله وصحبه والتابعين. [رسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى عبد الرحمن الألوسي يحذره من أهل الشرك] وله أيضا رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى ذي الجناب المكرم، والفضل الباذخ المقدم، السيد عبد الرحمن الألوسي، سلك الله به سبل الاستقامة، وزينه بحلل التوفيق والكرامة، ورفعه إلى رتب السيادة والإمامة، سلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته. أما بعد: فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، كثير الخير، دائم المعروف على ما أولاه، من سوابغ نعمه، الباطنة والظاهرة، وما ألبسه من ملابس كرامته السنية الفاخرة، التي أعظمها وأجلها على الإطلاق، هدايته لدينه

стр. 6479

الذي ارتضى لنفسه، واختص به أولياءه، وخاصة أهل كرامته وقدسه. مع أنه قد اطرد القياس بفساد أكثر الناس، وتركهم من الإسلام أصله الأعظم والأساس، وكثر الاشتباه في أبواب الدين والالتباس؛ وجمهورهم عكس القضية، في مسمى الملة الإسلامية، ولم يميزوا بينها وبين الملة القرشية، والسنة الجاهلية، فهم كما وصفهم الله تعالى، بقوله:: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان آية: ٤٤] . وكتابك الكريم وصل إلينا، وحسن موقعه لدينا، لما بلغنا عنك من إظهار الإسلام والسنة، وعيب أهل الشرك والبدعة، وطعنك على الدعاة إلى الضلال، وعيبهم بما يبدونه من سوء العمل، وشنيع المقال؛ وأن الله قمعهم بك، وقواك عليهم فأذلهم وأهانهم. فأبشر بثواب ذلك، واعتد به من أفضل أعمالك، وحسناتك، وفي الحديث: من أحيا شيئا من سنتي، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وضم بين أصبعيه وفي الأثر: إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا لله يذب عنها، وينطق بعلاماتها، فاغتنم ذلك، وكن من صالح أهله. واحرص: أن يكون لك في ذلك جماعة وتلامذة، يقومون مقامك إن حدث بك حدث، فيكونوا أئمة بعدك،

стр. 6480

ويجري لك مثل أجورهم إلى يوم القيامة، كما صح به الخبر فاعمل على بصيرة. وسر إلى الله بصلاح القصد والسريرة، وإياك أن يكون لك من أهل الشرك، الذين يعبدون الأولياء والصالحين، جليس أو صديق، فقد جاء الأثر: من جالس صاحب بدعة، نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه. ومن مشى إلى صاحب بدعة، مشى في هدم الإسلام، وهذا في بدع لا تخرج عن الملة، فكيف بالشرك الذي يتضمن العدل والتسوية برب العالمين؟!. بل يتضمن مسبته تعالى وتقدس، فسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. هذا وشيخنا الوالد المكرم، والإمام الفاضل المقدم، يبلغانك السلام، والسلام على من لديك من الإخوان في الله، المحبين لجلاله، ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →